الرئيسيةبحث

درء تعارض العقل والنقل/7


قول آخر للخلال في السنة

وقال الخلال في السنة: ( أخبرني علي بن عيسى أن حنبلا حدثهم قال: سمعت أبا عبد الله يقول: ( من زعم أن الله لم يكلم موسى فقد كفر بالله وكذب القرآن ورد على رسول الله ﷺ أمره يستتاب من هذه المقالة فإن تاب وإلا ضربت عنقه )

قال: ( وسمعت أبا عبد الله قال: { وكلم الله موسى } ( النساء: 164 ) فأثبت الكلام لموسى كرامة منه لموسى ثم قال تعالى يؤكد كلامه: { تكليما } ( النساء: 164 )

قلت لأبي عبد الله: ( الله عز وجل يكلم عبد ه يوم القيامة؟ قال: نعم فمن يقضي بين الخلائق إلا الله عز وجل؟ يكلم عبده ويسأله الله متكلم لم يزل الله يأمر بما يشاء ويحكم وليس به عدل ولا مثل كيف شاء وأنى شاء )

قال الخلال: ( أخبرنا محمد بن علي بن بحر أن يعقوب بن بختان حدثهم أن أبا عبد الله سئل عمن زعم أن الله لم يتكلم بصوت؟ فقال: بلى تكلم بصوب وهذه الأحاديث كما جاءت نرويها لكل حديث وجه يريدون أن يموهوا على الناس من زعم أن الله لم يكلم موسى فهو كافر

حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد الله - يعني ابن مسعود - قال: ( إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء فيخرون سجدا حتى إذا فزغ عن قلوبهم - قال: سكن عن قلوبهم - نادى أهل السماء: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق قال: كذا وكذا )

قال الخلال: ( وأنبأنا أبو بكر المروزي: سمعت أبا عبد الله - وقيل له: إن عبد الوهاب قد تكلم وقال: من زعم أن الله كلم موسى بلا صوت فهو جهمي عدو الله وعدو الإسلام - فتبسم أبو عبد الله وقال ( ما أحسن ما قال ! عافاه الله ! )

وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن قوم يقولون: لما كلم موسى لم يتكلم بصوت فقال أبي: بلى تكلم تبارك وتعالى بصوت وهذه الأحاديث نرويها كما جاءت وحديث ابن مسعود: ( إذا تكلم الله بالوحي سمع له صوت كجر السلسلة على الصفوان ) قال أبي: والجهمية تنكره قال أبي: وهؤلاء كفار يريدون أن يموهوا على الناس من زعم أن الله لم يتكلم فهو كافر إنما نروي هذه الأحاديث كما جاءت )

قلت: وهذا الصوت الذي تكلم الله به ليس هو الصوت المسموع من العبد بل ذلك صوته كما هو معلوم لعامة الناس وقد نص على ذلك الأئمة: أحمد وغيره فالكلام المسموع منه هو كلام الله لا كلام غيره كما قال تعالى: { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله } ( التوبة: 6 ) وقال النبي ﷺ: [ ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي فإن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي ] رواه أبو داود وغيره وقال ﷺ: [ زينوا القرآن بأصواتكم ] وقال: [ ليس منا من لم يتغن بالقرآن ]

ذكر الخلال عن إسحاق بن إبراهيم قال لي أبو عبد الله يوما - وكنت سألته عنه: تدري ما معنى ( من لم يتغن بالقرآن )؟ قلت: لا - قال: هو الرجل يرفع صوته فهذا معناه إذا رفع صوته لقد تغنى به

وعن صالح بن أحمد أنه قال لأبيه: ( زينوا القرأن بأصوتكم ) فقال: التزيين أن يحسنه

وعن الفضل بن زياد قال: سألت أبا عبد الله عن القراءة؟ فقال: يحسنه بصوته من غير تكلف

وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن القراءة بالألحان فقال: كل شيء محدث فإنه لا يعجبني إلا أن يكون صوت الرجل لا يتكلفه

وقال القاضي أبو يعلى: هذا يدل من كلامه على أن صوت القارىء ليس هو الصوت الذي تكلم الله به لأنه أضافه إلى القارىء الذي هو طبعه من غير أن يتعلم الألحان

قول البخاري في كتاب خلق أفعال العباد

وقال أبو عبد الله البخاري - صاحب الصحيح - في كتاب خلق الأفعال: يذكر عن النبي ﷺ: [ أن الله ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب وليس هذا لغير الله عز وجل ]

قال أبو عبد الله البخاري: ( وفي هذا دليل على أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق لأن صوت الله يسمع من بعد كما يسمع من قرب وأن الملائكة يصعقون من صوته فإذا تنادى الملائكة لم يصعقوا قال: { فلا تجعلوا لله أندادا } ( البقرة: 22 ) فليس لصفة الله ند ولا مثل ولا يوجد شيء من صفاته في المخلوقين )

ثم روى بإسناده حديث عبد الله بن أنيس - الذي استشهد به في غير موضع من الصحيح تارة يجزم به وتارة يقول: ( ويذكر عن عبد الله بن أنيس ) - قال: سمعت النبي ﷺ يقول: [ يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة ] وذكر الحديث - الذي رواه في صحيحه - عن أبي سعيد قال: [ قال رسول الله ﷺ: يقول الله يوم القيامة: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار قال: يا رب ما بعث النار؟ قال: من كل ألف - أراه قال: تسعمائة وتسعة وتسعين - فحينئذ تضع الحامل حملها ] { وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد } ( الحج: 2 ) وذكر حديث ابن مسعود - الذي استشهد به أحمد - وذكر الحديث الذي رواه في صحيحه عن عكرمة: سمعت أبا هريرة يقول: إن رسول الله ﷺ قال: [ إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله: كأنه سلسلة على صفوان ] فإذا { فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير } ( سبأ: 23 ) وذكر حديث ابن عباس المعروف من حديث الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس عن نفر من الأنصار - وقد رواه احمد ومسلم في صحيحه وغيرهما وساقه البخاري من طريق ابن إسحاق عنه - [ أن رسول الله ﷺ قال لهم: ما تقولون في هذا النجم الذي يرمى به؟ قالوا: كنا يا رسول الله نقول حين رأيناه يرمى بها: مات ملك ولد مولود مات مولود فقال رسول الله ﷺ: ليس ذلك كذلك ولكن الله إذا قضى في خلقه أمرا يسمعه أهل العرش فيسبحون فيسبح من تحتهم بتسبيحهم فيسبح من تحت ذلك فلم يزل التسبيح يهبط حتى ينتهي إلى السماء الدنيا حتى يقول بعضهم لبعض: لم سبحتم؟ فيقولون: سبح من فوقنا فسبحنا بتسبيحهم فيقولون: أفلا تسألون من فوقكم مم سبحوا؟ فيسألونهم فيقولون: قضى الله في خلقه كذا وكذا الأمر الذي كان فيهبط الخبر من سماء إلى سماء حتى ينتهي إلى السماء الدنيا فيتحدثون به فتسترقه الشياطين بالسمع على توهم منهم واختلاف ثم يأتون به إلى الكهان من أهل الأرض فيحدثونهم فيخطئون ويصيبون فتحدث به الكهان ثم إن الله حجب الشياطين عن السماء بهذا النجوم فانقطعت الكهانة اليوم فلا كهانة ]

وقال البخاري أيضا: ( ولقد بين نعيم بن حماد أن كلام الرب ليس بخلق وأن العرب لا تعرف الحي من الميت إلا بالفعل فمن كان له فعل فهو حي ومن لم يكن له فعل فهو ميت وأن أفعال العباد مخلوقة فضيق عليه حتى مضى لسبيله وتوجع أهل العلم لما نزل به )

قال: ( وفي اتفاق المسلمين دليل على أن نعيما ومن نحا نحوه ليس بمارق ولا مبتدع بل البدع والترؤس بالجهل بغيرهم أولى إذ يفتون بالآراء المختلفة مما لم يأذن به الله )

كلام المحاسبي في فهم القرآن

وقال الحارث بن أسد المحاسبي في كتاب فهم القرآن لما تكلم على ما يدخل في النسخ وما لا يدخل فيه النسخ وما يظن أنه متعارض من الآيات وذكر عن أهل السنة في الإرادة والسمع والبصر قولين في مثل قوله: { لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين } ( الفتح: 27 ) وقوله: { وإذا أردنا أن نهلك قرية } ( الإسراء: 16 ) وقوله: { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } ( يس: 82 ) وكذلك قوله: { إنا معكم مستمعون } ( الشعراء: 15 ) وقوله: { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون } ( التوبة: 105 ) ونحو ذلك فقال: ( قد ذهب قوم من أهل السنة إلى أن الله استماعا حادثا في ذاته وذكر أن هؤلاء وبعض أهل البدع تأولوا ذلك في الإرادة على الحوادث

قال: ( فأما من ادعى السنة فأراد إثبات القدر فقال: إرادة الله تحدث إن حدثت من تقدير سابق الإرادة وأما بعض أهل البدع فزعموا أن الإرادة إنما هي خلق حادث وليست مخلوقة ولكن بها كون الله المخلوقين )

قال: ( وزعموا أن الخلق غير المخلوق وأن الخلق هو الإرادة وأنه ليست بصفة لله من نفسه )

قال: ( ولذلك قال بعضهم: إن رؤيته تحدث )

واختار الحارث المحاسبي القول الآخر وتأول المنصوص على أن الحادث هو وقت المراد لا نفس الإرادة قال: وكذلك قوله: { إنا معكم مستمعون } وقوله: { فسيرى الله عملكم } تأوله على أن المراد حدوث المسموع والمبصر كما تأول قوله تعالى: { حتى نعلم } ( محمد: 31 ) حتى يكون المعلوم بغير حادث علم في الله ولا بصر ولا سمع ولا معنى حدث في ذات الله تعالى عن الحوادث في نفسه

كلام محمد بن الهيصم في جمل الكلام

وقال محمد بن الهيصم في كتاب جمل الكلام له: لما ذكر جمل الكلام في القرآن وأنه مبني على خمسة فصول :

أحدها: أن القرآن كلام الله فقد حكى عن جهم بن صفوان أن القرآن ليس كلام الله على الحقيقة إنما هو كلام خلقه الله فنسب إليه كما قيل: سماء الله وأرض الله وكما قيل: بيت الله وشهر الله وأما المعتزلة فإنهم أطلقوا القول بأنه كلام الله على الحقيقة ثم وافقوا جهما في المعنى حيث قالوا: كلام الله خلقه بائنا منه وقال عامة المسلمين: إن القرآن كلام الله على الحقيقة وإنه تكلم به

والفصل الثاني في أن القرآن غير قديم فإن الكلابية وأصحاب الأشعري زعموا أن الله لم يزل يتكلم بالقرآن وقال أهل الجماعة: بل إنما تكلم بالقرآن حيث خاطب به جبريل وكذلك سائر الكتب

والفصل الثالث: أن القرآن غير مخلوق فإن الجهمية والنجارية والمعتزلة زعموا أنه مخلوق وقال أهل الجماعة: إنه غير مخلوق

والفصل الرابع: أنه غير بائن من الله فإن الجهمية وأشياعهم من المعتزلة قالوا إن القرآن بائن من الله وكذلك سائر كلامه وزعموا أن الله خلق كلاما في الشجرة فسمعه موسى وخلق كلاما في الهواء فسمعه جبريل ولا يصح عندهم أن يوجد من الله كلام يقوم به في الحقيقة وقال أهل الجماعة: بل القرآن غير بائن من الله وإنما هو موجود منه وقائم به )

وذكر محمد بن الهيصم في مسألة الإرادة والخلق والمخلوق وغير ذلك ما يوافق ما ذكره هنا من إثبات الصفات الفعلية القائمة بالله التي ليست قديمة ولا مخلوقة

كلام الدارمي في النقض على بشر المريسي

وقال عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه المعروف بنقض عثمان بن سعيد على بشر المريسي الجهمي العنيد فما افترى على الله في التوحيد قال: ( وادعى المعارض أيضا: أن قول النبي ﷺ: [ إن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يمضي ثلث الليل فيقول: هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ هل من داع؟ ] قال: ( فادعى أن الله لا ينزل بنفسه إنما ينزل أمره ورحمته وهو على العرش وبكل مكان من غير زوال لأنه الحي القيوم والقيوم بزعمه من لا يزول )

