الرئيسيةبحث

الفتاوى الكبرى/كتاب الشهادة والأقضية والأموال/1

كتاب الشهادة والأقضية والأموال

1 - 832 - مسألة: في الشهادة عن العاصي والمبتدع هل تجوز بالإستفاضة والشهرة أم لا بد من السماع والمعاينة وإن كانت الإستفاضة في ذلك كافية فمن ذهب إليه من الأئمة وما وجه حجته والداعي إلى البدعة والمرجح لها هل يجوز الستر عليه أم يتأكد إشهاره ليحذره الناس وما حد البدعة التي يعد فيها الرجل من أهل الأهواء؟

الجواب: ما يجرح به الشاهد وغيره مما يقدح في عدالته ودينه فإنه يشهد به إذا علمه الشاهد به بالإستفاضة ويكون ذلك قدحا شرعيا كما صرح بذلك طوائف الفقهاء من المالكية والشافعية والحنبلية وغيرهم في كتبهم الكبار والصغار صرحوا فيما إذا جرح الرجل جرحا مفسدا أنه يجرحه الجارح بما سمعه منه أو رآه واستفاض

وما أعلم في هذا نزاعا بين الناس فإن المسلمين كلهم يشهدون في وقتنا في مثل عمر بن العزيز والحسن البصري وأمثالهما والذين بما لم يعلموه إلا بالاستفاضة

ويشهدون في مثل الحجاج بن يوسف والمختار بن أبي عبيدة وعمرو بن عبيد وغيلان القدري وعبد الله بن سبأ الرافضي ونحوهم من الظلم والبدعة بما لا يعلمونه إلا بالاستفاضة

وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ: [ أنه مر عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال: وجبت ومر عليه بجنازة فأثنوا عليها شرا فقال: وجبت وجبت قالوا: يا رسول الله ما قولك وجبت وجبت قال: هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرا فقلت وجبت لها الجنة وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرا فقلت وجبت لها النار أنتم شهداء الله في الأرض ]

هذا إذا كان المقصود تفسيقه لرد شهادته وولايته وأما إذا كان المقصود التحذير منه واتقاء شره فيكتفي بما دون ذلك كما قال عبد الله بن مسعود: اعتبروا الناس بأخدانهم

وبلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلا يجتمع إليه الأحداث فنهى عن مجالسته فإذا كان الرجل مخالطا في السير لأهل الشر يحذر عنه

والداعي إلى البدعة مستحق العقوبة باتفاق المسلمين وعقوبته تكون تارة بالقتل وتارة بما دونه كما قتل السلف جهم بن صفوان والجعد بن درهم وغيلان القدري وغيرهم ولو قدر أنه لا يستحق العقوبة أو لا يمكن عقوبته فلا بد من بيان بدعته والتحذير منها فإن هذا من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أمر الله به ورسوله

والبدعة التي يعد بها الرجل من أهل الأهواء ما اشتهر عند أهل العلم بالسنة مخالفتها للكتاب والسنة: كبدعة الخوارج والروافض والقدرية والمرجئة فإن عبد الله بن المبارك ويوسف بن إسباط وغيرهما قالوا: أصول اثنتين وسبعين فرقة هي أربع الخوراج والروافض والقدرية والمرجئة

قيل لابن المبارك: فالجهمية؟ قال: ليست الجهمية من أمة محمد ﷺ

والجهمية نفاة الصفات الذين يقولون: القرآن مخلوق وأن الله لا يرى في الآخرة وأن محمدا لم يعرج به إلى الله وأن الله لا علم له ولا قدرة ولاحياة ونحو ذلك كما يقوله المعتزلة والمتفلسفة ومن اتبعهم

وقد قال عبد الرحمن بن مهدي: هما صنفان فاحذرهما: الجهمية والرافضة

فهذان الصنفان شرار أهل البدع ومنهم دخلت القرامطة الباطنية: كالنصيرية والاسماعيلية ومنهم اتصلت الإتحادية فإنهم من جنس الطائفة الفرعونية

والرافضة في هذه الأزمان مع الفرض جهمية قدرية فإنهم ضموا إلى الرفض مذهب المعتزلة ثم قد يخرجون إلى مذهب الإسماعيلية ونحوهم من أهل الزندقة والاتحاد والله ورسوله أعلم

2 - 833 - مسألة: في الأقضية هل هي مقتضية الحكمة أم لا؟ فإذا كانت مقتضية الحكمة أراد ربك من الناس ما هم فاعلوه وجوب القدر والحالة هذه أفتونا مأجورين

الجواب: الحمد لله رب العالمين قد أحاط ربنا سبحانه وتعالى بكل شيء علما وقدرة وحكما ووسع كل شيء رحمة وعلما فما من ذرة في السموات والأرض ولا معنى من المعاني إلا وهو شاهد لله تعالى بتمام العلم والرحمة وكمال القدرة والحكمة وما خلق الخلق باطلا ولا فعل شيئا عبثا بل هو الحكيم في أفعاله وأقواله سبحانه وتعالى ثم من حكمته ما أطلع خلقه بعضهم - ومنه ما استأثر سبحانه بعلمه

وإرادته قسمان: إرادة أمر وتشريع وإرادة قضاء وتقدير

فالقسم الأول: إنما يتعلق بالطاعات دون المعاصي سواء وقعت أو لم تقع كما في قوله: { يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم } وقوله: { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر }

وأما القسم الثاني: وهو إرادة التقدير فهي شاملة لجميع الكائنات محيطة بجميع الحادثات وقد أراد من العالم ما هم فاعلوه بهذا المعنى لا بالمعنى الأول كما في قوله تعالى: { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا }

وفي قوله: { ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم }

وفي قول المسلمين: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ونظائره كثيرة

