الرئيسيةبحث

درء تعارض العقل والنقل/45


فصل كلام ابن رشد في مناهج الأدلة وتعليق ابن تيمية عليه

فقد ذكرنا ما تيسر من طرق الناس في المعرفة بالله ليعرف أن الأمر في ذلك واسع وأن ما يحتاج الناس إلى معرفته مثل الإيمان بالله ورسوله فإن الله يوسع طرقه وييسرها وإن كان الناس متفاضلين في ذلك تفاضلا عظيما وليس الأمر كما يظنه كثير من أهل الكلام من أن الإيمان بالله ورسوله لا يحصل إلا بطريق يعينونها وقد يكون الخطأ الحاصل الرسل وكان عليه سلف الأمة لا يذكره ولا يعرفه

وهذا موجود في عامة الكتب المصنفة في المقالات والملل والنحل مثل كتاب أبي عيسى الورق والنوبختي وأبي الحسن الأشعري والشهر ستاني: تجدهم يذكرون من أقوال اليهود والنصارى والفلاسفة وغيرهم من الكفار ومن أقوال الخوارج والشيعة والمعتزلة والمرجئه والكلابية والكرامية والمجسمة والحشوية أنواعا من المقالات

والقول الذي جاء به الرسول وكان عليه الصحابة والتابعون وأئمة المسلمين لا يعرفونه ولا يذكرونه بل وكذلك في كتب الأدلة والحجج التي يحتج بها المصنف للقول الذي يقول إنه الحق تجدهم يذكرون في الأصل العظيم قولين أو ثلاثة أو أربعة أو أكثر من ذلك وينصرون أحدهما ويكون كل ما ذكروه أقوالا فاسدة مخالفة للشرع والعقل والقول الذي جاء به الرسول وهو الموافق لصحيح المنقول وصريح العقول لا يعرفونه ولا يذكرونه فيبقى الناظر في كتبهم حائرا ليس فيما ذكروه ما يهديه ويشفيه ولكن قد يستفيد من رد بعضهم على علمه ببطلان تلك المقالات كلها

وهذا موجد في عامة كتب أهل الكلام والفلسفة: متقدميهم ومتأخريهم إلى كتب الرازي والآمدي ونحوها وليس فيها من أمهات الأصول الكلية والالهية القول الذي هو الحق بل تجد كل ما يذكرونه من المسائل وأقوال الناس فيها إما أن يكون الكل خطأ وإما أن يذكروا القول الصواب من حيث الجملة مثل إطلاق القول بإثبات الصانع وأنه لا إله إلا هو وأن محمدا رسول الله لكن لا يعطون هذا القول حقه: لا تصورا ولا تصديقا فلا يحققون المعنى الثابت في نفس الأمر من ذلك ولا يذكرون الأدلة الدالة على الحق وربما بسطوا الكلام في بعض المسائل الجزئية التي لا ينتفع بها وحدها بل قد لا يحتاج إليها

وأما المطالب العالية والمقاصد السامية من معرفة الله تعالى والإيمان به وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فلا يعرفونه كما يجب وكما أخبر به الرسول ﷺ ولايذكرون من ذلك ما يطابق صحيح المنقول ولا صريح المعقول

وابن رشد الحفيد واحد من هؤلاء ولهذا لما ذكر أصناف الأمة وجعلهم أربعة أقسام: باطنية وحشوية ومعتزلة وأشعرية: جرى في ذلك على طريق أمثاله من أهل الكلام والفلسفة وهو قد نبه على كثير مما جاء به القرآن كما سنذكره عنه

لكن المقصود أنه في تقسيم الأمة لم يذكر القسم الذي كان عليه السلف والأئمة وعليه خيارها إلى يوم القيامة لكنه صدق في وصفه من ذكره بالتقصير عن مقصود الشرع فإنه كما قال قال: وذلك أنه يظهر من غير ما آية من كتاب الله تعالى أنه دعا الناس فيها إلى التصديق بوجود الباري تعالى بأدلة عقلية منصوص عليها فيها مثل قوله تعالى: { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم } ومثل قوله { أفي الله شك فاطر السماوات والأرض } إلى غير ذلك من الآيات الواردة في هذا المعنى

قال: وليس لقائل أن يقول: إنه لو كان واجبا على كل من آمن بالله أن لا يصح إيمانه إلا من قبل وقوفه على هذه الأدلة لكان النبي ﷺ لا يدعو أحدا إلى الإسلام إلا عرض عليه هذه الأدلة فإن العبر كلها كانت تعترف بوجود الباري سبحانه وتعالى

ولذلك قال تعالى { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله } ولا يمتنع أن يوجد من الناس من يبلغ منه فدامة الطبع وبلادة القريحة إلى أن لا يفهم شيئا من الأدلة الشرعية التي نصبها الشارع للجمهور وهذا فهو أقل الوجود فإذا وجد ففرضه الإيمان بالله من جهة السماع

قال: فهذه حال الحشوية مع ظاهر الشرع

قال: وأما الأشعرية فإنهم رأوا أن التصديق بوجود الباري تعالى لا يكون إلا بالعقل لكن سلكوا في ذلك طرقا ليست هي الطرق الشرعية التي نبه الله عليها ودعا الناس إلى الإيمان به من قبلها وذلك أن طريقهم المشهورة انبنت على بيان أن العالم محدث وانبنى عندهم حدوث العالم على القول بتركيب الأجسام من أجزاء لا تتجزأ وأن الجزء الذي لا يتجزأ محدث بحدوثه وطريقتهم التي سلكوا في بيان حدوث الجزء الذي لا يتجزأ وهو الذي يسمونه الجوهر الفرد - وبالجملة حدوث الأجسام - طريقة معتاصة تذهب على كثير من أهل الرياضة في صناعة الجدل فضلا عن الجمهور ومع ذلك فهي غير برهانية ولا مفضية بيقين إلى وجود الباري تعالى وذلك أنه إذا فرضنا أن العالم محدث لزم - كما يقولون - أن يكون له - ولا بد - فاعل محدث وذلك أن هذا المحدث لسنا نقدر أن نجعله أزليا ولا محدثا أما كونه محدثا فلأنه يفتقر إلى محدث وذلك المحدث إلى محدث ويمر الأمر إلى غير نهاية وذلك مستحيل

وأما كونه أزليا فإنه يجب أن يكون فعله المتعلق بالمفعولات أزليا فتكون المفعولات أزلية والحادث يحب أن يكون وجوده متعلقا بفعل حادث اللهم إلا لو سلموا أنه يوجد فعل حادث عن فاعل قديم فإن المفعول لا بد أن يتعلق به الفاعل وهم لا يسلمون ذلك فإن من أصولهم أن المقارن للحادث حادث

قلت: من أصولهم التي تلقوها عن المعتزلة أن ما لا يسبق الحوادث فهو حادث وهذا متفق عليه بين العقلاء إلا إذا أريد به الحادث بالشخص فإن ما لا يسبق الحادث المعين يجب أن يكون حادثا وأما ما لا يسبق نوع الحادث فهو محل النزاع بين الناس وعليه ينبني هذا الدليل وكثير من الناس لايميز في هذا المقام بين ما هو بعينه حادث وما تكون آحاد نوعه حادثة والنوع لم يزل حتى أن كثيرا من أهل الكلام إذا رأوا أن الحركات حادثة أو غيرها من الأعراض اعتقدوا أن ما لا يسبق ذلك فهو حادث ولم يميزوا بين ما لا يسبق الحادث المعين وما لا يسبق النوع الدائم الذي آ حاده حادثة فهو لا يسبق النوع وإن سبق كل واحد واحد من آحاده

