الرئيسيةبحث

درء تعارض العقل والنقل/16


شبهة للملاحدة

وللملاحدة الفلاسفة سؤال مشهور على قول القائل إما أن يكون حيا أو ميتا أو عالما أو جاهلا وقادرا أو عاجزا وسميعا بصيرا أو أعمى وأصم فإن هذين متقابلان تقابل العدم والملكة لا تقابل السلب والايجاب

والفرق بينهما أن الأول سلب الشيء عما من شأنه أن يكون متصفا به كسلب الحياة والسمع والبصر والعلم عن الحيوان فإنه قابل لذلك فإذا سلب عنه لزم أن يكون ميتا أعمى أصم جاهلا وأما الجماد فإنه لا يقبل الاتصاف بذلك فلا يقال فيه حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل ولا سميع بصير ولا أعمى أصم

الجواب عنها من وجوه

قلت وقد بسطنا الكلام على هذه الشبهة وغن كان الآمدي وأمثاله عجزوا عن حلها بل اعترفوا بورودها وبينا الجواب عن ذلك من وجوه

الأول

أن مالا يقبل الاتصاف بصفات الكمال أنقص مما يقبل الاتصاف بصفات الكمال والحي الجاهل الأعمى الأصم لقبوله للعلم

والسمع والبصر أكمل من الجماد الذي لا يقبل ذلك ن فإذا كان يمتنع كون الواجب يقبل صفات الكمال ولا يتصف بها فلأن يمتنع كونه لا يقبلها بطريق الأولى

والثاني

أن كل صفة من صفات الكمال إذا لم تستلزم نقصا فالواجب أولى بها من الممكن واتصافه بها أولى من الممكن لأنه أكمل ولأن كل كمال حصل للممكن فهو من الواجب وهم يسلمون أن كل كمال حصل للمعلوم فهو من علته فالمعلول أولى بذلك

الثالث

أن كل ما أمكن اتصاف الرب سبحانه فهو واجب له لامتناع توقف شيء من صفاته على غيره

الرابع

أن نفي هذه الصفات نقص وإن لم يسم جهلا وصما وبكما

الخامس

أن ما ذكروه من التفريق بين السلب والإيجاب والعدم والملكة بتسمية هذا ميتا دون هذا اصطلاح لهم لا يجب أتباعه والله قد سمى الجماد مواتا في مثل قوله تعالى { والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون * أموات غير أحياء } النحل 20 - 21 وفي قوله تعالى { وآية لهم الأرض الميتة } يس: 33 وأمثال ذلك

فإذا كان قد علم انه لا بد من موجود بنفسه مختص بخصائص لا يشركه فيها غيره مباين له توهما باطلا شيطانيا وهو من جنس ما ذكره النبي ﷺ في الحديث الصحيح لما قال يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا فيقول الله فيقول من خلق الله؟ فإذا وجد أحدكم ذلك فليستعذ بالله ولينته

وفي حديث آخر لا يزال الناس يتساءلون حتى يقولوا هذا الله كل شيء فمن خلق الله؟

وهذا لكون الوسواس الشيطاني الباطل لا يقف عند حد الموجود الواجب القديم الخالق وهذا المقام ضل فيه طوائف من الناس صاروا ينفون ما يجب إثباته لله تعالى من الصفات لعدم علمهم بما يوجب اختصاصه بذلك

ثم إنهم يتناقضون فالمعتزلة فرقوا بين كونه عالما وقادرا وكونه متكلما مريدا بأن العلم عام التعلق فإنه سبحانه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير والكلام خاص فإنه يتكلم بشيء دون شيء فإنه لا يتكلم إلا بالصدق والإرادة خاصة فإنه يريد شيئا دون شيء لا يريد إلا ما علم أن سيكون

فقال لهم الناس هب أن الأمر كذلك لكن ما الموجب للتكلم ببعض الكلام دون بعض ولإرادة بعض الأمور دون بعض؟ فلا بد من سبب يوجب التخصيص فلا بد حينئذ أن يكون هو المخصص 0 فقالوا القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مخصص

فيقال لهم هذا مع بطلانه يوجب تناقضكم فإنكم قلتم لا بد للتخصيص من مخصص ثم قلتم كل الممكنات مخصصة ووجدت بدون مخصص بل رجح المرجح أحد المتاثلين على الآخر من غير مخصص وإذا جوزتم في الممكنات وجود المخصصات بدون مخصص مع أن نسبة القادر واحدة فالموجود بنفسه أولى أن يستغني عن مخصص مما اختص به من ذاته وصفاته وذلك أنه من المعلوم أن وجود ذاته وصفاته أولى من وجود مفعولاته وإذا جوزتم أن يكون مخصصا لمفعولاته المختصة بحقيقة وقدر وصفة بلا مخصص أصلا فتجويزكم أن تكون ذاته المختصة الواجبة بنفسها لا تفتقر إلى مخصص بطريق الأولى

وهذا لا ينعكس فإنه إذا قيل إن أفعاله تفتقر إلى مخصص لم يلزم أن تكون ذاته مفتقرة إلى مخصص فإن ذاته واجبة الوجود بنفسها فهي لا تفتقر إلى سبب أصلا بخلاف مفعولاته فإنها مفتقرة إلى سبب وما افتقر إلى فاعل جاز أن يقال هو مفتقر إلى مخصص بخلاف ما لا يفتقر إلى فاعل فإنه لا يجب أن يفتقر إلى مخصص

فإذا قيل ما افتقر إلى سبب أو ما افتقر إلى فاعل أو ما افتقر إلى علم افتقر إلى مخصص وما لم يفتقر إلى شيء من ذلك لم يفتقر كان هذا كاملا معقولا

بخلاف ما إذا قيل المفتقر إلى الفاعل لا يفتقر إلى نخصص والغني عن الفاعل يفتقر إلى مخصص فإن هذا قلب للحقيقة كما قالته المعتزلة الجهمية القدرية من نفي افتقار الأفعال إلى مخصص وإثبات افتقار الذات إلى مخصص قلب للحقائق

وأفسد منه قول الفلاسفة الذين يثبتون مفعولات مختلفة مع حدوث كثير منها ويقولون إن مخصصها مجرد وجود بسيط ثم يصفونه بصفات تفيد اختصاصه بما يتميز به عن سائر الموجودات ويقولون مع ذلك الاختصاص لا بد له من مخصص مباين له ثم العلم فيه من العموم ما ليس في القدرة وفي القدرة من العموم ما ليس في الإدارة

والمتفلسفة نفوا الاختصاص حتى أثبتوا وجودا مطلقا مجردا ثم أثبتوا له من اللوازم ما يوجب الاختصاص مثل كونه وجودا واجبا وذلك يميزه عن الوجود الممكن وجعلوه عاقلا ومعقولا وعقلا وعاشقا ومعشوقا وعشقا وملتذا به وأنواع ذلك مما يوجب اختصاصه بهذه الأمور عمن ليس هو موصوفا بها من الجمادات

وقالوا صدر عنه العالم المختص بما له من الصفات والأقدار من غير موجب للتخصيص فهل في الوجود أعظم من هذا التناقض؟

وهو أن يكون وجود مطلق لا اختصاص فيه يوجب كل اختصاص في الوجود من غير سبب يوجب التخصيص؟

وهؤلاء ينكرون على من أثبت من أهل الكلام الحوادث بلا سبب حادث ثم يثبتون الحوادث بلا محدث ويثبتون التخصيصات في الموجودات بلا مخصص أصلا وهو شبيه بقول من يجعل الممكن الذي ليس له من نفسه وجود يوجد بلا واجب بنفسه

ومن وافق هؤلاء من الكلابية في بعض الأمور يثبت صفات معدودة يختص بها ن ويجعل لها خصائص ثم يطلب المخصص لغير تلك الصفات 0 ولهذا كان منتهى من سلك هذه السبيل إلى أن يثبت وجودا ثم مطلقا ثم يتناقض أعظم من تناقض غيره وذلك لن كل موجود فمختص بما هو من خصائصه سواء عن غيره طلب ما هو ممتنع لذاته فمن وصف الواجب بذلك فقد وصفه بصفة الممتنع لذاته ن وهذا نهاية هؤلاء وهو الجمع بين النقيضين

ثم يقول من يقول من متصوفتهم انه يجوز الجمع بين النقيضين وأنه يثبت في الكشف ما يناقض صريح العقل

كلام الشهرستاني في نهاية الإقدام

والشهر ستاني لما اعتمد في مناظرته للقائلين بالعلو والمباينة والصفات الفعلية ونحو هؤلاء على هذه الطريقة أورد على نفسه من اللوازم ما اعترف معه بالحيرة فلما احتج بأن الاختصاص بالقدر يقتضي مخصصا والاختصاص بالجهة يقتضي مخصصا قال فإن قيل بم تنكرون على من يقول القدر الذي اختص به نهاية وحدا واجب له لذاته فلا يحتاج إلى مخصص بخلاف مقادير الخلق فإنها احتاجت إلى ذلك لأنها جائزة وذلك لأن الجواز في الجائزات إنما يعرف بتقدير القدرة عليها فلما كانت المقادير المخلوقة مقدورة عرف جوازها واحتاج الجواز إلى مرجح فإذا لم يكن فوق الباري تعالى قادر يقدر عليه لم يمكن إضافة الجواز إليه وإثبات الاحتجاج له ألسنا اتفقنا على أن الصفات ثمان أفهى واجبة له على هذا العدد أم جائز أن توجد صفة اخرى؟ فإن قلتم يجب الانحصار في هذا العدد كذلك نقول الاختصاص بالحد المذكور واجب له إذ لا فرق بين مقدار في الصفات عدا ومقدار في الذات حدا وإن قلتم جائز أن توجد صفة أخرى فما الموجب للانحصار في هذا العدد والحد فيحتاج إلى مخصص حاصر؟ ثم قال قلنا المقادير من حيث إنها مقادير طولا وعرضا وعمقا لا تختلف شهدا ولا غائبا في تطرق الجواز العقلي إليها واستدعاء مخصص

فيقال له هذا الذي قلته هو أول المسألة فإن المقادير من حيث هي هي لا وجود لها في الخارج كما ان الصفات والذوات من حيث هي هي لا وجود لها في الخارج وإنما يوجد في الخارج ذات مخصوصة بصفاتها المخصوصة فالقول فيما اختصت به من المقدار كالقول فيما اختصت به من سائر الصفات به من الحقيقة الموصوفة بتلك الصفات

ثم قال وأما الصفات وانحصارها في ثمان فقد اختلف جواب الأصحاب عنه بوجوه منها أنهم منعوا إطلاق لفظ العدد عليها فضلا عن الثمانية وقالوا قد دل الفعل بوقوعه على كون الفاعل قادرا وباختصاصه ببعض الجائزات على كونه مريدا وبأحكامه على كونه عالما وعلم بالضرورة أن القضايا مختلفة وورد في الشرع إطلاق العلم والقدرة والإرادة ولا مدلول سوى ما دل الفعل عليه أو ورد في الشرع إطلاقه ولهذا اقتصرنا على ذلك فلو سئل هل يجوز أن يكون له صفة أخرى اختلف الجواب عته فقيل لا يتطرق إليه الجواز فإنا لم نثبت الصفات إلا بدليل الفعل والفعل ما دل إلا على تلك وقيل يجوز عقلا إلا أن الشرع لم يرد به فنتوقف في ذلك ولا يضر في ذلك الاعتقاد إذا لم يرد به تكليف

قال ومنها أنهم فرقوا في الشاهد بين الصفات الذاتية التي تلتئم منها حقيقة الشيء وبين المقادير العرضية التي لا مدخل لها في تحقيق حقيقة الشيء فإن الصفات الذاتية لا تثبت للشيء مضافة إلى الفاعل بل هي له من غير سبب والمقادير العرضية تثبت للشيء مضافة إلى الفاعل 0 فإن جعلها له بسبب

ومنها أنه ولو قدر صفة زائدة على الثمان لم يخل إما أن تكون صفة مدح وكمال او صفة ذم ونقصان فإن كان صفة كمال فعدمها في الحال نقص وإن كان صفة نقص فعدمها واجب وإذا بطل القسمان تعين أنه لا يتصف بزيادة على الثمانية

قال ويترتب على ما ذكرناه هل يجوز أن يكون للباري تعالى أخص وصف لا ندركه؟ وفرق بين هذا السؤال الأول فإن السائل الأول سأل هل يجوز أن تزيد صفاته على الصفات الثمانية؟ والسائل الثاني سأل هل له أخص وصف تميز به عن المخلوقات؟ واختلف جواب الأصحاب عنه أيضا فقال بعضهم ليس له أخص وصف ولا يجوز أن يكون لأنه بذاته وصفاته تميز عن ذوات المخلوقات وصفاتها من حيث أن ذاته لا حد لها زمانا ومكانا ولا تقبل الانقسام فعلا ووهما بخلاف ذوات المخلوقات لا حد لها زمانا ومكانا ولا تقبل الانقسام فعلا ووهما بخلاف ذوات المخلوقات وصفاته غير متناهية في التعلق بالمتعلقات ولو كان الغرض أن يتحقق أخص وصف به يقع التميز فقد وقع التميز بما ذكرناه ن فلا أخص سوى ما عرفناه 0 وقال بعضهم لا بل له أخص وصف في الإلهة لا ندركه وذلك أن كل شيئين لهما حقيقتان معقولتان فإنهما يتمايزان بأخص وصفيهما وجميع ما ذكرنا من ان لا حد ولا نهاية لا انقسام للذات ولا تناهي للتعلق في الصفات كل ذلك أسلوب وصفات نفي وبالنفي لا يتميز الشيء عن الشيء بل لا بد من صفة إثبات بها يقع التميز وإلا فترتفع الحقيقة رأسا ثم إذا ثبت أخص الوصف فهل يجوز أن يدرك قال إمام الحرمين لا يجوز أن يدرك أصلا وقال بعضهم يجوز أن يدرك وقال ضرار بن عمرو يدرك ذلك عند الرؤية بحاسة سادسة ونفس المسألة من محارات العقول وتصور الأخص من محارات العقول