وهذه الإرادة تتناول ما حدث من الطاعات والمعاصي دون ما لم يحدث كما أن الأولى تتناول الطاعات حدثت أو لم تحدث والسعيد من أراد منه تشريعا ما أراد به تقديرا العبد الشقي من أراد به تقديرا ما أراد به تشريعا والحكم يجري على وفق هاتين الإرادتين

فمن نظر إلى الأعمال بهاتين العينين كان بصيرا ومن نظر إلى القدر دون الشرع أو الشرع دون القدر كان أعور مثل قريش الذين قالوا: { لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء }

قال الله تعالى: { كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون }

فإن هؤلاء اعتقدوا أن كل ما شاء الله وجوده وكونه وهي الإرادة القدرية فقد أمر به ورضيه دون الإرادة الشرعية ثم رأوا أن شركهم بغير شرع مما قد شاء الله وجوده قالوا فيكون قد رضيه وأمر به قال الله: هكذا كذب الذين من قبلهم بالشرائع من الأمر والنهي حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا بأن الله شرع الشرك وتحريم ما حرمتوه إن تتبعون في هذا إلا الظن وهو توهمكم أن كل ما قدره فقد شرعه وإن أنتم إلا تخرصون أي تكذبون وتفرون بإبطال شريعته { قل فلله الحجة البالغة } على خلقه حين أرسل الرسل إليهم فدعوهم إلى توحيده وشريعته ومع هذا فلو شاء هدى الخلق أجمعين إلى متابعة شريعته لكنه يمن على من يشاء فيهديه فضلا منه وإحسانا ويحرم من يشاء لأن المتفضل له أن يتفضل وله أن لا يتفضل فترك تفضله على من حرمه عدل منه وقسط وله في ذلك حكمة بالغة وهو يعاقب الخلق على مخالفة أمره وإرادته الشرعية وإن كان ذلك فإرادته القدرية فإن القدر كما جرى بالمعصية جرى أيضا بعقابها كما أنه سبحانه قد يقدر على العبد أمراضا تعقبه آلاما فالمرض بقدره والألم بقدره

فإذا قال العبد: قد تقدمت الإرادة بالذنب فلا أعاقب كان بمنزلة قول المريض: قد تقدمت الإرادة بالمرض فلا أتألم أو قد تقدمت الإرادة بأكل الحار فلا يحم مزاجي أو قد تقدمت بالضرب فلا يتألم المضروب وهذا مع أنه جهل فإنه لا ينفع صاحبه بل اعتلاله بالقدر ذنب ثان يعاقب عليه أيضا وإنما اعتل بالقدر إبليس حيث قال: { بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض }

وأما آدم فقال: { ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين }

فمن أراد الله سعادته ألهمه أن يقول كما قال آدم عليه السلام أو نحوه ومن أراد شقاوته اعتل بعلة إبليس أو نحوها فيكون كالمستجير من الرمضاء بالنار

ومثله مثل رجل طار إلى داره شرارة نار فقال له العقلاء: أطفئها لئلا تحرق المنزل فأخذ يقول: من أين كانت هذه ريح ألقتها وأنا لا ذنب لي في هذه النار فما زال يتعلل حتى انتشرت وانتثرت الدار وما فيها هذه حال من شرع يحيل الذنوب على المقادير ولا يردها بالاستغفار والمعاذير بل حاله أسوأ من زلات الذنب فعله أن كان الله

بخلاف الشررة فإنه لافعل له فيها والله سبحانه يوفقنا وإياكم وسائر إخواننا لما يحبه ويرضاه ولا تنال طاعته إلا بمعونة وتترك معصيته إلا بعصمته والله أعلم

3 - 834 - مسألة: في كفارة اليمين

الجواب: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: كفارة اليمين هي المذكورة في سورة المائدة قال تعالى: { فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام }

فمتى كان واحدا فعليه أن يكفر بإحدى الثلاث فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام وإذا اختار أن يطعم عشرة مساكين فله ذلك ومقدار ما يطعم مبني على أصل وهو أن إطعامهم هل هو مقدر بالشرع أو بالعرف؟ فيه قولان للعلماء:

منهم من قال: هو مقدر بالشرع وهؤلاء على أقوال: من منهم قال: يطعم كل مسكين صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو نصف صاع من بر كقول أبي حنيفة وطائفة

ومنهم من قال: يطعم كل واحد نصف صاح من تمر وشعير أو ربع صاع من بر وهو مد كقول أحمد وطائفة

ومنه من قال: بل يجزئ في الجميع مد من الجميع كقول الشافعي وطائفة

والقول الثاني: أن ذلك مقدر بالعرف لا بالشرع فيطعم أهل كل بلد من أوسط ما يطعمون أهليهم قدرا ونوعا وهذا معنى قول مالك

قال إسماعيل بن اسحق: كان مالك يرى في كفارة اليمين أن المدة يجزئ بالمدينة

قال مالك: وأما البلدان فإن لهم عيشا غير عيشنا فأرى أن يكفروا بالوسط من عيشهم لقول الله تعالى: { من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم } وهو مذهب داود وأصحابه مطلقا

والمنقول عن أكثر الصحابة والتابعين هذا القول ولهذا كانوا يقولون الأوسط خبز ولبن وخبر وسمن خبز وتمر والأعلى خبز ولحم وقد بسطنا الآثار عنهم في غير هذا الموضع وبينا أن هذا القول هو الصواب الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار وهو قياس مذهب أحمد وأصوله فإن أصله أن ما لم يقدره الشارع فإنه يرجع فيه إلى العرف وهذا لم يقدره الشارع فيرجع فيه إلى العرف لا سيما مع قوله تعالى: { من أوسط ما تطعمون أهليكم } فإن أحمد لا يقد طعام المرأة والولد ولا المملوك ولا يقدر أجرة الأجير المستأجر بطعامه وكسوته في ظاهر مذهبه ولا يقدر الضيافة الواجبة عنده قولا واحدا ولا يقدر الضيافة المشروطة على أهل الذمة للمسلمين في ظاهر مذهبه