قال: ( فيقال لهذا المعارض: وهذا أيضا من حجج النساء والصبيان ومن ليس عنده بيان ولا لمذهبه برهان لأن أمر الله ورحمته ينزل في كل ساعة ووقت وأوان فما بال النبي ﷺ يحد لنزوله الليل دون النهار ويؤقت من الليل شطره أو الأسحار؟ أفأمره ورحمته يدعوان العباد إلى الاستغفار أو يقدر الأمر والرحمة أن يتكلما دونه فيقولا: هل من داع فأجيب؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطي؟ فإن قررت مذهبك لزمك أن تدعي أن الرحمة والأمر هما اللذان يدعوان إلى الإجابة والاستغفار بكلامهما دون الله وهذا محال عند السفهاء فكيف عند الفقهاء؟ قد علمتم ذلك ولكن تكابرون وما بال رحمته وأمره ينزلان من عنده شطر الليل ثم لا يمكثان إلا إلى طلوع الفجر ثم يرفعان؟ لأن رفاعة يرويه يقول في حديثه [ حتى ينفجر الفجر ] قد علمتم إن شاء الله أن هذا التأويل أبطل باطل لا يقبله إلا كل جاهل وما دعواه أن تفسير ( القيوم ) الذي لا يزول عن مكانه ولا يتحرك فلا يقبل منك هذا التفسير إلا بأثر صحيح مأثور عن رسول الله ﷺ أو عن بعض أصحابه أو التابعين لأن الحي القيوم يفعل ما يشاء ويتحرك إذا شاء ويهبط ويرتفع إذا شاء ويقبض ويبسط ويقوم ويجلس إذا شاء لأن أمارة ما بين الحي والميت التحرك كل حي متحرك لا محالة وكل ميت غير متحرك لا محالة ومن يلتفت إلى تفسيرك وتفسير صاحبك مع تفسير نبي الرحمة ورسول رب العزة إذ فسر نزوله مشروحا منصوصا ووقت لنزوله مخصوصا لم يدع لك ولا لأصحابك فيه لبسا ولا عويصا )

قال: ( ثم أجمل المعارض جميع ما ينكر الجهمية من صفات الله تعالى وذاته المسماة في كتابه وفي آثار رسول الله ﷺ فعد منها بضعا وثلاثين صفة نسقا واحدا يحكم عليها ويفسرها بما حكم المريسي وفسرها وتأولها حرفا حرفا خلاف ما عنى الله وخلاف ما تأولها الفقهاء الصالحون لا يعتمد في أكثرها إلا على المريسي فبدأ منها بالوجه ثم بالسمع والبصر والغضب والرضا والحب والبغض والفرح والكره والضحك والعجب والسخط والإرادة والمشيئة والأصابع والكف والقدمين وقوله: { كل شيء هالك إلا وجهه } ( القصص: 88 ) { فأينما تولوا فثم وجه الله } ( البقرة: 115 ) { وهو السميع البصير } ( الشورى: 11 ) و{ خلقت بيدي } ( ص: 75 ) { وقالت اليهود يد الله مغلولة } ( المائدة: 64 ) و{ يد الله فوق أيديهم } ( الفتح: 10 ) { والسماوات مطويات بيمينه } ( الزمر: 67 ) وقوله: { فإنك بأعيننا } ( الطور: 21 ) و{ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة } ( البقرة: 210 ) { وجاء ربك والملك صفا صفا } ( الفجر: 22 ) { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية } ( الحاقة: 17 ) و{ الرحمن على العرش استوى } ( طه: 5 ) و{ الذين يحملون العرش ومن حوله } ( غافر: 7 )

وقوله { ويحذركم الله نفسه } ( آل عمران: 30: 28 ) و{ ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم } ( آل عمران: 77 ) و{ كتب ربكم على نفسه الرحمة } ( الأنعام: 54 ) و{ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك } ( المائدة: 116 ) و{ الله يحب التوابين ويحب المتطهرين } ( البقرة: 22 )

قال: ( عمد المعارض إلى هذه الصفات والآيات فنسقها ونظم بعضها بعض كما نظمها شيئا بعد شيء ثم فرقها أبوابا في كتابه وتلطف بردها بالتأويل كتلطف الجهمية معتمدا فيها على تفسير الزائغ الجهمي بشر بن غياث المريسي دون من سواه مستترا عند الجهال بالتشنع بها على قوم يؤمنون بها ويصدقون الله ورسوله فيها بغير تكييف ولا تمثال فزعم أن هؤلاء المؤمنين بها يكيفونها ويشبهونها بذوات أنفسهم وأن العلماء بزعمه قالوا: ليس في شيء منها اجتهاد رأي ليدرك كيفية ذلك أو يشبه شيء منها بشيء مما هو في الخلق موجود )

قال: ( وهذا خطأ لما أن الله ليس كمثله شيء فكذلك ليس ككيفيته شيء

قال: أبو سعيد: فقلنا لهذا المعارض المدلس بالتشنيع: أما قولك: إن كيفية هذه الصفات وتشبيهها بما هو في الخلق خطأ فإنا لا نقول: إنه خطأ كما قلت بل هو عندنا كفر ونحن لكيفيتها وتشبيهها بما هو في الخلق موجود أشد أنفا منكم غير أنا - كما لا نشبهها ولا نكيفها - لا نكفر بها ولا نكذبها ولا نبطلها بتأويل الضلال كما ابطلها إمامك المريسي في أماكن من كتابك سنبينها لمن غفل عنها ممن حواليك من الأغمار

وأما ما ذكرت من اجتهاد الرأي في تكييف صفات الله فإنا لا نجيز اجتهاد الرأي في كثير من الفرائض والأحكام التي نراها بأعيننا وتسمع في آذاننا فكيف في صفات الله التي لم ترها العيون وقصرت عنها الظنون؟ غير أنا لا نقول فيها كما قال إمامك المريسي: إن هذه الصفات كلها كشيء واحد وليس السمع منه غير البصر ولا الوجه منه غير اليد ولا اليد منه غير النفس وأن الرحمن ليس يعرف - بزعمكم - لنفسه سمعا من بصر ولا بصرا من سمع ولا وجها من يدين ولا يدين من وجه هو كله بزعمكم سمع وبصر ووجه وأعلى وأسفل ويد ونفس وعلم ومشيئة وإرادة مثل خلق الأرضين والسماء والجبال والتلال والهواء التي لا يعرف لشيء منها شيء من هذه الصفات والذوات ولا يوقف لها منها على شيء فالله المتعالى عندنا أن يكون كذلك فقد ميز الله في كتابه السمع من البصر فقال: { إنني معكما أسمع وأرى } ( طه: 46 ) و{ إنا معكم مستمعون } ( الشعراء: 15 ) وقال: { ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم } ( آل عمران: 77 ) ففرق بين الكلام والنظر دون السمع فقال عند السماع والصوت: { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير } ( المجادلة: 1 ) و{ لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء } ( آل عمران: 181 ) ولم يقل: قد رأى الله قول التي تجادلك في زوجها

وقال موضع الرؤية إنه: { الذي يراك حين تقوم } { وتقلبك في الساجدين } ( الشعراء: 219: 218 ) وقال تعالى: { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله } ( التوبة: 105 ) ولم يقل: يسمع الله تقلبك ويسمع الله عملكم فلم يذكر الرؤية فيما يسمع ولا السماع فيما يرى لما أنهما عنده خلاف ما عندكم

وكذلك قال الله تعالى: { ودسر } { تجري بأعيننا } ( القمر: 14: 13 ) { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } ( الطور: 48 ) { ولتصنع على عيني } ( طه: 39 ) ولم يقل لشيء من ذلك: على سمعي فكما نحن لا نكيف هذه الصفات لا نكذب بها كتكذيبكم ولا نفسرها كباطل تفسيركم )

ثم قال: ( باب الحد والعرش قال أبو سعيد: وادعى المعارض أيضا أنه ليس لله حد ولا غاية ولا نهاية )

قال: ( وهذا هو الأصل الذي بنى عليه جهم جميع ضلالاته واشتق منها جميع أغلوطاته وهي كلمة لم يبلغنا أنه سبق جهما إليها أحد من العالمين فقال له قائل ممن يحاوره: قد علمت مرادك أيها الأعجمي تعني أن الله لا شيء لأن الخلق كلهم قد علموا أنه ليس له شيء يقع عليه اسم الشيء إلا وله حد وغاية وصفة وأن ( لا شيء ) ليس له حد ولا غاية ولا صفة فالشيء أبدا موصوف لا محالة ولا شيء يوصف بلا حد ولا غاية وقولك: لا حد له يعني أنه لا شيء

قال أبو سعيد: والله تعالى له حد لا يعلمه أحد غيره ولا يجوز أن يتوهم لحده غاية في نفسه ولكن نؤمن بالحد ونكل علم ذلك إلى الله ولمكانه أيضا حد وهو على عرشه فوق سمواته فهذان حدان اثنان

وسئل عبدالله بن المبارك بم نعرف ربنا؟ قال: بأنه على عرشه بائن من خلقه قيل: بحد؟ قال: بحد حدثناه الحسن بن الصباح البزار عن علي بن الحسين بن شقيق عن ابن المبارك

فمن ادعى أنه ليس لله حد فقد رد القرآن وادعى أنه لا شيء لأن الله وصفة حد مكانه في مواضع كثيرة من كتابه فقال: { الرحمن على العرش استوى } ( طه: 5 ) { أأمنتم من في السماء } ( الملك: 16 ) { إني متوفيك ورافعك إلي } ( آل عمران: 55 ) { يخافون ربهم من فوقهم } ( النحل: 50 ) { إليه يصعد الكلم الطيب } ( فاطر: 10 ) فهذا كله وما أشبهه شواهد ودلائل على الحد ومن لم يعترف به فقد كفر بتنزيل الله وجحد آيات الله

و[ قال رسول الله ﷺ: إن الله فوق عرشه فوق سماواته ] و[ قال للأمة السواداء: أين الله؟ قالت: في السماء قال أعتقها فإنها مؤمنة ] فقول رسول الله ﷺ: [ أنها مؤمنة ] دليل على أنها لو لم تؤمن بأن الله في السماء كما قال الله ورسوله لم تكن مؤمنة وأنه لا يجوز في الرقبة المؤمنة إلا من يحد الله أنه في السماء كما قال الله ورسوله

حدثنا أحمد بن منيع حدثنا أبو معاوية عن شبيب بن شيبة عن الحسن [ عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال لأبيه: يا حصين كم تعبد اليوم إلها؟ قال: سبعة ستة في الأرض وواحد في السماء قال فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء ] فلم ينكر النبي ﷺ على الكافر إذ عرف أن إله العالمين في السماء كما قاله النبي ﷺ فحصين الخزاعي في كفره يومئذ كان أعلم بالله الجليل الأجل من المريسي وأصحابه مع ما ينتحلون من الإسلام إذ ميز بين الإلة الخالق الذي في السماء وبين الآلهة والأصنام المخلوقة التي في الأرض

وقد اتفقت الكلمة من المسلمين والكافرين: أن الله في السماء وحدوه بذلك إلا المريسي الضال وأصحابه حتى الصبيان الذين لم يبلغوا الحنث قد عرفوه بذلك إذا حزب الصبي شيء يرفع يده إلى ربه يدعوه في السماء دون ما سواها وكل أحد بالله وبمكانه أعلم من الجهمية

ثم انتدب المعارض لتلك الصفات التي ألفها وعددها في كتابه من الوجه والسمع والبصر وغير ذلك يتأولها ويحكم على الله وعلى رسوله فيها حرفا بعد حرف وشيئا بعد شيء بحكم بشر بن غياث المريسي لا يعتمد فيها على إمام أقدم منه ولا أرشد منه عنده فاغتنمنا ذلك كله منه إذ صرح باسمه وسلم فيها لحكمه لما أن الكلمة قد اجتمعت من عامة الفقهاء في كفره وهتك ستره وافتضاحه في مصره وفي سائر الأمصار الذي سمعوا بذكره )

ثم ذكر الكلام على إبطال تأويلات الجهمية للصفات الواردة في الكتاب والسنة

كلام الدارمي في الرد على الجهمية

وقال عثمان بن سعيد في كتاب الرد على الجهمية له: ( باب الإيمان بكلام الله تعالى ) قال أبو سعيد: فالله المتكلم أولا وآخرا لم يزل له الكلام إذ لا متكلم غيره ولا يزال له الكلام إذ لا يبقى متكلم غيره فيقول: { لمن الملك اليوم } ( غافر: 16 ) أنا الملك أنا الديان أين ملوك الأرض؟ فلا ينكر كلام الله إلا من يريد إبطال ما أنزل الله عز وجل وكيف يعجز عن الكلام من علم العباد الكلام وأنطق الأنام؟ قال الله تعالى في كتابه { وكلم الله موسى تكليما } ( النساء: 164 ) فهذا لا يحتمل تأويلا غير نفس الكلام وقال لموسى: { إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي } ( الأعراف: 144 ) وقال الله تعالى: { وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون } ( البقرة: 75 ) وقال { يريدون أن يبدلوا كلام الله } ( الفتح: 15 ) وقال { لا تبديل لكلمات الله } ( يونس: 64 ) وقال: { وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته } ( الأنعام: 115 )

وذكر آيات أخر إلى أن قال: ( وقال تعالى لقوم موسى حين اتخذوا العجل فقال { أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا } ( طه: 89 ) وقال: { عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين } ( الأعراف: 148 )

قال أبو سعيد: ففي كل ما ذكرنا تحقيق كلام الله وتثبيته نصا بلا تأويل ففيما عاب الله تعالى به العجل في عجزه عن القول والكلام بيان أن الله غير عاجز عنه وأنه متكلم وقائل لأنه لم يكن ليعيب العجل بشيء هو موجود فيه وقال إبراهيم: { بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون } ( الأنبياء: 63 ) إلى قوله { أفلا تعقلون } ( الأنبياء: 67 ) فلم يعب إبراهيم أصنامهم وآلهتهم التي يعبدون بالعجز عن الكلام إلا وأن إلهه متكلم قائل )

