الرئيسيةبحث

الفتاوى الكبرى/كتاب الصلاة/13

140 - 224 - مسألة: في الرجل إذا تلي عليه القرآن فيه سجدة سجد على غير وضوء فهل يأثم؟ أو يكفر أو تطلق عليه زوجته؟

الجواب: لا يكفر ولا تطلق عليه زوجته ولكن يأثم عند أكثر العلماء ولكن ذكر بعض أصحاب أبي حنيفة أن من صلى بلا وضوء فيما تشترط له الطهارة بالإجماع كالصلوات الخمس أنه يكفر بذلك وإذا كفر كان مرتدا والمرتد عند أبي حنيفة تبين منه زوجته ولكن تكفير هذا ليس منقولا عن أبي حنيفة نفسه ولا عن صاحبيه وإنما هو عن اتباعه وجمهور العلماء على أنه يعزر ولا يكفر إلا إذا استحل ذلك واستهزأ بالصلاة

وأما سجدة التلاوة: فمن العلماء من ذهب إلى أنها تجوز بغير طهارة وما تنازع العلماء في جوازه لا يكفر فاعله بالاتفاق وجمهور العلماء على أن المرتد لا تبين منه زوجته إلا إذا انقضت عدتها ولم يرجع إلى الإسلام والله أعلم

225 - / 141 - مسألة: في دعاء الإستخارة هل يدعو به في الصلاة؟ أم بعد السلام؟

الجواب: يجوز الدعاء في صلاة الاستخارة وغيرها: قبل السلام وبعده والدعاء قبل السلام أفضل فإن النبي ﷺ أكثر دعائه كان قبل السلام والمصلي قبل السلام لم ينصرف فهذا أحسن والله تعالى أعلم

226 - / 142 - مسألة: فيمن رأى رجلا يتنفل في وقت نهي فقال: نهى النبي ﷺ عن الصلاة في هذا الوقت وذكر له الحديث الوارد في الكراهة فقال هذا: لا أسمعه وأصلي كيف شئت فما الذي يجب عليه؟

الجواب: الحمد لله أما التطوع الذي لا سبب له: فهو منهي عنه بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس باتفاق الأئمة وكان عمر بن الخطاب يضرب من يصلي بعد العصر فمن فعل ذلك فإنه يعزر اتباعا لما سنه عمر بن الخطاب أحد الخلفاء الراشدين إذ قد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ بالنهي عن ذلك

وأما ماله سبب: كتحية المسجد وصلاة الكسوف فهذا فيه نزاع وتأويل: فإن كان يصلي صلاة يسوغ فيها الاجتهاد لم يعاقب

وأما رده الأحاديث بلا حجة وشتم الناهي وقوله للناهي: أصلي كيف شئت فإنه يعزر على ذلك إذ الرجل عليه أن يصلي كما يشرع له لا كما يشاء هو والله أعلم

143 - 227 - مسألة: في الرجل إذا دخل المسجد في وقت النهي: هل يجوز أن يصلي تحية المسجد؟

الجواب: الحمد لله هذه المسألة فيها قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد:

أحدهما: وهو قول أبي حنيفة ومالك: أنه لا يصليها

والثاني: وهو قول الشافعي أنه يصليها وهذا أظهر فإن النبي ﷺ قال: [ إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين ] وهذا أمر يعم جميع الأوقات ولم يعلم أنه خص منه صورة من الصور: وأما نهيه عن الصلاة بعد طلوع الفجر وبعد غروبها فقد خص منه صور متعددة منها قضاء الفوائت ومنها ركعتا الطواف ومنها المعادة مع إمام الحي وغير ذلك والعام المحفوظ مقدم على العام المخصوص

وأيضا: فإن الصلاة وقت الخطبة منهي عنها كالنهي في هذين الوقتين أو أوكد ثم قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: [ إذا دخل أحدكم المسجد والخطيب على المنبر فلا يجلس حتى يصلي ركعتين ] فإذا كان قد أمر بالتحية في هذا الوقت وهو وقت نهي فكذلك الوقت الآخر بطريق الأولى ولم يختلف قول أحمد في هذا لمجيء السنة الصحيحة به بخلاف أبي حنيفة ومالك فإن مذهبهما في الموضعين النهي فإنه لم تبلغهما هذه السنة الصحيحة والله أعلم

228 - 144 - مسألة: في تحية المسجد هل تفعل في أوقات النهي؟ أم لا؟

الجواب: قال النبي ﷺ: [ إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين ] فإذا دخل وقت نهي فهل يصلي؟ على قولين للعلماء لكن أظهرهما أنه يصلي فإن نهي النبي ﷺ عن الصلاة بعد الفجر وبعد العصر قد خص من صور كثيرة وخص من نظيره وهو وقت الخطبة بأن النبي ﷺ قال: [ إذا دخل أحدكم المسجد والإمام يخطب فلا يجلس حتى يصلي ركعتين ] فإذا أمر بالتحية وقت الخطبة ففي هذه الأوقات أولى والله أعلم

229 - / 145 - مسألة: في رجل إذا توضأ قبل طلوع الشمس وقبل الغروب وقد صلى الفجر فهل يجوز له أن يصلي شكرا للوضوء؟