هذا مع أن هذه واجبة بالشرط فكيف يقدر طعاما واجبا بالشرع بل ولا يقدر الجزية في أظهر الروايتين عنه ولا الخراج ولا يقدر أيضا الأطعمة الواجبة مطلقا سواء وجبت بشرع أو شرط ولا غير الأطعمة مما وجبت مطلقا فطعام الكفارة أولى أن لا يقدر

والأقسام ثلاثة: فماله حد في الشرع أو اللغة رجع في ذلك إليهما وما ليس له حد فيها رجع فيه إلى العرف ولهذا لا يقدر للعقود ألفاظا بل أصله في هذه الأمور من جنس أصل مالك كما أن قياس مذهبه أن يكون الواجب في صدقة الفطر نصف صاع من بر وقد دل على ذلك كلامه أيضا كما قد بين في موضع آخر وإن كان المشهور عنه تقدير ذلك بالصاع كالتمر والشعير

وقد تنازع العلماء في الأدم هل هو واجب أو مستحب؟ على قولين:

والصحيح أنه إن كان يطعم أهله بأدم أطعم المساكين بأدم وإن كان إنما يطعمهم بلا أدم لم يكن عليه أن يفضل المساكين على أهله بل يطعم المساكين من أوسط ما يطعم أهله

وعلى هذا فمن البلاد من يكون أوسط طعام أهله مدا من حنطة كما يقال عن أهل المدينة وإذا صنع خبزا جاء نحو رطلين بالعراقي وهو بالدمشقي خمسة أواق وخمسة أسباع أوقية فإن جعل بعضه أدما كما جاء عن السلف كان الخبز نحوا من أربعة أواق وهذا لا يكفي أكثر من أهل الأمصار

فلهذا قال جمهور العلماء يطعم في غير المدينة أكثر من هذا: إما مدان أو مد ونصف على قدر طعامهم فيطعم من الخبز إما نصف رطل بالدمشقي وأما ثلثا رطل وإما رطل وإما أكثر إما مع الأدم وإما بدون الأدم على قدر عادتهم في الأكل في وقت

فإن عادة الناس تختلف بالرخص والغلاء واليسار والإعسار وتختلف بالشتاء والصيف وغير ذلك

وإذا حسب ما يواجبه أو حنيفة خبزا كان رطلا وثلثا بالدمشقي فإنه يوجب نصف صاع عنده ثمانية أرطال وأما ما يوجبه من التمر والشعير فيوجب صاعا ثمانية أرطال وذلك بقدر ما يوجبه الشافعي ست مرات وهو بقدر ما يوجبه أحمد بن حنبل ثلاث مرات

والمختار أن يرجع في ذلك إلى عرف الناس وعادتهم فقد يجزئ في بلد ما أوجبه أبو حنيفة وفي بلد ما أوجبه أحمد وفي بلد آخر ما بين هذا وهذا على حسب عادته عملا بقوله تعالى: { من أوسط ما تطعمون أهليكم }

وإذا جمع عشرة مساكين وعشاهم خبزا أو أدما من أوسط ما يطعم أهله أجزأه ذلك عند أكثر السلف وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين وغيرهم وهو أظهر القولين في الدليل فإن الله تعالى أمر بالإطعام لم يوجب التمليك وهذا إطعام حقيقة ومن أوجب التمليك احتج بحجتين:

إحداهما: أن الطعام الواجب مقدر بالشرع ولا يعلم إذا أكلوا أن كل واحد يأكل قدر حقه

والثانية: إنه بالتمليك يتمكن من التصرف الذي لا يمكنه مع الإطعام

وجواب الأولى إنا لا نسلم أنه مقدر بالشرع وإن قدر أنه مقدر به فالكلام إنما هو إذا شبع كل واحد منهم غداه وعشاه وحينئذ فيكون قد أدخل كل واحد قدر حقه وأكثر وأما التصرف بما شاء فالله تعالى لم يوجب ذلك إنما أوجب الإطعام ولو أراد ذلك لأوجب من النقد ونحوه وهو لم يوجب ذلك

والزكاة إنما أوجب فيها التمليك لأنه ذكرها باللام بقوله تعالى: { إنما الصدقات للفقراء والمساكين }

ولهذا حيث ذكر الله التصرف بحرف الظرف كقوله: { وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله }

فالصحيح أنه لا يجب التمليك بل يجوز أن يعتق من الزكاة وإن لم يكن تمليكا للمعتق ويجوز أن يشتري منها سلاحا يعين به في سبيل الله وغير ذلك ولهذا قال من قال من العلماء: الإطعام أولى من التمليك لأن المملك قد يبيع ما أعطيته ولا يأكله بل قد يكنزه فإذا أطعم الطعام حصل مقصود الشارع قطعا

وغاية ما يقال أن التمليك قد يسمى إطعاما كما يقال أطعم رسول الله ﷺ الجدة السدس وفي الحديث: [ ما أطعم الله نبيا طعمة إلا كانت لمن يلي الأمر من بعده ]

لكن يقال لا ريب أن اللفظ يتناول الإطعام بالمعروف بطريق الأولى ولأن ذاك إنما يقال إذا ذكر المطعم فيقال أطعمه كذا فأما إذا أطلق وقيل أطعم هؤلاء المساكين فإ ه لا يفهم منه إلا نفس الإطعام لكن لما كانوا يأكلون ما يأخذونه سمي التمليك للطعام إطعاما لأن المقصود هو الإطعام أما إذا كان المقصود مصرفا غير الأكل فهذا لا يسمى إطعاما عند الإطلاق