تعليق ابن تيمية على كلام الشهرستاني

فيقال: هذا وما أشبه هو الذي يقال في هذا المقام من جهة من يفرق بين بعض الصفات وبعض كما يفرق بين الصفة والقدر ومن تدبره علم أنه لا يمكن الفرق

وذلك من وجوه :

الوجه الأول

أن ما ذكره ليس فيه جواب فيه جواب عن الإلزام والمعارضة فإنهم عارضوه بإثبات صفات متعددة سواء كانت ثمانيا أو أكثر أو أقل فغن اختصاص الصفات بعدد من الأعداد كاختصاص الذات بقدر من الأقدار وإذا كان المسمي لا يسمي ذلك عددا فمنازعه لا يسمي الآخر قدرا وليس الكلام في الإطلاقات اللفظية بل في المعاني العقلية وما زاد على ذلك سواء نفي ثبوته او نفي العلم به لا يضر فغن السؤال قائم إلا أن يثبت المثبت صفات لا نهاية لعددها وهذا ينقض قاعدة من يقول: غنه لا يوجد ما لا نهاية له وإلا فإذا أثبت الصفات متناهية كانت المعارضة متوجهة سواء عرف عددها أو لم يعرف وتفريق من فرق بين الصفات الذاتية والعرضية بأن هذه تفتقر إلى فاعل دون الأخرى لا يصح لأن هذا إنما يجيء على قول من يقول: الماهيات غير مفعولة ولا مجعولة كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة ونحوهم وإلا فأهل السنة ومتكلموهم متفقون على أن حقائق جميع المخلوقات مخلوقة مصنوعة بل ليس لها حقيقة في الخارج إلا ما هو موجود في الخارج وما سوى ذلك فإنما هو الصورة العلمية وما في الأذهان من ذلك فالله تعالى هو الذي جعله فيها والله سبحانه هو الذي خلق فسوى وهو الذي قدر فهدى وهو الذي خلق خلق الإنسان من علق وهو الذي علم بالقلم علم الإنسان مالم يعلم وهو الذي خلق الإنسان علمه البيان

فقوله: الصفات الذاتية لا تثبت للشيء مضافة إلى الفاعل قول باطل بل صفة كل موصوف مخلوق مضافة إلى الله تعالى فإنه خلق كل موصوف بصفاته وليس في المخلوق شيء لا من ذاته ولا من صفاته إلا والله تعالى خلقه وأبدعه

وأيضا فكل صفة لازمة لموصوفها لا يكون الموصوف إلا بها فإن كان مفتقرا إلى الفاعل فالفاعل فعله بصفاته وإن كان غنيا عن الفاعل استغنى بصفاته عن الفاعل وتسمية أهل المنطق لبعضها ذاتيا ولبعضها عرضيا لا يمنع اشتراكها في هذا الحكم

وقول القائل لو قدر صفة زائدة على الثمان لكان صفة كمال أو نقص إنما يفيده نفي ما زاد على الثمان وهذا لا يضر المعارض بل يقوي معارضته فإن تخصيص الصفات بإثبات ثمان دون ما زاد ونقص تخصيص بقدر وعدد فغن كان كل مختص يفتقر إلى مخصص مباين للموصوف فالسؤال قائم فإن قال القائل هذه الصفات على هذا الوجه من لوازم الذات لا تفتقر إلى موجب غير الذات قيل له: فهكذا مورد النزاع وبطل ما ذكرته من أن اختصاص كل موصوف بصفات ومقدار يفتقر إلى مخصص منفصل عنه

الوجه الثاني

أن ما ذكره من الكلام في أخص وصف هو أيضا لازم لهم كما أن ما ذكره في الصفات هو أيضا لازم لهم فإن هذا معارضة باختصاص الحقيقة في نفسها وذلك معارضة باختصاصها ببعض الصفات دون بعض وبعدد من الصفات دون ما زاد وسواء قيل بإثبات أخص وصف أو لم يقل فإنه لا بد من ذات متميزة بنفسها عما سواها

الوجه الثالث

أن يقال: أهل الإثبات للصفات لهم فيما زاد على الثمانية ثلاثة أقوال معروفة: أحدها: إثبات صفات أخرى كالرضى والغضب والوجه واليدين والاستواء وهذا قول ابن كلاب والحارث المحاسبي وأبي العباس القلانسي والأشعري وقدماء أصحابه كأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن بن مهدي الطبري والقاضي أبي بكر بن الطيب وأمثالهم ن وهو قول أبي بكر بن فورك وقد حكي إجماع أصحابه على إثبات الصفات الخبرية كالوجه واليد وهو قول أبي القاسم القشيري وأبي بكر البيهقي كما هو قول القاضي أبي يعلى وابن عقيل والشريف أبي علي وابن الزغوني وأبي الحسن التميمي وأهل بيته كابنه أبي الفضل ورزق الله وغيرهم كما هو قول سائر المنتسبين إلى أهل السشنة والحديث وليس للأشعري نفسه فيإثبات صفة الوجه واليد والاستواء وتأويل نصوصها قولان بل لم يختلف قوله أنه يثبتها ولا يقف فيها بل يبطل تأويلات من ينفيها ولكن أبو المعالي وأتباعه ينفونها ثم لهم في التأويل والتفويض قولان فأول قولي أبي المعالي التأويل كما ذكره في الإرشاد وآخرهما التفويض كما ذكره في الرسالة النظامية وذكر إجماع السلف على المنع من التأويل وأنه محرم

وأما أبو الحسن وقدماء أصحابه فهم من المثبتين لها وقد عد القاضي أبو بكر في التمهيد والإبانة له الصفات القديمة خمس عشرة صفة ويسمون هذه الصفات الزائدة على الثمانية الصفات الخبرية وكذلك غيرهم من أهل العلم والسنة مثل محمد بن جرير الطبري وأمثاله وهو قول أهل السنة والحديث من السلف وأتباعهم وهو قول الكرامية والسالمية وغيرهم

وهذا القول هو القول المعروف عند متكلمة الصفاتية لم يكن يظهر بينهم غيره حتى جاء من وافق المعتزلة على نفيها وفارق طريقة هؤلاء وأصل هؤلاء أنهم يثبتون الصفات السمع والعقل بخلاف من اقتصر على الثمانية فإنه لم يثبت صفة إلا بالعقل وقد أثبت طائفة منهم بعضها بالعقل كما أثبت أبو أسحق الإسفراييني صفة اليد بالعقل وكما يثبت كثير من المحققبن صفة الحب والبغض والرضى والغضب بالعقل

القول الثاني: قول من ينفي هذه الصفات كما ذكره الشهرستاني وغيره وهو أضعف الأقوال فإن عندته أنه لو كان لله صفة غير لوجب أن ينصب عليها دليلا نعلمه ولم ينصب فلا صفة له وكلتا المقدمتين باطلة فإن دعوى المدعي أنه لا بد أن ينصب الله تعالى على كل صفة من صفاته دليلا باطل ودعواه أنه لم ينصب دليلا إلا نعلمه هو أيضا باطل كما قد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع فإن هذه القاعدة إنما هي معدة لجمل المقاصد

والثالث قول الوافقة الذين يجوزون إثبات صفات زائدة لكن يقولون لم يقم عندنا دليل على نفي ذلك ولا إثباته وهذه طريقة محققي من لم يثبت الصفات الخبرية وهذا أختيار الرازي والأمدي وغيرهما

وأئمة أهل السنة والحديث من اصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم يثبتون الصفات الخبرية لكن منهم من يقول لا نثبت إلا ما في القرآن والسنة المتواترة وما لم يقم دليل قاطع على إثباته نفيناه كما يقوله ابن عقيل وغيره أحيانا ومنهم من يقول بل نثبتها بأخبار الآحاد المتلقاة بالقبول ومنهم من يقول نثبتها بالأخبار الصحيحة مطلقا ومنهم من يقول يعطى كل دليل حقه فما كان قاطعا في الإثبات قطعنا بموجبه وما كان راجحا لا قاطعا قلنا بموجبه فلا نقطع في النفي والإثبات إلا بدليل يوجب القطع وإذا قام دليل يرجح لأحد الجانبين بينا رجحان أحد الجانبين وهذا أصح الطرق

وكثير من الناس قد يظن صحة أحاديث فإما أن يتأولها أو يقول هي مثل غيرها من الأخبار وتكون باطلة عند أئمة الحديث

ومن الأخبار ما يكون ظاهرة يبين المراد به لا يحتاج إلى دليل يصرفه عن ظاهرة ولكن يظن قوم أنه مما يفتقر إلى تأويل كقوله الحجر السود يمين الله في الأرض فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه

فهذا الخبر لو صح عن النبي ﷺ لم يكن ظاهرة ان الحجر صفة لله بل صريح في أنه ليس صفة لله لقوله يمين الله في الأرض فقيده في الأرض ولقوله فمن صافحه فكأنما صافح الله والمشبه ليس هو المشبه به وإذا كان صريحا في أنه ليس صفة لله لم يحتج إلى تأويل يخالف ظاهرة ونظائر هذا كثيرة مما يكون في الاية والحديث ما يبين أنه لم يرد به المعنى الباطل فلا يحتاج نفي ذلك إلى دليل منفصل ولا تأويل يخرج اللفظ عن موجبه ومقتضاه

وإذا كان كذلك فالمعارضة بالصفات ثابتة على كل قول من الأقوال الثلاثة إذ لا بد فيها من اختصاص فإن كان كل مختص يفتقر إلى مخصص مباين لزم افتقار صفات الله تعالى إلى مباين له

ثم رأيت أبا الحسن الآمدي قد ذكر هذا الدليل الذي ذكره الشهرستاني وبين ضعفه في كتابه المسمى بغاية المرام في علم الكلام فقال في مسألة نفي العلو وتوابع ذلك وقد سلك بعض الأصحاب في الرد على هؤلاء طريقا شاملا فقال لو كان الباري مقدرا بقدر متصورا بصورة متناهيا بحد ونهاية مختصا بجهة متغيرا بصفة حادثة في ذاته لكان محدثا إذ العقل الصريح يقضي بأن المقادير في تجويز العقل متساوية فما من مقدار وشكل يقدر في العقل إلا ويجوز أن يكون مخصوصا بغيره فاختصاصه بما اختص به من مقدار أو شكل أو غيره يستدعي مخصصا ولو استدعى مخصصا لكان الباري محدثا

قال الآمدي لكن هذا المسلك مما لا يقوى وذلك انه سلم ما يفرض من المقادير والجهات وغيرها ممكنة في أنفسها وأن ما وقع منها لا بد له من مخصص لكن إنما يلزم أن يكون الباري حادثا ان لو كان المخصص خارجا عن ذاته ونفسه

ولعل صاحب هذا القول لا يقول به وعند ذلك فلا يلزم أن يكون الباري تعالى حادثا ولا محوجا إلى غيره أصلا فإن قيل: إن ما اقتضاه بذاته ليس هو أولى من غيره لتساوي الجميع بالنسبة إليه في جهة الاقتضاء فهو نحو الخلاف ولعل الخصم قد لا يسلم تساوي النسبة في جهة الاقتضاء إلا ان يقدر أنه لا اختلاف بين هذه الممكنات ولا محالة أن بيان ذلك متعذر جدا كيف وأنه يحتمل أن ينتهج الخصم في تخصيص هذه الصفات الثابتة للذات منهج أهل الحق في تخصيص سائر الممكنات وبه درء الإلزام

ثم استدل على هذه المسألة بما هو أضعف من هذا وهو أن البناء على ذلك مستلزم لكونه جوهرا والجواهر متماثلة وقد عرف ما في هذين الأصلين من المنازعات اللفظية والمعنوية في غير هذا الموضع والآمدي نفسه قد بين بطلان قول من جعل الجواهر متماثلة

ومما ينبغي أن يعرف في مثل هذه المسائل المنازعات اللفظية فإن القائل إذا قال التخصيص يفتقر إلى مخصص والتقدير إلى مقدر كان بمنزلة من يقول: التحريك يفتقر إلى محرك وأمثال ذلك وهذا لا ريب فيه فإن التخصيص مصدر خصص يخصص تخصيصا وكذلك التقدير والتكلم ونحو ذلك ومصدر الفعل المتعدي لا بد له من فاعل يتعدى فعله فإذا قدر مصدر متعد بلا فاعل يتعدي فعله كان متناقضا بخلاف ما إذاقيل: الاختصاص يفتقر إلى مخصص والمقدار إلى مقدر ونحو ذلك فإن هذا ليس في الكلام ما يدل عليه لأن المذكور إما مصدر فعل لازم كالاختصاص ونحوه أو اسم ليس بمصدر كالمقدار وكل من هذين ليس في الكلام ما يوجب افتقاره إلى فاعل يتعداه فعله فإذا قيل الموصوف الذي له صفة وقدر قد اختص بصفة وقدر فلا بد له من مخصص لم يكن في هذا الكلام ما يدل على افتقاره إلى مخصص مباين له يخصصه بذلك بخلاف ما إذا قيل إذا خص بصفة أو قدر فلا بد له من مخصص فإن هذا كلام صحيح