وبسط الكلام في ذلك إلى أن قال: ( أرأيتم قولكم: إنه مخلوق فما بدء خلقه؟ أقال الله له ( كن ) فكان كلاما قائما بنفسه بلا متكلم به؟ فقد علم الناس - إلا ما شاء الله منهم - أن الله لم يخلق كلاما يرى ويسمع بلا متكلم به فلا بد من أن تقولوا في دعواكم: الله المتكلم بالقرآن فأضفتموه إلى الله فهذا أجور الجور وأكذب الكذب: أن تضيفوا كلام المخلوق إلى الخالق ولو لم يكن كفرا كان كذبا بلا شك فيه فكيف وهو كفر لا شك فيه؟ لا يجوز لمخلوق يؤمن بالله واليوم الآخر أن يدعي الربوبية ويدعوا الخلق إلى عبادته فيقول: { إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني } ( طه: 14 ) و{ إني أنا ربك } ( طه: 12 ) { وأنا اخترتك } ( طه: 13 ) { واصطنعتك لنفسي * اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري } ( طه: 41 - 42 ) { إنني معكما أسمع وأرى } ( طه: 46 ) { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ( الذاريات: 56 ) { ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم } ( يس: 60 - 61 ) قد علم الخلق - إلا من أضله الله - أنه لا يجوز لأحد أن يقول هذا وما أشبهه ويدعيه غير الخالق بل القائل به والداعي إلى عبادة غير الله كافر كفرعون الذي قال: { أنا ربكم الأعلى } ( النازعات: 24 ) والمجيب له والمؤمن بدعواه أكفر وأكذب

وإن قلتم: تكلم به مخلوق فأضفناه إلى الله لأن الخلق كلهم بصفاتهم وكلامهم لله فهذا المحال الذي ليس وراءه محال فضلا عن أن يكون كفرا لأن الله عز وجل لم ينسب شيئا من الكلام كله إلى نفسه أنه كلامه غير القرآن وما أنزل على رسله فإن قد تم كلامكم ولزمتموه لزمكم أن تسموا الشعر وجميع الغناء والنوح وكلام السباع والبهائم والطير كلام الله فهذا مما لا يختلف المصلون في بطوله واستحالته فما فضل القرآن إذا عندكم على الغناء والنوح والشعر إذ كان كله في دعواكم كلام الله؟ فكيف خص القرآن بأنه كلام الله ونسب كل كلام إلى قائله؟ فكفى بقوم ضلالا أن يدعوا قولا لا يشك الموحدون في بطوله واستحالته

ومما يزيد دعواكم تكذيبا واستحالة ويزيد المؤمنين بكلام الله إيمانا وتصديقا أن الله قد ميز بين من كلم من رسله في الدنيا وبين من لم يكلم ومن يكلم من خلقه في الآخرة ومن لا يكلم فقال: { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات } ( البقرة: 253 ) فميز بين من اختصه الله بكلامه وبين من لم يكلمه ثم سمى ممن كلم الله موسى فقال: { وكلم الله موسى تكليما } ( النساء: 164 ) فلو لم يكلمه بنفسه إلا على تأويل ما ادعيتم فما فضل من ذكر الله في تكليمه إياه على غيره ممن لم يكلمه؟ إذ كل الرسل في تكليم الله إياهم مثل موسى وكل عندكم لم يسمع كلام الله وقد قال تعالى: { أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله } ( آل عمران: 77 ) ففي بيان أنه لا يعاقب قوما يوم القيامة بصرف كلامه عنهم إلا وأنه يثيب بتكلميه قوما آخرين

وقال أيضا في بيان كفر الجهمية: ( أخبر الله أن القرآن كلامه وادعت الجهمية أنه خلقه وأخبر الله تبارك وتعالى أنه كلم موسى تكليما وقال هؤلاء: لم يكلمه الله بنفسه ولم يسمع موسى نفس كلام الله إنما سمع كلاما خرج إليه من مخلوق ففي دعواهم دعا مخلوق موسى إلى ربوبيته فقال: { إني أنا ربك فاخلع نعليك } ( طه: 12 ) فقال له موسى في دعواهم: صدقت ثم أتى فرعون يدعوه إلى ربوبيته مخلوق كما أجاب موسى في دعواهم فما فرق بين موسى وفرعون في الكفر إذا؟ فأي كفر أوضح من هذا؟ وقال الله تبارك وتعالى: { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } ( النحل: 40 ) وقال هؤلاء: ما قال لشيء قط - قولا وكلاما - كن فكان ولا يقوله أبدا ولم يخرج منه كلام قط ولا يخرج ولا هو يقدر على الكلام في دعواهم فالصنم في دعواهم والرحمن بمنزلة واحدة في الكلام )

عود إلى كتاب النقض على المريسي

وقال أيضا في كتاب النقض على المريسي: ( وادعيت أيها المريسي في قول الله عز وجل: { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة } ( الأنعام: 210 ) وفي قوله: { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك } ( الأنعام: 158 ) فادعيت أن هذا ليس منه بإتيان لما أنه غير متحرك عندك ولكن يأتي بالقيامة بزعمك وقوله: { يأتيهم الله في ظلل من الغمام }: يأتي الله بأمره في ظلل من الغمام ولا يأتي هو بنفسه ثم زعمت أن معناه كمعنى قوله: { فأتى الله بنيانهم من القواعد } ( سورة النحل: 26 ) { فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا } ( الحشر: 2 )

فيقال لهذا المريسي: قاتلك الله ! ما أجراك على الله وعلى كتابه بلا علم ولا بصر ! أنبأك الله أنه إتيان وتقول: ليس بإتيان إنما هو كقوله: { فأتى الله بنيانهم من القواعد } ( النحل: 26 ) لقد ميزت بين ما جمع الله وجمعت بين ما ميز الله ولا يجمع بين هذين التأويلين إلا كل جاهل بالكتاب والسنة لأن تأويل كل واحد منهما مقرون به في سياق القراءة لا يجهلة إلا مثلك

وقد اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله فوق عرشه فوق سماواته وأنه لا ينزل قبل يوم القيامة لعقوبة أحد من خلقه ولم يشكوا أنه ينزل يوم القيامة ليفصل بين عباده ويحاسبهم ويثيبهم وتشقق السماوات يومئذ لنزوله وتنزل الملائكة تنزيلا ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية كما قال الله ورسوله فلما لم يشك المسلمون أنا الله لا ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة لشيء من أمور الدنيا علموا يقينا أن ما يأتي الناس من العقوبات إنما هو من أمره وعذابه

فقوله: { فأتى الله بنيانهم من القواعد } يعني مكره من قبل قواعد بنيانهم { فخر عليهم السقف من فوقهم } ( النحل: 26 ) فتفسير هذا الإتيان خرور السقف عليهم من فوقهم وقوله: { فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا } مكر بهم { وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين } ( الحشر: 2 ) وهم بنو النضير فتفسير الإتيانين مقرون بهما فخرور السقف والرعب وتفسير إتيان الله يوم القيامة منصوص في الكتاب مفسر

قال الله تعالى: { فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة * وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة * فيومئذ وقعت الواقعة * وانشقت السماء فهي يومئذ واهية * والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية * يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية } ( الحاقة: 13 - 18 ) إلى قوله تعالى: { هلك عني سلطانيه } ( الحاقة: 29 ) فقد فسر الله المعنيين تفسيرا لا لبس فيه ولا يشتبه على ذي عقل فقال فيما يصيب به من العقوبات في الدنيا: { أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس } ( يونس: 24 ) فحين قال: { أتاها أمرنا } علم أهل العلم أن أمره ينزل من عنده من السماء وهو على عرشه فلما قال: { فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة } ( الحاقة: 13 ) الآيات التي ذكرناها وقال أيضا: { ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا } ( الفرقان: 25 ) و{ يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور } ( البقرة: 210 ) و{ دكت الأرض دكا دكا * وجاء ربك والملك صفا صفا } ( الفجر: 21 - 22 ) علم بما نص عليه الله من الدليل وبما حد لنزول الملائكة يومئذ: ( أن هذا إتيان الله بنفسه يوم القيامة ليلي محاسبة خلقه بنفسه لا يلي ذلك أحد غيره وأن معناه مخالف لمعنى إتيان القواعد لا ختلاف القضيتين )

إلى أن قال: ( وقد كفانا رسول الله صلى عليه وسلم وأصحابه تفسير هذا الإتيان حتى لا نحتاج منك له إلى تفسير ) وذكر حديث أبي هريرة الذي في الصحيحين في تجليه يوم القيامة عن النبي ﷺ وفيه قال: [ فيقول المؤمنون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه ] وذكر حديث ابن عباس من وجهين موقوفا ومرفوعا إلى النبي ﷺ وفيه [ ثم يأتي الرب تعالى في الكروبيين وهم أكثر من أهل السماوات والأرض ] رواه الحاكم في صحيحه وذكر ( عن أنس بن مالك أنه قال: وتلا هذه الآية: { يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات } قال: يبدلها الله يوم القيامة بأرض من فضة لم تعمل عليها الخطايا ينزل عليها الجبار )

ثم قال: ( ومن يلتفت أيها المريسي إلى تفسيرك المحال في إتيان الله يوم القيامة ويدع تفسير رسول الله صلى الله عيه وسلم وأصحابه إلا كل جاهل مجنون خاسر مغبون؟ لما أنك مفتون في الدين مأفون وعلى تفسير كتاب الله غير مأمون ويلك ! أيأتي الله بالقيامة ويتغيب هو بنفسه؟ فمن يحاسب الناس يومئذ؟ لقد خشيت على من ذهب مذهبك هذا لأنه لا يؤمن بيوم الحساب

وادعيت أيها المريسي في قول الله: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } ( البقرة: 255 ) وادعيت أن تفسير القيوم عندك لا يزول يعني الذي لا ينزل ولا يتحرك ولا يقبض ولا يبسط وأسندت ذلك عن بعض أصحابك غير مسمى عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: القيوم الذي لا يزول ومع روايتك هذه عن ابن عباس دلائل وشواهد أنها باطلة :

إحداها: أنك رويتها وأنت المتهم في توحيد الله

والثانية: أنك رويته عن بعض أصحابك غير مسمى وأصحابك مثلك في الظنة والتهمة

والثالثة: أنه عن الكلبي وقد أجمع أهل العلم بالأثر على أن لا يحتجوا بالكلبي في أدنى حلال ولا حرام فكيف في تفسير توحيد الله وتفسير كتابه؟ وكذلك أبو صالح

ولو قد صحت روايتك عن ابن عباس أنه قال: ( القيوم: الذي لا يزول ) لم نستنكره وكان معناه مفهوما واضحا عند العلماء وعند أهل البصر بالعربية أن معنى لا يزول لا يفنى ولا يبيد لا أنه لا يتحرك ولا يزول من مكان إلى مكان إذا شاء كما كان يقال للشيء الفاني: هو زائل كما قال لبيد :

ألا كل شيء ما خلا الله باطل... وكل نعيم لا محالة زائل

يعني فان لا أنه متحرك فإن أمارة ما بين الحي والميت التحرك وما لا يتحرك فهو ميت لا يوصف بحياة كما لا توصف الأصنام الميتة قال الله تعالى: { والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون } { أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون } ( النحل: 20 - 21 ) فالله الحي القيوم القابض الباسط يتحرك إذا شاء وينزل إذا شاء ويفعل ما يشاء بخلاف الأصنام الميتة التي لا تزول حتى تزال

واحتججت أيها المريسي في نفي التحرك عن الله والزوال بحجج الصبيان فزعمت أن إبراهيم ﷺ حين رأى كوكبا وشمسا وقمرا قال: { هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الأفلين } ( الأنعام: 76 ) ثم قلت: فنفى إبراهيم المحبة عن كل إله زائل يعني أن الله إذا نزل من سماء إلى سماء أو نزل يوم القيامة لمحاسبة العباد فقد أفل وزال كما أفل الشمس والقمر فتنصل من ربوبيتهما إبراهيم فلو قاس هذا القياس تركي طمطماني أو رومي عجمي ما زاد على ما قست قبحا وسماجة ويلك ! من خلق الله: إن الله إذا نزل أو تحرك - أو نزل ليوم الحساب - أفل في شيء كما تأفل الشمس في عين حمئة؟ إن الله لا يأفل في شيء سواه إذا نزل أو ارتفع كما تأفل الشمس والقمر والكواكب بل هوالعالي على كل شيء المحيط بكل شيء في جميع أحواله من نزوله وارتفاعه وهو الفعال لما يريد لا يأفل في شيء بل الأشياء كلها تخشع له وتتواضع والشمس والقمر والكواكب خلائق مخلوقة إذا قلت أفلت أفلت في مخلوق في عين حمئة كما قال الله تعالى والله أعلى وأجل لا يحيط به شيء ولا يحتوي عليه شيء