4 - 835 - مسألة: في تصرفات السكران قد تنازع الناس فيه قديما وحديثا وفيه النزاع في مذهب أحمد وغيره وكثير من أجوبة أحمد فيه كان التوقف والأقوال الواقعة في مذهب أحمد وغيره القول بصحة تصرفاته مطلقا أقواله وأفعاله والقول بفسادها مطلقا والفرق بين أقواله وأفعاله والفرق بين الحدود وغيرها والفرق بين ماله وما عليه والفرق بين ما ينفرد به وما لا ينفرد به وهذا التنازع موجود في مذهب أحمد وغيره

ثم تنازعوا فيمن زال عقله بغير سكر: كالبنج هل يلحق بالسكران أو الجنون؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره وكل من أصحاب أحمد يتمسك في ذلك بشيء من كلامه وليس عنه رواية ووجها بل روايتان متأولتان

وتنازعوا فيمن أكره على شرب الخمر هل يأثم بذلك؟ على وجهين ومن أصحاب أحمد كالخلال من ينصر أنه لا يقع عليه طلاقه ومنهم كالقاضي من ينصر وقوع طلاقه والذين طلاقه لهم ثلاثة مآخذ

أحدها: أن ذلك عقوبة له وصاحب هذا قد يفرق بين الحدود وغيرها وهذا ضعيف فإن الشريعة لم تعاقب أحدا بهذا الجنس من إيقاع الطلاق أو عدم إيقاعه ولأن في هذا من الضرر على زوجته البريئة وغيرها ما لا يجوز

فإنه لا يجوز أن يعاقب الشخص بذنب غيره ولأن السكران عقوبته ما جاءت به الشريعة من الجلد ونحو فعقوبته بغير ذلك تغيير لحدود الشريعة ولأن الصحابة إنما عاقبته بما السكر مظنته وهو الهذيان والافتراء في القول على أنه إذا سكر هدى وإذا هذى افترى وحد المفتري ثمانون فبين أن إقدامه على السكر الذي هو مظنة الافتراء يلحقه بالمقدم على الافتراء وإقامة لمظنة الحكمة مقام الحقيقة لأن الحكمة هنا خفية منتشرة لأنه قد لا يعلم افتراؤه ولا متى يفتري ولا على من يفتري كما أن المضطجع يحدث ولا يدري هل أحدث أم لا فقام النوم مقام الحدث فهذا فقه معروف فلو كانت تصرفاته من هذا الجنس لكان ينبغي أن تطلق امرأته سواء طلق أو لم يطلق كما يحد حد المفتري سواء افترى أو لم يفتر وهذا لا يقوله أحد

المأخذ الثاني: أنه لا يعلم زوال عقله إلا بقوله وهو فاسق بشربه فلا يقبل قوله في عدم العقل والسكر وحقيقة هذا القول أنه لا يقع الطلاق في الباطن ولكن في الظاهر لا يقبل دعوى المسقط ومن قال هذا قد يفرق بين ما ينفرد به

المأخذ الثالث: وهو مأخذ الأئمة منصوصا عنهم الشافعي وأحمد أن حكم التكليف جار عليه ليس كالمجنون المرفوع عنه القلم ولا النائم وذلك أن القلم مرفوع عن المجنون والسكران معاقب كما ذكره الصحابة وليس مأخذ أجود من هذا

وكذلك قال أحمد ما قيل فيه أحسن من هذا وهذا ضعيف أيضا فإنه إن أريد أنه وقت السكر يؤمر وينهى فهذا باطل فإن من لا عقل له ولا يفهم الخطاب لم يدر بشرع ولا غيره على أن يؤمر وينهى بل أدلة الشرع والعقل تنفي أن يخاطب مثل هذا وإن أريد أنه قد يؤاخذ بما يفعله في سكره فهذا صحيح في الجملة لكن هذا لأنه خوطب في صحوه بأن لا يشرب الخمر الذي يقتضي تلك الجنايات فإذا فعل المنهى عنه لم يكن معذورا فيما فعله من المحرم كما قلت في سكر الأحوال الباطنة إذا كان سبب السكر محذورا لم يكن السكران معذورا هذا الذي قلته قد يقتضي أنه في الحدود كالصاحي وهذا قريب وأنا إنما تكلمت على تصرفاته صحتها وفسادها

وأما قوله تعالى: { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } فهو نهي لهم أن يسكروا سكرا يفوتون به الصلاة أو نهى لهم عن الشرب قريب الصلاة أو نهى لمن يدب فيه أوائل النشوة وأما في حال السكر فلا يخاطب بحال والدليل على أنه لا تصح تصرفاته وجوه:

أحدها: حديث جابر بن سمرة الذي في صحيح مسلم لما أمر النبي ﷺ باستنكاه ماعز بن مالك

الثاني: أن عبادته كالصلاة لا تصح بالنص والإجماع فإن الله نهى عن قرب الصلاة مع السكر حتى يعلم ما يقوله واتفق الناس على هذا بخلاف الشارب غير السكران فإن عبادته تصح بشروطها ومعلوم أن صلاته إنما لم تصح لأنه لم يعلم ما يقول كما دل عليه القرآن فنقول: كل من بطلت عبادته لعدم عقله فبطلان عقوده أولى وأحرى كالنائم والمجنون ونحوهما فإنه قد تصح عبادات من لا يصح تصرفه لنقص عقله كالصبي والمحجور عليه لسفه الثالث: أن جميع الأقوال والعقود مشروطة بوجود التمييز والعقل فمن لا تمييز له ولا عقل ليس لكلامه في الشرع اعتبار أصلا كما قال النبي ﷺ: [ إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب ]