والناطقون من أهل النظر وغيرهم إذا قصدوا المعاني فقد لا يراعون مثل هذا بل يطلقون اسم المفعول على ما لم يعلم أن له فاعلا فيقول أحدهم هذا مخصوص بهذه الصفة والقدر والمخصوص لا بد له من مخصص فإذا أخذ المخصوص على أنه اسم مفعول فمعلوم أنه لا بد له من فاعل يتعدى فعله وإذا أخذ على أن المقصود اختصاصه بذلك الوصف مان هذا مما يفتقر إلى دليل وهذا مثل الموجود فإنه لا يقصد به أن غيره أوجده بل يقصد به المحقق الذي هو بحيث يوجد فكثير من الأفعال التي بنيت للمعفول واسم المفعول التابع لها قد كثر ف يالاستعمال حتى بقي لا يقصد به قصد فعل حادث له فاعل أصلا بل يقصد إثبات ذلك الوصف من حيث الجملة

وكثير من ألفاظ النظار من هذا الباب كلفظ الموجود والمخصوص والمؤلف والمركب والمحقق فإذا قالوا: إن الرب تعالى المخصوص بخصائص لا يشركه فيها غيره أو هو موجود لم يريدوا أن أحدا غيره خصه بتلك الخصائص ولا أن غيره جعله موجودا

وبسبب ذلك تجد جماعات غلطوا في هذا الموضع في مثل هذه المسألة إذا قيل الباري تعالى مخصوص بكذا وكذا او مختص بكذا وكذا قالوا فالمخصوص لا بد له ممن خصه بذلك والمخصص لا بد له من مخصص خصصه بذلك

والناس قد يبحثون عن اختصاص الشيء بأمور قبل بحثهم هل هي من نفسه او من غيره ويعلمون ويقولون إنه مخصوص بذلك وقد خص بهذا واختص به ونحو ذلك

ونظير ذلك ما ذكره أبو حامد في تهافت الفلاسفة لما رد عليهم مذهبهم ف ينفي الصفات وبين أنه لا دليل هم على نفيها وتكلم في ذلك بكلام حسن بين فيه ما احتجوابه من الألفاظ المجملة المبهمة كلفظ التركيب فإنهم جعلوا إثبات الصفات تركيبا وقالوا متى أثبتنا معنى يزيد على مطلق الوجود كان تركيبا وادخلوا في مسمى التركيب خمسة أنواع

أحدها: أنه ليس له حقيقة إلا الوجود المطلق لئلا يكون مركبا من وجود وماهية

والثاني: ليس له صفة لئلا يكون مركبا من ذات وصفات

والثالث: ليس له وصف مختص ومشترك لئلا يكون مركبا مما به الاشتراك وما به الامتياز لتركب النوع من الجنس والفصل أو من الخاصة والعرض العام

الرابع: أنه ليس فوق العالم لئلا يكون مركبا من الجواهر المفردة وكذلك لا يكون مركبا من المادة والصورة فلا يكون مركبا تركيبا حسيا كتركيب الجسم من الجواهر المنفردة ولا عقليا كتركبه من المادة والصورة

وهذان نوعان بهما يصير خمسة وهذه الطريقة هي طريقة ابن سينا فإنه زعم أن نفس الوجود إذا كان يستلزم وجودا واجبا فالوجود الواجب له هذه الخصائص النافية لهذه الصفات ويقول ليس له أجزاء حد ولا أجزاء كم وهذا مراده

كلام الغزالي في تهافت الفلاسفة

وأما قدماء الفلاسفة فلم يكونوا يثبتون واجب الوجود بهذه الطريقة بل بطريقة الحركة فلما جاء ابن رشد الحفيد يعترض على أبي حامد فيما ذكره لم يمكنه الانتصار لابن سينا بل بين أن هذه الطريقة التي سلكها ضعيفة كما ذكر أبو حامد واحتج هو بطريقة أخرى ظن أنها قوية وهي أضعف من طريقة ابن سينا فإن أبا حامد لما ذكر القول المضاف إلى الفلاسفة كابن سينا وأمثاله وذكر أنهم ينفون تلك الأنواع الخمسة قال ومع هذا فإنهم يقولون للباري تعالى غنه مبدأ وأول وموجود وجوهر واحد وقديم وباق وعالم وعاقل وعقل ومعقول وفاعل وخالق ومريد وقادر وحي وعاشق ومعشوق ولذيذ وملتذ وجواد وخير محض وزعموا ان كل ذلك عبارة عن معنى واحد لا كثرة فيه

قال وهذا من العجائب وهم يقولون ذات المبدأ الأول واحد وإنما تكثر الأسماء بإضافة إلى شيء أو إضافة شيء إليه أو سلب شيء عنه والسلب والإضافة لا يوجب كثرة في ذات المسلوب عنه ولكن الشان في رد هذه كلها إلى السلوب والإضافات وذكر تمام قولهم

قال أبو حامد فيقال لهم بم عرفتم استحالة الكثرة من هذا الوجه وانتم مخالفون من جميع المسلمين سوى المعتزلة فما البرهان عليه؟ فإن القائل الكثرة محال في واجب الوجود مع كون الصفات الموصوفة واحدة يرجع إلى أنه يستحيل كثرة الصفات فيه وفيه النزاع وليس استحالة معلوما بالضرورة ولهم مسلكان أحدهما أن كل واحد من الصفة والموصوف: إن كان مستغنيا عن الآخر فهما واجبا الوجود وإن كان مفتقرا إليه فلا يكون واحد منهما واجب الوجود وإن احتاج أحدهما إلى الآخر فهو معلول والآخر هو الواجب وأيهما كان معلولا افتقر إلى سبب فيؤدي إلى أن ترتبط ذات واجب الوجود بسبب

قال أبو حامد: المختار من هذه الأقسام هو الأخير ولكن إبطالكم القسم الأول لا دليل لكم عليه فإن برهانكم عليه إنما يتم بنفي الكثرة من هذه المسألة فكيف تنبني هذه المسألة على تلك؟

تعليق ابن تيمية

قلت الجواب عن هذه الحجة يمكن بوجوه :

الوجه الأول

أن يقال: قولكم: إما أن يقال: قولكم: إما أن يكون أحدهما محتاجا إلى الآخر وإما أن يكون مستغنيا عنه: تريدون بالاحتياج حاجة المفعول إلى فاعله أو مطلق التلازم وهو كون أحدهما لا يوجد إلا بالآخر أم قسم ثالث؟

فإن أردتم الأول لم يكن أحدهما محتاجا إلى الآخر بل غنيا عن كونه فاعلا له ولا يلزم أن يكونا واجبي الوجود بمعنى أن كلا منهما هو الواجب بنفسه المبدع للممكنات

وإن قيل: إن كلا منهما واجب الوجود بمعنى أنه لا مبدع له

قيل: نعم ولا نسلم امتناع تعدد مسمى واجب الوجود بهذا التفسير وإنما يمتنع تعدده بالتفسير الأول فإن الأدلة قامت على أن خالق الممكنات رب واحد لم تقم على نفي صفاته بل كل من صفاته اللازمة له قديم أزلي ممتنع عدمه ليس له فاعل فإذا عبر عن هذا المعنى بأنه واجب الوجود فهو حق وإن عني بواجب الوجود ما ليس ملازما لغيره فليست الذات وحدها واجبة الوجود ولا الصفات بل الواجب الوجود هو الذات المتصفة بصفاتها اللازمة لها لا سيما وهم يقولون إنها مستلزمة للمعلول فامتناع ذلك على أصلهم أبلغ وقد عرف أن كلا من الصفات الذاتية ملازمة للأخرى والصفات ملازمة للذات وليس كل منهما مبدعا للآخر

وإن قلتم: كل منهما محتاج إلى الآخر بمعنى انه ملازم له لم يلزم من كونه ملازما أن يكون معلولا

الوجه الثاني

وهذا الجواب الثاني وهو أن يقال: ما تعني بواجب الوجود؟

أتعني به مالا فاعل له أو تعني به القائم بنفسه الذي لا فاعل له؟

فإن عنيت الأول لم يمتنع أن يكون كل الصفات والذات واجب الوجود بهذا التفسير ولم يدل على امتنع تعدد الواجب بهذا التفسير دليل كما لم يدل على امتناع تعدد القديم بهذا التفسير دليل وإنما دل الدليل على أنه لا إله إلا الله وأن الله رب العالمين واحد لا شريك له وهو التوحيد الذي دل عليه الشرع والعقل

فأما نفي الصفات وتسمية ذلك توحيدا فهو مخالف للشرع والعقل

وإن أراد بواجب الوجود: القائم بنفسه الذي لا فاعل له كانت الذات واجبة الوجود وهي بالصفة واجبة الوجود ولم تكن الصفة وحدها واجبة الوجود

وإن أريد بحاجة كل من الصفة والموصوف إلى الآخر التلازم أختير إثبات ذلك ولم يلزم من ذلك كون أحدهما معلول الآخر فإن المتضايفين متلازمين وليس أحدهما معلول الآخر وإن أريد بذلك كون أحدهما فاعلا اختير نفي الحاجة بهذا التفسير وهو القسم الأول وهو انه ليس أحدهما محتاجا إلى الآخر

وإن أريد أن أحدهما محل للآخر أختير جواب الغزالي وهو ان الصفة محتاجة إلى الذات من غير عكس

وعلى هذا فقول القائل: إن أحدهما معلول للآخر إن أراد به أحدهما فاعل للآخر فهو باطل فإنه لا يجب من قيام الصفة بالموصوف أن يكون الموصوف فاعلا للصفة بل الأمر بالعكس فإن المفعول يمتنع ان يكون من باب الصفات اللازمة للموصوف

وإن أريد بذلك أن يكون أحدهما قابلا للآخر فلا امتناع في ذلك وإن قيل بل إن المحل علة للحال

واعلم أن هذه الحجة وأمثالها غنما نشأت الشبهة فيها من جهة أن ألفاظها مجملة فلفظ العلة يراد به العلة الفاعلة والعلة القابلة ولفظ الحاجة إلى الغير يراد به الملازم للغير ويراد به حاجة المشروط إلى شرطه ويراد به حاجة المفعول إلى فاعله

وإذا عرف هذا فالصفات اللازمة مع الذات متلازمة وليس أحدهما فاعلا للآخر بل الذات محل للصفات وليس الواحد منهما علة فاعلة بل الموصوف قابل للصفات وهذا لا امتناع فيه بل هو الذي يدل عليه صريح المعقول وصحيح المنقول

لكن الغزالي لم يجب إلا بجواب واحد ومضمون كلامهم أنهم في جميع كلامهم في نفي الصفات ينتهي أمرهم إلى أن هذا تركيب والمركب مفتقر إلى جزئه والمفتقر إلى غيره لا يكون واجبا بنفسه لأنه محتاج

كلام الغزالي في مسألة صفات الله

فقال لهم أبو حامد: نحن نختار أن يقال: الذات في قوامها غير محتاجة إلى الصفات والصفات محتاجة إلى الموصوف كما في حقنا فبقي قولكم إن المحتاج إلى غيره لا يكون واجب الوجود فيقال إن أردتم بواجب الوجود أنه ليس له علة فاعلية فلم قلتم ذلك؟ ولم استحال أن يقال كما أن ذات واجب الوجود قديم لا فاعل له فكذلك صفته قديمة معه ولا فاعل لها وإن أردتم بواجب الوجود أن لا يكون له علة قابلية فهو ليس بواجب الوجود على هذا التأويل ولكنه قديم مع هذا ولا فاعل له فما المحيل لذلك فإن قيل: واجب الوجود المطلق هو الذي ليس له علة فاعلية ولا قابلية فإذا سلم أن له علة قابلية فقد سلم كونه معلولا قلنا تسمية الذات القابلة علة قابلية من اصطلاحكم والدليل لم يدل على ثبوت واجب الوجود بحكم اصطلاحكم إنما دل على إثبات طرف ينقطع به تسلسل العلل والمعلولات ولم يدل على هذا القدر وقطع التسلسل يمكن بواحد له صفات قديمة لا فاعل لها كما أنه لا فاعل لذاته ولكنها تكون متقررة في ذاته

تعليق ابن رشد على الغزالي

قال ابن رشد يرد أنه إذا وضع لهم هذا القسم من الأقسام التي استعملوا في إبطال الكثرة آل الأمر معهم إلى أن يثبتوا أن واجب الوجود ليس يمكن أن يكون مركبا من صفة وموصوف ولا أن تكون ذاته ذات صفات كثيرة وهذا شيء ليس يقدرون عليه بحسب أصولهم ثم أخذ يبين أن المحال الذي راموا أن يلزموه على تقدير هذا القسم ليس بلازم قال: فيقال لهم: إن أردتم بواجب الوجود أنه ليس له فاعلة فاعلية فلم قلتم ذلك أي فلم قلتم بامتناع كونه موصفا بالصفات ولم استحال أن يقال: كما أن ذات واجب الوجود قديم لا فاعل له فكذلك صفاته قديمة لا فاعل لها

قال ابن رشد وهذا كله معاندة لمن سلك في نفي الصفات طريقة ابن سينا في إثبات واجب الوجود بذاته وذلك أنهم يفهمون في الممكن الوجود الممكن الحقيقي ويرون أن كل ما دون المبدأ الأول هو بهذه الصفة وخصومهم من الأشعرية يسلمون هذا ويرون أن كل ممكن فله فاعل وأن التسلسل ينقطع بالانتهاء إلى ما ليس ممكنا في نفسه فإذا سلم لهم هذه ظن بها أنه يلزم عنها أن يكون الأول الذي انقطع عنده الإمكان ليس ممكنا فوجب أن يكون بسيطا غير مركب لكن للأشعرية أن يقولوا: أن الذي ينتفي عنه الإمكان الحقيقي ليس يلزم أن يكون بسيطا وإنما يلزم أن يكون قديما فقط لا علة فاعلية له فلذلك ليس عند هؤلاء برهان على أن الأول بسيط من طريقة واجب الوجود

