الرئيسيةبحث

الفتاوى الكبرى/كتاب الصلاة/17

فصل

وأما السنة بعد الجمعة فقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ [ أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين ] كما ثبت عنه في الصحيحين [ أنه كان يصلي قبل الفجر ركعتين: وبعد الظهر ركعتين وبعد المغرب ركعتين وبعد العشاء ركعتين ]

وأما الظهر ففي حديث ابن عمر: [ أنه كان يصلي قبلها ركعتين ] وفي الصحيحين عن عائشة: [ أنه كان يصلي قبلها أربعا ]

وفي الصحيح عن أم حبيبة أن النبي ﷺ قال: [ من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة تطوعا غير فريضة بنى الله له بيتا في الجنة ] وجاء مفسرا في السنن: [ أربعا قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء

وركعتين قبل الفجر ] فهذه هي السنن الراتبة التي ثبتت في الصحيح عن النبي ﷺ بقوله وفعله مدارها على هذه الأحاديث الثلاثة: حديث ابن عمر وعائشة وأم حبيبة

وكان النبي ﷺ يقوم بالليل: إما إحدى عشرة ركعة وإما ثلاث عشرة ركعة فكان مجموع صلاته بالليل والنهار فرضه ونفله نحوا من أربعين ركعة

والناس في هذه السنن الرواتب ثلاثة أقوال:

منهم من لا يوقت في ذلك شيئا كقول مالك فإنه لا يرى سنة إلا الوتر وركعتي الفجر وكان يقول إنما يوقت أهل العراق

ومنهم من يقدر في ذلك أشياء بأحاديث ضعيفة بل باطلة كما يوجد في مذاهب أهل العراق وبعض من وافقهم من أصحاب الشافعي وأحمد فإن هؤلاء يوجد في كتبهم من الصلوات المقدرة والأحاديث في ذلك ما يعلم أهل المعرفة بالسنة أنه مكذوب على النبي ﷺ كمن روى عنه ﷺ: أنه صلى قبل العصر أربعا أو أنه قضى سنة العصر أو أنه صلى قبل الظهر ستا أو بعدها أربعا أو أنه كان يحافظ على الضحى وأمثال ذلك من الأحاديث المكذوبة على النبي ﷺ

وأشد من ذلك ما يذكره بعض المصنفين في الرقائق والفضائل في الصلوات الأسبوعية والحولية: كصلاة يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة والسبت المذكورة في كتاب أبي طالب وأبي حامد وعبد القادر وغيرهم وكصلاة الألفية التي في أول رجب ونصف شعبان والصلاة الاثني عشرية التي في أول ليلة جمعة من رجب والصلاة التي في ليلة سبع وعشرين من رجب وصلوات أخر تذكر في الأشهر الثلاثة وصلاة ليلتي العيدين وصلاة يوم عاشوراء وأمثال ذلك من الصلوات المروية عن النبي ﷺ مع اتفاق أهل المعرفة بحديثه أن ذلك كذب عليه ولكن بلغ ذلك أقواما من أهل العلم والدين فظنوه صحيحا فعملوا به وهم مأجورون على حسن قصدهم واجتهادهم لا على مخالفة السنة

وأما من تبينت له السنة فظن أن غيرها خير منها فهو ضال مبتدع بل كافر

والقول الوسط العدل هو ما وافق السنة الصحيحة الثابتة عنه ﷺ: وقد ثبت عنه أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين وفي صحيح مسلم عنه أنه قال: [ من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل بعدها أربعا ] وقد روي السبت عن طائفة من الصحابة جمعا بين هذا وهذا

والسنة أن يفصل بين الفرض والنفل في الجمعة وغيرها كما ثبت عنه في الصحيح [ أنه ﷺ نهى أن توصل صلاة بصلاة حتى يفصل بينهما بقيام أو كلام ] فلا يفعل ما يفعله كثير من الناس يصل السلام بركعتي السنة فإن هذا ركوب لنهي النبي ﷺ وفي هذا من الحكمة التمييز بين الفرض وغير الفرض كما يميز بين العبادة وغير العبادة