فإذا كان القلب زال عقله الذي به يتكلم ويتصرف فكيف يجوز أن يجعل له أمر ونهي أو إثبات ملك أو إزالة؟ وهذا معلوم بالعقل مع تقرير الشارع له

والرابع: أن العقود وغيرها من التصرفات مشروطة بالقصود كما قال النبي ﷺ [ إنما الأعمال بالنيات ] وقد قررت هذه القاعدة في كتاب: بيان الدليل على بطلان التحليل وقررت أن كل لفظ بغير قصد من المتكلم لسهو وسبق لسان أو عدم عقل فإنه لا يترتب عليه حكم وأما إذا قصد اللفظ ولم يقصد معناه: كالهازل فهذا فيه تفصيل والمراد هنا بالقصد: العقل الذي يختص بالعقل فأما القصد الحيواني الذي يكون لكل حيوان فهذا لا بد منه في وجود الأمور الإختيارية من الألفاظ والأفعال وهذا وحده غير كاف في صحة العقود والأقوال فإن المجنون والصبي وغيرهما لهما هذا القصد كما هو للبهائم ومع هذا فأصواتهم وألفاظهم باطلة مع عدم التمييز لكن الصبي المميز والمجنون الذي يميز أحيانا يعتبر قوله حين التمييز

الخامس: أن هذا باب خطاب الوضع والأخبار لا من باب خطاب التكليف وذلك أن كون السكران معاقبا أو غير معاقب ليس له تعلق بصحة عقوده وفسادها فإن العقود ليست من باب العبادات التي يثاب عليها ولا الجنايات التي يعاقب عليها بل هي من التصرفات التي يشترك فيها البر والفاجر والمؤمن والكافر وهي من لوازم وجوب الخلق فإن العهود والوفاء بها أمر لا يتم مصلحة الآدميين إلا بها لاحتياج بعض الناس إلى بعض في جلب المنافع ودفع المضار وإنما تصدر عن العقل فمن لم يكن له عقل ولا تمييز لم يكن قد عاهد ولا حلف ولا باع ولا نكح ولا طلق ولا أعتق

يوضح ذلك أنه معلوم أن قبل تحريم الخمر كان كلام السكران باطلا بالاتفاق ولهذا لما تكلم حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه في سكره قبل التحريم بقوله: وهل أنتم إلا عبيد لأبي لم يكن مؤاخذ عليه وكذلك لما خلط المخلط من المهاجرين الأولين في سورة: { قل يا أيها الكافرون } قبل النهي لم يعتب عليه وكذلك الكفار لو شربوا الخمر وعاهدوا وشرطوا لم يلتفت إلى ذلك منهم بالاتفاق ومن سكر سكرا لا يعاقب عليه مثل أن يشرب ما لا يعلم أنه يسكره ونحو ذلك فأما من سكر بشرب محرم فلا ريب أنه يأثم بذلك ويستحق من عقوبة الدنيا والآخر ما جاء به أمر الله تعالى

فهذا الفرق ثابت بينه وبين من سكر سكرا يعذر فيه فأما كون عهده الذي يعاهد به الآدميين منعقدا يترتب عليه أثره ويحصل به مقصوده فهذا لا فرق فيه بين سكر المعذور وغير المعذور لأن هذا إنما كان الموجب لصحته أن صاحبه فعله وهو عاقل مميز لا أنه بر وفاجر والشرع لم يجعل السكران بمنزلة الصاحي أصلا

هذا آخر ما وجد في هذه المسألة من الكلام لشيخ الإسلام ابن تيمية والله أعلم

5 - 836 - سئل: أيضا شيخ الإسلام ابن تيمية عن جماعة اشتركوا شركة الأبدان بغير رضا بعضهم وعملوا علما مجتمعين فيه وعملا متفرقين فيه فهل تصح هذه الشركة وما يستحق كل منهم من أجرة ما عمل وهل يجوز لمن لا عمل له أن يأخذ أجرة من عمل غيره بغير رضا من عمل

أجاب: رضي الله عنه: شركة الأبدان التي تنازع الفقهاء فيها نوعان:

أحدهما: أن يشتركا فيما يتقبلان من العمل في ذمتهما: كأهل الصناعات من الخياطة والتجارة والحياكة ونحو ذلك من الذين تقدر أجرتهم بالعمل لا بالزمان ويسمى الأجير المشترك ويكون العمل في ذمة أحدهم بحيث يسوغ له أن يقيم غيره أن يعمل ذلك العمل والعمل دين في ذمته كديون الأعيان ليس واجبا على عينه كالأجير الخاص فهؤلاء جوز أكثر الفقهاء اشتراكهم كأبي حنيفة ومالك وأحمد وذلك عندهم بمنزلة شركة الوجوه وهو أن يشتري أحد الشريكين بجاهه شيئا له ولشريكه كما يتقبل الشريك العمل له ولشريكه

قالوا: وهذه الشركة مبناها على الوكالة: فكل من الشريكين يتصرف لنفسه بالملك ولشريكه بالوكالة ولم يجوزها الشافعي بناء على أصله وهو أن مذهبه أن الشركة لا تثبت بالعقد وإنما تكون الشركة شركة الأملاك خاصة فإذا كانا شريكين في مال كان لهما نماؤه وعليها غرمه ولهذا لا يجوز شركة العنان مع اختلاف جنس المالين ولا يجوزها إلا مع خلط المالين ولا يجعل الربح إلا على قدر المالين

والجمهور يخالفونه في هذا ويقولون: الشركة نوعان: شركة أملاك وشركة عقود وشركة العقود أصلا لا تفتقر إلى شركة الأملاك كما أن شركة الأملاك لا تفتقر إلى شركة العقود وإن كانا قد يجتمعان