كلام آخر للغزالي في مسألة التركيب

قال أبو حامد فإن قيل فإذا أثبتم ذاتا وصفة وحلولا للصفة بالذات فهو مركب وكل تركيب يحتاج إلى مركب ولذلك لم يجز أن يكون الأول جسما لأنه مركب قلنا قول القائل كل مركب يحتاج إلى مركب كقوله كل موجود يحتاج إلى موجد فيقال له: الأول قديم موجود لا علة له ولا موجد فكذلك يقال: موصوف قديم ولا علة لذاته ولا لصفته ولا لقيام صفاته بذاته بل الكل قديم بلا علة وأما الجسم فإنما لم يجز أن يكون هو الأول لأنه حادث من حيث إنه لا يخلو عن الحوادث ومن لم يثبت له حدوث الجسم يلزمه أن تكون العلة الأولى جسما كما سنلزمه عليكم فيما بعد

تعليق ابن رشد على كلام الغزالي

قال ابن رشد معترضا على أبي حامد التركيب ليس هو مثل الوجود لأن التركيب هو مثل التحريك أعني صفة انفعالية زائدة على ذات الأشياء التي قبلت التركيب والوجود هو صفة هذه الذات بعينها وأيضا المركب ليس ينقسم إلى مركب من ذاته ومركب من غيره فيلزم أن ينتهي الأمر إلى مركب قديم كما ينتهي الأمر في الموجودات إلى موجود قديم وأيضا فإذا كان الأمر كما قلنا من أن التركيب أمر زائد على الوجود فلقائل أن يقول إن كان يوجد مركب من ذاته فسيوجد متحرك من ذاته وإن وجد متحرك من ذاته فسيوجد المعدوم من ذاته لأن وجود المعدوم هو خروج ما بالقوة إلى الفعل وكذلك الأمر في الحركة والمتحرك

قال والفصل في هذه المسألة أن المركب لا يخلو من أن يكون كل واحد من جزأيه أو أجزائه التي تركب منها شرطا في وجود صاحبه بجهتين مختلفتين أو لا يكون شرطا أو يكون أحدهما شرطا في وجود الثاني والثاني ليس شرطا في وجود الأول فأما الأول فلا يمكن أن يكون قديما لأن التركيب نفسه شرط في وجود الأجزاء فلا يمكن أن تكون الأجزاء علة التركيب ولا التركيب علة نفسه إلا لو كان الشيء علة نفسه وأما الثاني إذا لم يكن واحد منهما شرطا في وجود صاحبه فإن امثال هذه إذا لم يكن في طباع أحدهما أن يلازم الآخر فإنها ليست تتركب إلا بمركب خارج عنها وإن كان أحدهما شرطا في وجود الآخر من غير عكس كالحال في الصفة والموصوف الغير جوهرية فإن كان الموصوف قديما ومن شانه أن لا تفارقه الصفة فالمركب قديم وإذا كان هذا هكذا فليس يصح إن جوز مجوز وجود مركب قديم أن يبين على طريق الشعرية أن كل جسم محدث لأنه إن وجد مركب قديم وجدت أعراض قديمة أحدها التركيب لأنه أصل ما يبنون عليه وجوب حدوث الأعراض أنه لا تكون الأجزاء التي تركب منها الجسم إلا بعد الأفتراق فإذا جوزوا مركبا قديما أمكن أن يوجد اجتماع لم يتقدمه افتراق وحركة لم يتقدمها سكون وإذا جاز هذا أمكن أن يوجد جسم ذو أعراض قديمة ولم يصح لهم أن مالا يخلو عن الحوادث حادث

تعليق ابن تيمية على كلام الغزالي وابن رشد

قلت ما ذكره أبو حامد مستقيم مبطل لقول الفلاسفة وما ذكره ابن رشد إنما نشأ من جهة ما في اللفظ من الإجمال والاشتراك وكلامه في ذلك أكثر مغلطة من كلام ابن سينا الذي أقر بفساده وضعفه

وذلك أن هؤلاء قالوا لأبي حامد والمثبتين إذا أثبتم ذاتا وصفة وحلولا للصفة بالذات فهو مركب وكل مركب يحتاج إلى مركب

قال لهم قول القائل كل مركب يحتاج إلى مركب كقول القائل: كل موجود يحتاج إلى موجد

ومقصوده بذلك أن هذا المعنى الذي سميتموه تركيبا ليس معنى كونه مركبا إلا كون الذات موصوفة بصفات قائمة بها ليس معناه أنه كان هناك شيء متفرق فركبه مركب بل ولا هناك شيء يقبل التفريق فإن الكلام إنما هو في إثبات صفات واجب الوجود اللازمة الوجود بنفسه لم يكن أن تفارقه ولا أن توجد دونه ولا يوجد إلا بها فليس هناك شيئان كانا مفترقين فركبهما فركب

ولفظ المركب في الأصل اسم مفعول لقول القائل ركبته فهو مركب كما تقول فرقته فهو مفرق وجمعته فهو مجمع وألفته فهو مؤلف وحركته فهو محرك

قال الله تعالى { في أي صورة ما شاء ركبك } الانفطار 8 يقال ركبت الباب في موضعه

هذا هو المركب في اللغة لكن صار في اصطلاح المتكلمين والفلاسفة يقع على عدة معان غير ما كان مفترقا فاجتمع كما يقول أحدهم الجسم إما بسيط وإما مركب يعنون بالبسيط الذي تشتبه أجزاؤه كالماء والهواء وبالمركب ما اختلفت كالإنسان وقد يقولون كل جسم مركب من أجزائه لأن هذا الجزء غير هذا الجزء وإن كانوا يعتقدون أنه لم يتفرق قط وأنه لم يزل كذلك ويتنازعون هل الجسم مركب من الواهر المنفردة أو من الهيولى والصورة أم ليس مركبا من واحد منهما؟ مع اتفاقهم على أنه من الأجسام ما لم تكن أجزاؤه مفترقة فتركبت وقد يعنون بالمركب المركب من الصفات كما يقولون الإنسان مركب من الجنس والفصل وهو الحيوان الناطق وهاتان الصفتان لم تفارق إحداهما الأخرى ولا يمكن وجود الناطق إلا مع الحيوان ولا يمكن وجود حيوان إلا مع ناطق أو ما يقوم مقامه كالصاهل ونحوه

فأبو حامد وأمثاله خاطبوا هؤلاء بلغتهم في أن الموصوف بصفة لازمة له يسمى مركبا وقالوا لهم قلتم إن مثل هذا المعنى الذي سميتموه تركيبا يمتنع في الواجب الوجود فقولهم إن كل مركب مفتقر إلى مركب مغلطة نشأت من الإجمال في لفظ مركب فإنهم لم يسلموا لهم أن هناك تركيبا هو فعل مركب حتى يقال إن المركب يفتقر إلى مركب بل هناك ذات موصوفة بصفات لازمة له فإذا قال القائل كل موصوف بصفات لازمة له يفتقر إلى مركب ومؤلف يجمع بين الذات والصفات كان قوله باطلا فقولهم في هذا الموضع كل مركب يفتقر إلى مركب من هذا الباب

وكذلك إذا قيل كل مؤلف يفتقر إلى مؤلف كما يستعمل مثل هذا الكلام غير واحد من الناس في نفي معان سماها مسم تأيفا وتركيبا فجعل المستدل يستدل بمجرد إطلاق اللفظ من غير نظر إلى المعنى العقلي فيقال لمن سمى مثل هذا تركيبا وتأليفا أتعني بذلك أن هنا شيئا فعله مركب ومؤلف أو ان هنا ذاتا موصوفة بصفات؟

أما الأول فممنوع فإنه ليس في خلق الله من يقول إن صفات الله اللازمة له متوقفة على فاعل يؤلف ويركب بين الذات والصفات

وإن عنيت الثاني فمسلم ولا دليل لك على أن الذات القديمة الواجبة المستلزمة للصفات تفتقر إلى من يركب صفاتها فيها فلهذا قال أبو حامد هذا كقول القائل كل موجود يفتقر إلى موجد ولو قال إلى واجد لكان أقرب إلى مطابقة اللفظ

وهذا صحيح فإن الموجود اسم مفعول من وجد يجد فهو واجد فإذا قال القائل: كل موجود يفتقر إلى واجد أو موجد نظرا إلى اللفظ كان كقوله كل مركب يفتقر إلى مركب نظرا إلى اللفظ ولكن لفظ الموجود إنما يراد به ما كان متحققا في نفسه لا يعني به ما وجده أو اوجده غيره كما أنهم يعنون بالمركب هنا ما كان متصفا بصفة قائمة به أو ما كان فيه معان متعددة وكثرة لا يعنون به ما ركبه غيره فالذي جرى لهؤلاء المغالطين في لفظ التأليف والتركيب كما جرى لأشباههم في لفظ التخصيص والتقدير فإن الباب واحد فليتفطن اللبيب لهذا فإنه يحل عنه شبهات كثيرة

وأما اعتراض ابن رشد على أبي حامد بقوله ليس المركب مثل الموجود بل مثل التحريك

فجوابه من وجوه :

أحدها أن يقال ليس الكلام في الموازنات اللفظية بل في المعاني العقلية والمقصود هنا أن الذات القديمة الواجبة الموصوفة بصفات لا يجب أن يكون لها جامع منفصل جمع بين الذات والصفات كما أن الموجود المحقق لا يفتقر إلى موجود غير نفسه بل قد يكون موجودا بنفسه لا يفتقر إلى فاعل كذلك اتصافها بالصفات لا يفتقر إلى فاعل

الثاني أن يقال وهب أن هذا مثل التحريك في اللفظ

فقولك: هي صفة انفعالية زائدة على ذات الأشياء التي قبلت التركيب إن عنيت انها زائدة على الذات والصفة وقيام الصفة بالذات فهذا باطل وإن عنيت انها هي قيام الصفة بالذات أو هي الصفة القائمة بالذات فليس في ذلك ما يوجب كونها انفعالية لها فاعل مباين للموصوف

الثالث أن التحريك إن عني به تحريك الشيء لغيره فليس هذا نظير مورد النزاع فإن أحدا لم يسلم أن في الذات القديمة الموصوفة بصفاتها اللازمة شيء ركبه أحد وإن عني به مطلق الحركة صار معنى الكلام أن اتصاف الذات بالصفات كاتصافها بالحركات وليس في واحد منهما ما يقتضي احتياج الموصوف إلى مباين له

وأما قوله ليس ينقسم الأمر إلى مركب من ذاته ومركب من غيره حتى ينتهي الأمر إلى مركب قديم كما ينتهي الأمر في الموجودات إلى موجود قديم

فيقال له بل هؤلاء المسلمون كأبي حامد وأمثاله لما خاطبوكم باصطلاحهم وأنتم جعلتم قيام الصفة بالموصوف تركيبا فإنهم يقولون بحسب اصطلاحكم إنه ينقسم إلى مركب من ذاته ومركب من غيره

وحقيقة الأمر أن ثبوت الصفات إن سميتموه تركيبا لم نسلم لكم عدم انقسام المركب إلى قديم واجب ومحدث ممكن وإن لم تسموه تركيبا بطل أصل كلامكم 0 ولكن أنتم سميتم هذا تركيبا ونفيتموه فلهذا قلتم لا ينقسم المركب فكان كلامكم ممنوعا بل باطلا

وأما قوله إن لقائل أن يقول إن كان يوجد مركب من ذاته فسيوجد متحرك من ذاته وإن وجد متحرك من ذاته فسيوجد معدوم من ذاته

فجوابه من وجوه

أحدها منع المقدمة الأولى فما الدليل على أنه إذا وجدت ذات موصوفة بصفات لازمة له يلزم أن توجد ذات متحركة بحركة منها ليس معه في ذلك إلا مجرد الموازنة اللفظية

الثاني أن حقيقة قوله إن افتقار التركيب إلى مركب كافتقار التحريك إلى المحرك فإن أخذ ذلك على أن له فاعلا فلكل منهما فاعل وإن أخذ مجرد التركيب مجرد التحرك قيل فعلى هذا يكون المعنى إذا وجد متصف بصفة بنفسه يوجد فاعل متحرك بنفسه وإذا كان حقيقة كلامه أنه إذا كان متصفا بالصفات من ذاته فسيوجد متصفا بالأفعال من ذاته 0 فيقال له إما أن تكون هذه الملازمة صحيحة وغما أن لا تكون فإن لم تكن صحيحة فليست بحجة وإن كانت صحيحة كانت دليلا على ثبوت أفعال الله تعالى وكان حقيقتها أنه يلزم من ثبوت الصفات القائمة به ثبوت الأفعال القائمة به فأي محذور في هذا إذا كانت الملازمة صحيحة؟

الثالث قوله وإن وجد متحرك من ذاته فسيوجد المعدوم من ذاته لأن وجود المعدوم هو خروج ما هو بالقوة إلى الفعل وكذلك الأمر في الحركة والمتحرك وليس كذلك الوجود لأنه ليس صفة زائدة على الذات فكل موجود لم يكن وقتا موجودا بالقوة ووقتا موجودا لنه ليس صفة زائدة على الذات فكل موجود لم يكن وقتا موجودا بالقوة ووقتا موجودا بالفعل فهو موجود بذاته والمتحرك وجوده إنما هو مع القوة المحركة فلذلك احتاج كل متحرك إلى محرك

فيقال ألقني بقولك فسيوجد المعدوم من ذاته أي نفس ما كان معدوما يوجد من الذات المعدومة أم تعني به أن الحركة المعدومة توجد من الذات المتحركة؟

أما الأول فغير معقول فإن المعدوم ليس له وجود أصلا حتى يعقل أن يوجد منه ذاته أو غير ذاته ووجوده موجود من غير موجود ممتنع بضرورة العقل وكون المعدوم يوجد بنفسه معلوم البطلان بالبديهية

وإن عنيت الثاني فاللازم والملزوم واحد فإن المتحرك من ذاته توجد حركته المعدومة من ذاته