الجواب: هذا فيه نزاع والأشبه أن يفعل لحديث بلال

230 - / 146 - مسألة: في صلاة الجماعة هل هي فرض عين أم فرض كفاية أم سنة فإن كانت فرض عين وصلى وحده من غير عذر فهل تصح صلاته أم لا؟ وما أقوال العلماء في ذلك؟ وما حجة كل منهم؟ وما الراجح من أقوالهم؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين اتفق العلماء على أنها من أوكد العبادات وأجل الطاعات وأعظم شعائر الإسلام وعلى ما ثبت في فضلها النبي ﷺ حيث قال: [ تفضل صلاة الرجل في الجماعة على صلاته وحده بخمس وعشرين درجة ] هكذا في حديث أبي هريرة وأبي سعيد بخمس وعشرين ومن حديث ابن عمر بسبع وعشرين والثلاثة في الصحيح

وقد جمع بينهما: بأن حديث الخمس والعشرين ذكر فيه الفضل الذي بين صلاة المنفرد والصلاة في الجماعة والفضل خمس وعشرون وحديث السبعة والعشرين ذكر فيه صلاته منفردا وصلاته في الجماعة والفضل بينهما فصار المجموع سبعا وعشرين ومن ظن من المتنسكة أن صلاته وحده أفضل إما في خلوته وإما في غير خلوته فهو مخطئ ضال وأضل منه من لم ير الجماعة إلا خلاف الإمام المعصوم فعطل المساجد عن الجمع والجماعات التي أمر الله بها ورسوله وعمر المساجد بالبدع والضلالات التي نهى الله عنها ورسوله وصار مشابها لمن نهى عن عبادة الرحمن وأمر بعبادة الأوثان

فإن الله سبحانه شرع الصلاة وغيرها في المساجد كما قال تعالى: { ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها } وقال تعالى: { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } وقال تعالى: { قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد } وقال تعالى: { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله } إلى قوله: { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين } وقال تعالى: { في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال * رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله } الآية وقال تعالى: { وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا } وقال تعالى: { ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا }

وأما مشاهد القبور ونحوها: فقد اتفق أئمة المسلمين على أنه ليس من دين الإسلام أن تخص بصلاة أو دعاء أو غير ذلك ومن ظن أن الصلاة والدعاء والذكر فيها أفضل منه في المساجد فقد كفر بل قد تواترت السنن في النهي عن اتخاذها لذلك كما ثبت في الصحيحين أنه قال: [ لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ] يحذر ما فعلوا: قالت عائشة: [ ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا ] وفي الصحيحين أيضا أنه ذكر له كنيسة بأرض الحبشة وما فيها من الحسن والتصاوير فقال: [ أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك التصاوير أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة ] وثبت عنه في صحيح مسلم من حديث جندب أنه قال: قبل أن يموت بخمس: [ أن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ]

وفي المسند عنه أنه قال: [ أن من شرار الخلق من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد ] وفي موطأ مالك عنه أنه قال: [ اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ] وفي السنن عنه أنه قال: [ لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني ]

والمقصود هنا: أن أئمة المسلمين متفقون على أن إقامة الصلوات الخمس في المساجد هي من أعظم العبادات وأجل القربات ومن فضل تركها عليها إيثارا للخلوة والانفراد على الصلوات الخمس في الجماعات أو جعل الدعاء والصلاة في المشاهد أفضل من ذلك في المساجد فقد انخلع من ربقة الدين واتبع غير سبيل المؤمنين { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا }

ولكن تنازع العلماء بعد ذلك في كونها واجبة على الأعيان أو على الكفاية أو سنة مؤكدة على ثلاثة أقوال:

فقيل: هي سنة مؤكدة فقط وهذا هو المعروف عن أصحاب أبي حنيفة وأكثر أصحاب مالك وكثير من أصحاب الشافعي ويذكر رواية عن أحمد

وقيل: هي واجبة على الكفاية وهذا هو المرجح في مذهب الشافعي وقول بعض أصحاب مالك وقول في مذهب أحمد

وقيل: هي واجبة على الأعيان: وهذا هو المنصوص عن أحمد وغيره من أئمة السلف وفقهاء الحديث وغيرهم وهؤلاء تنازعوا فيما إذا صلى منفردا لغير عذر هل تصح صلاته؟ على قولين:

أحدهما: لا تصح وهو قول طائفة من قدماء أصحاب أحمد ذكره القاضي أبو يعلى في شرح المذهب عنهم وبعض متأخريهم كابن عقيل وهو قول طائفة من السلف واختاره ابن حزم وغيره

والثاني: تصح مع إثمه بالترك وهذا هو المأثور عن أحمد وقول أكثر أصحابه

والذين نفوا الوجوب احتجوا بتفضيل النبي ﷺ: صلاة الجماعة على صلاة الرجل وحده قالوا: ولو كانت واجبة لم تصح صلاة المنفرد ولم يكن هناك تفضيل وحملوا ما جاء من هم النبي ﷺ بالتحريق على من ترك الجمعة أو على المنافقين الذين كانوا يتخلفون عن الجماعة مع النفاق وأن تحريقهم كان لأجل النفاق لا لأجل ترك الجماعة مع الصلاة في البيوت

