الرئيسيةبحث

هداية الحيارى/الرد على من طالب بالنسخ الصحيحة


الرد على من طالب بالنسخ الصحيحة

قال السائل: إن قلتم أن عبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، ونحوهما، شهدوا لنا بذلك من كتبهم، فهلا أتى ابن سلام وأصحابه الذين أسلموا بالنسخ التي لهم كي تكون شاهدة علينا؟

والجواب من وجوه:

أحدها: أن شواهد النبوة وآياتها لا تنحصر فيما عند أهل الكتاب من نعت النبي ﷺ وصفته، بل آياتها وشواهدها متنوعة متعددة جدا، ونعته وصفته في الكتب المتقدمة فرد من أفرادها، وجمهور أهل الأرض لم يكن إسلامهم عن الشواهد والأخبار التي في كتبهم، وأكثرهم لا يعلمونها ولا سمعوا بها. بل أسلموا للشواهد التي عاينوها، والآيات التي شاهدوها، وجاءت تلك الشواهد التي عند أهل الكتاب مقوية عاضدة من باب تقوية البينة، وقد تم النصاب بدونها. فهؤلاء العرب من أولهم إلى آخرهم لم يتوقف إسلامهم على معرفة ما عند أهل الكتاب من الشواهد، وإن كان ذلك قد بلغ بعضهم وسمعه منهم قبل النبوة وبعدها، كما كان الأنصار يسمعون من اليهود صفة النبي ﷺ ونعته، ومخرجه. فلما عاينوه وأبصروه عرفوه بالنعت الذي أخبرهم به اليهود فسبقوهم إليه، فشرق أعداء الله بريقهم وغصوا بمائهم.

وقالوا: ليس هو الذي كنا نعدهم به، فالعلم بنبوة محمد، والمسيح، وموسى صلوات الله وسلامه عليهم، لا يتوقف على العلم بأن من قبلهم أخبر بهم، وبشر بنبوتهم، بل طرق العلم بها متعددة فإذا عرفت نبوة النبي ﷺ بطريق من الطرق ثبتت نبوته، ووجب اتباعه، وإن لم يكن من قبله بشر به، فإذا علمت نبوته بما قام عليها من البراهين: فإما أن يكون تبشير من قبله به لازما لنبوته، وإما أن لا يكون لازما، فإن لم يكن لازما لم يجب وقوعه، ولا يتوقف تصديق النبي عليه بل يجب تصديقه بدونه، وإن كان لازما علم قطعا أنه قد وقع، وعدم نقله إلينا لا يدل على عدم وقوعه إذ لا يلزم من وجود الشيء نقله العام، ولا الخاص. وليس كلما أخبر به موسى والمسيح، وغيرهما من الأنبياء المتقدمين وصل إلينا وهذا مما يعلم، بالاضطرار فلو قدر أن البشارة بنبوته ﷺ ليست في الكتب الموجودة بأيديكم لم يلزم أن لا يكون المسيح وغيره بشروا به، بل قد يبشرون ولا ينقل.

ويمكن أن يكون في كتب غير هذه المشهورة المتداولة بينكم، فلم يزل عند كل أمة كتب لا يطلع عليها إلا بعض خاصتهم فضلا عن جميع عامتهم، ويمكن أنه كان في بعضها فأزيل منه وبدل ونسخت النسخ من هذه التي قد غيرت، واشتهرت بحيث لا يعرف غيرها، وأخفي أمر تلك النسخ الأولى. وهذا كله ممكن، لا سيما من الأمة التي تواطأت على تبديل دين نبيها وشريعته، هذه كله على تقدير عدم البشارة به في شيء من كتبهم أصلا. ونحن قد ذكرنا من البشارات به التي في كتبهم ما لا يمكن لمن له أدنى معرفة منهم جحده والمكابرة فيه، وإن أمكنهم المغالطة بالتأويل عند رعاعهم وجهالهم.

الوجه الثاني: أن عبد الله بن سلام قد قابل اليهود، وأوقفهم بين يدي رسول الله ﷺ على أن ذكره، ونعته، وصفته في كتبهم، وأنهم يعلمون أنه رسول الله ﷺ، وقد شهدوا بأنه أعلمهم، وابن أعلمهم، وخيرهم وابن خيرهم، فلم يضر قولهم بعد ذلك: أنه شرهم، وابن شرهم، وجاهلهم، وابن جاهلهم.

كما إذا شهد على رجل شاهد عند الحاكم، فسأله عنه فعدله، وقال: إنه مقبول الشهادة عدل، رضي لا يشهد إلا بالحق، وشهادته جائزة علي، فلما أدى الشهادة قال: إنه كاذب شاهد زور، ومعلوم أن هذا لا يقدح في شهادته.

وأما كعب الأحبار فقد ملأ الدنيا من الأخبار بما في النبوات المتقدمة من البشارة به، وصرح بها بين أظهر المسلمين، واليهود، والنصارى، وأذن بها على رؤوس الملأ، وصدقه مسلموا أهل الكتاب عليها، وأقروه على ما أخبر به، وأنه كان أوسعهم علما بما في كتب الأنبياء.

وقد كان الصحابة يمتحنون ما ينقله، ويزنونه بما يعرفون صحته، فيعلمون أصدقه، وشهدوا له بأنه أصدق الذين يحكون لهم عن أهل الكتاب، أو من أصدقهم.

ونحن اليوم ننوب عن عبد الله بن سلام، وقد أوجدنا كم هذه البشارات في كتبكم، فهي شاهدة لنا عليكم، والكتب بأيديكم فأتوا بها فاتلوها إن كنتم صادقين، وعندنا ممن وفقه الله للإسلام منكم من يواقفكم، ويقابلكم، ويحاققكم عليها، وإلا فاشهدوا على أنفسكم بما شهد الله، وملائكته، وأنبيائه، ورسله، وعباده المؤمنون به، عليكم من الكفر والتكذيب، والجحد للحق، ومعاداة الله ورسوله.