وقول القائل إنه إذا جاز هذا جاز وجود المعدوم من الذات المعدومة ممنوع بل باطل معلوم البطلان

وقوله لأن وجود المعدوم هو خروج ما بالقوة إلى الفعل وكذلك الأمر في الحركة والمتحرك

فيقال له غاية هذا أنهما يشتركان في أمر من الأمور فمن أين يلزم إذا اشتركا في أمر ما أن يشتركا في غيره مع ظهور الفرق فإن قوله وجود المعدوم هو خروج ما بالقوة إلى الفعل لا يجوز أن يراد به أن نفس المعدوم كان فيه قوة هي مبدأ وجوده فإن المعدوم ليس في شيء ولا فيه شيء

وإنما يقال إن ما منه وجد المعدوم كان فيه قوة وجوده كما في النطفة قوة أن تصير علقة 0 وفي الحبة قوة أن تصير سنبلة وفي النواة قوة أن تصير نخلة فالذي فيه القوة ليس هو المعدوم واما الحركة والمتحرك فنفس المتحرك فيه قوة هي مبدأ الحركة فنظير المتحرك المحل الذي وجد فيه ما كان معدوما من الأعراض كما يوجد اللون في المتلونات والطعم في المطعومات والحياة في الأحياء فكذلك الحركة في المتحركات فمحل هذه الصفات والحركات كان قابلا لها وفيه قوة القبول والاستعداد لها وأما نفس هذه الأمور التي كانت معدومة فوجدت فليس فيها من القوة ولا غيرها شيء

فقياس القائس وجود المعدوم من ذاته بوجود الحركة من المتحرك في غاية الفساد والعلة تكون فاعلة وتكون قابلة فلو قال القائل الموجود أو الجسم أو القائم بنفسه أو نحو ذلك يقبل الصفات والأعراض كالحركات ونحوها وفيه قوة لذلك فيجب أن يكون المعدوم فيه قبول لقيام الصفات والحركات به لكان قوله في غاية الفساد فكيف إذا قال إذا كان المتحرك فاعلا بنفسه لحركته وجب أن يكون المعدوم فاعلا لذاته بل يقال الفاعل يمكن أن يفعل غيره وأما فعله لنفسه فممتنع فلو قال إذا كان المتحرك يفعل حركة وجب أن يفعل المعدوم حركة لكان باطلا فكيف إذا قال وجب أن يفعل نفسه

وقوله فكل موجود لم يكن وقتا موجودا بالقوة ووقتا بالفعل فهو موجود بذاته والمتحرك وجوده إنما هو مع القوة المحركة فلهذا احتاج كل متحرك إلى محرك

فيقال له هب أنه سلم لك أن المتحرك وجوده مع القوة المحركة فلم قلت إن الحركة تحتاج إلى محرك منفصل عنه؟

ثم يقال لك هل يجوز أن يتحرك المتحرك بنفسه بعد أن لم يكن متحركا أم لا؟

فإن أجزت هذا بطل قولك وجاز وجود المتحرك بنفسه قبل الحركة وقبل القوة المحركة وإن قلت لا يجوز قيل فحركته حينئذ اما أن تكون من نفسه وإما من غيره فإن كانت من نفسه كانت الحركة من نفس المتحرك وبطل قولك وإن كانت من غيره وكان ذلك الغير متحركا فالقول فيه كالقول في الأول وإن كان غير متحرك لزم وجود حركات متوالية عن غير متحرك وهذا قولهم وهو باطل

وذلك أن أجزاء الحركات متعاقبة شيئا بعد شيء فالمقتضى لكل من تلك الأجزاء يمتنع ان يكون موجبا تاما في الأزل لأنه لو كان كذلك للزم أن يقارنه موجبه فإن العلة التامة لا يتأخر عنها معلولها 0 وحينئذ يلزم كون المحدث قديما وهو ممتنع أو يقال إن كانت العلة التامة تستلزم مقارنة معلولها لزم ذلك وإن لم تستلزم ذلك جاز حدوث الحركات المتأخرة عن موجب قديم فيجوز أن يتحرك الشيء بعد ان لم يكن متحركا بدون سبب حادث وهذا يبطل قولكم وإذا لم يكن الموجب التام لها ثابتا في الأزل لزم ان يكون حادثا والقول في حدوثه كالقول في حدوث غيره فيمتنع أن يحدث هو او غيره عن علة تامة قديمة فإذا لم يكن في الفاعل فعل حادث امتنع أن يصدر عنه شيء حادث فامتنع صدور الحركات عن غير متحرك

ومما اعترف به ابن رشد وغيره من الفلاسفة والمتكلمين وقال عن إخوانه لفلاسفة إن الذي يتمسكون به سببان :

أحدهما أن فعل الفاعل يلزمه التغير وإن كل متغير فله مغير

والثاني أن القديم لا يتغير بضروب من ضروب التغير

وقال وهذا كله عسير البيان

قلت وهذا المقام وهو حدوث الحوادث عن ذات لا يقوم بها حادث ن مما اعترف حذاقهم بصعوبته وبعده عن المعقول كما ذكر ذلك ابن رشد والرازي وغيرهما وهؤلاء المتفلسفة يقولون إن النفس المحركة للأفلاك يحدث لها تصورات وإرادات هي مبدأ الحركة وأن محركها العقل الذي يريد التشبه به او واجب الوجود الذي يطلب الفلك التشبه به بإخراج ما فيه من الأيون والأوضاع وتحريك الواجب أو العقل للفلك أو لنفس الفلك كتحريك المحبوب للمحب والمشتهى للمشتهى والمعشوق للعاشق ليس من جهة المحرك فعل أصلا بل ذلك يحبه فيتحرك تشبها به

وبهذا أثبت أرسطو وأتباعه العلة الأولى وان فوق الأفلاك ما يوجب تحريك الأفلاك

والكلام على هذا من وجوه ليس هذا موضع بسطها لكن يقال كون الفلك يتحرك للتشبه بالواجب أو إخراج ما فيه الأيون والأوضاع كلام لا دليل عليه بل الأدلة الدالة على فساده كثيرة ليس هذا موضعها

فنقول: هب أن الأمر كذلك فهذا إنما فيه أنه أثبت العلة الغائية للحركة

فيقال: أين السبب الفاعل لحركة الفلك؟ فإن الحركة وإن افتقرت إلى غاية مقصودة فتفتقر إلى مبدأ فاعل بالضرورة

فإذا قالوا نفسه تحركه

قيل لهم فما الفاعل لما يحدث في النفس من أسباب الحركة كالتصورات والإرادات؟ فإن فإن هذه كانت معدومة ثم وجدت بعد العدم فما السبب الفاعل لهذه الحركة

فإن قالوا النفس هي الفاعلة لهذه الحركة فقد جعلوها متحركة من نفسها وهذا خلاف ما قالوه

وإن قالوا شيئا غيرها قيل لهم الكلام فيه كالكلام في النفس فإنه إن حدث فيه ما لم يحدث سئل عن سبب ذلك

وإن قيل بل المحدث لحركة النفس على حال واحدة أزلا وأبدا قيل لهم فقد لزمكم حدوث حادث بلا سبب وقيل لكم ذلك المحرك للنفس إن كان علة في الأزل وجب وجود معلوله في الأزل فيجب وجود ما حدث للنفس من التصورات والإرادات في الأزل وهذا جمع بين النقيضين

وإن قيل بل حدث له أمر به صار فاعلا لما يحدث في النفس سئل عن سبب حدوث ذلك

وإذا قيل الحادث استعداد النفس لأن يفيض عليها من الفعل ما تتصور به وتريد

قيل فذلك الاستعداد حادث والقول في سبب حدوثه كالقول في سبب حدوث غيره فلا بد من أحد أمرين غما حدوث الحوادث بلا سبب حادث وإما حدوث الحوادث عن متحرك وأيهما كان بطل قولهم 0 والأول يقولون إنه معلوم البطلان بالضرورة فيلزمهم الثاني فقد ألزم مناظريه ما يلزمه هو أشد منه وتبين به أن قول إخوانه أشد فسادا فإنه قال والذي لا مخلص للأشعرية منه هو إنزال فاعل أول وإنزال فعل له أول لأنهم لا يمكنهم أن يضعوا أن حالة الفاعل من المفعول المحدث تكون في وقت الفعل هي بعينها حالته في وقت عدم الفعل فهنالك ولا بد حالة متجددة ونسبة لم تكن وذلك ضرورة إما في الفاعل أو في المفعول او في كليهما وإذا كان كذلك فتلك الحال المتجددة إذا أوجبنا أن لكل حال متجددة فاعلا لا بد أن يكون الفاعل لها إما فاعلا آخر فلا يكون ذلك الفاعل هو الأول ولا يكون مكتفيا بفعله بنفسه بل بغيره ن وإما ان يكون الفاعل لتلك الحال التي هي شرط في فعله هو نفسه ن فلا يكون ذلك الفعل الذي فرض صادرا عنه اولا أولا بل يكون فعله لتلك الحال التي هي شرط في المفعول قبل فعله المفعول

قال وهذا لازم كما ترى ضرورة إلا أن يجوز أن من الأحوال الحادثة في الفاعلين مالا يحتاج إلى محدث وهذا بعيد إلا على قول من يجوز ان ههنا أشياء تحدث من تلقائها وهو قول الأوائل من القدماء الذين أنكروا الفاعل وهو قول بين سقوطه بنفسه

فيقال له ك أنت ألزمت مناظريك من أهل الكلام حدوث حادث بلا سبب حادث وذكرت أن هذا ممتنع بالضرورة وهذا هو المقام المعروف الذي استطالت به المتفلسفة الدهرية على مناظريهم من أهل الكلام المأخوذ في الأصل عن الجهمية والقدرية فيقال له أنت يلزمك ما هو أشد من هذا وهو حدوث الحوادث بلا فاعل وهو الذي ذكرت أنه ساقط بين السقوط وذلك أن الحوادث المشهودة أن قلت لا فاعل لها فقد لزمك هذا القول وإن قلت: لها فاعل قيل لك: أفعلها بعد أن لم تكن من غير حدوث شيء في ذاته ام لم يفعلها حتى حدث شيء في ذاته؟

فإن قلت بالأول قيل لك: فهي دائمة أو لها ابتداء؟ فإن قلت لها ابتداء فهذا قول منازعيك وإن قلت لا ابتداء لها فقد صارت الحوادث كلها تحدث عن فاعل من غير حدوث شيء فيه وقد قلت إنه لا يمكن أن يكن حال الفاعل في المفعول المحدث وقت الفعل هي بعينها حاله وقت عدم الفعل فيلزمك أن لا يكون حاله عند وجود حوادث الطوفان هي حاله عند وجود الحوادث التي قبله فإن الحوادث مختلفة فإن أمكن أن يكون حاله واحدا مع حدوث الحوادث المختلفة أمكن أن يكون حاله واحدا مع تجدد الحوادث لأن الحادث الثاني كالطوفان فيه من الأمور ما لم يكن له قبل ذلك نظير فتلك حوادث لا نظير لها ولا فرق بين إحداث هذا وإحداث غيره وإذا جعل المقتضي لذلك تغيرات تحدث في الفلك كان الكلام في حدوث تلك التغيرات العلوية كالكلام في حدوث التغيرات السفلية

وإن قلت: بل حدث أمر أوجب هذه الحوادث

قيل لك: الفاعل له: إن كان هو الأول عاد الإلزام جذعا وإن كان غيره لزمك حدوث الحوادث بلا فاعل وإن التزمت أنه ما فعلها حتى حدث فيه شيء فقد تركت قولك

وأيضا فالفاعل المستكمل لشروط الفعل إما أن يجوز حدوث المفعول عنه بعد أن لم يكن بلا سبب حادث وإما أن لا يجوز فغن جاز فهو قول منازعك الذي ادعيت أنه فاسد بالضرورة وإن لم يجز لزم أن يكون مفعوله مقارنا له لا يتأخر عنه منه شيء فلا يجوز أن يحدث عن الفاعل شيء كما تقوله أنت وإخوانك إنه علة تامة وموجب تام والعلة التامة لا يتأخر عنها معلولها ولا شيء من معلولها فإذا كل ما تأخر عن الأول ليس معلولا للعلة التامة ولا مفعولا للفاعل الأول ولا يجوز أن يكون فعلا لغيره إذ القول في ذلك الغير كالقول فيه فيلزم أن تكون الحوادث كلها حادثة بلا محدث

وهذا لازم لهؤلاء الفلاسفة الإلهيين كما يلزم إخوانهم الطبيعيين وهو القول الذي هو من أظهر المعارف الضرورية فسادا وقد بسط الكلام على هذه المواضع في غير هذا الموضع وإنما كان المقصود هنا التنبيه على جنس ما يغالط به هؤلاء وأمثالهم من الألفاظ المجملة كلفظ المركب ونحوه كما يغالطون بلفظ التخصيص والمخصص وأن كلام أبي حامد وأمثاله في مناظرتهم خير من كلامهم وأقوم

وأما قول ابن رشد لا يخلو إما أن يكون كل من جزأيه شرطا في وجود الآخر أو لا يكون أو يكون الواحد شرطا في الآخر من غير عكس

وقوله القسم الأول لا يكون قديما وذلك أن التركيب نفسه هو شرط في وجود الآخر فليس يمكن أن تكون الأجزاء هي علة التركيب ولا التركيب علة نفسه إلا لو كان الشيء علة نفسه