والمضاربة شركة عقود بالإجماع ليست شركة أملاك إذا المال لأحدهما والعمل للآخر وكذلك المساقاة والمزارعة وإن كان من الفقهاء من يزعم أنها من باب الإجارة وأنها خلاف القياس فالصواب أنها أصل مستقل وهي من باب المشاركة لا من باب الإجارة الخاصة وهي على وفق قياس المشاركات

ولما كان مبنى الشركة على هذا الأصل تنازعوا في الشركة في اكتساب المباحات بناء على جواز التوكل فيها فجوز ذلك أحمد ومنعه أبو حنيفة واحتج أحمد بحديث سعد وعمار وابن مسعود

وقد يقال: هذه من النوع الثاني إذا تشاركا فيما يؤجران فيه أبدانهما ودابتيهما إجارة خاصة ففي هذه الإجارة قولان مرتبان: والبطلان مذهب أبي حنيفة وطائفة من أصحاب أحمد: كأبي الخطاب والقاضي في أحد قوليه وقال: هو قياس المذهب بناء على أن شركة الأبدان لا يشترط فيها الضمان بذلك الاشتراك على كسب المباح كالإصطياد والاحتطاب لأنه لم يجب على أحدهما من العمل الذي وجب على الآخر شيء وإنما كان ذلك بمنزلة اشتراكهما في نتاج ما شيتهما وتراث بساتينهما ونحو ذلك

ومن جوزه قال: هو مثل الاشتراك في اكتساب المباحات لأنه لم يثبت هناك في ذمة أحدهما عمل ولكن بالشركة صار ما يعمله أحدهما عن نفسه وعن شريكه وكذلك هنا ما يشترطه أحدهما من الأجرة أو شرط له من الجعل هو له ولشريكه والعمل الذي يعمل عن نفسه وعن شريكه وهذا القول أصح لا سيما على قول من يجوز شركة العنان مع عدم اختلاط المالين ومع اختلاف الجنسين وقد قال تعالى: { أوفوا بالعقود }

وقال النبي ﷺ: [ المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا ] وأظن هذا قول مالك

وأما اشتراك الشهود فقد يقال من مسألة شركة الأبدان التي تنازع الفقهاء فيها فإن الشهادة لا تثبت في الذمة ولا يصح التوكل فيها حتى يكون أحد الشريكين متصرفا لنفسه بحكم الملك ولشريكه بحكم الوكالة والعوض في الشهادة من باب الجعالة لا من باب الإجارة اللازمة فإنما هي اشتراك في العقد لا عقد الشركة بمنزلة من يقول الجماعة: ابنو لي هذا الحائط ولكم عشرة أو إن بنيتموه فلكم عشرة أو إن خطتم هذا الثوب فلكم عشرة أو إن رددتم عبدي الآبق فلكم عشرة

وإن لم يقدر الجعل وقد علم أنهم يعملون بالجعل مثل: حمالين يحملون مال تاجر متعاونين على ذلك فهم يستحقون جعل مثلهم عند جمهور العلماء أبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم كما يستحقه الطباخ الذي يطبخ بالأجرة والخباز الذي يخبز بالأجرة والنساج الذي ينسج بالأجرة والقصار الذي يقصر بالأجرة وصاحب الحمام والسفينة والعرف الذي جرت عادته بأن يستوفي منفعته بالأجر فهؤلاء يستحقون عوض المثل عند الإطلاق

فكذلك إذا استعمل جماعة من أن يشهدوا عليه ويكتبوا خطوطهم بالشهادة يستحقون الجعل فهو بمنزلة استعماله إياهم في نحو ذلك من الأعمال إذا قيل أنهم يستحقون الجعل فيستحقون جعل مثلهم على قدر أعمالهم فإن كانت أعمالهم ومنافعهم متساوية استحقوا الجعل بالسواء

والصواب أن هذا الذي قاله هذا القائل صحيح إذا لم يتقدم منهم شركة فأما إذا اشتركوا فيما يكتسبونه بالشهادة فهو كاشتراكهم فيما يكتسبونه بسائر الجعالات والإجارات

ثم الجعل في الشهادة قد يكون على عمل في الذمة وللشاهد أن يقيم مقامه من يشهد للجاعل فهنا تكون شركة صحيحة عند كل من يقول بشركة الأبدان وهم الجمهور أبو حنيفة ومالك وأحمد غيرهم وهو الصحيح الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار إلا أن الجعل على أن يشهد الشاهد بعينه فيكون فيها القولان المتقدمان والصحيح أيضا جواز الاشتراك في ذلك كما هو قول مالك في أصح القولين لكن ليس لأحد الشريكين أن يدع العمل ويطلب مقاسمة الآخر بل عليه أن يعمل ما أوجبه العقد لفظا أو عرفا

وأما إذا أكرههم القضاة على هذه الشركة بغير اختيارهم فهذا ليس من باب الإكراه على العقود بغير حق لأن القضاة هم الذين يأذنون لهم في الارتزاق بالشهادة وذلك موقوف على تعديلهم ليس بمنزلة الصناع الذين يكتسبون بدون إذن ولي الأمر وإذا كان للقضاة أمر في ذلك جاز أن يكون لهم في التشريك بينهم فإنه لا بد من قعود اثنين فصاعدا ولا بد من اشتراكهما في الشهادة إذ شهادة الواحد لا تحصل مقصود الشهادة

وإذا كان كذلك فالواجب أن يراعى في ذلك موجب العدل بينهم فلا يمنتع أحدهم عن عمل هو عليه ولا يختص أحدهم بشيء من الرزق الذي وقعت الشركة عليه سواء كانوا مجتمعين أو متفرقين والله سبحانه أعلم