ولما تفطن كثير من أهل الكلام للفرق أرادوا أن يثبتوا امتناع حوادث لا تتناهى بطريق التطبيق وما يشبهه كما قد ذكر ذلك في موضعه فهم لايسلمون وجود حوادث لا أول لها عن فاعل قديم ويسلمون وجود فعل حادث العين عن فاعل قديم وهو يقول: الحادث يجب أن يكون وجوده متعلقا بفعل حادث ثم ذلك الحادث متعلق بفعل حادث فيكون فعل حادث الأفراد دائم النوع عن فاعل قديم فهو يقول: لا يمكن وجود حادث عن فاعل أزلي إلا بفعل حادث الأفراد دائم النوع وهم لايسلمون ذلك قال: وأيضا إن كان الفاعل حينا يفعل وحينا لا يفعل وجب أن يكون هنالك علة صيرته بإحدى الحالتين أولى منه بالأخرى فلنسأل أيضا في تلك العلة مثل هذا السؤال وفي علة العلة فيمر الأمر إلى غير نهاية

قال: وما يقوله المتكلمون في جواب هذا من أن الفعل الحادث كان بإرادة قديمة ليس بمنج ولا مخلص من هذا الشك لأن الإرادة غير الفعل المتعلق بإيجاده حادثا سواء فرضنا الإرادة قديمة أو حادثة متقدمة على الفعل أو معه فكيفما كان فقد يلزمهم أن يجوزوا على القديم أحد ثلاثة أمور: إما إرادة حادثة وفعل حادث وإما فعل حادث وإرادة قديمة وإما فعل قديم وإرادة قديمة

والحادث ليس يمكن أن يكون عن فعل قديم بلا وسطة إن سلمنا لهم أنه يوجد عن إرادة قديمة ووضع الإرادة نفسها هي الفعل المتعلق بالمفعول شيء لا يعقل وهو كفرض مفعول بلا فاعل فإن الفعل غير الفاعل وغير المفعول وغير الإرادة والإرادة هي شرط الفعل لا الفعل

وأيضا فهذه الإرادة القديمة يجب أن تتعلق بعدم الحادث دهرا لانهاية له إذا كان الحادث معدوما دهرا لانهاية له فهي لا تتعلق بالمراد في الوقت الذي اقتضت إيجاده إلا بعد انقضاء دهر لا نهاية له وما لانهاية له لا ينقضي فيجب أن لا يخرج هذا المراد إلى الفعل أو ينقضي دهر لا نهاية له وذلك ممتنع

وهذا هو بعينه برهان المتكلمين الذي اعتمدوه في حدوث دورات الفلك وأيضا فإن الإرادة التي تتقدم المراد وتتعلق به بوقت مخصوص دون وقت لا بد أن يحدث فيها في وقت إيجاد المراد عزم على الإيجاد لم يكن قبل ذلك الوقت لأنه إن لم يكن في المريد في وقت الفعل قدر زائد على ما كانت عليه في الوقت الذي اقتضت الإرادة عدم الفعل وإلا لم يكن وجود ذلك الفعل عنه في ذلك الوقت أولى من عدمه وأيضا كيف يتعين وقت للحادث من غير أن يتقدمه زمان ماض محدود الطرف إلى ما في هذا كله من التشغيب والشكوك العويصة التي لا يخلص منها العلماء المهرة بعلم الكلام والحكمة فضلا عن العامة ولو كلف الجمهور العلم من هذه الطرق لكان من باب تكليف ما لا يطاق

وأيضا فإن الطرق التي سلك هؤلاء القوم في حدوث العالم قد جمعت هذين الوصفين معا أغني أن الجمهور ليس في طباعهم قبولها ولا هي مع هذا برهانية فليست تصلح لا للعلماء ولا للجمهور ونحن ننبه ها هنا على ذلك بعض التنبيه فنقول إن الطرق التي سلكوا في ذلك طريقان :

أحدهما: وهو الأشهر الذي اعتمد عليها عامتهم ـ ينبني على ثلاث مقدمات هي بمنزلة الاصول لما يرومونه من إثبات حدوث العالم

إحداهما: أن الجواهر لا تنفك عن الأعراض أي لا تخلو منها والثانية: أن الأعراض حادثة والثالثة: أن ما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث أعني ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث

فأما المقدمة الأولى وهي القائلة: إن الجوهر لا يعرى من الأعراض فإن عنوا الأجسام المشار إليها القائمة بذاتها فهي مقدمة صحيحة وإن عنوا بالجوهر الجزء الذي لا يتجزأ وهو الذي يريدونه بالجوهر الفرد ففيها شك ليس باليسير وذلك أن وجود جوهر غير منقسم ليس معروفا بنفسه وفي وجوده أقاويل متضادة شديدة التعاند وليس في قوة صنا عة الكلام تلخيص الحق منها وإنما ذلك صناعة البرهان وأهل هذه الصناعة قليل جدا والدلائل التي يستعملها الأشعرية في إثباته خطا بية في الأكثر وذلك أن استدلالهم المشهور في ذلك هو انهم يقولون: إن من المعلومات الأولى أن الفيل مثلا إنما يقولون فيه: إنه أعظم من النملة من قبل زيادة أجزائه على أجزاء النملة وإذا كان ذلك كذلك فهو مؤلف من تلك الأجزاء وليس هو واحدا بسيطا فإذا فسد الجسم فإليها ينحل وإذا تركب فمنها يتركب وهذا الغلط إنما دخل عليهم من شبه الكمية المنفصلة بالمتصلة فظنوا أن ما يلزم في المنفصلة يلزم في المتصلة وذلك إنما يصدق هذا في العدد أعني أن نقول: إن عددا أكثر من عدد من قبل كثرة الأجزاء الموجودة فيه أعني الوحدات

وأما الكم المتصل فليس يصدق ذلك فيه ولذلك نقول في الكم المتصل: أنه أعظم وأكبر ولا نقول: اكثر ونقول في العدد: إنه أكثر ولانقول: إنه أكبر وعلى هذا القول فتكون الأشياء كلها أعداد ولا يكون هناك عظم متصل أصلا فتكون صناعة الهندسة هي صناعة العدد بعينها

ومن المعروف بنفسه أن كل عظم فإنه ينقسم بنصفين: أعني الأعظام الثلاثة التي هي: الخط والسطح والجسم

وأيضا فإن الكم المتصل هو الذي يمكن أن يفرض عليه في وسطه نهاية يلتقي عندها طرفا القسمين جميعا وليس يمكن ذلك في العدد ولكن يعارض هذا أيضا أن الجسم وسائر أجزاء الكم المتصل يقبل الانقسام وكل منقسم فإما أن ينقسم إلى شيء منقسم أو إلى شيء غير منقسم فإن انقسم إلى غير منقسم فقد وجدنا الجزء الذي لا ينقسم وإن انقسم إلى منقسم عاد السؤال في ذلك المنقسم: هل ينقسم إلى منقسم أو إلى غير منقسم؟ فإن انقسم إلى منقسم إلى غير النهاية كانت في الشيء المتناهي أجزاء لا نهاية لها ومن المعلومات الأولى أن أجزاء المتناهي متناهية

قلت: هذا الموضع هو الذي أوجب قول النظام ونحوه بالطفرة وقول طائفة من المتفلسفة والمتكلمين بقبول انقسام إلى غيى نهاية بالقوة لا بالفعل

وقد أجاب عن هذا طائفة من نفاة الجزء بأن كل ما يوجد فهو يقبل القسمة بمعنى امتياز شيء منه عن شيء وهي القسمة العقلية المفروضة لكن لا يلزم وجود ما لا يتناهى من الأجزاء لأن الموجود إن قيل: إنه لا يقبل القسمة بالفعل لم تكن فيه أجزاء لا تتناهى وإن قيل: إنه يقبلها بالفعل فإذا صغرت أجزاؤه فإنها تستحيل وتفسد وتفني كما تستحيل أجزاء الماء الصغار هواء وإذا استحالت عند تناهي صغرها لم يلزم أن تكون باقية قاتلة لانقسامات لا تتناهى ولا يلزم وجود أجزاء لا تتناهى