ولهذا استحب تعجيل الفطور وتأخير السحور والأكل يوم الفطر قبل الصلاة ونهي عن استقبال رمضان بيوم أو يومين فهذا كله للفصل بين المأمور به من الصيام وغير المأمور به والفصل بين العبادة وغيرها وهكذا تتميز الجمعة التي أوجبها الله من غيرها وأيضا فإن كثيرا من أهل البدع كالرافضة وغيرهم لا ينوون الجمعة بل ينوون الظهر ويظهرون أنهم سلموا وما سلموا فيصلون ظهرا ويظن الظان أنهم يصلون السنة فإذا حصل التمييز بين الفرض والنفل كان في هذا منع لهذه البدعة وهذا له نظائر كثيرة والله سبحانه أعلم

296 - 212 - مسألة: في رجل خرج إلى صلاة الجمعة وقد أقيمت الصلاة: فهل يجري إلى أن يأتي الصلاة أو يأتي هونا ولو فاتته؟

الجواب: الحمد لله إذا خشي فوت الجمعة فإنه يسرع حتى يدرك منها ركعة فأكثر وأما إذا كان يدركها مع المشي وعليه السكينة فهذا أفضل بل هو السنة والله أعلم

213 - 297 - مسألة: في الصلاة يوم الجمعة بالسجدة: هل تجب المداومة عليها أم لا؟

الجواب: الحمد لله ليست قراءة ( الم تنزيل ) التي فيها السجدة ولا غيرها من ذوات السجود واجبة في فجر الجمعة باتفاق الأئمة ومن اعتقد ذلك واجبا أو ذم من ترك ذلك فهو ضال مخطئ يجب عليه أن يتوب من ذلك باتفاق الأئمة وإنما تنازع العلماء في استحباب ذلك وكراهيته فعند مالك يكره أن يقرأ بالسجدة في الجهر والصحيح أنه لا يكره كقول أبي حنيفة والشافعي وأحمد لأنه قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه سجد في العشاء ب { إذا السماء انشقت } وثبت عنه في الصحيحين أنه كان يقرأ في الفجر يوم الجمعة { الم * تنزيل } و{ هل أتى } وعند مالك يكره أن يقصد سوره بعينها وأما الشافعي وأحمد فيستحبون ما جاءت به السنة مثل الجمعة والمنافقين في الجمعة والذاريات واقتربت في العيد والم تنزيل وهل أتى في فجر الجمعة

لكن هنا مسألتان نافعتان:

إحداهما: إنه لا يستحب أن يقرأ بسورة فيها سجدة أخرى باتفاق الأئمة فليس الاستحباب لأجل السجدة بل للسورتين والسجدة جاءت اتفاقا فإن هاتين السورتين فيهما ذكر ما يكون في يوم الجمعة من الخلق والبعث

الثانية: إنه لا ينبغي المداومة عليها بحيث يتوهم الجهال أنها واجبة وأن تاركها مسيء بل ينبغي تركها أحيانا لعدم وجوبها والله أعلم

298 - / 214 - سئل: عمن قرأ سورة السجدة يوم الجمعة: هل المطلوب السجدة فيجزئ بعض السورة والسجدة في غيرها؟ أم المطلوب السورة؟

الجواب: الحمد لله بل المقصود قراءة السورتين { الم * تنزيل } و: { هل أتى على الإنسان } لما فيهما من ذكر خلق آدم وقيام الساعة وما يتبع ذلك فإنه كان يوم الجمعة وليس المقصود السجدة فلو قصد الرجل قراءة سورة سجدة أخرى كره ذلك والنبي ﷺ يقرأ السورتين كلتاهما فالسنة قراءتهما بكمالهما ولا ينبغي المداومة على ذلك لئلا يظن الجاهل أن ذلك واجب بل يقرأ أحيانا غيرهما من القرآن والشافعي وأحمد اللذان يستحبان قراءتهما وأما مالك وأبو حنيفة فعندهما يكره قصد قراءتهما

215 - 299 - مسألة: فيمن أدرك ركعة من صلاة الجمعة ثم قام ليقضي ما عليه فهل يجهر بالقراءة أم لا؟