وأما الموجبون: فاحتجوا بالكتاب والسنة والآثار

أما الكتاب: فقوله تعالى: { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك } الآية وفيها دليلان:

أحدهما: أنه أمرهم بصلاة الجماعة معه في صلاة الخوف وذلك دليل على وجوبها حال الخوف وهو يدل بطريق الأولى على وجوبها حال الأمن

الثاني: أنه سن صلاة الخوف جماعة وسوغ فيها ما لا يجوز لغير عذر كاستدبار القبلة والعمل الكثير فإنه لا يجوز لغير عذر بالاتفاق وكذلك مفارقة الإمام قبل السلام عند الجمهور وكذلك التخلف عن متابعة الإمام كما يتأخر الصف المؤخر بعد ركوعه مع الإمام إذا كان العدو أمامهم قالوا: وهذه الأمور تبطل الصلاة لو فعلت لغير عذر فلو لم تكن الجماعة واجبة بل مستحبة لكان قد التزم فعل محظور مبطل للصلاة وتركت المتابعة الواجبة في الصلاة لأجل فعل مستحب مع أنه قد كان من الممكن أن يصلوا وحدانا صلاة تامة فعلم أنها واجبة

وأيضا فقول تعالى: { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين } إما أن يراد به المقارنة بالفعل وهي الصلاة جماعة وإما أن يراد به ما يراد بقوله: { وكونوا مع الصادقين } فإن أريد الثاني لم يكن فرق بين قوله: صلوا مع المصلين وصوموا مع الصائمين { واركعوا مع الراكعين } والسياق يدل على اختصاص الركوع بذلك

فإن قيل: فالصلاة كلها تفعل مع الجماعة قيل: خص الركوع بالذكر لأنه تدرك به الصلاة فمن أدرك الركعة فقد أدرك السجدة فأمر بما يدرك به الركعة كما قال لمريم: { اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين } فإنه لو قيل: اقنتي مع القانتين لدل على وجوب إدراك القيام ولو قيل: اسجدي لم يدل على وجوب إدراك الركوع بخلاف قوله: { واركعي مع الراكعين } فإنه يدل على الأمر بإدراك الركوع وما بعده دون ما قبله وهو المطلوب

وأما السنة: فالأحاديث المستفيضة في الباب: مثل حديث أبي هريرة المتفق عليه عنه ﷺ أنه قال: [ لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم انطلق إلى قوم لا يشهدون الصلاة: فأحرق عليهم بيوتهم بالنار ] فهم بتحريق من لم يشهد الصلاة وفي لفظ قال: [ أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ] الحديث

وفي المسند وغيره: [ لولا ما في البيوت من النساء والذرية لأمرت أن تقام الصلاة ] الحديث فبين أنه هم بتحريق البيوت على من لم يشهد الصلاة وبين أنه إنما منعه من ذلك من فيها من النساء والذرية فإنهم لا يجب عليهم شهود الصلاة وفي تحريق البيوت قتل من لا يجوز قتله وكان ذلك بمنزلة إقامة الحد على الحبلى وقد قال سبحانه وتعالى: { ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما }

ومن حمل ذلك على ترك شهود الجمعة فسياق الحديث يبين ضعف قوله حيث ذكر صلاة العشاء والفجر ثم أتبع ذلك بهمه بتحريق من لم يشهد الصلاة

وأما من حمل العقوبة على النفاق لا على ترك الصلاة فقوله ضعيف لأوجه:

أحدها: أن النبي ﷺ ما كان يقيل المنافقين إلا على الأمور الباطنة وإنما يعاقبهم على ما يظهر منهم من ترك واجب أو فعل محرم فلولا أن في ذلك ترك واجب لما حرقهم

الثاني: أنه رتب العقوبة على ترك شهود الصلاة فيجب ربط الحكم بالسبب الذي ذكره

الثالث: أنه سيأتي - إن شاء الله - حديث ابن أم مكتوم حيث استأذنه أن يصلي في بيته فلم يأذن له وابن أم مكتوم رجل مؤمن من خيار المؤمنين أثنى عليه القرآن وكان النبي ﷺ يستخلفه على المدينة وكان يؤذن للنبي ﷺ

الرابع: إن ذلك حجة على وجوبها أيضا: كما قد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن عبد الله بن مسعود أنه قال: [ من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليصل هذه الصلوات الخمس حيث ينادى بهن فإن الله شرع لنبيه سنن الهدى وإن هذه الصلوات الخمس في المساجد التي ينادى بهن من سنن الهدى وإنكم لو صليتم في بيوتكم كما صلى هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف ]

فقد أخبر عبد الله بن مسعود أنه لم يكن يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق وهذا دليل على استقرار وجوبها عند المؤمنين ولم يعلموا ذلك إلا من جهة النبي ﷺ إذ لو كانت عندهم مستحبة كقيام الليل والتطوعات التي مع الفرائض وصلاة الضحى ونحو ذلك كان منهم من يفعلها ومنهم من لا يفعلها مع إيمانه كما قال له الأعرابي: والله لا أزيد على ذلك ولا أنقص منه فقال: أفلح أن صدق ومعلوم أن كل أمر كان لا يتخلف عنه إلا منافق كان واجبا على الأعيان كخروجهم إلى غزوة تبوك فإن النبي ﷺ أمر به المسلمين جميعا لم يأذن لأحد في التخلف إلا من ذكر أن له عذرا فأذن له لأجل عذره ثم لما رجع كشف الله أسرار المنافقين وهتك أستارهم وبين أنهم تخلفوا لغير عذر والذين تخلفوا لغير عذر بالإيمان عوقبوا بالهجر حتى هجران نسائهم لهم حتى تاب الله عليهم