قال: ومن الشكوك المعتاصة التي تلزمهم أن يسألوا إذا حدث الجزء الذي لا يتجزأ: ما القابل لنفس الحدوث؟ فإن الحوادث عرض من الأعراض وإذا وجد الحادث فقد ارتفع الحدوث فإن من أصولهم أن الأعراض لا تفارق الجواهر فيضطرهم الأمر إلى أن يضعوا الحدوث في موجود ما وبوجود ما

قلت من يقول: إن الإحداث هو نفس المحدث والمخلوق هو نفس الخلق والمفعول هو نفس الفعل كما هو قول الأشعرية لا يسلم أن لحدوث عرض ولا أن له محلا فضلا عن أن يكون وجوديا لكنه قد قدم إفساد هذا وأنه لا بد للمفعول من فعل وحينئذ فيقال: الإحداث قائم بالفاعل المحدث وحدوث الحادث ليس عرضا موجودا قائما بشيء غير إحداث المحدث

ويقال أيضا: إن هذا ينبني على أن المعدوم شيء وأن الماهيات في الخارج زائد على وجودها وكلاهما باطل وبتقدير صحته فيكون الجواب: أن القابل للحدوث هو تلك الذوات والماهيات

لكن هذا الذي ذكره يتقرر بطريقة أصحابه المشهورة: أن الحادث مسبوق بالإمكان لا بد له من محل فلا بد للمحدث من محل قال: وأيضا فقد يسألون إن كان الموجود يكون عن عدم فبم يتعلق فعل الفاعل ولا يتعلق عندهم بما وجد وفرغ من وجوده فقد ينبغي أن يتعلق بذات متوسطة بين العدم والوجود وهذا الذي اضطر المعتزلة إلى أن قالت: أن في القدم ذاتا ما وهؤلاء أيضا - يعني المعتزلة - يلزمهم أن يوجد ما ليس بموجود بالفعل وكلتا الطائفتين يلزمهم أن يقولوا بوجود الخلاء

قلت هذا هو الشبهة المشهورة من أن فعل الفاعل وإحداث المحدث ونحو ذلك: إن قيل: يتعلق بالشيء وقت عدمه لزم كونه موجودا معدوما وإن قيل يتعلق به وقت وجوده لزم تحصيل الحاصل ووجوده مرتين

وجوابه أنه يتعلق به حين وجوده بمعنى أنه هو الذي يجعله موجودا لا بمعنى أنه كان موجودا بدونه فجعله هو أيضا موجودا

قال: فهذه الشكوك - كما ترى - ليس في قوة صناعة الجدل حلها فإذا يجب أن لا يجعل هذا مبدأ لمعرفة الله تعالى وخاصة الجمهور فإن طريقة معرفة الله تعالى أصح من هذا وأوضح على ما سنبين بعد من قولنا

قال: وأما المقدمة الثانية وهي القائلة إن جميع الأعراض محدثة فهي مقدمة مشكوك فيها وخفاء هذا المعنى فيها كخفائه في الجسم وذلك أنا شاهدنا بعض الأجسام محدثة وكذلك بعض الأعراض فلا فرق في النقلة من الشاهد في كليهما إلى الغائب فإن كان واجبا في الأعراض أن ينقل حكم الشاهد منها إلى الغائب - أعني أن نحكم بالحدوث على ما لم نشاهده منها قياسا على ما شاهدنا - فقد يجب أن يفعل مثل ذلك في الأجسام ونستغني عن الاستدلال بحدوث الأعراض على حدوث الأجسام وذلك أن الجسم السماوي - وهو المشكوك في إلحاقه بالشاهد - الشك في حدوث أعراضه كالشك في حدوثه نفسه لأنه لم يحس حدوثه لا هو ولا أعراضه ولذلك ينبغي أن نجعل الفحص عنه من أمر حركته وهي الطريق التي تقضي بالسالكين إلى معرفة الله تبارك وتعالى بيقين

قال: وهي طريق الخواص وهي التي خص بها إبراهيم الخليل عليه السلام في قوله تعالى { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين } لأن الشك كله إنما هو في الأجرام السماوية وأكثر النظار إنما انتهوا إليها واعتقدوا أنها آلهة

قلت: قول هذا وأمثاله: إن إبراهيم استدل بطريق الحركة هو من جنس قول أهل الكلام الذين يذمهم أصحابه وسلف الأمة: إن إبراهيم استدل بطريق الحركة لكن هو يزعم أن طريقة الخواص: طريقة أرسطو وأصحابه حيث استدلوا بالحركة على أن حركة الفلك اختيارية وأنه يتحرك للتشبه بجوهر غير متحرك وأولئك المتكلمون يقولون: إن استدلال إبراهيم بالحركة لكون المتحرك يكون محدثا لامتناع وجود حركات لا نهائية لها وكل من الطائفتين تفسد طريقة الأخرى وتبين تناقضها بالأدلة العقلية

وحقيقة الأمر أن إبراهيم لم يسلك واحدة من الطريقين ولا احتج بالحركة بل بالأفول الذي هو المغيب والاحتجاب كما قد بسط في موضع آخر

فالآفل لا يستحق أن يعبد ولهذا قال { إنني براء مما تعبدون * إلا الذي فطرني } وقال { إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين } وقومه كانوا مقرين بالرب تعالى لكن كانوا مشركين به فاستدل على ذم الشرك لا على إثبات الصانع

ولو كان المقصود إثبات الصانع لكانت قصة إبراهيم حجة عليهم لا لهم فإنه من حين بزغ الكوكب والشمس والقمر إلى أن أفلت كانت متحركة ولم ينف عنها المحبة ولا تبرأ منها كما تبرأ مما يشركون لما أفلت فدل ذلك على أن حركتها لم تكن منافية لمقصود إبراهيم بل نافاه أفولها

فصل كلام ابن رشد في مناهج الأدلة وتعليق ابن تيمية عليه

قال ابن رشد: وأيضا فإن الزمان من الأعراض ويعسر تصور حدوثه وذلك أن كل حادث فيجب أن يتقدمه العدم بالزمان فإن تقدم عدم الشيء على الشيء لا يتصور إلا من قبل الزمان وأيضا فالمكان الذي يكون فيه العالم إذا كان كل متكون فالمكان سابق له يعسر تصور حدوثه لأنه إن كان خلاء - على رأي من يرى أن الخلاء هو المكان - احتاج أن يتقدم حدوثه إن فرض حادثا خلاء آخر وإن كان المكان نهاية الجسم المحيط بالمتمكن - على الرأي الثاني - لزم أن يكون ذلك الجسم في مكان فيحتاج ذلك الجسم إلى الجسم ويمر الأمر إلى غير نهاية وهذه كلها شكوك عويصة وأدلتهم التي يرومون بها بيان إبطال قدم الأعراض إنما هي لازمة لمن يقول بقدم ما يحسن منها حادثا أعني من يضع أن جميع الأعراض غير حادثة وذلك أنهم يقولون: إن الأعراض التي يظهر للحس أنها حادثة إن لم تكن حادثة فإما أن تكون منتقلة من محل إلى محل وإما أن تكون كامنة في المحل الذي ظهرت فيه من قبل أن تظهر ثم يبطلون هذين القسمين فيظنون أنهم قد بينوا أن جميع الأعراض حدوثه ولا ما يشك في أمره مثل الأعراض الموجودة في الأجرام السماوية من حركاتها وأشكالها وغير ذلك فتؤول أدلتهم على حدوث جميع الأعراض إلى قياس الشاهد على الغائب وهو دليل خطابي إلا حيث النقلة معقولة بنفسها وذلك عند التيقن باستواء طبيعة الشاهد والغائب وأما المقدمة الثالثة: وهي القائلة: إن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث فهي مقدمة مشتركة الاسم