قول أبي بكر عبد العزيز في المقنع

وقال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر صاحب الخلال في أول كتابه الكبير المسمى بالمقنع وقد ذكر ذلك عنه القاضي أبو يعلى في كتاب إيضاح البيان في مسألة القرآن قال أبو بكر لما سألوه: ( إنكم إذا قلتم: لم يزل متكلما كان ذلك عبثا فقال: لأصحابنا قولان: أحدهما أنه لم يزل متكلما كالعلم لأن ضد الكلام الخرس كما أن ضد العلم الجهل قال: ومن أصحابنا من قال: قد أثبت سبحانه لنفسه أنه خالق ولم يجز ان يكون خالقا في كل حال بل قلنا: إنه خالق في وقت إرادته أن يخلق وإن لم يكن خالقا في كل حال ولم يبطل أن يكون خالقا كذلك وإن لم يكن متكلما في كل حال يبطل أن يكون متكلما بل هو متكلم خالق وإن لم يكن خالقا في كل حال ولا متكلما في كل حال )

قول القاضي أبي يعلي في إيضاح البيان

وذكر القاضي أبو يعلى في كتابه المسمى بإيضاح البيان هذا السؤال فقال: ( نقول: إنه لم يزل متكلما وليس بمكلم ولا مخاطب ولا آمر ولا ناه نص عليه أحمد في رواية حنبل فقال: لم يزل الله متكلما عالما غفورا

قال: وقال في رواية عبد الله: لم يزل الله متكلما إذا شاء وقال حنبل في موضع آخر: سمعت أبا عبد الله يقول: لم يزل الله متكلما والقرآن كلام الله غير مخلوق )

قال القاضي أبو يعلى: ( وقال أحمد في الجزء الذي فيه الرد على الجهمية والزنادقة: وكذلك الله يتكلم كيف شاء من غير أن نقول جوف ولا فم ولا شفتان ) وقال بعد ذلك: ( بل نقول: إن الله لم يزل متكلما إذا شاء ولا نقول: إنه كان ولا يتكلم حتى خلق )

قول عبد الله بن حامد في أصول الدين

وقال أبو عبد الله بن حامد في كتابه في أصول الدين: ( ومما يجب الإيمان به والتصديق أن الله متكلم وأن كلامه قديم وأنه لم يزل متكلما في كل أوقاته موصوفا بذلك وكلامه قديم غير محدث كالعلم والقدرة )

قال: وقد يجيء على المذهب أن يكون الكلام صفة المتكلم لم يزل موصوفا بذلك ومتكلما كما شاء وإذا شاء ولا نقول: إنه ساكت في حال أو متكلم في حال من حيث حدوث الكلام )

قال: ( ولا خلاف عن أبي عبد الله أن الله كان متكلما قبل أن يخلق الخلق وقبل كل الكائنات وأن الله كان فيما لم يزل متكلما كيف شاء وكما شاء وإذا شاء أنزل كلامه وإذا شاء لم ينزله )

قلت: قول ابن حامد: ( ولا نقول إنه ساكت في حال أو متكلم في حال من حيث حدوث الكلام ) يريد به أنا لا نقول: إن جنس كلامه حادث في ذاته كما تقوله الكرامية من أنه كان ولا يتكلم ثم صار يتكلم بعد أن لم يكن متكلما في الأزل ولا كان تكلمه ممكنا

قول أبي إسماعيل الأنصاري في مناقب أحمد بن حنبل

وقال أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الملقب بشيخ الإسلام في اعتقاد أهل السنة وما وقع عليه إجماع أهل الحق من الأمة: ( اعلم أن الله متكلم قائل مادح نفسه وهو متكلم كلما شاء ويتكلم بكلام لا مانع له ولا مكره والقرآن كلامه هو تكلم به )

قال أيضا في كتاب مناقب أحمد بن حنبل في باب الإشارة إلى طريقته في الأصول لما ذكر كلامه في مسأئل القرآن وترتيب البدع التي ظهرت فيه وأنهم قالوا أولا: هو مخلوق وجرت المحنة المشهورة ثم مسألة اللفظية بسبب حسين الكرابيسي إلى أن قال: وجاءت طائفة فقالت: لا يتكلم بعد ما تكلم فيكون كلامه حادثا قال: وهذه سحارة أخرى تقذي في الدين غير عين واحدة فانتبه لها أبو بكر بن خزيمة وكانت حينئذ بنيسابور دار الآثار تمد إليها الدانات وتشد إليها الركائب ويجلب منها العلم وما ظنك بمجالس يحبس عنها الثقفي والصبغي مع ما جمعا من الحديث والفقه والصدق والورع واللسان والبيت والقدر لا يستر لوث بالكلام واستمام لأهله ف ابن خزيمة في بيت ومحمد بن إسحاق في بيت وأبو حامد العرشرقي في بيت قال: فطار لتلك الفتنة ذلك الإمام أبو بكر فلم يزل يصيح بتشويهها ويصنف في ردها كأنه منذر جيش حتى دون في الدفاتر وتمكن في السرائر ولقن في الكتاتيب ونقش في المحاريب أن الله متكلم: إن شاء تكلم وإن شاء سكت فجزى الله ذلك الإمام وأولئك النفر الغر عن نصرة دينه وتوقير نبيه خبيرا )

قلت: هذه القصة التي أشار إليها عن ابن خزيمة مشهورة ذكرها غير واحد من المصنفين ك الحاكم أبي عبد الله في تاريخ نيسابور وغيره ذكر أنه رفع إلى الإمام أنه قد نبغ طائفة من أصحابه يخالفونه وهو لا يدري وأنهم على مذهب الكلابية وأبو بكر الإمام شديد على الكلابية

قال: ( فحدثني أبو بكر أحمد بن يحيى المتكلم قال: اجتمعنا ليلة عند بعض أهل العلم وجرى ذكر كلام الله: أقديم لم يزل أو يثبت عند اختياره تعالى أن يتكلم به؟ فوقع بيننا في ذلك خوض قال جماعة منا: إن كلام الباري قديم لم يزل وقال جماعة: إن كلامه قديم غير أنه لا يثبت إلا باختياره لكلامه فبكرت أنا إلى أبي علي الثقفي وأخبرته بما جرى فقال: من أنكر أنه لم يزل فقد اعتقد أنه محدث وانتشرت هذه المسألة في البلد وذهب منصور الطوسي في جماعة معه إلى أبي بكر محمد بن إسحاق وأخبروه بذلك حتى قال منصور: ألم أقل للشيخ إن هؤلاء يعتقدون مذهب الكلابية وهذا مذهبهم فجمع أبو بكر أصحابه وقال: ألم أنهكم غير مرة عن الخوض في الكلام ولم يزدهم على هذا في ذلك اليوم وذكر أنه بعد ذلك خرج على أصحابه وأنه صنف في الرد عليهم وأنهم ناقضوه ونسبوه إلى القول بقول جهم في أن القرآن محدث وجعلهم هو كلابية

قال الحاكم: ( سمعت أبا عبد الرحمن بن أحمد المقري يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق يقول: الذي أقول به أن القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله غير مخلوق ومن قال: إن القرآن أو شيئا منه ومن وحيه وتنزيله مخلوق أو يقول: إن الله لا يتكلم بعد ما كان تكلم به في الأزل أو يقول: إن أفعال الله مخلوقة أو يقول: إن القرآن محدث أو يقول: إن شيئا من صفات الله - صفات الذات - أو اسما من أسماء الله مخلوق فهو عندي جهمي يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه هذا مذهبي ومذهب من رأيت من أهل الأثر في الشرق والغرب من أهل العلم ومن حكى عني خلاف هذا فهو كاذب باهت ومن نظر في كتبي المصنفة ظهر له وبان أن الكلابية كذبة فيما يحكون عني مما هو خلاف أصلي وديانتي )

وذكر عن ابن خزيمة أنه قال: زعم بعض جهلة هؤلاء الذين نبغوا في سنتنا هذه أن الله لا يكرر الكلام فهم لا يفهمون كتاب الله فإن الله قد أخبر في نص الكتاب في مواضع أنه خلق آدم وأنه أمر الملائكة بالسجود له فكرر هذا الذكر في غير موضع وكرر ذكر كلامه مع موسى مرة بعد أخرى وكرر ذكر عيسى بن مريم في مواضع وحمد نفسه في مواضع فقال: { الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب } ( الكهف: 1 ) و{ الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض } ( الأنعام: 1 ) { الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض } ( سبأ: 1 ) وكرر زيادة على ثلاثين مرة { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ( الرحمن: 16 ) ولم أتوهم أن مسلما يتوهم أن الله لا يتكلم بشيء مرتين

قال الحاكم: ( سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق - يعني الصبغي - يقول: لما وقع من أمرنا ما وقع ووجد بعض المخالفين - يعني المعتزلة - الفرصة في تقرير مذهبهم بحضرتنا قال أبو علي الثقفي للإمام: ما الذي أنكرت من مذاهبنا أيها الإمام حتى نرجع عنه؟ قال: ميلكم إلى مذهب الكلابية فقد كان أحمد بن حنبل من أشد الناس على عبد الله بن سعيد وعلى أصحابه مثل الحارث المحاسبي وغيره حتى طال الخطاب بينه وبين أبي علي في هذا الباب فقلت: قد جمعت أنا أصول مذاهبنا في طبق فأخرجت إليه الطبق فقلت: تأمل ما جمعته بخطي وبينته في هذه المسائل فإن كان فيها شيء تكرهه فبين لنا وجهه فذكر أنه تأمله ولم ينكر منه شيئا وذكر لشيخه الخط وفيه: إن الله بجميع صفات ذاته واحد لم يزل ولا يزال وما أضيف إلى الله من صفات فعله مما هو غير بائن عن الله فغير مخلوق وكل شيء أضيف إلى الله بائن عنه دونه مخلوق )

وذكر أن أبا العباس القلانسي وغيره وافقوا من خالف أبا بكر وأنه كتب إلى جماعة من العلماء تلك السمائل وأنهم كانوا يرفعون من خالف أبا بكر إلى السلطان وأن أمير نيسابور أمر أن يمتثل أمر أبي بكر فيهم من النفي والضرب والحبس وأن عبد الله بن حماد قال: طوبى لهم إن كان ما يقال عنهم مكذوبا عليهم وأن عبد الله بن حماد من غد ذلك اليوم قال: رأيت البارحة في المنام كأن أحمد بن السري الزاهد المروزي لكمني برجله ثم قال: كأنك في شك من أمور هؤلاء الكلابية قال: ثم نظر إلى محمد بن إسحاق فقال: { هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب } ( إبراهيم: 52 ) وهذه القصة مبسوطة في موضع آخر وأكثر أهل العلم والدين كانوا مع ابن خزيمة على الكلابية

قول الأنصاري في ذم الكلام

ذكر أبو إسماعيل الأنصاري العروف بشيخ الإسلام في كتاب ذم الكلام: ( سمعت أبا نصر بن أبي سعيد الرداد سمعت إبراهيم بن إسماعيل الخلال يقول: إني ذهبت بكتاب ابن خزيمة في الصبغي والثقفي إلى أمير المؤمنين فكتب بصلبها فقال ابن خزيمة: لا قد علم رسول الله ﷺ النفاق من أقوام فلم يصلبهم )

قال أبو إسماعيل: ( سمعت إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني يقول: استتيب الصبغي والثقفي على قبر ابن خزيمة

وقال: ( سمعت أحمد بن أبي نصر يقول: رأينا محمد بن الحسين السلمي يعني أبا عبد الرحمن السلمي صاحب التصانيف المعروفة في طريقة الصوفية - يلعن الكلابية )

قال: ( وسمعت محمد بن العباس بن محمد يقول: كان أبو علي الرفا يقول: لعن الله الكلابية )

ومن الموافقين لابن خزيمة أبو حامد الشاركي وأبو سعيد الزاهد ويحيى بن عمار وأبو عثمان النيسابوري الملقب بشيخ الإسلام

قال: ( وسمعت عبد الواحد بن ياسين يقول: رأيت بابين قلعا من مدرسة أبي الطيب - يعني الصعلوكي - بأمره من بيتي شابين حضرا أبا بكر بن فورك وسمعت الطيب ابن محمد سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: وجدت أبا حامد الإسفرايني وأبا الطيب الصعلوكي وأبا بكر القفال المروزي وأبا منصور الحاكم على الإنكار على الكلام وأهله

قول السجزي في رسالته إلى أهل زبيد

وقال الحافظ أبو نصر السحزي في رسالته المعروفة إلى أهل زبيد في الواجب من القول في القرآن: ( اعلموا - أرشدنا اله وإياكم - أنه لم يكن خلاف بين الخلق على اختلاف نحلهم من أول الزمان إلى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب والقلانسي والأشعري وأقرانهم الذين يتظاهرون بالرد على المعتزلة وهم معهم بل أخس حالا منهم في الباطن من أن الكلام لا يكون إلا حرفا وصوتا ذا تأليف واتساق وإن اختلفت به اللغات وعبر عن هذا المعنى الأوائل الذي تكلموا في العقليات وقالوا: الكلام جروف متسقة وأصوات مقطعة وقالت - يعني علماء العربية -: الكلام اسم وفعل وحرف جاء لمعنى فالاسم مثل زيد وعمرو والفعل مثل جاء وذهب والحرف الذي يجيء لمعنى مثل هل وبل وقد وما شاكل ذلك فالإجماع منعقد بين العقلاء على كون الكلام حرفا وصوتا فلما نبغ ابن كلاب وأضرابه وحاولوا الرد على المعتزلة من طريق مجرد العقل وهم لا يخبرون أصول السنة ولا ما كان السلف عليه ولا يحتجون بالأخبار الواردة في ذلك زعما منهم أنها أخبار آحاد وهي لا توجب علما وألزمتهم المعتزلة الاتفاق على أن الاتفاق حاصل على أن الكلام حرف وصوت ويدخله التعاقب والتأليف وذكل لا يوجد في الشاهد إلا بحركة وسكون ولا بد له من أن يكون ذا أجزاء وأبعاض وما كان بهذه المثابة لا يجوز أن يكون من صفات ذات الله تعالى لأن ذات الحق لا توصف بالاجتماع والافتراق والكل والبعض والحركة والسكون وحكم الصفة الذاتية حكم الذات