فيقال له أولا تسمية هذا تركيبا وأجزاء ليس هو من لغات بني آدم المعروفة التي يتخاطبون بها فإنه ليس في لغة الآدميين أن الموصوف بصفات يقال إنه مركب منها وأنها أجزاء له وإذا خاطبناكم باصطلاحكم فقد علمتم انه ليس المراد بالمركب إلا اتصاف الذات بصفات لازمة لها أو وجود معان فيها أو اجتماع معان وأمور ونحو ذلك ليس المراد أن هناك مركبا ركبه غيره حتى يقال: إن المركب نفتقر إلى مركب فإن من وافقكم على اصطلاحكم في تسمية الذات الواجبة الموصوفة بصفاتها اللازمة تركيبا لم يرد بذلك أن هناك مركبا ركبها فغن هذا لا يقوله عاقل ولا انتم أيضا تدعون أن مجرد اللفظ الدال على هذا المعنى يقتضي أن يكون له فاعل ولكن تدعون ثبوت ذلك إما بطريقة ابن سينا ونحوه الذي قد تقدم إبطالها وإما بطريقة المعتزلة التي اختارها ابن رشد واعترف بفساد طريقة ابن سينا

وإذا كان المراد بلفظ التركيب ما قد عرف فمن المعلوم ان الذات الموصوفة بصفات لازمة لها أو فيها معان لازمة لها لا يقال فيها: إن اتصاف الذات بالصفات أمر معلوم مفتقر إلى فاعل حتى يقال إن الأجزاء هي علة التركيب أو يقال التركيب علة نفسه بل هذا المعنى الذي سميته تركيبا هو من لوازم الواجب بنفسه لا يمكن أن يكون الواجب إلا موصوفا بالصفات اللازمة له ثابتة له المعاني اللازمة له وليس لذلك علة فاعلة كما تقدم

وأما قوله إن التركيب شرط في وجود الأجزاء

فيقال له لا ريب أنه لا يمكن وجود الذات إلا موصوفة بلوازمها ولا يمكن أن توجد صفاتها إلا بوجودها فاجتماع الذات بالصفات واجتماع الأمور المتلازمة شرط في وجود كل منها وهي أيضا شرط في وجود ذلك الاجتماع وليس شيء من ذلك معلولا لفاعل ولا مفتقرا إلى مباين ن وتوقف أحدهما على الآخر هو من باب الدور الاقتراني المعي لا من باب الدور السبقي القبلي والألو جائز والثاني ممتنع فغن الأمور المتلازمة لا يوجد بعضها إلا مع بعض وليس بعضها فاعلا لبعض بل أن كانت واجبة الوجود بنفسها وإلا افتقرت كلها إلى فاعل

والذات التي لا تقبل العدم بما هي عليه من الصفات اللازمة هي الحق الواجب الوجود بنفسه وأما مجرد وجود مطلق في الخارج وذات لا صفة لها فلذلك ممتنع لنفسه فضلا عن أن يكون واجب الوجود

واتصاف الذات الواجبة بصفاتها اللازمة سواء سمي تركيبا او لم يسم لا يوجب افتقاره ولا افتقار الذات ولا شيء من صفاته إلى فاعل ولا علة فاعلة ولا ما يشبه ذلك وأما كون بعضها مستلزما لبعض ومشروطا به ولا يوجد إلا معه وثبوته متوقف عليه ونحو ذلك فليس في هذا ما يقتضي افتقار ذلك إلى فاعل مبدع لكن يعلم ان الذات لا تكون إلا بصفاتها اللازمة وصفاتها لا تكون إلا بها

وإذا سمى المسمي هذا افتقارا وسمى هذه أجزاء وسمى هذا الأجتماع تركيبا لم يكن في هذه التسمية ما يوجب أن يكون هذا الموصوف مفتقرا إلى فاعل وما جعله افتقارا ليس هو افتقار المفعول إلى الفاعل والمعلول إلى العلة الفاعلة وإنما هو تلازم ومن سماه افتقارا لا يمكنه أن يفسره إلا لافتقار المشروط إلى الشرط والشرط إلى المشروط

ومثل هذا المعنى لازم للوجود الواجب لا ممتنع عليه وإنما الممتنع أن يفتقر إلى مباين له فيكون وجود الواجب متوقفا على وجود مباين فإن كان المباين علة له لم يكن موجودا بنفسه بل ممكنا له فاعل وعلة وإن قدر انه شرط فيه وهو غني عنه وما كان وجوده مشروطا بما هو غني عنه لم يكن موجودا بنفسه فلا يجوز أن يكون الرب الخالق تعالى الذي له الذات الموصوفة بصفات الكمال متوقفا على شيء مباين له بل ولا على شيء عني عنه بوجه من الوجوده لا على فاعل ولا شرط

وهذا هو الذي يقوم عليه الدليل فإن الممكنات التي لا وجود لها من نفسها لا توجد إلا بغيرها وما كان خارجا عنها لم يكن وجوده إلا بنفسه ونفسه هي الذات الموصوفة بصفاتها اللازمة ليست نفسه مجرد وجود مطلق ولا ذات مجردة

ومن ادعى أن ما كان وجوده بنفسه لا يكون إلا وجودا مجردا وذاتا مجردة لأن الذات الموصوفة مفتقرة إلى الصفة فلا يكون موجودة بنفسها

قيل له: الممكنات والمحدثات لم تفتقر إلى ذات مجردة ن حتى يقال إذا قيل إنها موصوفة لزم الافتقار بل افتقرت إلى ما هو خارج عنها كلها

والتعبير عن هذا المعنى يكون بعبارات فإذا قيل: ما لا يقبل العدم أو قيل موجود بنفسه او واجب الوجود بنفسه ونحو ذلك كان المقصود واحدا ومن المعلوم أن مالا يقبل العدم إذا كان ذاتا موصوفة بصفات الكمال لم يجز ان يقال: اتصافها بصفات الكمال يوجب افتقارها إلى الصفات فتقبل العدم فإن فساد هذا الكلام ظاهر وهو بمنزلة أن يقال قولكم: موجود بنفسه أو واجب الوجود بنفسه يقتضي افتقاره إلى نفسه والمفتقر لا يكون واجب الوجود بنفسه بل يكون قابلا للعدم وإذا كان هذا فاسدا فالأول أفسد فإن صفات كماله داخلة في مسمى نفسه فإذا كان قول القائل: هو مفتقر إلى نفسه لا يمنع وجوب وجوده فقوله إنه مفتقر إلى صفاته أولى أن لا يمنع وجوب وجوده

وكذلك إذا سمى ذلك أجزاء وقال: هو مفتقر إلى أجزائه فإن جزء الشيء وبعضه وصفته ونحو ذلك داخل في مسمى نفسه فإذا لم يكن قول القائل: هو مفتقر إلى نفسه مانعا من وجوب وجوده ن فقوله هو مفتقر إلى جزئه وصفته ونحو ذلك أولى وتسمية مثل هذا افتقارا لفظ فيه تلبس وتدليس يشعر الجاهل بفقره وهذا كما لو قيل: هو غني بنفسه فإنه قد يقول القائل: فهو فقير إلى نفسه فصفاته داخلة في مسمى نفسه وهو غني سبحانه بنفسه عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه

وهذه المعاني مبسوطة في غير هذا الموضع وقد قال ابن رشد هذا الذي يعبر على من قال بنفي تعدد الصفات هو ان تكون الصفات المختلفة ترجع إلى ذات واحدة حتى يكون مفهوم العلم مثلا والإرادة والقدرة مفهوما واحدا وانها ذات واحدة وأن يكون أيضا العلم والعالم والقدرة والقادر والإرادة والمريد معنى واحدا والذي يعبر على من قال: إن ههنا ذاتا وصفات زائدة على الذات ان تكون شرطا في وجود الصفات والصفات شرطا في كمال الذات ويكون المجموع من ذلك شيئا واجب الوجود أي موجودا واحدا ليس فيه علة ولا معلول

قال لكن هذا لا جواب عنه في الحقيقة إذا وضع ان ههنا شيئا واجب الوجود بذاته فإنه يجب أن يكون واحدا من جميع الوجوه وغير مركب أصلا لا من شرط ومشروط ولا من علة ومعلول لأن كل موجود بهذه الصفة: فإما أن يكون تركيبه واجبا وغما أن يكون ممكنا فغن كان واجبا كان واجبا بغيره لا بذاته لأنه يعسر إنزال مركب قديم من ذاته أعني من غير أن يكون له مركب وبخاصة على قول من أنزل أن كل عرض حادث لأن التركيب فيه يكون عرضا قديما وإن كان ممكنا فهو محتاج إلى ما يوجب اقتران العلة بالمعلول

قال وأما هل يوجد شيء مركب من ذاته على اصول الفلاسفة وإن جوزوا أعراضا قديمة فغير ممكن وذلك أن التركيب شرط في وجوده وليس يمكن أن تكون الأجزاء هي فاعلة للتركيب لأن التركيب شرط في وجودها وكذلك أجزاء كل مركب من الأمور الطبيعية إذا انحلت لم يكن الاسم المعقول عليها إلا بالاشتراك مثل اسم اليد المقولة على التي هي جزء من الإنسان الحي واليد المقطوعة بل كل تركيب عند أرسطو طاليس فهو كائن فاسد ن فضلا عن ان يكون لا علة له وأما هل تفضى الطريقة التي سلكها ابن سينا في واجب الوجود إلى نفي مركب قديم فليس تفضي إلى ذلك لأنه إذا فرضنا أن الممكن ينتهي إلى علة ضرورية والضرورية لا يخلو إما أن يكون لها علة او لا علة لها وأنها إن كانت لها علة فإنها تنتهي إلى ضروري لا علة له فإن هذا القول إنما يؤدي من جهة امتناع التسلسل إلى وجود صورية ومادية إلا أن يوضع ان كل ماله صورة ومادة وبالجملة كل مركب فواجب أن يكون له فاعل خارج عنه وهذا يحتاج إلى بيان ولم يتضمنه القول المسلوك في شأن واجب الوجود مع ما ذكرنا أن فيه من الأختلال ولهذا بعينه لا يفضي دليل الشعرية وهو ان كل حادث له محدث إلى أول قديم ليس بمركب وإنما يفضي إلى أول ليس بحادث

قال وأما أن يكون العالم والعلم شيئا واحدا فليس ممتنعا بل واجب أن ينتهي الأمر في أمثال هذه الأشياء إلى أن يتحد المفهوم فيها وذلك أن العالم إن كان عالما بعلم فالذي به العالم عالم أحرى ان يكون عالما وذلك أن كل ما استفاد صفة من غيره فتلك الصفة أولى بذلك المعنى المستفاد مثال ذلك أن هذه الأجسام الحية التي لدينا ليست حية من ذاتها بل من قبل حياة تحلها فواجب أن تكون تلك الحياة التي استفاد منها ما ليس بحي الحياة حية بذاتها أو يفضي الأمر فيها إلى غير نهاية وكذلك يعرض في العلم وسائر الصفات

تعليق ابن تيمية

قلت: ليتأمل اللبيب كلام هؤلاء الذين يدعون من الحذق والتحقيق ما يدفعون به ما جاءت به الرسل كيف يتكلمون في غاية حكمتهم ونهاية فلسفتهم بما يشبه كلام المجانين ويجعلون الحق المعلوم بالضرورة مردودا والباطل الذي يعلم بطلانه بالضرورة مقبولا بكلام فيه تلبيس وتدليس فإنه ذكر ما يلزم مثبة الصفات وما يلوم نفاتها

فقال: يلزم النفاة أن تكون الصفات ترجع إلى ذات واحدة فيكون مفهوم العلم والقدرة والإرادة مفهوما واحدا وأن يكون العلم والعالم والقدرة والقادر والإرادة والمريد واحدا وقد قال إن هذا عسير

قلت: بل الواجب أن يقال: أن هذا مما يعلم فساده بضرورة فمن جعل العلم هو القدر والقدرة هي الإرادة وجعل الإرادة هي المريد والعلم هو العالم والقدرة هي القادر كان مخالفته للعوم الضرورية وسفسطته اعظم من سفسطة كثير من السوفسطائية وقود هذه المقالة أن يمكن أن يكون المتكلم هو الكلام والمتحرك هو الحركة والمصلي هو الصلاة والصائم هو الصوم وأمثال ذلك وإن فرق بين الصفات اللازمة وغيرها فلا فرق في الحقيقة بل هذا تحكم ويلزمه ان يكون الإنسان الناطق نفس النطق والفرس الصاهل نفس الصهيل والحمار الناهق نفس النهيق والجسم الحساس المترحك بالإرادة نفس الإحساس والحركة الإرادية ويلزمه أيضا أن يجعل نفس الحس نفس الحركه ونفس الحيوانيه نفس الناطقية ونفس الصاهلية نفس الناهقية

وما أحق هؤلاء بدخولهم في قول الله تعالى { والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم } الأنعام 39

وبقوله تعالى { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون } الأعراف 179

وبقوله تعالى { وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير } الملك 10

وقول ابن رشد كون العالم والعلم شيئا واحدا ليس ممتنعا بل واجب ان ينتهي الأمر في أمثال هذه الأشياء إلى أن يتحد المفهوم فيها

فيقال له: هذا من أعظم المكابرة والفسفسطة والبهتان وقوله إن العالم إذا كان عالما بعلم فالذي به العالم عالم أحرى أن يكون عالما إلى آخر كلامه كلام في غاية الفساد كما أنه إذا قيل إذا كان الضارب ضاربا بضرب فالضرب اولى أن يكون ضاربا والقائم إذا كان قائما بقيام أولى أن يكون قائما والناطق إذا كان ناطقا بنطق فالنطق أولى أن يكون ناطقا والقاتل إذا كان قاتلا ماشيا والخالق إذا كان خالقا بخلق فالخلق أولى أن يكون خالقا والرازق إذا كان رازقا برزق فالرزق أولى ان يكون رازقا والمحيي المميت إذا كان محييا مميتا بإحياء وإماتة فالإحياء والإماتة أولى أن يكون محييا مميتا