وذلك أنها يمكن أن تفهم على معنيين: أحدهما ما لا يخلو من جنس الحوادث ويخلو من آحادها والثاني: ما لا يخلو من واحد منها مخصوص مشار إليه

كأنك قلت: ما لا يخلو من هذا السواد المشار إليه فهو مادي فأما هذا المفهوم الثاني فهو صادق أعني ما لا يخلو من عرض ما يشار إليه وذلك أن العرض الحادث يجب بالضرورة أن يكون الموضوع له حادثا لأنه إن كان قديما فقد خلا من ذلك العرض وقد كنا فرضناه لا يخلو وهذا خلف لا يمكن وأما المفهوم الأول وهو الذي يريدونه فليس يلزم عنه حدوث المحل أعني الذي لا يخلو من جنس الحوادث لأنه يمكن أن يتصور المحل الواحد - أعني الجسم - تتعاقب عليه أعراض غير متناهية: إما متضاده وإما غير متضاده كأنك قلت: حركات لا نهاية لها وحركات وسلوكيات لانهاية لها كما يرى كثير من القدماء في العالم أعني أنه يتكون واحد بعد واحد

ولهذا لما شعر المتأخرون من المتكلمين بوهاء هذه المقدمة رامو شدها وتقويتها بأن بينوا - في زعمهم - أنه لا يمكن أن تتعاقب على محل واحد أعراض لا نهاية لها وذلك أنهم زعموا أنه يجب على هذا الوضع أن لا يوجد في المحل منها عرض ما مشار إليه إلا وقد وجدت قبله أعراض لا نهاية لها وذلك يؤدي إلى امتناع الموجود منها أعني المشار إليه لأنه يلزم ألا يوجد إلا بعد انقضاء ما لا نهاية له ولما كان ما لا نهاية له لا ينقضي وجب ألا يوجد المشار إليه أعني المفروض موجودا مثال ذلك: أن الحركة الموجودة اليوم للجرم السماوي إن كان قد وجد قبلها حركات لا نهاية لها فقد كان يجب ألا يوجد ذلك ومثلوا ذلك برجل قال لرجل: لا أعطيك هذا الدينار حتى أعطيك قبله دنانير لانهاية لها قالوا: فليس يمكن أن يعطيه ذلك الدينار المشار إليه أبدا

قال: وهذا التمثيل ليس بصحيح لأن في هذا التمثيل وضع مبدأ ونهاية ووضع ما بينهما غير متناه لأن قوله وقع في زمان محدود وإعطاءه إياه يقع في زمان محدود فاشترط هو أن يعطيه الدينار في زمان يكون بينه وبين ذلك الزمان الذي تكلم فيه أزمنة لا نهاية لها وهي التي يعطيه فيها دنانير لانهاية لها وذلك مستحيل فهذا التمثيل بين أمره لا يشبه المسألة الممثل بها

وأما قولهم: إن ما يوجد بعد وجود أشياء لا نهاية لها لا يمكن وجوده فليس بصادق من جميع الوجوه وذلك أن الأشياء التي بعضها قبل بعض توجد على نحوين: إما على جهة الدور وإما على جهة الاستقامة فالتي توجد على جهة الدور الواجب فيها أن تكون غير متناهية إلا أن يفرض فيها ما ينهيها

مثال ذلك: أنه إن كان شروق فقد كان غروب وإن كان غروب فقد كان شروق فإن كان شروق فقد كان شروق وكذلك إن كان غيم فقد كان بخار صاعد من الأرض وإن كان بخار صاعد من الأرض فقد ابتلت الأرض وإن كان قد ابتلت الأرض فقد كان مطر وإن كان مطر فقد كان غيم

وأما التي تكون على استقامة مثل كون الإنسان من الإنسان وذلك الإنسان من إنسان آخر فإن هذا إن كان بالذات لم يصح أن يمر إلى غير نهاية لأنه إذا لم يوجد الأول من الأسباب لم يوجد الآخر وإن كان ذلك بالعرض مثل أن يكون الإنسان بالحقيقة عن فاعل آخر غير الإنسان الذي هو الإله وهو المصور له ويكون الأب إنما منزلته منزلة الآلة من الصانع فليس يمتنع إن وجد ذلك الفاعل يفعل فعلا لا نهاية له بآلات غير متناهية متبدلة أن يكون فعله لأشخاص الناس على الدوام بأشخاص لا نهاية لها أعني أنه يفعل الأبناء بالآباء وإليه الإشارة في قوله تعالى { أن اشكر لي ولوالديك }

قلت: مضمون هذا الكلام أن التسلسل في العلل ممتنع لأن العلة يجب وجودها عند وجود المعلول وأما في الشروط والآثار - مثل كون الوالد شرطا في وجود الولد ومثل كون الغيم شرطا في وجود المطر - فلا يمتنع وهذا فيه نزاع معروف وقد ذكر في غير هذا الوضع

وليس في هذا ما ينفع الفلاسفة في قولهم بقدم الأفلاك وإنما غايته إبطال ما يقوله من يقول بوجوب تناهي الحوادث وقد تقدم غير مرة أن حجة الفلاسفة باطلة على تقدير النقيضين فإنه إذا امتنع وجود ما لا يتناهى بطل قولهم وإن جاز وجوده لم يمتنع أن يكون وجود الأفلاك متوقفا على حوادث قبله وكل حادث مشروط بما قبله كما يقولون هم في الحوادث عن علة تامة مستلزمة لمعلولها ويقتضي أنه يلزم من قولهم أن لا يكون للحوادث فاعل إذا كان كل حادث مشروطا بحادث قبله والعلة التامة المستلزمة لمعلولها يمتنع عندهم - وعند غيرهم - أن يحدث عنها شيء بوسط أو غير وسط لأن ذلك يقتضي تأخر شيء من معلولاتها فلا تكون تامة بل فيها إمكان ما بالقوة لم يخرج إلى الفعل وهو نقيض قولهم

قال ابن رشد: وأيضا فإن قولهم: إن الحركة المشار إليها لا تخرج إلا وقد انقضت قبلها حركات لانهاية لها قول لا يسلمه الخصوم فإن الخصوم: إنه لا ينقضي إلا ما له ابتداء وما لا مبدأ له - كما نضعه نحن - فلا انقضاء له وبهذا ينكرون قولهم: إن ما وقع في الماضي فقد دخل في الوجود لأن معنى: دخل في الوجود أنه تناهى وجوده وكمل ولا يتناهى إلا ما له ابتداء فأما ما لم يبتدي فلا يدخل في الوجود

قلت: لفظ الانقضاء والقضاء قد يعنى به الكمال والتمام كما قال تعالى: { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض } { فإذا قضيتم مناسككم } ويقال: قد انقضت هذه السنة والمضي والزوال فمعلوم أن الحوادث التي كانت قبلها قد انقضت ومضت وانتهت بمعنى أنها لم يبق منها شيء

وعلى هذا فقول القائل: كل حركة لا تكون حتى يكون قبلها حركات لا نهاية لها معناه: حتى توجد قبلها حركات لا ابتداء لها ليس المراد: لا آخر لها بل المراد: ليس لها ابتداء وهذا صحيح وهو أول المسألة والمنازع يقول: إذا كانت الحركات لا أول لها فالمعنى أنه قد مضى في الماضي ما لا ابتداء له كما يقال: إنه سيوجد في المستقبل ما لا انتهاء له وهذا هو قوله فما الدليل على بطلان هذا؟

فهناك اشتراك واشتباه في الألفاظ والمعاني إذا ميزت ظهر المعنى ولفظ الدخول في الوجود قد يتناول ما كمل وجوده وما لم يكمل وجوده ويتناول ما وجد معا وما وجد متعاقبا لكن قول القائل: إن الماضي دخل في الوجود دون المستقبل عند منازعه فرق لا تأثير له فإن أدلته النافية لإمكان دوام ما لا يتناهى كالمطابقة والشفع والوتر وغير ذلك يتناول الأمرين وهي باطلة في أحدهما فيلزم بطلانها في الآخر ومن اعتقد صحتها مطلقا ك أبي الهذيل والجهم طردوها في الماضي والمستقبل وهو خلاف دين المسلمين وغيرهم من أهل الملل