قالوا: فعلم بهذه الجملة أن الكلام المضاف إلى الله تعالى خلق له أحدثه وأضافه إلى نفسه كما نقول: ( خلق الله وعبد الله وفعل الله )

قال: فضاق بابن كلاب وأضرابه النفس عند هذا الإلزام لقلة معرفتهم بالسنن وتركهم قبولها وتسليمهم العنان إلى مجرد العقل

فالتزموا ما قالته المعتزلة وركبوا مكابرة العيان وخرقوا الإجماع المنعقد بين الكافة: المسلم والكافر وقالوا للمعتزلة: الذي ذكرتموه ليس بحقيقة الكلام وإنما سمي ذلك كلاما على المجاز لكونه حكاية أو عبارة عنه وحقيقة الكلام معنى قائم بذات المتكلم فمنهم من اقتصر على هذا القدر ومنهم من احترز عما علم دخوله على هذا الحد فزاد فيه ( تنافي السكوت والخرس والآفات المانعة فيه من الكلام ) ثم خرجوا من هذا إلى أن إثبات الحرف والصوت في كلام الله تجسيم وإثبات اللغة فيه تشبيه وتعلقوا بشبه منها قول الأخطل :

إن البيان من الفؤاد وإنما... جعل اللسان على الفؤاد دليلا

فغيروه وقالوا: ( إن الكلام من الفؤاد ) وزعموا أنه لهم حجة على مقالتهم في قول الله تعالى: { ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول } ( المجادلة: 8 ) وفي قول الله عز وجل: { فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم } ( يوسف: 77 ) واحتجوا بقول العرب: ( أرى في نفسك كلاما وفي وجهك كلاما ) فألجأهم الضيق مما دخل عليهم في مقالتهم إلى أن قالوا: الأخرس متكلم وكذلك الساكت والنائم ولهم في حال الخرس والسكوت والنوم كلام هم متكلمون به ثم أفصحوا بأن الخرس والسكوت والآفات المانعة من النطق ليست بأضداد الكلام

وهذه مقالة تبين فضيحة قائلها في ظاهرها من غير رد عليه ومن علم منه خرق إجماع الكافة ومخالفة كل عقلي وسمعي قبله لم يناظر بل يجانب ويقمع )

قول السجزي في الإبانة

وقال أبو نصر السجزي أيضا في كتابه المسمى بالإبانة في مسألة القرآن: لما قيل له ( إن القراءة عمل والعمل لا يكون صفة لله والدليل على أنها عمل أنك تقول: قرأ فلان يقرأ وما حسن فيه ذكر المستقبل فهو عند العرب عمل )

فقال: ( هذا لا يلزم لأنك تقول: ( قال الله عز وجل ) و( يقول الله عز وجل ) والله تعالى قال: { وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة } ( البقرة: 35 ) وقال تعالى: { يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد } ( ق: 30 ) فقد حسن في القول ذكر المستقبل

فإن ارتكبوا العظمى وقالوا: كلام الله شيء واحد على أصلنا لا يتجزأ وليس بلغة والله سبحانه من الأزل إلا الأبد متكلم بكلام واحد لا أول له ولا آخر فقال: ويقول إنما يرجع إلى العبارة لا إلا المعبر عنه

قيل لهم: قد بينا مرارا كثيرة أن قولكم في هذا الباب فاسد وأنه مخالف للعقليين والشرعيين جميعا وأن نص الكتاب والثابت من الأثر قد نطقا بفساده قال الله تعالى: { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } ( النحل: 40 ) فبين الله سبحانه أنه يقول للشيء كن إذا أراد كونه فعلم بذلك أنه لم يقل للقيامة بعد كوني )

وقال أيضا في موضع آخر: ( [ النبي ﷺ قال: نبدأ بما بدأ الله به ] ) ثم قرأ { إن الصفا والمروة من شعائر الله } ( البقرة: 158 ) والله تعالى قال: { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } ( آل عمران: 59 ) وقال: { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } ( يس: 82 ) فبين جل جلاله أنه قال لآدم بعد أن خلقه من تراب: كن وأنه إذا أراد شيئا يقول له كن فيكون ولم يقتض ذلك حدوثا ولا خلقا بعد حدوث نوع الكلام لما قام من الدليل على انتفاء الخلق عن كلام الله تعالى )

وقال أبو نصر السجزي أيضا: ( فأما الله تعالى فإنه متكلم فيما لم يزل ولا يزال متكلما بما شاء من الكلام يسمع من يشاء من خلقه ما شاء من كلامه إذا شاء ذلك ويكلم من شاء تكليمه بما يعرفه ولا يجهله وهو سبحانه حي عليم متكلم لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء لا يوصف إلا بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ليس بجسم ولا في معنى جسم ولا يوصف بأداة ولا جارحة وآلة وكلامه أحسن الكلام وفيه سور وآي وكلمات وكل ذلك حروف وهو مسموع منه على الحقيقة سماعا يعقله الخلق ولا كيفية لتكلمه وتكليمه وجائز وجود أعداد من المكلمين يكلمهم سبحانه في حال واحدة بما يريده من كل واحد منهم من غير أن يشغله تكليم هذا عن تكليم هذا )

قال: ( ومنع كثير من أهل العلم إطلاق السكوت عليه ومن أهل الأثر من جوز إطلاق السكوت عليه لوروده في الحديث وقال: معناه تركه التوبيخ والتقرير والمحاسبة اليوم وسيأتي يوم يقرر فيه ويحاسب ويوبخ فذلك الترك بمعنى السكوت )

قال: ( والأصل الذي يجب أن يعلم: أن اتفاق التسميات لا يوجب اتفاق المسمين بها فنحن إذا قلنا إن الله موجود رؤوف واحد حي عليم بصير متكلم وقلنا إن النبي ﷺ كان موجودا حيا عالما سميعا بصيرا متكلما لم يكن ذلك تشبيها ولا خالفنا به أحدا من السلف والأئمة بل الله موجود لم يزل واحد حي قديم قيوم عالم سميع بصير متكلم فيما لم يزل ولا يجوز أن يوصف بأضداد هذه الصفات والموجود منا إنما وجد عن عدم وحيي بمعنى حله ثم يصير ميتا بزوال ذلك المعنى وعلم بعد أن لم يعلم وقد ينسى ما علم وسمع وأبصر وتكلم بجوارح قد تلحقها الآفات فلم يكن فيما أطلق للخلق تشبيه بما أطلق للخالق سبحانه وتعالى وإن اتفقت مسميات هذه الصفات )

وقال أبو نصر أيضا: ( خاطبني بعض الأشعرية يوما في هذا الفصل وقال: التجزؤ على القديم غير جائز فقلت له: أتقر بأن الله أسمع موسى كلامه على الحقيقة بلا ترجمان؟ فقال: نعم - وهم يطلقون ذلك ويموهون على من لم يخبر مذهبهم - وحقيقة سماع كلام الله من ذاته على أصل الأشعري محال لأن سماع الخلق - على ما جبلوا عليه من البنية وأجروا عليه من العادة - لا يكون البتة إلا لما هو صوت أو في معنى الصوت وإذا لم يكن كذلك كان الواصل إلى معرفته بضرب من العلم والفهم وهما يقومان في وقت مقام السماع لحصول العلم بهما كما يحصل بالسماع وربما سمي ذلك سماعا على التجوز لقربه من معناه فأما حقيقة السماع لما يخالف الصوت فلا يتأتى للخلق في العرف الجاري )

قال: ( فقلت لمخاطبي الأشعري: قد علمنا جميعا أن حقيقة السماع لكلام الله منه على أصلكم محال وليس ههنا من تتقيه وتخشى تشنيعه وإنما مذهبك أن الله يفهم من شاء كلامه بلطيفة منه حتى يصير عالما متيقنا بأن الذي فهمه كلام الله والذي أريد أن ألزمك وارد على الفهم وروده على السماع فدع التمويه ودع المصانعة ما تقول في موسى عليه السلام حيث كلمه الله؟ أفهم كلام الله مطلقا أم مقيدا؟ فتلكأ قليلا ثم قال: ما تريد بهذا؟ فقلت: دع إرادتي وأجب بما عندك فأبى وقال: ما تريد بهذا؟ فقلت: أريد أنك إن قلت: إنه عليه السلام فهم كلام الله مطلقا اقتضى أن لا يكون لله كلام من الأزل إلى الأبد إلا وقد فهمه موسى وهذا يؤول إلى الكفر فإن الله تعالى يقول: { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } ( البقرة: 255 ) ولو جاز ذلك لصار مم فهم كلام الله عالما بالغيب وبما في نفس الله تعالى وقد نفى الله تعالى ذلك بما أخبر به عن عيسى عليه السلام أنه يقول: { تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب } ( المائدة: 116 ) وإذا لم يجز إطلاقه وألجئت إلى أن تقول ( أفهمه الله ما شاء من كلامه ) دخلت في التبعيض الذي هربت منه وكفرت من قال به ويكون مخالفك أسعد منك لأنه قال بما اقتضاه النص الوارد من قبل الله عز وجل ومن قبل رسول اله ﷺ وأنت أبيت أن تقبل ذلك وادعيت أن الواجب المصير إلى حكم العقل في هذا الباب وقد ردك العقل إلى موافقة النص خاسئا

فقال: هذا يحتاج إلى تأمل وقطع الكلام

وقال أبو نصر: ( لم يزل الله متكلما لأن الكلام من صفات المدح للحي الفاعل وضده من النقائص والله منزه عنها )

وذكر كلاما كثيرا إلى أن قال: ( وقد ثبت بما ذكرناه كون القرآن مفرقا مفصلا ذا أجزاء وأبعاض وآي وكلمات وحروف وأن ما كان بخلاف ذلك لم يكن القرآن المنزل الذي آمن به المسلمون وجحده الكفار وأن المقروء سور وآي وكلمات وحروف وكذلك المحفوظ والمكتوب والمتلو وأنه عريبي مبين نازل بلسان العرب ولسان قريش والمراد باللسان في هذا الباب اللغة لا اللسان الذي هو لحم ودم وعروق تعالى الله عن ذلك وجل عن أن يوصف إلا بما وصف به نفسه وتنزه عن الأشباه )

قال: ( ونحن نذكر عقب هذا الفصل فصلا في ذكر حروف القرآن وفصلا بعد ذلك في الصوت وما ورد فيه من القرآن والحديث وكل ذي لب صحيح يعرف بالحس والمشاهدة قبل الاستدلال أن القرآن العربي حروف ولا فرق بين منكر ذلك ومنكر الحواس وأنها من مبادىء العلم وأسباب المدارك )

قال: ( وقد بين الله في كتابه ما لا إشكال بعده في هذا الفصل لما قال: { وإذ نادى ربك موسى } ( الشعراء: 10 ) والعرب لا تعرف نداء إلا صوتا وقد جاء عن موسى تحقيق ذلك فإن أنكروا الظاهر كفروا وإن قالوا: ( إن النداء غير صوت ) خالفوا لغات العرب وإن قالوا: نادى الأمير - إذا أمر غيره بالنداء - دفعوا فضيلة موسى عليه السلام المختصة به من تكليم الله إياه من غير واسطة ولا ترجمان وليس في وجود الصوت من الله تعالى تشبيه بمن يوجد الصوت منه من الخلق كما لم يكن في إثبات الكلام له تشبيه بمن له كلام من خلقه وكيف وكلامه وكلام خلقه معا عن الأشعري معنى قائم بذات المتكلم لا يختلف فهو المشبه لا محالة )

قال: ( وأما نحن فنقول: كلام الله حرف وصوت بحكم النص ) قال: ( وليس ذلك عن جارحة ولا آلة وكلامنا حروف وأصوات لا يوجد ذلك منا إلا بآلة والله سبحانه وتعالى يتكلم بما شاء لا يشغله شيء عن شيء والمتكلم منا لا يتأتى منه أداء حرفين إلا بأن يفرغ من أحدهما ويبتدىء في الآخر والقرآن لما كان كلاما لله كان معجزا وكلام الخلق غير معجز وفي كلام الله بيان ما كان وما سيكون وما لا يكون أبدا لو كان كيف كان يكون والخلق لا يصلون إلى هذه الأشياء إلا بتعريف )