الجواب: بل يخافت بالقراءة ولا يجهر لأن المسبوق إذا قام يقضي فإنه منفرد فيما يقضيه حكمه حكم المنفرد وهو فيما يدركه في حكم المؤتم ولهذا يسجد المسبوق إذا سها فيما يقضيه وإذا كان كذلك فالمسبوق إنما يجهر فيما يجهر فيه المنفرد فمن كان من العلماء مذهبه أن يجهر المنفرد في العشائين والفجر فإنه يجهر إذا قضى الركعتين الأوليين ومن كان مذهبه أن المنفرد لا يجهر فإنه لا يجهر المسبوق عنده والجمعة لا يصليها أحد منفردا فلا يتصور أن يجهر فيها المنفرد والمسبوق كالمنفرد فلا يجهر لكنه مدرك للجمعة ضمنا وتبعا ولا يشترط في التابع ما يشترط في المتبوع ولهذا لا يشترط لما يقضيه المسبوق العدد ونحو ذلك

لكن مضت السنة أن من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة فهو مدرك للجمعة كمن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس ومن أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فإنه مدرك وإن كانت بقية الصلاة فعلت خارج الوقت والله أعلم

216 - 300 - مسألة: في صلاة الجمعة في جامع القلعة: هل هي جائزة مع أن في البلد خطبة أخرى مع وجود سورها وغلق أبوابها - أم لا؟

الجواب: نعم، يجوز أن يصلي فيها جمعة لأنها مدينة أخرى كمصر والقاهرة ولو لم تكن كمدينة أخرى فإقامة الجمعة في المدينة الكبيرة في موضعين للحاجة يجوز عند أكثر العلماء ولهذا لما بنيت بغداد ولها جانبان أقاموا فيها جمعة في الجانب الشرقي وجمعة في الجانب الغربي وجوز ذلك أكثر العلماء وشبهوا ذلك بأن النبي ﷺ في مدينته إلا في موضع يخرج بالمسلمين فيصلي العيد بالصحراء وكذلك كان الأمر في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان فلما تولى علي بن أبي طالب وصار بالكوفة وكان الخلق بها كثيرا قالوا: يا أمير المؤمنين ! إن بالمدينة شيوخا وضعفاء يشق عليهم الخروج إلى الصحراء فاستخلف علي بن أبي طالب رجلا يصلي بالناس العيد في المسجد وهو يصلي بالناس خارج الصحراء ولم يكن هذا يفعل قبل ذلك وعلي من الخلفاء الراشدين وقد قال النبي ﷺ: [ عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ] فمن تمسك بسنة الخلفاء الراشدين فقد أطاع الله ورسوله والحاجة في هذه البلاد وفي هذه الأوقات تدعو إلى أكثر من جمعة إذ ليس للناس جامع واحد يسعهم ولا يمكنهم جمعة واحدة إلا بمشقة عظيمة

وهنا وجه ثالث: وهو أن يجعل القلعة كأنها قرية خارج المدينة والذي عليه الجمهور كمالك والشافعي وأحمد أن الجمعة تقام في القرى لأن في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: أول جمعة جمعت في الإسلام بعد جمعة المدينة جمعة بجواثى قرية من قرى البحرين وكان ذلك على عهد رسول الله ﷺ حين قدم عليه وفد عبد القيس وكذلك كتب عمر بن الخطاب إلى المسلمين يأمرهم بالجمعة حيث كانوا وكان عبد الله بن عمر يمر بالمياه التي بين مكة والمدينة وهم يقيمون الجمعة فلا ينكر عليهم

وأما قول علي رضي الله عنه: لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع فلو لم يكن له مخالف لجاز أن يراد به أن كل قرية مصر جامع كما أن المصر الجامع يسمى قرية وقد سمى الله مكة قرية بل سماها أم القرى بل وما هو أكبر من مكة كما في قوله: { وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم } وسمى مصر القديمة قرية بقوله: { واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها } ومثله في القرآن كثير والله أعلم

217 - 301 - مسألة: في رجلين اختلفا في الصلاة في جامع بني أمية هل هي بتسعين صلاة كما زعموا أم لا؟ ذكروا أن فيه ثلاثمائة نبي مدفونين فهل ذلك صحيح أم لا؟ وقد ذكروا أن النائم بالشام كالقائم بالليل بالعراق وذكروا أن الصائم المتطوع بالعراق كالمفطر بالشام وقد ذكروا أن الله خلق البركة أحد وسبعين جزأ منها جزء واحد بالعراق وسبعون بالشام فهل هذا صحيح أم لا؟