وهذا الذي يذكره هؤلاء المتفلسفة إنما يتوجه فيما مضى ولم يبق كالحركات فأما النفوس الإنسانية المجتمعة إذا قالوا بأنه الآن في الوجود منها ما لا يتناهى وهو مجتمع وأن ذلك لا يزال يزيد لم يكن ما ذكروه في الحركات متناولا لهذا

ولهذا فر ابن رشد من ذلك إلى أن جعل النفوس واحدة بالذات وشبهها بالضوء مع الشمس والضوء عرض وفساد هذا القول معلوم وليس هذا موضع بسطه

ولهذا قال ابن رشد هنا: وهذا كله ليس بينا في هذا الموضع وإنما سقناه ليعرف أن ما توهم القوم من هذه الأشياء أنه برهان فليس برهانا ولا هو من الأقاويل التي تليق بالجمهور أعني التراهين البسيطة التي كلف الله تعالى بها الجميع من عباده الإيمان به

قال: فقد تبين لك من هذا أن هذه الطريقة ليست برهانية صناعية ولا شرعية وأيضا فإن خصماءهم لا يضعون قبل الدورة المشار إليها دورات لانهاية لها لأن من أصولهم أن ما لا نهاية له الجائز الوجود هو الذي يوجد أبدا شيء خارج عنه أعني أنه يمكن أن يزاد عليه دائما فهم إنما يضعون أن قبل هذه الدورة المشار إليها دورة وقبل تلك الدورة دورة وذلك إلى غير نهاية على التعاقب على محل واحد أي متى وجدت دورة وجدت قبلها في المحل دورة وبعدها دورة وأن هذا المرور إلى غير نهاية كالحال في المستقبل فإنما نقول: إن بعد هذه الدورة دورة وبعدها دورة وذلك إلى غير نهاية ولا نقول: إن بعد هذه الدورة دورات لا نهاية لها فيلزم عن هذا أن يكون بعد الدورة التي كانت اليوم بمدة عشرة آلاف سنة دورات لا نهاية لها وبعد الدورة المشار إليها الآن فيكون ما لا نهاية لها أعظم مما لا نهاية له وذلك محال وكذلك الحال في الأدوار الماضية وقولهم: إن الفرق بين ما مضى وبين ما يأتي: أن ما يأتي لم يدخل في الوجود بعد وأن مضى قد أنصرم وانقضى وما انصرم وانقضى فواجب أن يدخل في الوجود فهو متناه - قول حق إلا أن الوضع الذي يضعه خصماؤهم في الدورات ليس بهذه الصفة وذلك أنه لم يكن هناك حركة واجب أن تكون أولى يستحيل أن تكون قبلها حركة فليس يجب أن يكون ها هنا جملة هي أو لجملة دخلت في الوجود ولا جزء منها هو أول جزء دخل في الوجود والذي دخل منها في الوجود إنما هو شخص واحد أو أشخاص متناهية إن كانت من الأشياء التي يوجد منها أكثر من شخص واحد وذلك على جهة التعاقب على محل وحد

فمن أين - يلزم ليت شعري - إن كان الداخل منها في الوجود إنما هو واحد وقبله واحد أن يكون هاهنا جملة غير متناهية دخلت في الوجود معا؟

والأصل في هذا كله أن لا يدخل في الوجود إلا ما انقضى وجوده وما انقضى وجوده ولا ينقضي إلا ما ابتدى وجوده وإنما كان يلزم أن يدخل في الوجود ما لا نهاية له الماضي في الوجود لو كان دخوله معا أعني ما لا نهاية له وأما الداخل فيه شخص فشخص على محل واحد وكأنك قلت على الجسم الدوري وليس هناك أول فليس يجب أن يكون ما دخل منها في الوجود منحصرا أو متناهيا لأن المتناهي هو الذي يمكن يزاد عليه شيء وأي جملة فرضناها متناهية فإنه يمكن أن يكون فيها جملة قبلها جملة أخرى هذا هو حد ما لا نهاية له الجائز الوجود أعنى أن يكون أبدا يوجد شيء خارج عنه ويسألون: كما أن تقدير وجود الباري سبحانه وتعالى في الماضي غير متناه وكما أن تقدير وجوده في المستقبل غير متناه وهذا معنى قولنا لم يزل ولا يزال: هل تقدر أفعاله في الماضي متناهية أو غير متناهية؟

فإن قالوا: غير متناهية كما هو في المستقبل فقد اعترفوا بوجود ما لا نهاية له في الماضي على الشرط الذي يوجد ما لا نهاية له أعني أن لا يوجد معا وأن لا ينقطع المكان

وإن قالوا غير ذلك فقد أحالوا على الوجود الأزلي أن تكون أفعاله أزلية يلزمهم ذلك في علمه بالحادثات وإرادته لها فتكون معلوماته بالفعل متناهية وكذا إرادته وبالقوة غير متناهية

أما في الماضي فمن قبل أنه لا يجوز عندهم أن تكون أفعال لا نهاية لها وأما في المستقبل فمن قبل أن ما لا نهاية له إنما يوجد عنده بالقوة وذلك شيء لا يقولونه فإن قالوا: إرادته ومعلوماته غير متناهية بالفعل فقد سلموا دخول ما لا نهاية له بالفعل في الوجود قال: وهذا كله تشويش لعقائد المتشرعين وصد عن الغاية التي قصد بها تعريفهم هذه الأشياء وهو أن يكونوا مصمين في هذه الأشياء أخيارا فإن من ليس بمصمم العقيدة في هذه ليس بخير

قلت: قول القائل: هذا متناه أو غير متناه لفظ مجمل يراد به ما لا يتناهى من أوله ولا من آخره فلا يمكن أن يزال عليه وهذا هو مراد ابن رشد بما لا يتناهى من أوله فقط أو من آخرهس فقط كالحوادث الماضية إذا قيل: لا تتناهى فإنه لا نهاية له من جهة الابتداء بمعنى أنه لا ابتداء لها ولكن إذا قدر أنها انقضت اليوم فقد تناهت من هذا الطرف

قال ابن رشد: فخصماء هؤلاء المتكلمين لا يقولون: قيل هذه الدورة المعنية دورات لا نهاية لها بالمعنى الأول أي ليس لها أول ولا آخر بل يعترفون أنه حينئذ يكون للدورات آخر وهذا عندهم هو الذي لا يتناهى بالمعنى الآخر وهو جائز عندهم

قال: لأن من أصولهم أن ما لا نهاية له الجائز الوجود هو الذي يوجد أبدا شيء خارج عنه أعني أنه يمكن أن يزاد عليه دائما

قال: فهم إنما يضعون أن قبل هذه الدورة المشار إليها دورة وقبل تلك الدورة دورة إلى غير نهاية على التعاقب على محل واحد كالحال في المستقبل فإنا نقول: إن بعد هذه الدورة دورات لا نهاية لها فيلزم أن يكون بعد هذه الدورة بمدة عشرة آلاف سنه دورات لانهاية لها وبعد هذه الدورة دورات لا نهاية لها فيكون ما لا نهاية له أعظم مما لا نهاية له وذلك محال