كلام أبي القاسم الأصبهاني في الحجة على تارك المحجة

وقال أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي الأصبهاني الشافعي في كتابه المعروف بالحجة على تارك المحجة: ( أجمع المسلمون على أن القرآن كلام الله وإذا صح أنه كلام الله صح أنه صفة الله تعالى وأنه موصوف به وهذه الصفة لازمة لذاته تقول العرب: ( زيد متكلم ) فالكلام صفة له لا نعرف إلا أن حقيقة هذه الصفة الكلام وإذا كان كذلك كان القرآن كلام الله وكانت هذه الصفة لا زمة له أزلية والدليل على أن الكلام لا يفارق المتكلم أنه لو كان مفارقه لم يكن للمتكلم إلى كلمة واحدة فإذا تكلم بها لم يبق له كلام فلما كان المتكلم قادرا على كلمات كثيرة كلمة بعد كلمة دل على أن تلك الكلمات فروع لكلامه الذي هو صفة له ملازمة )

قال: ( والدليل على أن القرآن غير مخلوق: أنه كلام الله وكلام الله سبب إلى خلق الأشياء قال الله تعالى: { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } ( النحل: 40 ) أي أردنا خلقه وإيجاده وإظهاره فقوله ( كن ) كلام الله وصفته والصفة التي منها يتفرع الخلق والفعل وبها يتكون المخلوق لا تكون مخلوقة ولا يكون مثلها للمخلوق والدليل على أنه كلام لا يشبه كلام المخلوقين أنه كلام معجز وكلام المخلوقين غير معجز لو اجتمع الخلق على أن يأتوا بمثل سورة من سوره أو آية من آياته عجزوا عن ذلك ولم يقدروا عليه )

كلام أبي الحسن الكرجي في الفصول في الأصول

وقال الشيخ أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي في كتابه الذي سماه الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول ) وذكر اثني عشر إماما: الشافعي ومالك والثوري وابن عيينة وابن المبارك والأوزاعي والليث بن سعد وإسحاق بن راهويه والبخاري وأبو زرعة وأبو حاتم

ثم قال فيه: ( سمعت الإمام أبا منصور محمد بن أحمد يقول: سمعت الإمام أبا بكر عبد الله بن أحمد يقول: سمعت أبا حامد الإسفرايني يقول: مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار: أن القرآن كلام الله غير مخلوق ومن قال مخلوق فهو كافر والقرآن حمله جبريل مسموعا من الله تعالى والنبي ﷺ سمعه من جبريل والصحابة سمعوه من رسول الله ﷺ وهو الذي نتلوه نحن بألسنتنا وفيما بين الدفتين وما في صدورنا مسموعا ومكتوبا ومحفوظا ومنقوشا وكل حرف منه - كالباء والتاء - كله كلام الله غير مخلوق ومن قال ( مخلوق ) فهو كافر عليه لعائن الله والملائكة والناس أجمعين )

قال الشيخ أبو الحسن: ( وكان الشيخ أبو حامد الإسفرايني شديد الإنكار على الباقلاني وأصحاب الكلام )

قال: ( ولم يزل الأئمة الشافعية يأنفون ويستنكفون أن ينسبوا إلى الأشعري ويتبرؤون مما بنى الأشعري مذهبه عليه وينهون أصحابهم وأحبابهم عن الحوم حواليه على ما سمعت عدة من المشايخ والأئمة - منهم الحافظ المؤتمن بن أحمد بن علي الساجي - يقولون: سمعنا جماعة من المشايخ الثقات قالوا: كان الشيخ أبو حامد أحمد ابن أبي طاهر الإسفرايني إمام الأئمة الذي طبق الأرض علما وأصحابا إذا سعى إلى الجمعة من قطعية الكرج إلى جامع المنصور يدخل الرباط المعروف بالزوزي المحاذي للجامع ويقبل على من حضر ويقول: اشهدوا علي بأن القرآن كلام الله غير مخلوق كما قاله الإمام ابن حنبل لا كما يقوله الباقلاني وتكرر لك منه جمعات فقيل له في ذلك فقال: حتى ينتشر في الناس وفي أهل الصلح ويشيع الخبر في أهل البلاد: أني بريء مما هم عليه - يعني الأشعرية - وبريء من مذهب أبي بكر بن الباقلاني فإن جماعة من المتفقهة الغرباء يدخلون على الباقلاني خفية ويقرؤون عليه فيفتنون بمذهبه: فإذا رجعوا إلى بلادهم أظهروا بدعتهم لا محالة فيظن ظان أنهم مني تعلموه قبل وأنا ما قلته وأنا بريء من مذهب الباقلاني وعقيدته )

قال الشيخ أبو الحسن الكرجي: ( وسمعت شيخي الإمام أبا منصور الفقيه الأصبهاني يقول: سمعت شيخنا الإمام أبا بكر الزاذقاني يقول: كنت في درس الشيخ أبي حامد الإسفرايني وكان ينهي أصحابه عن الكلام وعن الدخول على الباقلاني فبلغه أن نفرا من أصحابه يدخلون عليه خفية لقراءة الكلام فظن أني معهم ومنهم وذكر قصة قال في آخرها: إن الشيخ أبا حامد قال لي: يا بني قد بلغني أنك تدخل على هذا الرجل - يعني الباقلاني - فإياك وإياه فإنه مبتدع يدعو الناس إلى الضلالة وإلا فلا تحضر مجلسي فقلت: أنا عائذ بالله مما قيل وتائب إليه وأشهدوا على أني لا أدخل إليه )

قال الشيخ أبو الحسن: ( وسمعت الفقيه الإمام أبا منصور سعد بن علي العجلي يقول: سمعت عدة من المشايخ والأئمة ببغداد - أظن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي أحدهم - قالوا: كان أبو بكر الباقلاني يخرج إلى الحمام متبرقعا خوفا من الشيخ أبي حامد الإسفرايني )

قال أبوالحسن: ( ومعروف شدة الشيخ أبي حامد على أهل الكلام حتى ميز أصول فقه الشافعي من أصول الأشعري وعلقه عنه أبو بكر الزاذقاني وهو عندي وبه اقتدى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتابيه اللمع والتبصرة حتى لو وافق قول الأشعري وجها لأصحابنا ميزة وقال: هو قول بعض أصحابنا وبه قالت الأشعرية ولم يعدهم من أصحاب الشافعي استنكفوا منهم ومن مذهبهم في أصول الفقه فضلا عن أصول الدين )

قلت: هذا المنقول عن الشيخ أبي حامد وأمثاله من أئمة أصحاب الشافعي أصحاب الوجوه معروف في كتبهم المصنفة في أصول الفقه وغيرها

وقد ذكر ذلك الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وأبو إسحاق الشيرازي وغير واحد بينوا مخالفة الشافعي وغيره من الأئمة لقول ابن كلاب والأشعري في مسألة الكلام التي امتاز بها عن ابن كلاب والأشعري عن غيرهما وإلا فسائر المسائل ليس لابن كلاب والأشعري بها اختصاص بل ما قاله قاله غيرهما إما من أهل السنة والحديث وإما من غيرهم بخلاف ما قاله ابن كلاب في مسألة الكلام وأتبعه عليه الأشعري فإنه لم يسبق ابن كلاب إلى ذلك حد ولا وافقه عليه من رؤوس الطوائف وأصله في ذلك مسألة الصفات الاختيارية ونحوها من الأمور المتعلقة بمشيئته وقدرته تعالى: هل تقوم بذاته أم لا؟ فكان السلف والأئمة يثبتون ما يقوم بذاته من الصفات والأفعال مطلقا والجهمية من المعتزلة وغيرهم ينكرون ذلك مطلقا فوافق ابن كلاب السلف والأئمة في إثبات الصفات ووافق الجهمية في نفي قيام الأفعال به تعالى وما يتعلق بمشيئته وقدرته

ولهذا وغيره تكلم الناس فيمن اتبعه ك القلانسي والأشعري ونحوهما بأن في أقوالهم بقايا من الاعتزال وهذه البقايا أصلها هو الاستدلال على حدوث العالم بطريقة الحركات فإن هذا الأصل هو الذي أوقع المعتزلة في نفي الصفات والأفعال

وقد ذكر الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر بباب الأبواب أنه طريق مبتدع في دين الرسل محرم عندهم وكذلك غير الأشعري ك الخطابي وأمثاله يذكرون ذلك لكن مع هذا من وافق ابن كلاب لا يرى بطلان هذه الطريقة عقلا وإن لم يقل: إن الدين محتاج إليها فلما رأى من رأى صحتها لزمه: إما قول ابن كلاب أو ما يضاهيه

وهذا الذي نقلوه - من إنكار أبي حامد وغيره على القاضي أبي بكر الباقلاني - هو بسبب هذا الأصل وجرى له بسبب ذلك أمور أخرى وقام عليه الشيخ أبو حامد والشيخ أبو عبد الله بن حامد وغيرهما من العلماء من أهل العراق وخراسان والشام وأهل الحجاز ومصر مع ما كان فيه من الفضائل العظيمة والمحاسن الكثيرة والرد على الزنادقة والملحدين وأهل البدع حتى إنه لم يكن في المنتسبين إلى ابن كلاب والأشعري أجل منه ولا أحسن كتبا وتصنيفا وبسببه انتشر هذا القول وكان منتسبا إلى الإمام أحمد وأهل السنة وأهل الحديث والسلف مع انتسابه إلى مالك والشافعي وغيرهما من الأئمة حتى كان يكتب في بعض أجوبته: محمد بن الطيب الحنبلي وكان بينه وبين أبي الحسن التميمي وأهل بيته وغيرهم من التميميين من الموالاة والمصافاة ما هو معروف كما تقدم ذكر ذلك ولهذا غلب على التميميين موافقته في أصوله ولما صنف أبو بكر البيهقي كتابه في مناقب الإمام أحمد - وأبو بكر البيهقي موافق لابن البقلاني في أصوله - ذكر أبو بكر اعتقاد أحمد الذي صفنه أبو الفضل عبد الواحد بن أبي الحسن التميمي وهو مشابه لأصول القاضي أبي بكر وقد حكى عنه: أنه كان إذا درس مسألة الكلام على أصول ابن كلاب والأشعري يقول: ( هذا الذي ذكره أبو الحسن أشرحه لكم وأنا لم تتبين لي هذه المسألة ) فكان يحكى عنه الوقف فيها إذ له في عدة من المسائل قولان وأكثركما تنطق بذلك كتبه ومع هذا تكلم فيه أهل العلم وفي طريقته التي أصلها هذه المسألة مما يطول وصفه كما تكلم من قبل هؤلاء في ابن كلاب ومن وافقه حتى ذكر أبو إسماعيل الأنصاري قال: سمعت أحمد بن أبي رافع وخلقا يذكرون شدة أبي حامد - يعني الإسفرايني - على ابن الباقلاني قال: وأنا بلغت رسالة أبي سعد إلى ابنه سالم ببغداد: إن كنت تريد أن ترجع إلى هراة فلا تقرب الباقلاني قال: وسمعت الحسين بن أبي أمامة المالكي يقول: سمعت أبي يقول: لعن الله أبا ذر الهروي فإنه أول من حمل الكلام إلا الحرم وأول من بثه في المغاربة

قلت: أبو ذر فيه من العلم والدين والمعرفة بالحديث والسنة وانتصابه لرواية البخاري عن شيوخه الثلاثة وغير ذلك من المحاسن والفضائل ما هو معروف به وكان قد قدم إلى بغداد من هراة فأخذ طريقة ابن الباقلاني وحملها إلى الحرم فتكلم فيه وفي طريقته من تكلم ك أبي نصر السجزي وأبي القاسم سعد بن علي الزنجاني وأمثالهما من أكابر أهل العلم والدين لما ليس هذا موضعه وهو ممن يرجح طريقة الصبغي والثقفي على طريقة ابن خزيمة وأمثاله من أهل الحديث وأهل المغرب كانوا يحجون فيجتمعون به ويأخذون عنه الحديث وهذه الطريقة ويدلهم على أصلها فيرحل منهم من يرحل إلى المشرق كما رحل أبو الوليد الباجي فأخذ طريقة أبو جعفر السمناني الحنفي صاحب القاضي أبي بكر ورحل بعده القاضي أبو بكر بن العربي فأخذ طريقة أبي المعالي في الإرشاد

ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساع مشكورة وحسنات مبرورة وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف لكن لما التبس عليهم هذا لأصل المأخوذ ابتداء عن المعتزلة وهم فضلاء عقلاء احتاجوا إلى طرده والتزام لوازمه فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره المسلمون من أهل العلم والدين وصار الناس بسبب ذلك: منهم من يعظمهم لما لهم من المحاسن والفضائل ومنهم من يذمهم لما وقع في كلامهم من البدع والباطل وخيار الأمور أوساطها

وهذا لي مخصوصا بهؤلاء بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدين والله تعالى يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات ويتجاوز لهم عن السيئات { ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم } ( الحشر: 10 )

ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول ﷺ وأخطأ في بعض ذلك فالله يغفر له خطأه تحقيقا للدعاء الذي استجابه الله لنبيه وللمؤمنين حيث قالوا: { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } ( البقرة: 286 )