وبالجملة فهذا يلزم نظيره في عامة أسماء الله الحسنى وفي أسماء نبيه ﷺ وأسماء سائر الموجودات المشتقة يلزم أن يكون المصدر الذي اشتق منه الاسم أحق بالاسم من الفاعل ويكون مسمى المصدر الذي هو الحدث أحق بأسماء الفاعلين والصفات المشبهة بها من من نفس الفاعل الموصوف

وتصور هذا الكلام كاف في معرفة فساده وإنما دخلت الشبهة على من قاله لأن قوله إذا كان العالم عالما بعلم فالذي به العالم عالم أحرى أن يكون عالما كلام اشتبهت فيه باء الاستعانة بباء المصاحبة فظن أنه إذا قيل هذا عالم بعلم أن العلم هو الذي أفاده العلم والعلم هو الذي أعطاه العلم كأنه معلمه فكأنه قال إذا كان المتعلم عالما فمعلمه أولى أن يكون عالما وليس الأمر كذلك بل قولنا هذا عالم بعلم أي أنه موصوف بالعلم أي ليس موجودا عن العلم ولا معرى عنه بل هو متصف به والعلم نفسه لا يعطيه العلم بل نفس العلم هو العلم وإن كان العلم قديما من لوازم ذاته فلم يستفيده من أحد وإن كان محدثا فقد استفاده من غيره ولم يستفد العلم من العلم لكن هل له حال وهو كونه عالما معللة بالعلم أم كونه عالما نفس العلم هذا فيه نزاع بين مثبتة الحال ونفاتها ومن أثبتها لم يقل إنها صفة موجودة

وقوله ما استفاد صفة من غير فتلك الصفة يعني المستفاد منها اولى بذلك المعني المستفاد كما مثل به من الحياة كلام فاسد فإن العالم لم يستفد الصفة التي هي العلم من الصفة التي هي العلم بل نفس علمه هو نفس الصفة ليس هنا صفة مفيدة وصفة مستفادة إلا أن يقال اعلم أثبت العالمية على رأي مثبتة الحال وعلى هذا التقدير فالعالمية ليست صفة وجودية وهو غنما كان عالما بالعلم الوجوب للحال لا بالحال الموجبة للعلم وإذا كان عالما بالعلم لم يكن العلم حصل من علم آخر وإنما العلم عند هؤلاء اوجب كونه عالما والذي عليه الجمهور أن نفس العلم هو نفس كونه عالما فليس هنا شيئان وعلى القولين فإذا استحق الموصوف بالعلم أن يسمى عالما لم يكن العلم أحق بأن يكون عالما فإن هذا لا يقوله عاقل :

وقوله إن الجسم إذا كانت حياته من قبل حياة تحله فواجب أن تكون تلك الحياة التي استفاد منها ما ليس بحي الحياة حية بذاتها

فيقال: هذا باطل من وجهين :

أحدهما أن الحياة التي حلته هي الحياة التي صار بها حيا ليس هنا حياة أخرى صار بها حيا حتى يقال هنا حياة حلته وحياة جعلته حيا

الثاني أن حياته إذا قدر أنها مستفادة من حياة أخرى فتلك الحياة الأخرى قائمة بحي هو حي بها لا أن تلك الحياة هي الحية بل الحي الموصوف بالحياة لا نفس الحياة فلينظر العاقل نهايات مباحث هؤلاء الفلاسفة في العلم الإلهي: العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته ن ولينظر هذا المعقول الذي يعارضون به الرسول ﷺ مع أن هذا مبسوط في غير هذا الموضع وليس هذا موضع بسطه

والناس شنعوا على ابي الهذيل العلاف لما قال إن الله عالم بعلم وعلمه نفسه ونسبوه إلى الخروج من العقل مع أن كلامه أقل تناقضا من كلام هؤلاء

وأما زعمه أن ما يلزم مثبتة الصفات لا جواب عنه لأن واجب الوجود يجب أن يكون غير مركب من شرط ومشروط

فيقال له: قد تقدم أنكم أنتم سميتم هذا تركيبا هو لا يسمى تركيبا في لغة من اللغات المعروفة لبني آدم بل إنما سماه تركيبا متأخروكم كابن سينا وأمثاله وأما قدماؤكم فقد ذكرتم عن أرسطو طاليس أن كل تركيب فهو كائن عنده فاسد والسماء عنده ليست كائنة فاسدة فهو لا يسمي السماوات وما فيها من الكواكب مركبة مع لأنها أجسام متحيزة متحركة تقوم بها الأعراض فكيف يسمي ما كان حيا عالما قادرا مركبا؟ وإذا خاطبناكم باصطلاحكم المبتدع لنقطع شغبكم بحثنا معكم بحثا عقليا فإنكم تدعون أن هذه الأمور معلومة بالعقل لا بالسمع وإطلاق الألفاظ ونفيها لا تقفون أنتم فيه عند الشرع فالواجب على أصولكم أن ما علم بالعقل ثبوته أو انتفاؤه اتبع من غير مراعاة للفظ

ونحن نبين فساد ما ذكرتموه من المعنى بالعقل الصريح مع مخاطبتكم بلغتكم فيقال له لم قلت إن ما كان مركبا من شرط لا يكون واجب الوجود؟

وأما قوله لأن تركيبه إذا كان واجبا كان واجبا بغيره لا بذاته لأنه يعسر تقدير مركب قديم من غير أن يكون له مركب

فيقال له هذا هو البحث اللفظي ذكرنا هذا لأجله والمركب الذي يفتقر إلى مركب هو ما ركبه غيره كما أن المحرك الذي يفتقر إلى محرك ما حركة غيره ولم يقل احد من العقلاء إن واجب الوجود مركب ركبة غيره وأنتم إذا سميتم اجتماع الذات والصفات تركيبا لم تريدوا إلا الاجتماع والتعدد والتألف وكثرة المعاني ونحو ذلك لم تقصدوا بذلك ان هناك فاعلا لذلك وإن أردتم ذلك كان باطلا وبطل اللفظ والمعنى جميعا فغن أصل الكلام أن الواجب إذا كان ذاتا موصوفة بصفات كان مركبا فإن أراد المريد: كان له من ركبه من الذات والصفات كان التلازم ممنوعا بل هو باطل ضرورة فإنا إذا قدرنا واجب الوجود بنفسه الغني عن الفاعل موصوفا بصفات لازمة له امتنع أن يكون للواجب بنفسه المستلزم لصفاته من ركب بينه وبين صفاته فإن كونه واجبا بنفسه يمنع ان يكون له فاعل وكون صفاته لازمة له يمنع جواز مفارقتها له ويمنع افتقارها إلى من يجعلها فيه فكيف يقال: إن له مركبا ركبه حتى يقال: إن هذا تركيب يفتقر إلى مركب ويقال يمتنع ثبوت مركب قديم أي من ذاته ومن سمى هذا تركيبا وقال إنه قديم فإنه يقول هو تركب وتألف واجتماع ومثل هذا لا يفتقر إلى مركب مؤلف جامع ولو قيل على سبيل الفرض إن الذات المستلزمة للصفات هي الموصوفة بذلك فليس هنا ما يقتضي افتقارها إلى غيرها

كلام لابن رشد باطل من وجوه

وأما قوله خاصة على قول من يقول كل عرض حادث لن التركيب يكون فيه عرضا قديما فهذا باطل من وجوه :

الوجه الأول

أن القائلين بأن كل عرض حادث من الأشعرية ومن وافقهم لا يسمون صفات الله أعراضا فإذا قالوا هو عالم وله علم وهو متصف بالعلم لم يقولوا إن علمه واتصافه بالعلم عرض ومن سمى صفاته أعراضا كالكرامية ونحوهم لم يلزمهم أن يقولوا كل عرض حادث 0 وما أعلم أحدا من نظار المسلمين يقول كل عرض حادث وصفات الله القديمة عرض فإن هذا تناقض بين فما ذكره لا يلزم أحد من المسلمين ن فلم يقل أحد إن كل عرض حادث مع قوله إن صفات الله اللازمة له أعراض

الوجه الثاني

أن يقال على سبيل التقدير من قال كل عرض حادث فإنه يقول في الأعراض الباقية إنها تحدث شيئا بعد شيء فإذا قدر موصوف قديم بصفات وقيل إنها أعراض والعرض لا يبقى زمانين لزم أن يقال إنها تحدث شيئا بعد شيء وحينئذ فإذا قدر اجتماع أو تألف او تعدد في الصفات ونحو ذلك مما سميته تركيبا

وقيل إنه قديم وإنه عرض وإن كل عرض فهو حادث لا يبقى زمانين كان أولى بتجدد أمثاله من سائر الأعراض فثبوت المعنى الذي سماه تركيبا وجعله عرضا قديما كسائر الصفات القديمة

الوجه الثالث

أن يقال هذا الذي سميته عرضا قديما حكمه سائر الصفات فإن أقمت دليلا على انتفاء الصفات أمكن نفي هذا وإلا فالقول فيه كالقول في أمثاله 0 وأنت لا دليل لك على انتفاء الصفات إلا انتفاء الاجتماع والتعدد الذي سميته تركيبا فإذا لم يمكنك نفي هذا إلا بنفي غيره من الصفات ولا يمكنك نفي الصفات إلا بنفي هذا كان هذا دورا قبليا باطلا وقد تبين انه لا يمكنك لا نفي هذا ولا نفي هذا وان ما ذكرته من لفظ التركيب كلام فيه تلبيس توهم به من لا يفهم حقيقة المقصود أن مثبته الصفات أثبتوا لله تعالى ما يفتقر فيه إلى مركب يركبه معه وكل عاقل يعلم أن مذهب المسلمين المثبتين للصفات أن صفاته القديمة لازمة لذاته لا يفتقر فيها إلى أحد سواه ومن جعل اتصافه بها مفتقرا إلى مركب غيره فهو كافر عندهم فضلا عن أن يقولوا إنه مفتقر إلى مركب جمع بينه وبينها

الوجه الرابع

أن يقال على سبيل الفرض لو نازعك بعض إخوانك الفلاسفة في امتناع مركب قديم من ذاته لم يكن لك عليه حجة فلو قدر أن ذلك يستلزم مركبا قديما من ذاته لم يكن لك على أصول إخوانك الفلاسفة حجة على إبطال هذا فإن الفلك عندكم جسم قديم وهو مركب بهذا الاصطلاح

وأما قولك الفلاسفة وإن جوزوا أعراضا قديمة فغير ممكن وجود قديم من ذاته عندهم ن لأن التركيب شرط في وجوده ولا يمكن أن تكون الأجزاء هي فاعلة للتركيب لأن التركيب شرط في وجودها

فيقال لك إذا كان التركيب شرطا في وجودها نوهي شرط في وجود التركيب لم يكن أحدهما فاعلا للآخر بل إن كانا مفتقرين إلى الفاعل ففاعل الأجزاء هو فاعل التركيب وإن كانا غنيين عن الفاعل لم يفتقر أحدهما إلى الفاعل 0 والكلام على تقدير أن يكون المركب قديما تركيبه بنفسه 0 وقولك مركب من نفسه لا تعنى به أن أجزاءه فعلت التركيب وإنما تعنى به أن نفس الأجزاء متلازمان وهما مستغنيان عن غيرهما

الوجه الخامس

أن يقال قد اعترفت بفساد طريقة ابن سينا وأنها لا تتضمن أن كل مركب فلا بد له من فاعل خارج عنه

وهذا الذي قلته في طريقة ابن سينا يلزمك بطريق الأولى فإنه ليس فيما ذكرته أن كل مركب فلا بد له من فاعل خارج عنه إلا ما أخذته من لفظ مركب وهذا تدليس قد عرف حاله

وأما قولك إن دليل الأشعرية أيضا لا يفضي إلى إثبات أول قديم ليس بمركب وإنما يفضي إلى إثبات أول ليس بحادث

فهذا أيضا توكيد لإثبات الصفات ن فإن مرادك بالمركب ما كان موصوفا بالصفات ولا ريب أن الأدلة الدالة على إثبات الصانع ليس فيها والحمد لله ما ينفي إثبات الصفات

فإن قلت فهم ينفون التجسيم بناء على انتفاء التركيب ولا دليل لهم على ذلك

قيل لك هذه حجة جدلية وغايته أن تلزمهم التناقض وذلك لا يقتضي صحة قولك الذي نازعوك فيه وهو نازعوك في إثبات الصفات فقلت إن إثبات الصفات يستلزم التركيب وأنت لم تقم دليلا على نفي هذا التركيب فلم تقم دليلا على نفي الصفات وقالوا لك أيضا لا دليل لك على نفي التجسيم فإن عمدتك هو نفي الصفات العائد إلى نفي التركيب وقد ظهر ذلك

فإذا قلت لهم وأنتم أيضا لا دليل لكم على ذلك فإن دليل الحدوث لا يقتضي ذلك

قالوا لك نحن أثبتنا الحدوث بحدوث الجسم وهو المراد بقولنا مركب فإن صح دليلهم ثبت نفي ما سموه تركيبا وغن لم يصح دليلهم لم يكن في هذا منفعة لك

وهذه الطريق هي التي سلكها أبو حامد في مناظرته إخوانك وهي طريق صحيحة وقد تبين أن ما ذكره أبو حامد عن احتجاجهم بلفظ المركب جواب صحيح وان احتجاجهم بهذا نظير احتجاج أولئك بلفظ التخصيص حيث قالوا إن المختص بشيء لا بد له من مخصص وهذا هو الذي سلكه نفاة الصفات ويسمون نفي الصفات توحيدا وهذا هو الذي سلكه أبو عبد الله محمد بن تومرت الملقب عند أصحابه بالمهدي وأمثاله من نفاة الصفات المسمين ذلك توحيدا