فإن قيل: فأنتم اليوم تحكمون بنفاق من تخلف عنها وتجوزون تحريق البيوت عليه إذا لم يكن فيها ذرية

قيل له: من الأفعال ما يكون واجبا ولكن تأويل المتأول يسقط الحد عنه وقد صار اليوم كثير ممن هو مؤمن لا يراها واجبة عليه فيتركها متأولا وفي زمن النبي ﷺ لم يكن لأحد تأويل لأن النبي ﷺ قد باشرهم بالإيجاب

وأيضا كما ثبت في الصحيح والسنن: [ أن أعمى استأذن النبي ﷺ أن يصلي في بيته فأذن له فلما ولى دعاه فقال: هل تسمع النداء؟ قال: نعم قال: فأجب ] فأمره بالإجابة إذا سمع النداء ولهذا أوجب أحمد الجماعة على من سمع النداء وفي لفظ في السنن [ أن ابن أم مكتوم قال يا رسول الله: إني رجل شاسع الدار وإن المدينة كثيرة الهوام ولي قائد لا يلائمني فهل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ فقال: هل تسمع النداء؟ قال: نعم قال: لا أجد لك رخصة ] وهذا نص في الإيجاب للجماعة مع كون الرجل مؤمنا

وأما احتجاجهم بتفضيل صلاة الرجل في الجماعة على صلاته وحده فعنه جوابان مبنيان على صحة صلاة المنفرد لغير عذر فمن صحح صلاته قال: الجماعة واجبة وليست شرطا في الصحة كالوقت فإنه لو أخر العصر إلى وقت الاصفرار كان آثما مع كون الصلاة صحيحة بل وكذلك لو أخرها إلى أن يبقى مقدار ركعة كما ثبت في الصحيح [ من أدرك ركعة من العصر فقد أدرك العصر ] قال: والتفضيل لا يدل على أن المفضول جائز فقد قال تعالى: { إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم } فجعل السعي إلى الجمعة خيرا من البيع والسعي واجب والبيع حرام وقال تعالى: { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم }

ومن قال: لا تصح صلاة المنفرد إلا لعذر احتج بأدلة الوجوب قال: وما ثبت وجوبه في الصلاة كان شرطا في الصحة كسائر الواجبات

وأما الوقت فإنه لا يمكن تلافيه فإذا فات لم يكن فعل الصلاة فيه فنظير ذلك فوت الجمعة وفوت الجماعة التي لا يمكن استداركها فإذا فوت الجمعة الواجبة كان آثما وعليه الظهر إذ لا يمكن سوى ذلك وكذلك من فوت الجماعة الواجبة التي يجب عليه شهودها وليس هناك جماعة أخرى فإنه يصلي منفردا وتصح صلاته هنا لعدم إمكان صلاته جماعة كما تصح الظهر ممن تفوته الجمعة

وليس وجوب الجماعة بأعظم من وجوب الجمعة وإنما الكلام فيمن صلى في بيته منفردا لغير عذر ثم أقيمت الجماعة فهذا عندهم عليه أن يشهد الجماعة كمن صلى الظهر قبل الجمعة عليه أن يشهد الجمعة

واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة الذي في السنن عن النبي ﷺ: [ من سمع النداء ثم لم يجب من غير عذر فلا صلاة له ] ويؤيد ذلك قوله: [ لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ] فإن هذا معروف من كلام علي وعائشة وأبي هريرة وابن عمر وقد رواه الدارقطني مرفوعا إلى النبي ﷺ وقوى ذلك بعض الحفاظ قالوا: ولا يعرف في كلام الله ورسوله حرف النفي دخل على فعل شرعي إلا لترك واجب فيه كقوله: [ لا صلاة إلا بأم القرآن ] و[ لا إيمان لمن لا أمانة له ] ونحو ذلك

وأجاب هؤلاء عن حديث التفضيل بأن قالوا: هو محمول على المعذور كالمريض ونحوه فإن هذا بمنزلة قوله ﷺ: [ صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم وصلاة النائم على النصف من صلاة القاعد ] وأن تفضيله صلاة الرجل في جماعة على صلاته وحده كتفضيله صلاة القائم على صلاة القاعد ومعلوم أن القيام واجب في صلاة الفرض دون النفل كما أن الجماعة واجبة في صلاة الفرض دون النفل

وتمام الكلام في ذلك: أن العلماء تنازعوا في هذا الحديث وهو: هل المراد بهما المعذور أو غيره؟ على قولين:

فقالت طائفة المراد بهما غير المعذور قالوا لأن المعذور أجره تام بدليل ما ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ أنه قال: [ إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمله وهو صحيح مقيم ] قالوا: فإذا كان المريض والمسافر يكتب لهما ما كانا يعملان في الصحة والإقامة فكيف تكون صلاة المعذور قاعدا أو منفردا دون صلاته في الجماعة قاعدا؟ ! وحمل هؤلاء تفضيل صلاة القائم على النفل دون الفرض لأن القيام في الفرض واجب