6 - 837 - مسألة: في الأموال التي يجهل مستحقها مطلقا أو مبهما

فإن هذه عامة النفع لأن الناس قد يحصل في أيديهم أموال يعلمون أنها محرمة لحق الغير إما لكونها قبضت ظلما: كالغصب وأنواعه من الجنايات والسرقة والغلول وإما لكونها قبضت بعقد فاسد من ربا أو ميسر ولا يعلم عين المستحق لها وقد يعلم أن المستحق رجلين ولا يعلم عينه: كالميراث الذي يعلم أنه لإحدى الزوجتين الباقية دون المطلقة والعين التي يتداعاها إثنان فيقر بها ذو اليد لأحدهما

فمذهب الإمام أحمد وأبي حنيفة ومالك وعامة السلف: إعطاء هذه الأموال لأولى الناس بها

ومذهب الشافعي أنها تحفظ مطلقا ولا تنفق بحال فيقول فيما جهل مالكه من الغصوب والعواري والودائع أنها تحفظ حتى يظهر أصحابها كسائر الأموال الضائعة ويقول في العين التي عرفت لأحد الرجلين يوقف الأمر حتى يصطلحا

ومذهب أحمد وأبي حنيفة فيما جهل مالكه أنه يصرف عن أصحابه في المصالح: كالصدقة على الفقراء وفيما استهم مالكه القرعة عند أحمد والقسمة عند أبي حنيفة

ويتفرع على هذه القاعدة ألف من المسائل نافعة واقعة وبهذا يحصل الجواب عما فرضه أبو المعالي في كتابه الغياثي وتبعه من تبعه إذا طبق الحرام الأرض ولم يبق سبيل إلى الحلال فإنه يباح للناس قدر الحاجة من المطاعم والملابس والمساكن والحاجة أوسع من الضرورة

وذكر أن ذلك يتصور إذا استولت الظلمة من الملوك على الأموال بغير حق وبثنها في الناس وأن زمانه قريب من هذا التقدير فكيف بما بعده من الأزمان

وهذا الذي قاله فرض محال لا يتصور لما ذكرته من هذه القاعدة الشرعية فإن المحرمات قسمان: محرم لعينه كالنجاسات من الدم والميتة ومحرم لحق الغير وهو ما جنسه مباح من المطاعم والمساكن والملابس والمراكب والنقود وغير ذلك

وتحريم هذه جميعها يعود إلى الظلم فإنها إنما تحرم لسببين:

أحدهما: قبضها بغير طيب صاحبها ولا إذن الشارع وهذا هو الظلم المحض: كالسرقة والخيانة والغصب الظاهر وهذا أشهر الأنواع بالتحريم

والثاني: قبضها بغير إذن الشارع وإن أذن صاحبها وهي العقود والقبوض المحرمة كالربا والميسر ونحو ذلك والواجب على من حصلت بيده ردها إلى مستحقها فإذا تعذر ذلك فالمجهول كالمعدوم وقد دل على ذلك قول النبي ﷺ في اللقطة: [ فإن وجدت صاحبها فأرددها إليه وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء ] فبين النبي ﷺ أن اللقطة التي عرف أنها ملك لمعصوم وقد خرجت عنه بلا رضاه إذا لم يوجد فقد آتاها الله لمن سلطه عليه بالالتقاط الشرعي

وكذلك اتفق المسلمون على أنه من مات ولا وارث له معلوم فماله يصرف في مصالح المسلمين مع أنه لا بد في غالب الخلق أن يكون له عصبة بعيد لكن جهلت عينه ولم ترج معرفته فجعل كالمعدوم وهذا ظاهر وله دليلان قياسيان قطعيان كما ذكرنا من السنة والإجماع فإن ما لا يعلم بحال أو لا يقدر عليه بحال هو في حقنا بمنزلة المعدوم فلا نكلف إلا بما نعلمه ونقدر عليه

وكما أنه لا فرق في حقنا بين فعل لم نؤمر به وبين فعل أمرنا به جملة عند فوت العلم أو القدرة كما في حق المجنون والعاجز كذلك لا فرق في حقنا بين مال لا مالك له أمرنا بإيصاله إليه وبين ما أمرنا بإيصاله إلى مالكه جملة إذا فات العلم به أو القدرة عليه والأموال كالأعمال سواء

وهذا النوع إنما حرم لتعلق حق الغير به فإذا كان الغير معدوما أو مجهولا بالكلية أو معجوزا عنه بالكلية: يسقط حق تعلقه به مطلقا كما يسقط حق تعلق حقه به إذا رجى العلم به أو القدرة عليه إلى حين العلم والقدرة كما في اللقطة سواء كما نية عليه ﷺ بقوله: [ فإن جاء صاحبها وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء ]

فإنه لو عدم المالك انتقل الملك عنه بالاتفاق فكذلك إذا عدم العلم به إعداما مستقرا وإذا عجز عن الإيصال إليه إعجازا مستقرا فالإعدام ظاهر والإعجاز مثل الأموال التي قبضها الملوك: كالمكوس وغيرها من أصحابها وقد تيقن أنه لا يمكننا إعادتها إلى أصحابها فإنفاقها في مصالح أصحابها من الجهاد عنهم أولى من إبقائها بأيدي الظلمة يأكلونها وإذا أنفقت كانت لمن يأخذها بالحق مباحة كما أنها على من يأكلها بالباطل محرمة

والدليل الثاني: القياس مع ما ذكرناه من السنة والإجماع أن هذه الأموال لا تخلو: إما أن تحبس وإما أن تتلف وإما أن تنفق

فأما إتلافها فإفساد والله لا يحب الفساد وهو إضاعة لها والنبي ﷺ قد نهى عن إضاعة المال وإن كان في مذهب أحمد ومالك: تجوز العقوبات المالية تارة بالأخذ وتارة بالإتلاف كما يقوله أحمد في متاع الفساد وكما يقوله أحمد ومن يقول من المالكية في أوعية الخمر ومحل الخمار وغير ذلك فإن العقوبة بإتلاف بعض الأموال أحيانا كالعقوبة بإتلاف بعض النفوس أحيانا