الجواب: الحمد لله لم يرد في جامع دمشق في حديث عن النبي ﷺ بتضعيف الصلاة فيه ولكن هو من أكثر المساجد ذكرا لله تعالى ولم يثبت أن عدد الأنبياء المذكورين

وأما القائم بالشام أو غيره فالأعمال بالنيات فإن المقيم فيه بنية صالحة فإنه يثاب على ذلك وكل مكان يكون فيه العبد أطوع لله فمقامه فيه أفضل وقد جاء في فضل الشام وأهله أحاديث صحيحة ودل القرآن على أن البركة في أربع مواضع ولا ريب أن ظهور الإسلام وأعوانه فيه بالقلب واليد واللسان أقوى منه في غيره وفيه هن ظهور الإيمان وقمع الكفر والنفاق ما لا يوجد في غيره

وأما ما ذكر من حديث الفطر والصيام وأن البركة أحد وسبعون جزءا بالشام والعراق على ما ذكر فهذا لم نسمعه من أحد من أهل العلم والله أعلم

218 - 302 - مسألة: في رجلين تنازعا في العيد إذا وافق الجمعة فقال أحدهما: يجب أن يصلي العيد ولا يصلي الجمعة وقال الآخر: يصليها فما الصواب في ذلك؟

الجواب: الحمد لله إذا اجتمع الجمعة والعيد في يوم واحد فللعلماء في ذلك ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه تجب الجمعة على من شهد العيد كما تجب سائر الجمع للعمومات الدالة على وجوب الجمعة

والثاني: تسقط عن أهل البر مثل أهل العوالي والشواذ لأن عثمان بن عفان أرخص لهم في ترك الجمعة لما صلى بهم العيد

والقول الثالث: وهو الصحيح أن من شهد العيد سقطت عنه الجمعة لكن على الإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها ومن لم يشهد العيد وهذا هو المأثور عن النبي ﷺ وأصحابه: كعمر وعثمان وابن مسعود وابن عباس وابن الزبير وغيرهم ولا يعرف عن الصحابة في ذلك خلاف

وأصحاب القولين المتقدمين لم يبلغهم ما في ذلك من السنة عن النبي ﷺ لما اجتمع في يومه عيدان صلى العيد ثم رخص في الجمعة وفي لفظ أنه قال: [ أيها الناس ! إنكم قد أصبتم خيرا فمن شاء أن يشهد الجمعة فليشهد فإنا مجمعون ]

وأيضا فإنه إذا شهد العيد حصل مقصود الاجتماع ثم إنه يصلي الظهر إذا لم يشهد الجمعة فتكون الظهر في وقتها والعيد يحصل مقصود الجمعة وفي إيجابها على الناس تضييق عليهم وتكدير لمقصود عيدهم وما سن لهم من السرور فيه والانبساط

فإذا حبسوا عن ذلك عاد العيد على مقصوده بالابطال ولأن يوم الجمعة عيد ويوم الفطر والنحر عيد ومن شأن الشارع إذا اجتمع عبادتان من جنس واحد أدخل إحداهما في الأخرى كما يدخل الوضوء في الغسل وأحد الغسلين في الآخر والله أعلم

219 - 303 - مسألة: في رجل قال: إذا جاء يوم الجمعة يوم العيد وصلى العيد إن اشتهى أن يصلي الجمعة وإلا فلا فهل هو فيما قال مصيب أم مخطئ؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إذا أجتمع يوم الجمعة ويوم العيد ففيها ثلاثة أقوال للفقهاء:

أحدها: أن الجمعة على من صلى العيد ومن لم يصله كقول مالك وغيره

والثاني: أن الجمعة سقطت عن السواد الخارج عن المصر كما يروى ذلك عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه صلى العيد ثم أذن لأهل القرى في ترك الجمعة واتبع ذلك الشافعي

والثالث: أن من صلى العيد سقطت عنه الجمعة لكن ينبغي للإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من أحب كما في السنن عن النبي ﷺ: أنه اجتمع في عهده عيدان فصلى العيد ثم رخص في الجمعة