ومن قال هذا القول لزمه أن يجوز تطوع الصحيح مضطجعا لأنه قد ثبت أنه قال: [ ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم ] وقد طرد هذا الدليل طائفة من متأخري أصحاب الشافعي وأحمد وجوزوا أن يتطوع الرجل مضطجعا لغير عذر لأجل هذا الحديث ولتعذر حمله على المريض كما تقدم

ولكن أكثر العلماء أنكروا ذلك وعدوه بدعة وحدثا في الإسلام وقالوا: لا يعرف أن أحدا قط صلى في الإسلام على جنبه وهو صحيح ولو كان هذا مشروعا لفعله المسلمون على عهد نبيهم ﷺ أو بعده ولفعله النبي ﷺ ولو مرة لتبيين الجواز فقد كان يتطوع قاعدا ويصلي على راحلته قبل أي وجه توجهت ويوتر عليها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة فلو كان هذا سائغا لفعله ولو مرة أو لفعله أصحابه وهؤلاء الذين أنكروا هذا مع ظهور حجتهم قد تناقض من لم يوجب الجماعة منهم حيث حملوا قوله: [ تفضل صلاة الجماعة على صلاة الرجل وحده بخمس وعشرين درجة ] على أنه أراد غير المعذور فيقال لهم: لم كان التفضيل هنا في حق غير المعذور والتفضيل هناك في حق المعذور وهل هذا إلا تناقض؟ !

وأما من أوجب الجماعة وحمل التفضيل على المعذور فطرد دليله وحينئذ فلا يكون في الحديث حجة على صحة صلاة المنفرد لغير عذر

وأما ما احتج به منازعهم من قوله: [ إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمله وهو صحيح مقيم ] فجوابهم عنه أن هذا الحديث دليل على أنه يكتب له مثل الثواب الذي كان يكتب له في حال الصحة والإقامة لأجل نيته له وعجزه عنه بالعذر

وهذه قاعدة الشريعة أن من كان عازما على الفعل عزما جازما وفعل ما يقدر عليه منه كان بمنزلة الفاعل فهذا الذي كان له عمل في صحته وإقامته عزمه أن يفعله وقد فعل في المرض والسفر ما أمكنه فكان بمنزلة الفاعل كما جاء في السنن: فيمن تطهر في بيته ثم ذهب إلى المسجد يدرك الجماعة فوجدها قد فاتت أنه يكتب له أجر صلاة الجماعة وكما ثبت في الصحيح من قوله ﷺ: [ إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم قالوا: وهم بالمدينة قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر ] وقد قال تعالى: { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم } الآية فهذا ومثله يبين أن المعذور يكتب له مثل ثواب الصحيح إذا كانت نيته أن يفعل وقد عمل ما يقدر عليه وذلك لا يقتضي أن يكون نفس عمله مثل عمل الصحيح فليس في الحديث أن صلاة المريض نفسها في الأجر مثل صلاة الصحيح ولا أن صلاة المنفرد المعذور في نفسها مثل صلاة الرجل في الجماعة وإنما فيه أن يكتب له من العمل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم كما يكتب له أجر صلاة الجماعة إذا فاتته مع قصده لها

وأيضا فليس كل معذور يكتب له مثل عمل الصحيح وإنما يكتب له إذا كان يقصد عمل الصحيح ولكن عجز عنه فالحديث يدل على أنه من عادته الصلاة في جماعة والصلاة قائما ثم ترك ذلك لمرضه فإنه يكتب له ما كان يعمل وهو صحيح مقيم وكذلك من تطوع على الراحلة في السفر وقد كان يتطوع في الحضر قائما يكتب له ما كان يعمل في الإقامة فأما من لم تكن عادته الصلاة في جماعة ولا الصلاة قائما إذا مرض فصلى وحده أو صلى قاعدا فهذا لا يكتب له مثل صلاة المقيم الصحيح

ومن حمل الحديث على غير المعذور يلزمه أن يجعل صلاة هذا قاعدا مثل صلاة القائم وصلاته منفردا مثل الصلاة في جماعة وهذا قول باطل لم يدل عليه نص ولا قياس ولا قاله أحد

وأيضا فيقال: تفضيل النبي ﷺ لصلاة الجماعة على صلاة المنفرد ولصلاة القائم على القاعد والقاعد على المضطجع إنما دل على فضل هذه الصلاة على هذه الصلاة حيث يكون كل من الصلاتين صحيحة

أما كون هذه الصلاة المفضولة تصح حيث تصح تلك أو لا تصح فالحديث لم يدل عليه بنفي ولا إثبات ولا سيق الحديث لأجل بيان صحة الصلاة وفاسدها بل وجوب القيام والقعود وسقوط ذلك ووجوب الجماعة وسقوطها: يتلقى من أدلة أخر وكذلك أيضا: كون هذا المعذور يكتب له تمام عمله أو لا يكتب له لم يتعرض له هذا الحديث بل يتلقى من أحاديث أخر وقد بينت سائل النصوص أن تكميل الثواب هو لمن كان يعمل العمل الفاضل وهو صحيح مقيم لا لكل أحد