فمعنى ما لا نهاية له الذي جعل مقتضاه محالا هو الذي لا يقبل أن يزاد عليه وهو ما لا أول له ولا آخر وأما إذا قيل: وجد قبل هذه الدورة دورة وقبلها دورة إلى غير نهاية فهنا إنما نفيت النهاية عن الجانب الماضي دون المستقبل فلا يطلق على الجملة أنها لا تتناهى لأنها تناهت من أحد الجانبين وإن كانت غير متناهنة من الجانب الآخر فهو يسلم امتناع انقضاء وجود ما لا يتناهى في الماضي إذا أريد به ما لا يتناهى من الجانبين وما قدر متناهيا من أحدهما فلا يسلم امتناع أنقضائه ولا يطلق عليه أنه لا يتناهى بل هو عنده قد تناهى لأنه انقضى والتناهي والانقضاء واحد ولكن يقال فيه: إنه وجد شيئا قبل شيء إلى غير نهاية فتكون النهاية مسلوبة عن ابتدائه لا عن الجانب الذي انتهى إليه

ويقال: لا يتناهى مقيدا لا مطلقا كما قال: لأن من أصولهم أن ما لا نهاية له الجائز وجودة هو الذي يوجد أبدا شيء خارج عنه أي يمكن أن يزاد عليه دائما فهذا يسميه ما لا نهاية له الجائز وجوده وهو أن يكون خارجا عنه شيء يمكن أن يزاد عليه دائما هو إنما يقبل الزيادة من الجهة التي تناهى منها فهو متناه من احد الطرفين غير متناه من الطرف الآخر فلهذا جاز أن يقال: ليس هو مما لا يتناهى لتناهيه من جانب ويجوز أن يقال: هو لا يتناهى لعدم تناهيه من الجانب الآخر ولهذا نقول: إنه لا يدخل في الوجود إلا ما انقضى وجوده وما انقضى - ولا ينقضي إلا ما ابتدأ وجوده - لأنه إذا قدر أن الحوادث دائمة لم تزل ولا تزال فلم تنقض وإنما يفرض الإنسان انقضاء الماضي فرضا وإنما المنقضي ما لم يبق فيه شيء

والحوادث إذا كانت مستمرة فما انقضت ولا انتهت فما دخلت في الوجود والذي وجد في الماضي فهو متناه ليس هو مما لا يتناهى وإنما يكون قد دخل ما لا يتناهى إذا كان ممتنعا في الوجود فيكون قد انقضى مع كونه غير متناه وهذا ممتنع فأما ما يوجد شيئا بعد شيء وهو لم يزل ولا يزال فهذا ليس يجب أن يكون ما دخل منه في الوجود منحصرا أو متناهيا لأنه لم ينقض بل هو متواصل الوجود والمنقضي عنده ما انقطع وجوده ولم يبق منه شيء وليست الحوادث المستمرة كذلك

فلفظ انقضى وانتهى وانصرم ونحو ذلك معناها متقارب فإذا قال المتكلم: الحوادث الماضية قد انقضت فلو لم تكن متناهية للزم انقضاء ما لا نهاية له كان هذا تلبيسا فإنها إذا جعلت منقضية فإنما انقضت من جهتنا لا من البداية ومن هذه الجهة هي متناهية وأما من جهة الابتداء فلا انتهاء لها ولا انقضاء وما لا يتناهى هو ما لا ينقضي ولا ينصرم فإذا قيل: انصرم وانقضى ما لا يتناهى كان هذا تناقضيا بينا والحوادث الماضية ليس لها أول فإذا قدر أنها انقضت فقد انتهت وانصرمت فلا يطلق عليها أنها لا تتناهى مع تقدير أنها منقضية بل إذا قدر تناهيها فقد انقضت وإن قدر استمرارها فلم تنقض

وما ذكره ابن رشد كما أنه مبطل لقول من يقول بامتناع وجود ما لا يتناهى في الماضي والمستقبل - كما يقوله من يقوله من المتكلمين - فهو مبطل أيضا لقول إخوانه من الفلاسفة الذين يقولون بوجود ما لا يتناهى ولا له أول ولا آخر في قديميين مختلفين كما يقولونه: إن حركات كل واحد من الأفلاك لا تتناهى ولا لها بداية ولا نهاية مع أن إحدى الحركات أكثر وأعظم من الأخرى

كما يقولون: إن القمر يتحرك في كل شهر مرة والشمس في كل سنة مرة والفلك المحيط في كل يوم مرة فهو أعظم مقدارا وأسرع حركة من فلك الشمس القمر وغيرهما فإنه محيط بالجميع فهو أعظم وهو يتحرك كل يوم الحركة الشرقية التي تحرك بها جميع الأفلاك وليس في الأفلاك ما يتحرك كل يوم غيره فتكون حركته أكبر وأكثر من حركة سائر الأفلاك: فلك الشمس والقمر وغيرهما فإن الأيام أكثر عددا من الشهور والشهور أكثر عددا من الأعوام

ونفس المتحرك كل يوم حركته أعظم مقدارا مما يتحرك في الشهر والعام مع أن كلا من هذه الحركات ليس لها أول ولا آخر عندهم فيلزم من ذلك أن يكون ما لا يتناهى وليس له أول ولا آخر كحركة فلك القمر والشمس يقبل أن يزاد عليه أضعافا مضاعفة بل وجد ما هو بقدره أضعافا مضاعفة وهو حركة الفلك المحيط فيكون ما لا يتناهى من الجانبين وليس له أول ولا آخر أعظم مما لا يتناهى وليس له أول ولا آخر وأكبر منه وهذا هو الذي بين ابن رشد وغيره من النظار أنه ممتنع ولايلزم هذا أئمة أهل الملل قالوا: إن الرب يفعل أفعالا أو يقول كلمات لا نهاية لها ليس لها أول ولا آخر فإن هؤلاء يقولون: لا قديم إلا الله وحده وما سواه محدث مخلوق فلم يقم بغيرة ولا يصدرعن غيره ما لا يتناهى وإنما ذلك له وحده فلم يكن لغيره ما لا يتناهى من الطرفين لا أقل مما له ولا أكثر وذلك أن ابن رشد عنده ما لا يتناهى هو ما لا أول له ولا آخر فما كان له منتهى ينتهي إليه محدود فلا بد أن يكون له مبدأ محدود فلا يتناهى شيء في النهاية إلا وله مبدأ محدود

ولهذا قال: وأيضا فإن خصماءهم لا يضعون قبل الدورة المشار إليها دورات لا نهاية لها لأن من أصولهم أن ما لا نهاية له الجائز الوجود هو الذي يوجد أبدا شيء خارج عنه أعني أنه يمكن أن يزاد عليه دائما إلى قوله: ( إن الفرق بين ما مضى وبين ما يأتي: أن ما يأتي لم يدخل في الوجود بعد وأن ما مضى قد انقضى وانصرم وما انقضى ونصرم فواجب أن يدخل في الوجود فهو متناه فهو قول حق ومراده بذلك أن الذي ينقضي وينصرم هو ما له مبتدأ وأما ما لا ابتداء له فلا انتهاء له ولا ينقضي ولا ينصرم

ولهذا قال: إلا أن الوضع الذي يضعه خصماؤهم في الدورات ليس بهذه الصفة وذلك أنه لم يكن هناك حركة واجب أن تكون أولى بحيث يستحيل أن تكون قبلها حركة فليس يجب أن يكون ها هنا جملة دخلت في الوجود ولا جزء منها هو أول جزء دخل في الوجود والذي دخل منها في الوجود إنما هو شخص واحد أو أشخاص متناهيه إن كانت من الاشياء التي يوجد منها أكثر من شخص واحد

إلى قوله: فمن أين يلزم - ليت شعري - إن كان الداخل منها في الوجود إنما هو واحد وقبله واحد أن يكون ها هنا جملة غير متناهية دخلت في الوجود معا

قال: والأصل في هذا كله ألا يدخل في الوجود إلا ما انقضى وجوده وما انقضى ولا ينقضي إلا ما ابتدأ وجوده

إلى قوله: لأن المتناهي هو الذي يمكن أن يزاد عليه شيء وأي جمله فرضناها متناهية فإنه يمكن قبلها جملة أخرى وهذا هو حد مالا يتناهى الجائز الوجود