وفي لفظ أنه صلى العيد وخطب الناس فقال: [ أيها الناس إنكم قد أصبتم خيرا فمن شاء منكم أن يشهد الجمعة فليشهد فإنا مجمعون ] وهذا الحديث روي في السنن من وجهين أنه صلى العيد ثم خير الناس في شهود الجمعة وفي السنن حديث ثالث في ذلك أن ابن الزبير كان على عهده عيدان فجمعهما أول النهار ثم لم يصل إلا العصر وذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فعل ذلك وذكر ذلك لابن عباس - رضي الله عنه - فقال: قد أصاب السنة

وهذا المنقول هو الثابت عن رسول الله ﷺ وخلفائه وأصحابه وهو قول من بلغه من الأئمة كأحمد وغيره والذين خالفوه لم يبلغهم ما في ذلك من السنن والآثار والله أعلم

220 - 304 - مسألة: في خطبة بين صلاتين كلاهما فرض لوقتها في ساعة مشكلة العين واعتبار الشرط فيها كما في غيرها من هيئة الدين كالظهر والسنن والوقت والقبلة أيضا بالتأذين

الجواب: الحمد لله هذه المسألة قد تنزل على عدة مسائل بعضها متفق عليه وبعضها متنازع فيه:

منها إذا اجتمع عيد وجمعة فمن قال: إن العيد فرض يقول: إن خطبة الجمعة هي خطبة بين صلاتين كلاهما فرض بخلاف خطبة العيد فإنه يقول ليست فرضا

وإما أن تنزل على ما إذا اعتقد جمعتان في موضع لا تصح فيه جمعتان فإنه تصح الأولى وتبطل الثانية إذا كانا بإذن الإمام فإن أشكل عين السابقة بطلتا جميعا وصلوا ظهرا فالخطبة التي قبل الثانية خطبة بين صلاتين كلاهما فرض إذا كان الإمام قد أذن في كل منهما واعتقدوا أن الجمعة لا تقام عندهم وكلاهما يعتقد أن جمعته فرض

ويمكن أن يريد السائل الفجر والجمعة فإن الفجر فرض في وقتها والجمعة فرض لوقتها وبينهما خطبة هي خطبة الجمعة

ومنها خطب الحج: فإن خطبة عرفة تكون بين الصلاة بعرفة وبين صلاة المغرب فكلاهما فرض والخطبة يوم النحر: تكون بين الفجر والظهر فكلاهما فرض

221 - 305 - مسألة: هل قراءة الكهف بعد عصر الجمعة جاء فيه حديث أم لا؟

الجواب: الحمد لله قراءة سورة الكهف يوم الجمعة فيها آثار ذكرها أهل الحديث والفقه لكن هي مطلقة يوم الجمعة ما سمعت أنها مختصة بعد العصر والله أعلم

222 - 306 - مسألة: عن فرش السجادة في الروضة الشريفة هل يجوز أم لا؟

أجاب: ليس لأحد أن يفرش شيئا ويختص به مع غيبته ويمنع به غيره هذا غصب لتلك البقعة ومنع للمسلمين مما أمر الله تعالى به من الصلاة

والسنة أن يتقدم الرجل بنفسه وأما من يتقدم بسجادة فهو ظالم ينهى عنه ويجب رفع تلك السجاجيد ويمكن الناس من مكانها

هذا مع أن أصل الفرش بدعة لا سيما في مسجد النبي ﷺ فإن رسول الله ﷺ وأصحابه كانوا يصلون على الأرض والخمرة التي كان يصلي عليها رسول الله ﷺ صغيرة ليست بقدر السجادة

قلت فقد نقل ابن حزم في المحلى عن عطاء بن أبي رباح: أنه لا يجوز الصلاة في مسجد إلا على الأرض ولما قدم عبد الرحمن بن مهدي من العراق وفرش في المسجد أمر مالك بن أنس بحبسه تعزيرا له حتى روجع في ذلك فذكر أن فعل هذا في مثل هذا المسجد بدعة يؤدب صاحبها