وتثبت نصوص أخر وجوب القيام في الفرض كقوله ﷺ لعمران بن حصين: [ صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب ] وبين جواز التطوع قاعدا لما رآهم وهم يصلون قعودا فأقرهم على ذلك وكان يصلي قاعدا مع كونه كان يتطوع على الراحلة في السفر كذلك تثبت نصوص أخر وجوب الجماعة فيعطي كل حديث حقه فليس بينها تعارض ولا تناف وإنما يظن التعارض التنافي من حملها ما لا تدل عليه ولم يعطها حقها بسوء نظره وتأويله والله أعلم

147 - 231 - مسألة: في رجل يقتدي به في ترك صلاة الجماعة؟

فأجاب: من اعتقد أن الصلاة في بيته أفضل من صلاة الجماعة في مساجد المسلمين فهو ضال مبتدع باتفاق المسلمين فإن صلاة الجماعة إما فرض على الأعيان وإما فرض على الكفاية

والأدلة من الكتاب والسنة أنها واجبة على الأعيان ومن قال: إنها سنة مؤكدة ولم يوجبها فإنه يذم من داوم على تركها حتى أن من داوم على ترك السنن التي هي دون الجماعة سقطت عدالته عندهم ولم تقبل شهادته فكيف بمن يداوم على ترك الجماعة؟ فإنه يؤمر بها باتفاق المسلمين ويلام على تركها فلا يمكن من حكم ولا شهادة ولا فتيا مع إصراره على ترك السنن الراتبة التي هي دون الجماعة فكيف بالجماعة التي هي أعظم شعائر الإسلام؟ والله أعلم

148 - 232 - مسألة: في رجل جار للمسجد ولم يحضر مع الجماعة الصلاة ويحتج بدكانه:

الجواب: الحمد لله يؤمر بالصلاة مع المسلين فإن كان لا يصلي فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل وإذا ظهر منه الإهمال للصلاة لم يقبل قوله: إذا فرغت صليت بل من ظهر كذبه لم يقبل قوله ويلزم بما أمر الله به ورسوله

233 - / 149 - مسألة: في رجلين تنازعا في صلاة الفذ فقال أحدهما: قال ﷺ [ صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بخمس وعشرين ] وقال الآخر: متى كانت الجماعة في غير مسجد فهي كصلاة الفذ؟

الجواب: ليست الجماعة كصلاة الفذ بل الجماعة أفضل ولو كانت في غير المسجد لكن تنازع العلماء فيمن صلى جماعة في بيته هل يسقط عنه حضور الجماعة في المسجد؟ أم لا بد من حضور الجماعة في المسجد؟ والذي ينبغي له أن لا يترك حضور الجماعة في المسجد إلا لعذر كما دلت على ذلك السنن والآثار والله أعلم

234 - / 150 - مسألة: في رجل أدرك آخر جماعة وبعد هذه الجماعة جماعة أخرى فهل يستحب له متابعة هؤلاء في آخر الصلاة؟ أو ينتظر الجماعة الأخرى؟

الجواب: أما إذا أدرك أقل من ركعة فهذا مبني على أنه هل يكون مدركا للجماعة بأقل من ركعة أم لا بد من إدراك ركعة؟ فمذهب أبي حنيفة أنه يكون مدركا وطرد قياسه في ذلك حتى قال في الجمعة: يكون مدركا لها بإدراك القعدة فيتمها جمعة ومذهب مالك: أنه لا يكون مدركا إلا بإدراك ركعة وطرد المسألة في ذلك حتى فيمن أدرك في آخر الوقت فإن المواضع التي تذكر فيها هذه المسألة أنواع:

أحدها: الجمعة

والثاني: فضل الجماعة

والثالث: إدراك المسافر من صلاة المقيم

والرابع: إدراك بعض الصلاة قبل خروج الوقت كإدراك بعض الفجر قبل طلوع الشمس

والخامس: إدراك آخر الوقت كالحائض تطهر والمجنون يفيق والكافر يسلم في آخر الوقت

والسادس: إدراك ذلك من أول الوقت عند من يقول إن الوجوب بذلك فإن في هذا الأصل السادس نزاعا وأما مذهب الشافعي وأحمد فقالا في الجمعة بقول مالك لاتفاق الصحابة على ذلك فإنهم قالوا فيمن أدرك من الجمعة ركعة يصلي إليها أخرى ومن أدركهم في التشهد صلى أربعا

وأما سائر المسائل ففيها نزاع في مذهب الشافعي وأحمد وهما قولان للشافعي وروايتان عن أحمد وكثير من أصحابهما يرجح قول أبي حنيفة

والأظهر هو مذهب مالك كما ذكره الخرقي في بعض الصور وذلك أنه قد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: [ من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ] فهذا نص عام في جميع صور إدراك ركعة من الصلاة سواء كان إدراك جماعة أو إدراك الوقت وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: [ من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الفجر ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر ] وهذا نص في ركعة في الوقت