وهذا يجوز إذا كان فيه من التنكيل على الجريمة من المصلحة ما شرع له ذلك كما في إتلاف النفس والطرف وكما أن قتل النفس يحرم إلا بنفس أو فساد كما قال تعالى: { من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض }

وقالت الملائكة: { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء }

فكذلك إتلاف المال إنما يباح قصاصا أو لإفساد مالكه كما أبحنا من إتلاف البناء والغراس الذي لأهل الحرب مثل ما يفعلونه بنا بغير خلاف وجوزنا لإفساد مالكه ما جوزنا ولهذا لم أعلم أحدا من الناس قال إن الأموال المحترمة المجهولة المالك تتلف وإنما يحكي بعض ذلك عن بعض الغالطين من المتورعة أنه ألقى شيئا من ماله في البحر أو أنه تركه في البر ونحو ذلك فهؤلاء تجد منهم حسن القصد وصدق الورع لا صواب العمل

وأما حبسها دائما أبدا إلى غير غاية منتظرة بل مع العلم أنه لا يرجى معرفة صاحبها والقدرة على إيصالها إليه فهذا مثل إتلافها فإن الاتلاف إنما حرم لتعطيلها عن انتفاع الآدميين بها وهذا تعطيل أيضا بل هو أشد منه من وجهين

أحدهما: أنه تعذيب للنفوس بإبقاء ما يحتاجون إليه من غير انتفاع به

الثاني: أن العادة جارية بأن مثل هذه الأمور لا بد أن يستولي عليها أحد من الظلمة بعد هذا إذا لم ينفقها أهل العدل والحق فيكون حبسها إعانة للظلمة وتسليما في الحقيقة إلى الظلمة فيكون قد منعها أهل الحق وأعطاها أهل الباطل ولا فرق بين القصد وعدمه في هذا فإن من وضع إنسانا بمسبعة فقد قتله ومن ألقى اللحم بين السباع فقد أكله ومن حبس الأموال العظيمة لمن يستولي عليها من الظلمة فقد أعطاهموها

فإذا كان اتلافها حراما وحبسها أشد من اتلافها تعين إنفاقها وليس لها مصرف معين فتصرف في جميع جهات البر والقرب التي يتقرب بها إلى الله لأن الله خلق الخلق لعبادته وخلق لهم الأموال ليستعينوا بها على عبادته فتصرف في سبيل الله والله أعلم

7 - 838 - مسألة: هل تقبل شهادة المرضعة أم لا؟

الجواب: إن كان الشاهد ذا عدل قبل قوله في ذلك لكن في تحليفه نزاع وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه يحلف فإن كانت كاذبة لم يحل الحول حتى يبيض ثدياها

8 - 839 - مسألة: فيمن ولي على مال يتامى وهو قاصر فما الحكم في ولايته وأجرته؟

الجواب: لا يجوز أن يولى على مال اليتامى إلا من كان قويا خبيرا بما ولي عليه أمينا عليه والواجب إذا لم يكن الولي بهذه الصفة أن يستبدل به من يصلح ولا يستحق الأجرة المسماة لكن إذا عمل لليتامى عملا يستحق أجرة مثله كالعمل في سائر العقود الفاسدة

9 - 840 - مسألة: فيمن عنده يتيم وله مال تحت يده وقد رفع كلفة اليتيم عن ماله وينفق عليه من عنده فهل له أن يتصرف في ماله بتجارة أو شراء عقار مما يزيد المال وينميه بغير إذن الحاكم؟ الجواب: نعم يجوز له ذلك بل ينبغي له ولا يفتقر إلى إذن الحاكم إن كان وصيا وإن كان غير وصي وكان الناظر في أموال اليتامى الحاكم العالم العادل يحفظه ويأمر فيه بالمصلحة وجب استئذانه في ذلك وإن كان في استئذانه إضاعة المال مثل أن يكون الحاكم أو نائبه فاسقا أو جاهلا أو عاجزا أو لا يحفظ مال اليتامى حفظة المستولي عليه وعمل فيه المصلحة من غير استئذان الحاكم

الفتاوى الكبرى لابن تيمية
كتاب السنة والبدعة: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الطهارة: | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | كتاب الصلاة: | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | كتاب الذكر والدعاء | 1 | 2 | 3 | 4 | كتاب الصيام: 1 | 2 | 3 | كتاب الجنائز: 1 | 2 | 3 | 4 | كتاب النكاح: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الطلاق: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | | كتاب النفقات | كتاب الحدود: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الجهاد: 1 | 2 | كتاب البيوع: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الشهادة والأقضية والأموال: 1 | 2 | كتاب الوقف: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | كتاب الوصايا | كتاب الفرائض | كتاب الفضائل: 1 | 2 | كتاب الملاهي | مسائل منثورة: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | كتاب الطهارة2 | كتاب الصلاة2: 1 | 2 | كتاب الجنائز2 | كتاب الزكاة2 | كتاب الصوم2 | كتاب الحج | كتاب البيع: 1 | 2 | كتاب الوصية | كتاب الفرائض | كتاب العتق | كتاب النكاح2: 1 | 2 | كتاب الخلع | كتاب الطلاق2 | كتاب الرجعة | كتاب الظهار | كتاب الجنايات | كتاب الأطعمة | كتاب الأيمان | باب القضاء | كتاب إقامة الدليل على إبطال التحليل | كتاب في الرد على الطوائف الملحدة والزنادقة والجهمية والمعتزلة والرافضة: 1 |2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16