وقد قال قبل ذلك: لأن من أصولهم أن ما لا نهاية له الجائز الوجود هو الذي يوجد أبدا شيء خارج عنه أعني أنه يمكن أن يزاد عليه دائما إلى قوله: ولا نقول: إن بعد هذه الدورة دورات لا نهاية لها فيلزم من هذا أن يكون بغد الدورة التي كانت اليوم بمدة عشرة آلاف سنة دورات لا نهاية لها وبعد الدورة المشار إليها دورات لا نهاية لها فمن تدبر كلامه تبين له ما قلناه

قلت: فأما الكلام على إحاطة علم الله تعالى بالكليات والجزئيات وإرادته فمذكور في غير هذا الموضع وهذا الرجل قد أورد على هؤلاء هذا السؤال المعروف وهو الذي أوقع أبا المعالي في قوله بالارسترسال وأن العلم يحيط بأعيان الجواهر وأنواع الأعراض ويسترسل على أعيان الأعراض هذا ليس هو قول من يقول بأنه يتعلق بالكليات فإن ذلك لا يفرق بين الجواهر وأنواع أعراض وأعيانها ومن علم أن الكليات لا تكون إلا كلية في الذهن وأن كل موجود فإنه معين والأفلاك معينة والعقول والنفوس عندهم معينة ونفسه المقدسة معينة تبين له أن قول من يقول: يعلم الكليات وأنه إنما يعلم الجزئيات على وجه كلي مضمون كلامه أنه لا يعلم نفسه ولا شيئا من الموجودات

وهذا وهم يقولون: إنه مبدع لها وسبب في وجودها وأنا العلم بالسبب يقتضي العلم بالمسبب فقولهم هذا يوجب علمه بنفسه وبكل موجود وذلك يناقض هذا وهذا مبسوط في موضعه

وهذا الرجل - أعني ابن رشد - أراد أن يجمع بين قولهم هذا وبين علمه بالجزئيات فقال قولا فيه من الحيرة والتناقض ما هو مذكور في موضعه

والمقصود هنا ذكر ما ناقض به قول هؤلاء المتكلمين الذين يزعمون أن عقلياتهم تعارض الكتاب والسنة وله أيضا من عقلياته التي يزعم أنها تناقض ذلك في الباطن ما هو مردود عليه بالعقل الصريح أيضا

لكن من عرف كلام بعض هؤلاء مع بعض تبين له فساد كل ما يعارض به كل طائفة للنصوص النبوية وأنه ما من معقول يدعى معارضته لذلك إلا وقد نقضه أهل المعقول بما يتبين فساده { سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين * والحمد لله رب العالمين } الصافات: 180 - 182

قال ابن رشد: والأولى أن يقال لمن وصل من الجمهور إلى هذا القدر من التشكك: إن العالم ليس هو موجودا واحدا وإنما هو أفعال لله متجددة ومتعاقبة فيمكن في العقل أن تكون هذه الأفعال أزلية ويمكن أن تكون محدثة إلا أن الشرائع كلها قد وردت بأنها محدثة فيجب التصديق بأحد الجائزين الذي ورد به الشرع وأن يقال في علمه وإرادته: إنهما غير مكيفين ولا حادثين ولا يلزم في العلم المكيف الحادث

فصل

قال ابن رشد: وأما الطريقة الثانية فهي الطريقة التي استنبطها أبو المعالي في رسالته المعرفة بالنظامية ومبناها على مقدمتين: إحداهما أن العالم بجميع ما فيه جائر أن يكون على مقابل ما هو عليه حتى يكون من الجائز مثلا أن يكون أصغر مما هو وأكبر مما هو عليه أو يكون حركة كل متحرك منها إلى جهة ضد الجهة التي يتحرك إليها حتى يمكن في الحجر أن يتحرك إلى فوق وفي النار أن تتحرك إلى أسفل وفي الحركة الشرقية أن تكون غربية وفي الغربية أن تكون شرقية

والمقدمة الثانية أن الجائز محدث وله محدث أي فاعل محدث صيره بأحد الجائزين أولى منه بالجائز الآخر

قال: فأما المقدمة الأولى فهي خطابية في بادئ الرأي وهي في بعض أجزاء العالم فظاهر كذبها بنفسها مثل كون الإنسان موجودا على خلقه غير هذه الخلقة التي هو عليها وفي بعضه الأمر فيه مشكوك مثل كون الحركة الشرقية غربية والغربية شرقية

إذ كان ذلك ليس معروفا بنفسه إذ كان يمكن أن يكون ذلك لعلة غير بينة الوجود بنفسها أو تكون من العلل الخفية على الإنسان

ويشبه أن يكون ما يعرض للإنسان في أول الأمر عند النظر في هذه الأشياء شبيها بما يعرض لمن ينظر في أجزاء المصنوعات من غير أن يكون من أهل تلك الصنايع وذلك أن هذا الذي شأنه قد يسبق إلى ظنه أن كل ما في تلك المصنوعات - أو جلها - ممكن أن يكون على خلاف ما هي عليه ويوجد على ذلك المصنوع ذلك الفعل بعينه الذي صنع من أجله أعني غايته فلا يكون في ذلك المصنوع عند هذا موضع حكمة

وأما الصانع الذي يشارك الصانع في شيء من علم ذلك فقد يرى أن الأمر بضد ذلك وأنه ليس في المصنوع شيء إلا واجب ضروري أو ليكون به المصنوع أتم وأفضل إن لم يكن ضروريا فيه وهذا هو معنى الصناعة

والظاهر أن المخلوقات شبيهة في هذا المعنى بالمصنوع فسبحان الخلاق العظيم ! وهذه المقدمة من جهة أنها خطابية قد تصلح لإقناع الجميع ومن جهة أنها كاذبة ومبطلة لحكمة الصانع فلا تصلح لهم وإنما صارت مبطلة للحكمة - لأن الحكمة ليست شيئا أكثر من معرفة أسباب الشيء وإذا لم يكن للشيء أسباب ضرورية تقتضي وجوده - على الصفة التي هو بها ذلك النوع موجودا فليس هنا معرفة يختص بها الحكيم

الخالق دون غيرة كما أنه لو لم تكن أسباب ضرورية في وجود الأمور المصنوعة لم يكن هنالك صناعة أصلا ولا حكمة تنسب إلى الصانع دون من ليس بصانع وأي حكمة كانت تكون في الإنسان لو كانت جميع أفعاله وأعماله يمكن أن تتأتى بأي عضو اتفق أو بغير عضو حتى يكون الإبصار مثلا يتأتى بالآذان كما بالعين والشم بالعين كما يتأتى بالأنف وهذا كله إبطال للحكمة وإبطال للمعنى الذي سمى به نفسه حكيما تعالى وتقدست أسماؤه عن ذلك قلت: مضمون هذا الكلام إثبات ما في الموجودات من الحكمة والغاية المناسبة

لاختصاص كل منها بما خص به وأن ارتباط بعض الأمور ببعض قد يكون شرطا في الوجود وقد يكون شرطا في الكمال وبإثبات هذا أخذ يطعن في حجة أبي المعالي وأمثاله ممن لايثبت إلا مجرد المشيئة المحضة التي تخصص كلا من المخلوقات بصفته وقدره