وقد عارض هذا بعضهم بأن في بعض الطرق: من أدرك سجدة وظنوا أن هذا يتناول ما إذا أدرك السجدة الأولى وهذا باطل فإن المراد بالسجدة الركعة كما في الحديث ابن عمر: [ حفظت عن رسول الله سجدتين قبل الظهر وسجدتين بعدها وسجدتين بعد المغرب ] إلى آخره وفي اللفظ المشهور ركعتين وكما روى: [ أنه كان يصلي بعد الوتر سجدتين ] وهما ركعتان كما جاء ذلك مفسرا في الحديث الصحيح ومن سجد بعد الوتر سجدتين مجردتين عملا بهذا فهو غالط باتفاق الأئمة

وأيضا فإن الحكم عندهم ليس متعلقا بإدراك سجدة من السجدتين فعلم أنهم لم يقولوا بالحديث فعلى هذا إذا كان المدرك أقل من ركعة وكان بعدها جماعة أخرى فصلى معهم في جماعة صلاة تامة فهذا أفضل فإن هذا يكون مصليا في جماعة بخلاف الأول وإن كان المدرك ركعة أو كان أقل من ركعة وقلنا إنه يكون به مدركا للجماعة فهنا قد تعارض إدراكه لهذه الجماعة وإدراكه للثانية من أولها فإن إدراك الجماعة من أولها أفضل كما جاء في إدراكها بحدها فإن كانت الجماعتان سواء فالثانية أفضل وإن تميزت الأولى بكمال الفضيلة أو كثرة الجمع أو فضل الإمام أو كونها الراتبة فهي في هذه الجهة أفضل وتلك من جهة إدراكها بحدها أفضل وقد يترجح هذا تارة وهذا تارة وأما إن قدر أن الثانية أكمل أفعالا وإماما أو جماعة فهنا قد ترجحت من وجه آخر

ومثل هذه المسألة لم تكن تعرف في السلف إلا إذا كان مدركا لمسجد آخر فإنه لم يكن يصلي في المسجد الواحد إمامان راتبان وكانت الجماعة تتوفر بالإمام الراتب ولا ريب أن صلاته مع الإمام الراتب في المسجد جماعة ولو ركعة خير من صلاته في بيته ولو كان جماعة والله أعلم

235 - 151 - مسألة: في رجل صلى فرضه ثم أتى مسجد جماعة فوجدهم يصلون فهل له أن يصلي مع الجماعة من الفائت؟

الجواب: إذا صلى الرجل الفريضة ثم أتى مسجدا تقام فيه تلك الصلاة فليصلها معهم سواء كان عليه فائتة أو لم يكن كما أمر النبي ﷺ بذلك حيث قال لرجلين لم يصليا مع الناس: فقال: [ ما لكما لم تصليا؟ ألستما مسلمين؟ فقالا: يا رسول الله ! صلينا في رحالنا فقال: إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة ]

ومن عليه فائتة فعليه أن يبادر إلى قضائها على الفور سواء فاتته عمدا أو سهوا عند جمهور العلماء كمالك وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم وكذلك الراجح في مذهب الشافعي أنها إذا فاتت عمدا كان قضاؤها واجبا على الفور

وإذا صلى مع الجماعة نوى بالثانية معادة وكانت الأولى فرضا والثانية نفلا على الصحيح كما دل عليه هذا الحديث وغيره وقيل: الفرض أكملهما وقيل: ذلك إلى الله تعالى والله أعلم

236 - / 152 - مسألة: في حديث يزيد بن الأسود قال: [ شهدت حجة رسول الله ﷺ وصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف فلما قضى الصلاة وانحرف فإذا هو برجلين في أخريات القوم لم يصليا فقال: علي بهما فإذا بهما ترعد فرائصهما فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ فقالا: يا رسول الله ! إنا كنا صلينا في رحالنا قال: فلا تفعلا إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة ]

والثاني: عن سليمان بن سالم قال: [ رأيت عبد الله بن عمر جالسا على البلاط والناس يصلون فقلت: يا عبد الله ! مالك لا تصلي؟ فقال: إني قد صليت وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تعاد صلاة مرتين ] فما الجمع بين هذا وهذا؟

الجواب: الحمد لله أما حديث ابن عمر فهوفي الإعادة مطلقا من غير سبب ولا ريب أن هذا منهي عنه وأنه يكره للرجل أن يقصد إعادة الصلاة من غير سبب يقتضي الإعادة إذ لو كان مشروعا للصلاة الشرعية عدد معين كان يمكن الإنسان أن يصلي الظهر مرات والعصر مرات ونحو ذلك ومثل هذا لا ريب في كراهته

وأما حديث ابن الأسود: فهو إعادة مقيدة بسبب اقتضى الإعادة وهو قول: [ إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة ] فسبب الإعادة هنا حضور الجماعة الراتبة ويستحب لمن صلى ثم حضر جماعة راتبة أن يصلي معهم

لكن من العلماء من يستحب الإعادة مطلقا كالشافعي وأحمد ومنهم من يستحبها إذا كانت الثانية أكمل كمالك فإذا أعادها فالأولى هي الفريضة عند أحمد وأبي حنيفة والشافعي في أحد القولين لقوله في هذا الحديث: [ فإنها لكما نافلة ] وكذلك قال في الحديث الصحيح: [ أنه سيكون أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها فصلوا الصلاة لوقتها ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة ] وهذا أيضا يتضمن إعادتها لسبب ويتضمن أن الثانية نافلة وقيل الفريضة أكملهما وقيل ذلك إلى الله