كلام ابن تومرت

ولقب ابن تومرت أصحابه بذلك إذ كان قوله في التوحيد قول نفاة الصفات جهم وابن سينا ويقال إنه تلقى ذلك عمن يوجد في كلامه موافقة الفلاسفة تارة ومخالفتهم أخرى

قلت ولهذا رأيت لابن التومرت كتابا في التوحيد صرح فيه بنفي الصفات ولهذا لم يذكر في مرشدته شيئا من إثبات الصفات ولا إثبات الرؤية ولا قال إن كلام الله غير مخلوق ن ونحو ذلك من المسائل التي جرت عادة مثبتة الصفات بذكرها ولهذا كان حقيقة قوله موافقا لحقيقة قول ابن سبعين والقائلين بالوجود المطلق موافقة لابن سينا وقد ذكر ابن التومرت في فوائده المشرقية أن الوجود مشترك بين الخالق والمخلوق فوجود الخالق يكون مجردا ووجود المخلوق يكون مقيدا

ما ورد في كتاب الدليل والعلم

وقال ابن التومرت في كتاب الدليل والعلم فقال

المعلومات على ضربين معدوم وموجود والموجود على ضربين مطلق ومقيد فالمقيد هو المخصص والاختصاص على ثلاثة اضرب الاختصاص بزمان دون زمان سواه والثاني الاختصاص بجهة دون جهة غيرها والثالث الاختصاص بخاصة دون خاصة غيرها ن والموجود المطلق هو الذي ليس بمقيد ولا بمخصص ن فلا يختص بزمان دون غيره ولا بجهة دون غيرها ولا بخاصة دون غيرها فلو اختص بشيء لكان من جنسه ن فلما انتفت عنه الخواص على الإطلاق وجب له الوجود المطلق

قال والموجود المطلق هو القديم الأزلي الذي استحالت عليه القيود والخواص المختص بطلق الوجود من غير تقييد ولا تخصيص وذكر كلاما في نفي الاختصاص إلى أن قال وإذا تساوت المتناهيات في الاختصاص بجهة مقدرة امتنع عليها التخصيص من جهتها ومن مخصص على الإطلاق ثم قال بعد هذا انفرد بالعلم والكمال والحكم والاختيار وانفرد بالقهر والاقتدار وانفرد بالخلق والاختراع وقال مع هذه المخصصات بأسرها يستحيل الكمال عليها وإن تكاملت صفاتها

تعليق ابن تيمية

قلت ومعلوم أن هذا تناقض فإن نفي الاختصاص بخاصة من الخواص ودعوى انه وجود مطلق لا يختص بوجه من الوجوه يمنع أن يختص بعلم أو قدرة أو مشيئة ونحو ذلك من الصفات فإن العالم مختص بعلمه متميز به عن الجاهل ن والقادر مختص بقدرته متميز بها عن العاجز ن والمختار مختص بالاختيار متميز به عن المستكره فإن أثبت شيئا من صفات الكمال فقد أثبت اختصاصه بذلك وإن نفى جميع الصفات ولم يثبت إلا وجودا مطلقا تناقض كلامه

وقيل له المطلق لا يوجد إلا في الذهن لا في الخارج ن فلا يتصور أن يكون في الخارج شيء مطلق لا حيوان ولا إنسان مطلق ولا جسم مطلق ولا موجود مطلق بل كل موجود فله حقيقة بها لا يشركه فيها غيره

وقيل له هذا الوجود المطلق اهو وجود المخلوقات أم غيره؟ فإن قال هو هو بطل إثبات الخالق وإن قال هو غيره قيل له فوجوده مثل وجود المخلوقات أو ليس مثله ن فإن كان الأول لزم أن يكون الخالق مثل المخلوق والمثلان يجوز ويجب ويمتنع على أحدهما ما يجوز ويجب ويمتنع على الآخر فيلزم أن يكون الشيء الواحد واجبا غير واجب محدثا غير محدث وهو جمع بين النقيضين

وإن قال وجوده مخالف لوجود المخلوقات فقد أثبت له وجودا يختص به لا يشركه فيه غيره فلا يماثله غيره وهذا وجود مخصوص مقيد لا وجود مطلق وقد بسط الكلام على هذه الأمور في غير هذا الموضع

والمقصود هنا الكلام في أن كل مختص بأمر هل يفتقر إلى مخصص منفصل عنه؟ لأن الكلام كان في المسلك الثاني في حدوث الأجسام الذي بين فساده الآمدي والأرموي وغيرهما فإنه مبني على مقدمتين إحداهما أنها مفتقرة إلى ما يخصصها بصفاتها والثانية أن ما كان كذلك فهو محدث وقد بينوا فساد المقدمة الثانية كما تقدم

وأما الأولى فقررت بوجهين

أحدهما أن المختص بمقدار لا بد له من مخصص ن وقد تبين فساده أيضا

الثاني أن جواهر العالم إما ان تكون مجتمعة أو مفترقة أو مجتمعة ومفترقة معا أو لا مجتمعة ولا مفترقة أو البعض مجتمعا والبعض مفترقا وخلوها عنهما وأيضا الجمع بينهما ممتنع واما بقية الأقسام فهي ممكنة ومهما قدر أمكن تقدير خلافه فيكون جائزا والجائز يفتقر إلى مخصص

وهذا أضعف الوجهين

أحدهما انه مبني على أن الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة وان كل جسم يقبل الاجتماع والافتراق واكثر عقلاء الناس على خلاف ذلك فإن للناس في هذا المقام أقوالا أحدها قول من يقول إنها مركبة من الجواهر المنفردة التي لا تقبل القسمة كما هو قول أكثر المعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية وموافقيهم

والثاني قول من يقول إنها مركبة من جواهر لا نهاية لها كما هو قول النظام ومتبعيه

والثالث قول من يقول إنها مركبة من المادة والصورة وإنها تقبل الانقسام إلى غير نهاية كما هو قول ابن سينا وأمثاله من المتفلسفة

والرابع قول من يقول إنها ليست مركبة من هذا ولا هذا لكن تقبل الانقسام إلى جوهر لا يتجزأ كما هو قول الشهر ستاني وغيره

والخامس قول من يقول إنها ليست مركبة لا من هذا ولا هذا ن ولا تقبل الانقسام إلى جزء لا يتجزأ ولا إلى غير غاية لكن كل جزء موجود فإنه يقبل الانقسام العقلي ولا يقبل الانقسام الفعلي ولكنه يستحيل إذا تصغر كما تفسد وتستحيل أجزاء المادة إذا صغرت فتصير هواء ن فلا يكون في الأجزاء ما لا يتميز يمينه عن شماله ولا يكون فيها ما يقبل الانقسام إلى غير غاية

وهؤلاء تخلصوا من هذا المحذور وهذا المحذور فإن مثبتة الجزء الذي لا ينقسم ألزمهم الناس بأنه لا بد ان يتميز أحد جانبيه عن الآخر ن وما كان كذلك فهو يقبل الانقسام المتنازع فيه

وألزموهم انه إذا وضع بين جوهرين فإن لاقى هذا بعين ما لاقى به هذا امتنع كونه بينهما وإن لاقى هذا بغير ما لاقى به هذا لزم انقسامه وألزموهم من هذا الجنس إلزامات لا محيد لهم عنها

ومن نفاه وقال بانه يمكن انقسام الأجسام إلى غير نهاية ألزمهم الناس أن يكون الجسم الصغير كالكبير وان يكون ما لا يتناهى محصورا بين حاصرين

ثم إما أن يقول هي غير متناهية مع وجودها كما يقوله النظام والتزم على ذلك ان الظافر لا يحاذي ما تحته من الأجزاء لئلا يقع ما لا يتناهى تحت ما يتناهى وصار الناس يقولون عجائب الكلام طفرة النظام ن وأحوال أبي هاشم وكسب الأشعري ولهم في ذلك من الكلام ما يطول وصفه

أو يقول إن الانقسام إلى غير غاية ممكن فيها كما يقوله المتفلسفة كابن سينا وأمثاله

ولما كان كل من القولين معلوم الفساد بالضرورة قول من أثبت ما لا يتميز بعضه عن بعض ومن أثبت ما ينقسم إلى غير نهاية ن توقف من توقف من أفاضل النظار فيه فتوقف فيه أبو الحسين البصري وأبو المعالي الجويني في بعض كتبه وأبو عبد الله الرازي في نهايته

فهؤلاء الذين لم يثبتوا إمكان الانقسام إلى غير غاية ولا أثبتوا ما لا يقبل امتياز بعضه عن بعض خلصوا من هذا وهذا ن وقالوا إنه إذا صغر استحال إلى غيره مع امتياز بعضه عن بعض لو بقي موجودا

وبالجملة نفي هذا وهذا قول طوائف قول طوائف كثيرة من أهل النظر من الكلابية والكرامية بل والهاشمية والنجارية والضرارية وغيرهم

والمقصود هنا ان هؤلاء الذين يقولون إن جواهر العالم إما أن تكون مجتمعة أو مفترقة إلى آخرها قولهم مبني على هذا الأصل والتزموا على ذلك أن جميع ما يحدث من الحيوان والنبات والمعدن وما يفسد من ذلك غنما هو لاجتماع الجواهر وافتراقها فالحادث صفات الجواهر لا أن عينا من الأعيان يحدث وانكروا استحالة الأجسام بعضها إلى بعض وقالوا: إن أجزاء المني باقية في الأنسان وكذلك أجزاء النواة في الشجرة ولكن زادت أجزاء بما انضم إليها من أجزاء الغذاء كأجزاء الماء والهواء وأن تلك الأجزاء أيضا باقية لم تستحل ولم تعدم بل تجتمع تارة وتفترق أخرى

وجماهير العقلاء على مخالفة وقائلون هؤلاء وقائلون باستحالة الأجسام بعضها إلى بعض كما أطبق على ذلك علماء الشريعة وعلماء الطبيعة وغيرهم من أصناف الناس

ولهذا يقولون: النجاسة هل تطهر بالاستحالة ام لا تطهر؟ فإذا صارت الميتة والدم ولحم الخنزير رمادا أو ترابا أو ملحا ونحو ذلك ففي طهارة ذلك قولان مشهوران للعلماء والقول بطهارته قول أكثر الفقهاء فإنه قول أصحاب أبي حنيفة وأهل الظاهر وأحد القولين في مذهب مالك وأحمد بن حنبل واتفقوا على أن الخمر إذا استحالت وانقلبت بغير قصد الإنسان أنها تطهر

والأطباء مع سائر الناس يعلمون أن الماء يستحيل هواء والهواء يستحيل ماء والنار تسحيل هواء والهواء يستحيل ماء كما هو مبسوط في غير هذا الموضع إذ المقصود هنا التنبيه على أصول هذه الحجة

وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع وبين ما يقوله هؤلاء وهؤلاء من التركيب وأن هؤلاء يدعون التركيب من جواهر محسوسة لا تنقسم وهي الجواهر المنفردة وهؤلاء يدعون التركيب من جواهر معقولة لا تنقسم كما يقولون في تركب الأنواع من الأجناس والفصول وفي تركب الأجسام من المادة والصورة والمركب لا بد له من واحد لا تركيب فيه ولا تقسيم

وقد بين ان ما يدعيه هؤلاء وهؤلاء من هذا الواحد لا حقيقة له في الخارج ن وإنما تقديره في الذهن وكذلك ما يدعيه هؤلاء من الجواهر العقلية المجردة التي لا تنقسم كالعقول العشرة فقد بين في غير هذا الموضع أنها لا تتحقق إلا في الأذهان لا في الأعيان

وتوحيد القديم الأزلي واجب الوجود الذي مضمونه نفي الصفات عند الفريقين ينزه عن مثل هذه الآحاد والوحدات التي يثبتونها في الخارج ولا حقيقة لها إلا في الذهن ولهذا كان منتهى تحقيقهم القول بوحدة الوجود وأن الوجود واحد لا يميزون بين الواحد بالنوع والواحد بالشخص فإن الواحد بالنوع كما يقال: الموجودات تشترك في مسمى الوجود والأناسي تشترك في مسمى الإنسان والحيوانات تشترك في مسمى الحيوان والأجسام تشترك في مسمى الجسم ونحو ذلك

وهذا المشترك هو الكلي الذي لا يوجد في الخارج كليا ولا يكون كليا إلا في الأذهان لا في الأعيان

وبين ما دخل على المنطقيين من الغلط في دعواهم تركب الحقائق من هذه الكليات وما دخل عليهم من الفساد في العلم الإلهي والطبيعي وأنهم يجعلون الواحد اثنين كالجسم والأثنين واحدا كالعلم والعالم والإرادة والقدرة ويجعلون الموجود معدوما ن كالحقيقة الإلهية وصفاتها وأفعالها والمعدوم موجودا كالوجود المطلق ويجعلون ما في الذهن في الخارج كالمجردات والكليات وأمثال ذلك مما ليس هذا موضع بسطه

الوجه الثاني انه لو سلم أن الجسم مؤلف من الجواهر المجتمعة فالقول في الاجتماع كالقول في المقدار وقوله: إن اختصاصه بذلك الاجتماع يفتقر إلى مخصص قد بين فساده كقوله إن اختصاصه بالمقدار إلى مخصص وهو مبني على أن كل مختص يفتقر إلى مخصص

وأما المقدمة الثانية فإنها قررت بان المخصص لا بد أن يكون فاعلا مختارا وان يكون ما خصصه به حادثا وقد أبطل الآمدي وغيره كلا المقدمتين

وغاية هذا المسلك أن الأجسام لا تخلو عن الحوادث

درء تعارض العقل والنقل
1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | 32 | 33 | 34 | 35 | 36 | 37 | 38 | 39 | 40 | 41 | 42 | 43 | 44 | 45 | 46 | 47 | 48 | 49 | 50 | 51 | 52 | 53 | 54 | 55