ومن اتبع ظنه وهواه فأخذ يشنع على من خالفه بما وقع فيه من خطأ ظنه صوابا بعد اجتهاده وهو من البدع المخالفة للسنة فإنه يلزمه نظير ذلك أو وأعظم أو أصغر فيمن يعظمه هو من أصحابه فقل من يسلم من مثل ذلك في المتأخرين لكثرة الاشتباه والاضطراب وبعد الناس عن نور النبوة وشمس الرسالة الذي به يحصل الهدى والصواب ويزول به عن القلوب الشك والارتياب ولهذا تجد كثيرا من المتأخرين من علماء الطوائف يتناقضون في مثل هذه الأصول ولوازمها فيقولون القول الموافق للسنة وينفون ما هو من لوازمه غير ظانين أنه من لوازمه ويقولون ما ينافيه غير ظانين أنه ينافيه ويقولون بملزومات القول المنافي ما أثبتوه من السنة وربما كفروا من خالفهم في القول المنافي وملزوماته فيكون مضمون قولهم: أن يقولوا قولا ويكفروا من يقوله وهذا يوجد لكثير منهم في الحال الواحد لعدم تفطنه لتناقض القولين ويوجد في الحالين لاختلاف نظره واجتهاده

وسبب ذلك ما أوقعه أهل الإلحاد والضلال من الألفاظ المجملة التي يظن الظان أنه لا يدخل فيها إلا الحق وقد دخل فيها الحق والباطل فمن لم ينقب عنها أو يستفصل المتكلم بها - كما كان السلف والأئمة يفعلون - صار متناقضا أ مبتدعا ضالا من حيث لا يشعر

وكثير ممن تكلم بالألفاظ المجملة المبتدعة كلفظ الجسم والجوهر والعرض وحلول الحوادث ونحو ذلك كانوا يظنون أنهم ينصرون الإسلام بهذه الطريقة وأنهم بذلك يثبتون معرفة الله وتصديق رسوله فوقع منهم من الخطأ والضلال ما أوجب ذلك وهذه حال أهل البدع كالخوارج وأمثالهم فإن البدعة لا تكون حقا محضا موافقا للسنة إذا لو كانت كذلك لم تكن باطلا ولا تكون باطلا محضا لا حق فيها إذ لو كانت كذلك لم تخف على الناس ولا كن تشتمل على حق وباطل فيكون صاحبها قد لبس الحق بالباطل: إما مخطئا غالطا وإما متعمدا لنفاق فيه وإلحاد

كما قال تعالى: { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم } ( التوبة: 47 ( فأخبر أن المنافقين لو خرجوا في جيش المسلمين ما زادوهم إلا خبالا ولكانوا يسعون بينهم مسرعين يطلبون لهم الفتنة وفي المؤمنين من يقبل منهم ويستجيب لهم: إما لظن مخطىء أو لنوع من الهوى أو لمجموعهما فإن المؤمن إنمايدخل عليه الشيطان بنوع من الظن واتباع هواه ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: [ إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات ]

وقد أمر المؤمنين أن يقولوا في صلاتهم: { اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين } ( الفاتحة: 6 - 7 ) فالمغضوب عليهم عرفوا الحق ولم يعملوا به والضالون عبدوا الله بلا علم

ولهذا نزه الله نبيه عن الأمرين بقوله { والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى } ( النجم: 1 - 2 ) وقال تعالى: { واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار } ( ص: 45 )

وهذا الذي تقدم ذكره - من إنكار أئمة العراقيين من أصحاب الشافعي قول ابن كلاب ومتبعيه في القرآن - هو معروف في كتبهم ومعلوم أنه ليس بعد الشافعي وابن سريج مثل الشيخ أبي حامد الإسفرايني حتى ذكر أبو إسحاق في طبقات الفقهاء عن أبي الحسين القدوري: أنه كان يقول في الشيخ أبي حامد: إنه أنظر من الشافعي وهذا الكلام - وإن لم يكن مطابقا لمعناه لجلالة قدر الشافعي وعلو مرتبته - فلولا براعة أبي حامد ما قال فيه الشيخ أبو الحسين القدوري مثل هذا القول

كلام أبي حامد الإسفرايني في التعليق في أصول الفقه

وقد قال أبو حامد في كتاب التعليق في أصول الفقه: ( مسألة في أن الأمر أمر لصيغته أو لقرينة تقترن به: اختلف الناس في الأمر: هل له صيغة تدل على كونه أمرا أم ليس له ذلك؟ على ثلاثة مذاهب فذهب أئمة الفقهاء إلى أن الأمر له صيغة تدل بمجردها على كونه أمرا إذا عريت عن القرائن وذلك مثل قول القائل: افعل كذا وكذا وإذا وجد ذلك عاريا عن القرائن كان أمرا ولا يحتاج في كونه أمرا إلى قرينه

هذا مذهب الشافعي رحمه الله ومالك وأبي حنيفه والأوزاعي وجماعة أهل العلم وهو قول البلخي من المعتزلة

وذهبت المعتزلة بأسرها - غير البلخي - إلى أن الأمر لا سيغة له ولا يدل اللفظ بمجرده على كونه أمرا وإنما يكون أمرا بقرينة تقترن به وهي الإرادة ثم اختلفوا في تلك الإرادة: فمنهم من قال: هي إرادة المأمور به فإذا قال: افعل وأراد بذلك إيجاد المأمور به صار أمرا وإذا عري عن ذلك لم يكن أمرا ومنهم من قال: يحتاج إلى إرادة شيئنين: إرادة المأمور به وإرادة كون اللفظ أمرا ومنهم من اعتبر إرادة ثلاثة أشياء ولسنا نتكلم معهم في هذا الفصل فإنه شيء يتفرع على مذاهبهم وإنما الخلاف بيننا وبينهم في الأصل وهو أن اللفظ هل يكون أمرا بصيغته أو بقرينة تقترن به؟

وذهب الأشعري ومن تابعه إلى أن الأمر هو معنى قائم بنفس الآمر لا يفارق الذات ولا يزايلها وكذلك عنده سائر أقسام الكلام من النهي والخبر والاستخبار وغير ذلك كل هذه المعاني قائمة بالذات لا تزايلها كالقدرة والعلم وغير ذلك وسواء في هذا أمر الله تعالى وأمر الآدميين إلا أن أمر الله تعالى يختص بكونه قديما وأمر الآدمي محدث وهذه الألفاظ والأصوات ليست عندهم أمرا ولا نهيا وإنما هي عبارة عنه )

قال: ( وكان ابن كلاب عبد الله بن سعيد القطان يقول: هي حكاية عن الأمر وخالفه أبو الحسن الأشعري في ذلك فقال: لا يجوز أن يقال: ( إنها حكاية ) لأن الحكاية تحتاج إلى أن تكون مثل المحكي ولكن هو عبارة عن الأمر القائم بالنفس وتقرر مذهبهم على هذا فإذا كان هذا حقيقة مذهبهم فليس يتصور بيننا وبينهم خلاف في أن الأمر هل له صيغة أم لا فإنه إذا كان الأمر عندهم هو المعنى القائم بالنفس فذلك المعنى لا يقال: إن له صيغة أو ليست له صيغة وإنما يقال ذلك في الألفاظ ولكن يقع الخلاف في اللفظ الذي هو عندهم عبارة عن الأمر وعندنا أن هذا هو أمر وتدل صيغته على ذلك من غير قرينة وعندهم أنه لا يكون عبارة عن الأمر ولا دالا على ذلك بمجرد صيغته ولكنه يكون موقوفا على ما بينه الدليل فإن دل الدليل على أنه أريد به العبارة عن الأمر حمل عليه وأن دل الدليل على أنه أريد به العبارة عن غيره من التهديد والتعجيز والتحذير وغير ذلك حمل عليه إلا أننا نتكلم معهم في الجملة: أن هذا اللفظ هل يدل على الأمر من غير قرينة أم لا )؟ وبسط كلامه في هذه المسألة إلى آخرها

وهذا أيضا معروف عن أئمة الطريقة الخراسانية ومن متأخريهم أبو محمد الجويني والد أبي المعالي

وقد ذكر القاضي أبو القاسم بن عساكر في مناقبه ما ذكره عبد الغافر الفارسي في ترجمة أبي محمد الجويني ( قال: سمعت خالي أبا سعيد - يعني عبد الواحد بن أبي القاسم القشيري - يقول: كان أئمتنا في عصره والمحقوقون من أصحابنا يعتقدون فيه من الكمال والفضل والخصال الحيمدة أنه لو جاز أن يبعث الله نبيا في عصره لما كان إلا هو من حسن طريقته وورعه وزهده وديانته في كمال فضله )

كلام أبي محمد الجويني في عقيدة أصحاب الشافعي

قال أبو محمد في آخر كتاب صنفه سماه: ( عقيدة أصحاب الإمام المطلبي الشافعي وكافة أهل السنة والجماعة ) وقد نقل هذا عنه أبو القاسم بن عساكر فيكتابه الذي سماه تبيين كذب المفتري

( قال أبو محمد: ونعتقد أن المصيب من المجتهدين في الأصول والفروع واحد ويجب التعيين في الأصول فأما في الفروع فربما يتأتى التعيين وربما لا يتأتى ومذهب الشيخ أبي الحسن تصويب المجتهدين في الفروع وليس ذلك مذهب الشافعي وأبو الحسن أحد أصحاب الشافعي فإذا خالفه في شيء أعرضنا عنه فيه ومن هذا القبيل قوله: إنه لا صيغة للألفاظ أي الكلام وتقل وتعز مخالفته أصول الشافعي ونصوصه وربما نسب المبتدعون إليه ما هو بريء منه كما نسبوا إليه أنه يقول: ليس في المصحف قرآن ولا في القبر نبي وكذلك الاستثناء في الإيمان ونفي القدرة على الخلق في الأزل وتكفير العوام وإيجاب علم الدليل عليهم ) قال: ( وقد تصفحت ما تصفحت من كتبه فوجدتها كلها خلاف ما نسب إليه )

قلت: هذه المسأئل فيها كلام ليس هذا موضعه ولكن المقصود هنا: أنه جعل من القبيل الذي خالف فيه الشافعي وأعرض عنه فيه أصحابه: مسأل صيغ الألفاظ وهذه هي مسألة الكلام وقوله فيها هو قول ابن كلاب ( إن كلام الله معنى واحد قائم بنفس الله تعالى: إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا وإن القرآن العربي لم يتكلم الله به بل وليس هو كلام الله وإنما خلقه في بعض الأجسام )

وجمهور الناس من أهل السنة وأهل البدعة يقولون: إن فساد هذا القول معلوم بالاضطرار وإن معاني القرآن ليست هي معاني التوراة وليست معاني التوراة المعربة هي القرآن ولا القرآن إذا ترجم بالعبرية هو التوراة ولا حقيقة الأمر هي حقيقة الخبر

وإنما اضطر ابن كلاب والأشعري ونحوهما إلى هذا الأصل: أنهم لما اعتقدوا أن الله لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته لا فعل ولا تكلم ولا غير ذلك وقد تبين لهم فساد قول من يقول: ( القرآن مخلوق ) ولا يجعل لله تعالى كلاما قائما بنفسه بل يجعل كلامه ما خلقه في غيره وعرفوا أن الكلام لا يكون مفعولا منفصلا عن المتكلم ولا يتصف الموصوف بما هو منفصل عنه بل إذا خلق الله شيئا من الصفات والأفعال بمحل كان ذلك صفة لذلك المحل لا لله فإذا خلق في محل الحركة كان ذلك المحل هو المتحرك بها وكذلك إذا خلق فيه حياة كان ذلك المحل هي الحي بها وكذلك إذا خلق علما أو قدرة كان ذلك المحل هو العالم القادر بها فإذا خلق كلاما في غيره كان ذلك المحل هو المتكلم به

وهذا التقرير مما اتفق عليه القائلون بأن القرآن غير مخلوق من جميع الطوائف مثل أهل الحديث والسنة ومثل الكرامية والكلابية وغيرهم

ولازم هذا أن من قال: ( إن القرآن العربي مخلوق ) أن لا يكون القرآن العربي كلام الله بل يكون كلاما للمحل الذي خلق فيه ومن قال ( إن لفظ الكلام يقع بالاشتراك على هذا وهذا ) تبطل حجته على المعتزلة فإن أصل الحجة أنه إا خلق كلاما في محل كان الكلام صفة لذلك المحل فإذا كان القرآن العربي كلاما مخلوقا في محل كان ذلك المحل هو المتكلم به ولم يكون كلام الله ولهذا قال من قال: ( لا يسمى كلاما إلا مجازا ) فرارا من أن يثبتوا كلاما حقيقيا قائما بغير المتكلم به فلما عظم شناعة الناس على هذا القول وكان تسمية هذا كلاما حقيقة معلوما بالاضطرار من اللغة أراد من ينصرهم أن يجعل لفظ الكلام مشتركا فأفسد الأصل الذي بنوا عليه قولهم

وبإنكار هذا الأصل استطال عليهم من يقول بخلق القرآن من المعتزلة والشيعة والخوارج ونحوهم فإن هؤلاء لما ناظرهم من سلك طريقة ابن كلاب - ومضمونها: أن الله لا يقدر على الكلام ولا يتكلم بما شاء ولا هو متكلم باختياره ومشيئته - طمع فيهم أولئك لأن جمهور الخلق يعلمون أن المتكلم يتكلم بمشيئته واختياره وهو قادر على الكلام وهو يتكلم بما يشاء

ولكن منشأ اضطراب الفريقين اشتراكهما في أنه لا يقوم به ما يكون بإرادته وقدرته فلزم هؤلاء - إذا جعلوا يتكلم بإرادته وقدرته واختياره - أن يكون كلامه مخلوقا منفصلا عنه ولزم هؤلاء - إذا جعلوه غير مخلوق - أن لا يكون قادرا على الكلام ولا يتكلم بمشيئته وقدرته ولا يتكلم بما يشاء