ومما جاء في الإعادة لسبب الحديث الذي في سنن أبي داود لما قال النبي ﷺ: ألا رجل يتصدق على هذا يصلي معه فهنا هذا المتصدق قد أعاد الصلاة ليحصل لذلك المصلى فضيلة الجماعة ثم الإعادة المأمور بها مشروعة عند الشافعي وأحمد ومالك وقت النهي وعند أبي حنيفة لا تشرع وقت النهي

وأما المغرب: فهل تعاد على صفتها؟ أم تشفع بركعة؟ أم لا تعاد؟ على ثلاثة أقوال مشهورة للفقهاء

ومما جاء فيه الإعادة لسبب ما ثبت أن النبي ﷺ في بعض صلوات الخوف صلى بهم الصلاة مرتين صلى بطائفة ركعتين ثم سلم ثم صلى بطائفة أخرى ركعتين ثم سلم ومثل هذا حديث معاذ بن جبل لما كان يصلي خلف النبي ﷺ فهنا إعادة أيضا وصلاة مرتين

والعلماء متنازعون في مثل هذا: وهي مسألة اقتداء المفترض بالمتنفل على ثلاثة أقوال:

فقيل: لا يجوز كقول أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايات

وقيل: يجوز كقول الشافعي وأحمد في رواية ثانية

وقيل: يجوز للحاجة مثل حال الخوف والحاجة إلى الائتمام بالمتطوع ولا يجوز لغيرها كرواية ثالثة عن أحمد

ويشبه هذا إعادة صلاة الجنازة لمن صلى عليها أولا فإن هذا لا يشرع بغير سبب باتفاق العلماء بل لو صلى عليها مرة ثانية ثم حضر من لم يصل فهل يصلي عليها؟ على قولين للعلماء:

قيل: يصلي عليها وهو مذهب الشافعي وأحمد ويصلي عندهما على القبر لما ثبت عن النبي ﷺ وعن غير واحد من الصحابة أنهم صلوا على جنازة بعد ما صلى عليها غيرهم وعند أبي حنيفة ومالك ينهى عن ذلك كما ينهيان عن إقامة الجماعة في المسجد مرة بعد مرة قالوا: لأن الفرض يسقط بالصلاة الأولى فتكون الثانية نافلة والصلاة على الجنازة لا يتطوع بها وهذا بخلاف من يصلي الفريضة فإنه يصليها باتفاق المسلمين لأنها واجبة عليه وأصحاب الشافعي وأحمد يجيبون بجوابين:

أحدهما: أن الثانية تقع فرضا عمن فعلها وكذلك يقولون في سائر فروض الكفايات: أن من فعلها أسقط بها فرض نفسه وإن كان غيره قد فعلها فهو مخير بين أن يكتفي بإسقاط ذلك وبين أن يسقط الفرض بفعل نفسه وقيل: بل هي نافلة ويمنعون قول القائل: إن صلاة الجنازة لا يتطوع بها بل قد يتطوع بها إذا كان هناك سبب يقتضي ذلك

وينبني على هذين المأخذين أنه إذا حضر الجنازة من لم يصل أولا: فهل لمن صلى عليها أولا أن يصلي معه تبعا؟ كما يفعل مثل هذا في المكتوبة على وجهين قيل: لا يجوز هنا لأن فعله هنا نفل بلا نزاع وهي لا يتنفل بها وقيل: بل له الإعادة فإن النبي ﷺ لما صلى على القبر صلى خلفه من كان قد صلى أولا وهذا أقرب فإن هذه الإعادة بسبب اقتضاه لا إعادة مقصودة وهذا سائغ في المكتوبة والجنازة والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا

الفتاوى الكبرى لابن تيمية
كتاب السنة والبدعة: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الطهارة: | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | كتاب الصلاة: | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | كتاب الذكر والدعاء | 1 | 2 | 3 | 4 | كتاب الصيام: 1 | 2 | 3 | كتاب الجنائز: 1 | 2 | 3 | 4 | كتاب النكاح: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الطلاق: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | | كتاب النفقات | كتاب الحدود: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الجهاد: 1 | 2 | كتاب البيوع: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الشهادة والأقضية والأموال: 1 | 2 | كتاب الوقف: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | كتاب الوصايا | كتاب الفرائض | كتاب الفضائل: 1 | 2 | كتاب الملاهي | مسائل منثورة: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | كتاب الطهارة2 | كتاب الصلاة2: 1 | 2 | كتاب الجنائز2 | كتاب الزكاة2 | كتاب الصوم2 | كتاب الحج | كتاب البيع: 1 | 2 | كتاب الوصية | كتاب الفرائض | كتاب العتق | كتاب النكاح2: 1 | 2 | كتاب الخلع | كتاب الطلاق2 | كتاب الرجعة | كتاب الظهار | كتاب الجنايات | كتاب الأطعمة | كتاب الأيمان | باب القضاء | كتاب إقامة الدليل على إبطال التحليل | كتاب في الرد على الطوائف الملحدة والزنادقة والجهمية والمعتزلة والرافضة: 1 |2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16