الوجه الثالث: أنه لو أتاكم عبد الله بن سلام بكل نسخة متضمنة لغاية البيان والصراحة، لكان في بهتكم، وعنادكم، وكذبكم، ما يدفع في وجوهها ويحرفها أنواع التحريف ما وجد إليه سبيلا، فإذا جاءكم بما لا قبل لكم به، قلتم: ليس هو، ولم يأت بعد، وقلتم: نحن لا نفارق حكم التوراة، ولا نتبع نبي الأميين.

وقد صرح أسلافكم الذين شاهدوا رسول الله ﷺ، وعاينوه، أنه رسول حقا، وأنه المبشر به، الموعود به، على ألسنة الأنبياء المتقدمين، وقال من قال منهم في وجهه: نشهد أنك نبي فقال: «ما يمنعك من اتباعي»؟ قال: إنا نخاف أن يقتلنا يهود.

وقد قال تعالى: (إن الذي حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون، ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم)، وقد جاءكم بآيات هي أعظم من بشارات الأنبياء به وأظهر، بحيث أن كل آية منها يصلح أن يؤمن على مثلها البشر، فما زادكم ذلك إلا نفورا، وتكذيبا، وإباء لقبول الحق، فلو نزل الله إليكم ملائكته، وكلمكم الموتى، وشهد له بالنبوة كل رطب ويابس، لغلبت عليكم الشقوة وصرتم إلى ما سبق لكم في أم الكتاب.

وقد رأى من كان أعقل منكم وأبعد من الحسد من آيات الأنبياء ما رأوا، وما زادهم ذلك إلا تكذيبا وعنادا، فأسلافكم وقدوتكم في تكذيب الأنبياء من الأمم، لا يحصيهم إلا الله حتى كأنكم تواصيتم بذلك أوصى به الأول للآخر، واقتدى فيه الآخر بالأول قال تعالى:

(كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون)، وهبنا ضربنا عن إخبار الأنبياء المتقدمين به صفحا، أفليس في الآيات والبراهين التي ظهرت على يديه ما يشهد بصحة نبوته؟

وسنذكر منها بعد الفراغ من الأجوبة طرفا يقطع المعذرة، ويقيم الحجة والله المستعان.

هداية الحيارى
خطبة الكتاب | تمهيد | مسائل الكتاب | المسألة الأولى | الأسباب المانعة من قبول الحق | لا غرابة في جحد النصارى رسالة محمد وقد سبوا الله | صلاة النصارى استهزاء بالمعبود | المسألة الثانية | قصة النجاشي | وفد نصارى نجران | خبر عدي بن حاتم الطائي | قصة سلمان الفارسي | قصة هرقل | إسلام النجاشي | قصة المقوقس | قصة ابن الجلندي | صاحب اليمامة | قصة الحارث | قصة عبد الله بن سلام | المذكور في كتبهم غالبا وهو أبلغ من الاسم | نصارى نجران | اثنا عشر وجها تدل على أنه مذكور في الكتب المنزلة | اختلاف نسخ التوراة والإنجيل وتناقضها | نصوص الكتب المتقدمة في البشارة به وصفته ونعت أمته | النصارى آمنوا بمسيح لا وجود له واليهود ينتظرون المسيح الدجال | ما عوض به إبليس والنصارى وكل مستكبر عن حق | أدلة من التوراة على نبوة محمد | نطق التوراة صراحة بنبوة محمد | ما ذكر في نبوة حبقوق | مناظرة المؤلف لأحد كبار اليهود | صفات النبي المذكورة في كتبهم | خبر المباهلة | حديث وهب عن الزبور | خبر الحجر الذي وجد في قبر دانيال | أخبار أمية بن أبي الصلت الثقفي | خبر بحيرا الراهب | خبر آخر عن هرقل | الطرق الأربعة الدالة على صحة البشارة به | تحريف التوراة والإنجيل | سبب تحريف التوراة | جحدهم بنبوة محمد نظير جحدهم نبوة المسيح | التغيير في ألفاظ الكتب | المناقضات في الإنجيل | الرد على من طالب بالنسخ الصحيحة | الرد على من قال بعدم كفر هاتين الأمتين | الرد على من طعن بالصحابة | معاصي الأمم لا تقدح في الرسل ولا في رسالتهم | كتب اليهود | من شريعتهم نكاح امرأة الأخ أو العار | دين النصارى | مقالة أشباه الحمير في مريم وابنها | لو لم يظهر محمد لبطلت نبوة سائر الأنبياء | النصارى أشد الأمم افتراقا في دينهم | اختلاف فرقهم المشهورة في شخصية المسيح | تاريخ المجامع النصرانية | ذكر ماني الكذاب | بولس أول من ابتدع اللاهوت والناسوت في شأن المسيح | أول من ابتدع شارة الصليب قسطنطين | المجمع الأول | المجمع الثاني | المجمع الثالث | المجمع الرابع | المجمع الخامس | المجمع السادس | المجمع السابع | المجمع الثامن | المجمع التاسع | المجمع العاشر | لو عرض دين النصرانية على قوم لم يعرفوا لهم إلها لامتنعوا من قبوله | يستحيل الإيمان بنبي من الأنبياء مع جحد نبوة محمد | إنكار النبوات شيمة الفلاسفة والمجوس وعباد الأصنام | غباوة اليهود | إشراق الأرض بالنبوة