والمقصود هنا أن عبد الله بن سعيد بن كلاب وأتباعه وافقوا سلف الأمة وسائر العقلاء على أن كلام المتكلم لا بد أن يقوم به فما لا يكون إلا بائنا عنه لا يكون كلامه كما قال الأئمة: كلام الله من الله ليس ببائن منه وقالوا: إن القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود فقالوا: ( منه بدأ ) ردا على الجهمية الذين يقولون: بدأ من غيره ومقصودهم أنه هو المتكلم به كما قال تعالى: { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم } ( الزمر: 1 ) وقال تعالى: { ولكن حق القول مني } ( السجدة: 13 ) وأمثال ذلك

ثم إنهم - مع موافقتهم للسلف والأئمة والجمهور على هذا - اعتقدوا هذا الأصل وهو أنه لا يقوم به ما يكون مقدورا له متعلقا بمشيئته بناء على هذا الأصل الذي وافقوا فيه المعتزلة فاحتاجوا حينئذ أن يثبتوا ما لا يكون مقدورا مرادا قالوا: والحروف المنظومة والأصوات لا تكون إلا مقدورة مرادة فأثبتوا معنى واحدا لم يمكنهم إثبات معان متعددة خوفا من إثبات ما لا نهاية له فاحتاجوا أن يقولوا ( معنى واحدا ) فقالوا القول الذي لزمته تلك اللوازم التي عظم فيها نكير جمهور المسلمين بل جمهور العقلاء عليهم

وأنكر الناس عليهم أمورا: إثبات معنى واحد هو الأمر والخبر وجعل القرآن العربي ليس من كلام الله الذي تكلم به وأن الكلام المنزل ليس هو كلام الله وأن التوراة والإنجيل والقرآن إنما تختلف عباراتها فإذا عبر عن التوراة بالعربية كان هو القرآن وأن الله لا يقدر أن يتكلم ولا يتكلم بمشيئته واختياره وتكليمه لمن كلمه من خلقه كموسى وآدم ليس إلا خلق إدراك ذلك المعنى لهم فالتكليم هو خلق الإدراك فقط

ثم منهم من يقول: السمع يتعلق بذلك المعنى وبكل موجود فكل موجود يمكن أن يرى ويسمع كما يقوله أبو الحسن ونحوه

ومنهم من يقول: إنه يسمع ذلك المعنى من القارىء مع صوته المسموع منه كما يقول ذلك طائفة أخرى

وجمهور العقلاء يقولون: إن هذه الأقوال معلومة الفساد بالضرورة وإنما ألجأ إليها القائلين بها ما تقدم من الأصول التي استلزمت هذه المحاذير وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم

وكذلك من قال: ( لا يتكلم إلا بأصوات قديمة أزلية ليست متعاقبة وهو لا يقدر على التكلم بها ولا له في ذلك مشيئة ولا فعل ) من أهل الحديث والفقهاء والكلام المنتسبين إلى السنة فجمهور العقلاء يقولون: إن قول هؤلاء أيضا معلوم الفساد بالضرورة وإنما ألجأهم إلى ذلك اعتقادهم أن الكلام لا يتعلق بمشيئة المتكلم وقدرته مع علمهم بأن الكلام يتضمن حروفا منظومة وصوتا مسموعا من المتكلم

وأما من قال: ( إن الصوت المسموع من القارىء قديم ) أو: ( يسمع منه صوت قديم ومحدث ) فهذا أظهر فسادا من أن يحتاج إلى الكلام عليه

وكلام السلف والأئمة والعلماء في هذا الأصل كثير منتشر ليس هذا موضع استقصائه

دلالة القرآن على مسألة أفعال الله تعالى

وأما دلالة الكتاب والسنة على هذا الأصل فأكثر من أن تحصر وقد ذكر منها الإمام أحمد وغيره من العلماء في الرد على الجهمية ما جمعوه كما ذكر الخلال في كتاب السنة قال: ( أخبرنا المروزي قال: هذا ما جمعه واحتج به أبو عبد الله على الجهمية من القرآن وكتبه بخطه وكتبته من كتابه فذكر المروزي آيات كثيرة دون ما ذكر الخضر بن أحمد بن عبد الله بن أحمد وقال فيه: سمعت أبا عبد الله يقول: في القرآن عليهم من الحجج في غير موضع - يعني الجهمية -

قال الخلال: وأنبأنا الخضر بن أحمد المثنى الكندي سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: وجدت هذا الكتاب بخط أبي فيما احتج به على الجهمية وقد ألف الآيات إلى الآيات في السور فذكر آيات كثيرة تدل على هذا الأصل مثل قوله تعالى: { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون } ( البقرة: 186 ) وقوله تعالى: { بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } ( البقرة: 117 ) وقوله { إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة } ( البقرة: 174 ) وقوله تعالى: { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها } ( المجادلة: 1 ) وقوله تعالى: { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء } ( آل عمران: 181 ) وقوله تعالى: { إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم } إلى قوله تعالى - { كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } ( آل عمران 45 - 47 ) وقوله تعالى { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } ( آل عمران: 59 ) وقول تعالى { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة } ( آل عمران: 77 ) وقوله تعالى { وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك } ( الأنعام: 73 ) { وكلم الله موسى تكليما } ( النساء: 164 ) وقوله: { ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه } ( الأعراف: 143 ) { ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون } ( يونس: 19 ) { ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب } ( هود: 110 ) { ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم } ( الشورى: 21 ) { وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } ( هود: 119 ) { نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين } ( يوسف: 3 ) وقوله: { قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي } ( الكهف: 109 ) وقال تعالى: { فلما أتاها نودي يا موسى * إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى * وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى * إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري } ( طه: 11 - 14 ) إلى قوله: - { إنني معكما أسمع وأرى } ( طه: 46 ) { وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني } ( طه: 39 ) { ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى } ( طه: 129 ) { وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين * فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم } ( الأنبياء: 83 - 84 ) وقوله: { وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين } ( الأنبياء: 87 - 88 ) قوله { وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين * فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه } ( الأنبياء: 88 - 89 ) وقوله { الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا } ( الفرقان: 59 ) وقوله: { فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها } ( النمل: 80 ) وقوله: { فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين } ( القصص: 30 ) وقوله تعالى: { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } ( يس: 88 ) وقوله تعالى: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون } ( الصافات: 171 - 173 ) وقوله تعالى: { وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون } ( الزمر: 67 ) وقول تعالى: { هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } ( غافر: 68 ) { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } ( غافر: 60 ) { ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب } ( الشورى: 14 ) { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء } ( الشورى: 51 ) وقوله تعالى: { فلما آسفونا انتقمنا منهم } ( الزخرف: 55 ) وقوله: { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما } ( المجادلة: 1 )

قلت: وفي القرآن مواضع كثيرة تدل على هذا الأصل كقوله تعالى: { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم } ( البقرة: 29 ) وقوله: { قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين } إلى قوله: { ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين } ( فصلت: 9 - 11 ) وقوله: { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام } ( البقرة: 210 ) وقوله: { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك } ( الأنعام: 158 ) وقوله: { وجاء ربك والملك صفا } ( الفجر: 22 ) وقوله تعالى: { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون } ( التوبة: 105 ) وقوله: { ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون } ( يونس: 14 ) وقوله تعالى: { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش } ( الأعراف: 54 ) في غير موضع في القرآن وقوله تعالى: { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } ( النحل: 40 ) وقوله تعالى: { وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها } ( الإسراء: 16 ) وقوله تعالى: { وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال } ( الرعد: 11 ) وقوله تعالى: { كل يوم هو في شأن } ( الرحمن: 29 ) وقوله تعالى: { ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين } ( القصص: 65 ) وقوه تعالى: { ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون } ( القصص: 62 ) { وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين } ( الشعراء: 10 ) { وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة } ( الأعراف: 22 ) وقوله تعالى: { قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون } ( الشعراء: 15 ) وقوله: { سلام قولا من رب رحيم } ( يس: 58 ) وقوله تعالى: { الله نزل أحسن الحديث } ( الزمر: 23 ) وقوله: { فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون } ( الجاثية: 6 ) وقوله: { فبأي حديث بعده يؤمنون } ( المرسلات: 50 ) وقوله: { ومن أصدق من الله حديثا } ( النساء: 87 )

وأمثال ذلك كثير في كتاب الله تعالى بل يدخل في ذلك عامة ما أخبر الله به من أفعاله لا سيما المرتبة كقوله تعالى: { ولسوف يعطيك ربك فترضى } ( الضحى: 5 ) وقوله: { فسنيسره لليسرى } ( الليل: 10 ) وقوله: { إن إلينا إيابهم * ثم إن علينا حسابهم } ( الغاشية: 25 - 26 ) وقوله: { إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه } ( القيامة: 17 - 19 ) وقوله: { فسوف يحاسب حسابا يسيرا } ( الانشقاق: 8 ) وقوله: { أنا صببنا الماء صبا * ثم شققنا الأرض شقا } ( عبس: 25 - 26 ) وقوله تعالى: { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } ( الروم: 27 ) وقوله { ألم نهلك الأولين * ثم نتبعهم الآخرين } ( المراسلات: 16 - 17 ) ونحو ذلك

لكن الاستدلال بمثل هذا مبني على أن الفعل ليس هو المفعول والخلق ليس هو المخلوق وهو قول جمهور الناس على اختلاف أصنافهم وقد قرر هذا في غير هذا الموضع

ثم هؤلاء على قولين: منهم من يقول: إن الفعل قديم لازم للذات لا يتعلق بمشيئته وقدرته ومنهم من يقول: يتعلق بمشيئته وقدرته وإن قيل إن نوعه قديم فهؤلاء يحتجون بما هو الظاهر المفهوم من النصوص

وإذا تأول من ينازعهم أن المتجدد إنما هو المفعول المخلوق فقط من غير تجدد فعل كان هذا بمنزلة من يتأول نصوص الإرادة والحب والبغض والرضا والسخط على أن المتجدد ليس أيضا إلا المخلوقات التي تراد وتحب وترضى وتسخط وكذلك نصوص القول والكلام والحديث ونحو ذلك: على أن المتجدد ليس إلا إدراك الخلق لذلك وتأويل الإتيان والمجيء على أن المتجدد ليس إلا مخلوقا من المخلوقات

فهذه التأويلات كلها من نمط واحد ولا نزاع بين الناس أنها خلاف المفهوم الظاهر الذي دل عليه القرآن والحديث

ثم ملاحدة الباطنية يقولون: إن الرسل أرادو إفهام الناس ما يتخيلونه وإن لم يكن مطابقا للخارج ويجعلون ذلك بمنزلة ما يراه النائم فتفسير القرآن عندهم يشبه تعبير الرؤيا التي لا يفهم تعبيرها من ظاهرها كرؤيا يوسف والملك بخلاف الرؤيا التي يكون ظاهرها مطابقا لباطنها

وأما المسلمون من أهل الكلام النفاة فهم وإن كانوا يكفرون من يقول بهذا فإما أن يتأولوا تأويلات يعلم بالضرورة أن الرسول لم يردها وإما أن يقولوا: ما ندري ما أراد فهم إما في جهل بسيط أو مركب ومدار هؤلاء كلهم على أن العقل عارض ما دلت عليه النصوص

وقد بين أهل الإثبات أن العقل مطابق موافق لما أخبرت به النصوص ودلت عليه لا معارض له لكن المقصود هنا أن نبين أن القرآن والسنة فيهما من الدلالة على هذا الأصل ما لا يكاد يحصر فمن له فهم في كتاب الله يستدل بما ذكر من النصوص على ما ترك ومن عرف حقيقة قول النفاة علم أن القرآن مناقض لذلك مناقضة لا حيلة لهم فيها وأن القرآن يثبت ما يقدر الله عليه ويشاؤه من أفعاله التي ليست هي نفس المخلوقات وغير أفعاله ولولا ما وقع في كلام الناس من الالتباس والإجمال لما كان يحتاج أن يقال: الأفعال مفعول ليس هو نفس المفعول ولكن النفاة عندهم أن المخلوقات هي نفس فعل الله ليس له فعل عندهم إلا نفس المخلوقات فلهذا احتيج إلى البيان

ومما يدل على هذا الأصل ما علق بشرط كقوله تعالى: { ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب } ( الطلاق: 2 - 3 ) وقوله: { إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } ( آل عمران: 31 ) وقوله: { إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا } ( الأنفال: 29 ) وقوله: { لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } ( الطلاق: 1 ) وقوله تعالى: { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشاء الله } ( الكهف: 23 - 24 ) وقوله تعالى: { ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله } ( محمد: 28 )

وفي الجملة هذا في كتاب الله أكثر من أن يحصر

درء تعارض العقل والنقل
1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | 32 | 33 | 34 | 35 | 36 | 37 | 38 | 39 | 40 | 41 | 42 | 43 | 44 | 45 | 46 | 47 | 48 | 49 | 50 | 51 | 52 | 53 | 54 | 55