وعلى الناس الإنكار على من يفعل ذلك والمنع منه لا سيما ولاة الأمر الذين لهم هنالك ولاية على المسجد فإنه يتعين عليهم رفع هذه السجاجيد ولو عوقب أصحابه بالصدقة بها لكان هذا مما يسوغ في الاجتهاد انتهى

223 - 307 - سئل: عن قول المؤذن يوم الجمعة وقت دخول الإمام المسجد: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وسلم ورضي الله عنها أصحاب رسول الله أجمعين وفي دعاء الإمام بعد صعوده على المنبر وفي قول المؤذن بعد الأذان الثاني: عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ: إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت أذلك مسنون أو مستحب أو مكروه في صلاة الجمعة؟

فأجاب: الحمد لله ليس هذا من سنة رسول الله ﷺ ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين العلماء لكن تبليغ الحديث فعله من فعله لأمر الناس بالانصات وهو من نوع الخطبة

وأما دعاء الإمام بعد صعوده ورفع المؤذنين أصواتهم بالصلاة فهذا لم يذكره العلماء وإنما يفعله من يفعله بلا أصل شرعي

وأما رفع المؤذنين أصواتهم وقت الخطبة بالصلاة وغيرها فهذا مكروه باتفاق الأئمة

308 - 224 - مسألة: في رجل مؤذن يقول عند دخول الخطيب إلى الجامع: إن الله وملائكته يصلون على النبي فقال رجل: هذا بدعة فما يجب عليه؟

الجواب: جهر المؤذن بذلك كجهره بالصلاة والترضي عند رقي الخطيب المنبر أو جهره بالدعاء للخطيب والإمام ونحو ذلك: لم يكن على عهد رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين ولا استحبه أحد من الأئمة

وأشد من ذلك الجهر بنحو ذلك في الخطبة وكل ذلك بدعة والله أعلم

225 - 309 - مسألة: هل يتعين قراءة بعينها في صلاة العيدين؟ وما يقول الإنسان بين كل تكبيرتين؟

الجواب: الحمد لله مهما قرأ به جاز كما تجوز القراءة في نحوها من الصلوات لكن إذا قرأ بقاف واقتربت أو نحو ذلك مما جاء في الأثر كان حسنا

وأما بين التكبيرات: فإنه يحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي ﷺ ويدعو بما شاء هكذا روى نحو هذا العلماء عن عبد الله بن مسعود وإن قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر اللهم صل على محمد وعلى آل محمد اللهم اغفر لي وارحمني كان حسنا وكذلك إن قال: الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا ونحو ذلك وليس في ذلك شيء مؤقت عن النبي ﷺ والصحابة والله أعلم

226 - 310 سئل: عن صفة التكبير في العيدين ومتى وقته؟

الجواب: الحمد لله أصح الأقوال في التكبير الذي عليه جمهور السلف والفقهاء من الصحابة والأئمة: أن يكبر من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق عقب كل صلاة ويشرع لكل أحد أن يجهر بالتكبير عند الخروج إلى العيد وهذا باتفاق الأئمة الأربعة وصفة التكبير المنقول عند أكثر الصحابة: قد روي مرفوعا إلى النبي ﷺ: [ الله أكبر الله أكبر لا إله إل الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد ] وإن قال الله أكبر ثلاثا جاز ومن الفقهاء من يكبر ثلاثا فقط ومنهم من يكبر ثلاثا ويقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير

وأما التكبير في الصلاة فيكبر المأموم تبعا للإمام وأكثر الصحابة رضي الله عنهم والأئمة يكبرون سبعا في الأولى وخمسا في الثانية

وإن شاء أن يقول بين التكبيرتين: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر اللهم اغفر لي وارحمني كان حسنا كما جاء ذلك عن بعض السلف والله أعلم

227 - 311 - مسألة: هل التكبير يجب في عيد الفطر أكثر من عيد الأضحى؟ بينوا لنا مأجورين

الجواب: أما التكبير فإنه مشروع في عيد الأضحى بالاتفاق وكذلك هو مشروع في عيد الفطر: عند مالك والشافعي وأحمد وذكر ذلك الطحاوي مذهبا لأبي حنيفة وأصحابه والمشهور عنهم خلافه لكن التكبير فيه هو المأثور عن الصحابة رضوان الله عليهم والتكبير فيه أوكد من جهة أن الله أمر به بقوله: { ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون }

والتكبير فيه: أوله من رؤية الهلال وآخره انقضاء العيد وهو فراغ الإمام من الخطبة على الصحيح

وأما التكبير في النحر فهو أوكد من جهة أنه يشرع أدبار الصلوات وأنه متفق عليه وأن عيد النحر يجتمع فيه المكان والزمان وعيد النحر أفضل من عيد الفطر ولهذا كانت العبادة فيه النحر مع الصلاة والعبادة في ذاك الصدقة مع الصلاة والنحر أفضل من الصدقة لأنه يجتمع فيه العبادتان البدنية والمالية فالذبح عبادة بدنية ومالية والصدقة والهدية عبادة مالية ولأن الصدقة في الفطر تابعة للصوم لأن النبي ﷺ فرضها طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين ولهذا سن أن تخرج قبل الصلاة كما قال تعالى: { قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى } وأما النسك فإنه مشروع في اليوم نفسه عبادة مستقلة ولهذا يشرع بعد الصلاة كما قال تعالى: { فصل لربك وانحر * إن شانئك هو الأبتر }

فصلاة الناس في الأمصار بمنزلة رمي الحجاج جمرة العقبة وذبحهم في الأمصار بمنزلة ذبح الحجاج هديهم

وفي الحديث الذي في السنن: [ أفضل الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القسر ] وفي الحديث الآخر الذي في السنن وقد صححه الترمذي [ يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب وذكر لله ] ولهذا كان الصحيح من أقوال العلماء أن أهل الأمصار يكبرون من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق لهذا الحديث ولحديث آخر رواه الدارقطني عن جابر عن النبي ﷺ ولأنه إجماع من أكابر الصحابة والله أعلم

228 - 312 - سئل: هل التهنئة في العيد وما يجري على ألسنة الناس: عيدك مبارك وما أشبهه هل له أصل في الشريعة؟ أم لا؟ وإذا كان له أصل في الشريعة فما الذي يقال؟ أفتونا مأجورين

الجواب: أما التهنئة يوم العيد يقول بعضهم لبعض إذا لقيه بعد صلاة العيد: تقبل الله منا ومنكم وأحاله الله عليك ونحو ذلك فهذا قد روي عن طائفة من الصحابة أنهم كانوا يفعلونه ورخص فيه الأئمة كأحمد وغيره

لكن قال أحمد: أنا لا أبتدئ أحدا فإن ابتدأني أحد أجبته وذلك لأن جواب التحية واجب وأما الابتداء بالتهنئة فليس سنة مأمورا بها ولا هو أيضا ما نهى عنه فمن فعله فله قدوة ومن تركه فله قدوة والله أعلم

الفتاوى الكبرى لابن تيمية
كتاب السنة والبدعة: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الطهارة: | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | كتاب الصلاة: | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | كتاب الذكر والدعاء | 1 | 2 | 3 | 4 | كتاب الصيام: 1 | 2 | 3 | كتاب الجنائز: 1 | 2 | 3 | 4 | كتاب النكاح: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الطلاق: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | | كتاب النفقات | كتاب الحدود: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الجهاد: 1 | 2 | كتاب البيوع: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الشهادة والأقضية والأموال: 1 | 2 | كتاب الوقف: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | كتاب الوصايا | كتاب الفرائض | كتاب الفضائل: 1 | 2 | كتاب الملاهي | مسائل منثورة: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | كتاب الطهارة2 | كتاب الصلاة2: 1 | 2 | كتاب الجنائز2 | كتاب الزكاة2 | كتاب الصوم2 | كتاب الحج | كتاب البيع: 1 | 2 | كتاب الوصية | كتاب الفرائض | كتاب العتق | كتاب النكاح2: 1 | 2 | كتاب الخلع | كتاب الطلاق2 | كتاب الرجعة | كتاب الظهار | كتاب الجنايات | كتاب الأطعمة | كتاب الأيمان | باب القضاء | كتاب إقامة الدليل على إبطال التحليل | كتاب في الرد على الطوائف الملحدة والزنادقة والجهمية والمعتزلة والرافضة: 1 |2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16