فإن هذا قول من أهل الكلام كالأشعرية والظاهرية وطائفة من الفقهاء من أصحاب الأئمة الأربعة وأما الجمهور من المسلمين وغيرهم فإنهم - مع أنهم يثبتون مشيئة الله وإرادته - يثبتون أيضا حكمته ورحمته وهؤلاء المتفلسفة أنكروا على الأشعرية نفي الحكمة الغائية وهم يلزمهم من التناقص ما هو أعظم من ذلك فإنهم إذا أثبتوا الحكمة الغائية كما هو قول جمهور المسلمين فإنه يلزمهم أن يثبتوا المشيئة بطريق الأولى والأحرى فإن من فعل المفعول لغاية يريدها كان مريدا للمفعول بطريق الأولى والأحرى فإذا كانوا مع هذا ينكرون الفاعل المختار ويقولون: إنه علة موجبة للمعلول بلا إردة كان هذا في غاية التناقص ما هو أعظم من ذلك فإنهم إذا أثبتوا الحكمة الغائية كما هو قول جمهور المسلمين فإنه يلزمهم أن يثبتوا المشيئة بطريق الأولى والأحرى فإن من فعل المفعول لغاية يريدها كان مريدا للمفعول بطريق الأولى والأحرى فإذا كانوا مع هذا ينكرون الفاعل المختار ويقولون: إنه على موجبة للمعلول بلا إرادة كان هذا في غاية التناقص ومن سلك طريقة أبي المعالي في هذا الدليل لايحتاج إلى أن ينفي الحكمة بل يمكنه إذا أثبت الحكمة المرادة أن يثبت الإرادة بطريق الأولى

وحينئذ فالعالم بما فيه من تخصيصه ببعض الوجوه دون بعض دال على مشيئة فاعله وعلى حكمته أيضا ورحمته المتضمنة لنفعه وإحسانه إلى خلقه

وإذا كان كذلك فقولنا: إن ما سوى هذا الوجه جائز يراد به أنه جائز ممكن من نفسه وأن الرب قادر على غير هذا الوجه كما هو قادر عليه وذلك لا ينافي أن تكون المشيئة والحكمة خصصت بعض الممكنات المقدرات دون بعض

فهذه المقدمة التي ذكرها أبو المعالي مقدمة صحيحة لا ريب فيها وإنما الشأن في تقرير المقدمة الثانية وقد ذكر الكلام عليها في غير هذا الموضع وهو أن التخصص للممكنات ببعض الوجوه دون بعض: هل يستلزم حدوثها أم لا؟

قال ابن رشد: وقد نجد ابن سينا يذعن إلى هذه المقدمة بوجه ما وذلك أنه يرى أن كل موجود ما سوى الفاعل فهو إذا اعتبر بذاته ممكن وجائز وأن هذه الجائزات صنفان: صنف هو جائز باعتبار فاعله وصنف هو واجب باعتبار فاعله ممكن باعتبار ذاته وأن الواجب بجميع الجهات هو الفاعل الأول قال: وهذا قول في غاية السقوط وذلك أن الممكن في ذابه وفي جوهره ليس يمكن أن يكون ضروريا من جهة فاعله وإلا انقلبت طبيعة الممكن إلى طبيعة الضروري فإن قيل: إنما نعني بكونه ممكنا باعتبار ذاته أنه متى توهم فاعله وتفعا ارتفع هو قلنا: هذا الارتفاع مستحيل لازم عن مستحيل وهو ارتفاع السبب الفاعل وليس هذا موضع الكلام في هذا الرجل ولكن للحرص على الكلام معه في الأشياء التي اخترعها هذا الرجل استجزنا القول هنا معه

قلت: مراد ابن رشد أن المفعول لا يكون قديما أزليا فإن الضروري عنده وعند عامة العقلاء حتى أرسطو وأتباعه وحتى ابن سينا وأتباعه - وإن تناقصوا - هو القديم الأزلي الذي يمتنع عدمه في الماضي والمستقبل وهذا يمتنع أن يكون ممكنا يقبل الوجود والعدم بل هذا لا يكون إلا محدثا يمتنع أن ينقلب قديما فلهذا قال: الممكن يمتنع أن يكون ضروريا

أما كون الممكن الذي يمكن وجوده وعدمه وهو المحدث يصير واجب الوجود بغيره فهذا لا ريب فيه وما أظن ابن رشد ينازع في هذا ولكن من المتكلمين من ينازع في هذا وهذا حق وإن قاله ابن سينا فليس كل ما يقوله ابن سينا هو باطلا

بل هو مذهب أهل السنة أنه م شاء الله كان فوجب وجوده وما لم يشأ لم يكن فامتنع وجوده وهذا يوافق عليه جماهير الخلق فإن هؤلاء يقولون: كل ما سوى الله ليس له من نفسه وجود وهذا يعنون بكونه ممكنا لا يعنون بذلك أنه يمكن أن لا يوجد فهو واجب بغيره غير واجب بنفسه ولهم نزاع فيما إذا عدم هل يقولون: عدم لعدم موجبه أولا يعلل عدمه؟ بل ليس له من نفسه وجود وإنما وجوده بفاعله فإذا لم يفعله فاعل بقي على العدم المستمر هذا فيه نزاع لفظي اعتباري وتحقيق الأمر أن عدم علته مستلزم لعدمه لا أن عدم علته فعل عدمه وأوجب عدمه ولكن يلزم من عدم علته عدمه فإن أريد بالعلة في عدمه المؤثر في عدمه فعدمه المستمر لا يحتاج إلى مؤثر وإن أريد به المستلزم لعدمه فلا ريب أن عدم علته مستلزم لعدمه وهؤلاء يقولون: إن الجائزات صنفان: صنف هو جائز باعتبار فاعله وصنف هو واجب باعتبار فاعله بل الجائزات الموجوده كلها واجبة باعتبار فاعلها وما لم يوجد من الجائزات فهو جائز باعتبار يفسه وهو ممتنع لغيره

فكما أن ما وجد من الممكنات فهو واجب لغيره لا لنفسه فما لم يوجد منها فهو ممتنع لغيره لا لنفسه فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فما شاء أن يكون فلا بد أن يكون وليس هو واجبا بنفسه ولا له من نفسه وجوده بل الله مبدعه

وما لم يشأ لم يكن فإنه يمتنع وجود شيء بدون مشيئة الله تعالى وإن كان الله قادرا عليه وهو ممكن في نفسه أي يمكن أن يخلقه الله لوشاء الله خلقه

فهذا الباب كثير من النزاع فيه لفظي وهم لا يعنون بكونه ممكنا باعتبار ذاته أنه متى توهم فاعله مرتفعا ارتفع هو ولكن ابن سينا وأتباعه الذين يقولون: إن الفلك قديم أزلي وهو مع هذا ممكن يعنون ذلك

وأما عامة العقلاء فيعنون بذلك أنه لا يوجد بنفسه وأنه باعتبار نفسه يمكن أن يوجد ويمكن ألا يوجد وما كان كذلك فهو محدث

ولا ريب أنه مع هذا واجب بغيره حين وجوده لا قبل وجوده يمتنع ارتفاعه حين وجوده لا متناع ارتفاع فاعله ولا يمتنع ارتفاعه مطلقا إذا كان معدوما فوجد فارتفاعه مستحيل حين وجوده لازم عن مستحيل

والذي ينكره جمهور العقلاء - ابن رشد وغيره - على ابن سينا ومن وافقه من المتأخرين قولهم بأن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم قد يكون قديما أزليا واجبا بغيره فهذا مما ينكره الجمهور

وقد ذكر ابن رشد أنه مخالف لقول أرسطو ومتقدمي الفلاسفة ولهذا لزم ابن سينا وموافقيه من التناقض ما ذكر بعضه الرازي وهم إذا حقق الكلام عليهم في الممكن فروا إلى إثبات الإمكان الاستقبالي وهو أنه يمكن في هذا الموجود أن يعدم في المستقبل وفي المعدوم العين أن يوجد في المستقبل فيكون الممكن وجوده وعدمه لا يكون إلا محدثا وهذا قول جمهور العقلاء

وكلامهم في الإلهيات وفي هذا الممكن القديم الأزلي مضطرب غاية الاضطراب كما ذكره ابن رشد وغيره وأما كلامهم فيه في المنطق وغيره فوافقوا فيه سلفهم

أرسطو واتباعه وسائر العقلاء وصرحوا بأن الممكن الذي يمكن وجوده ويمكن عدمه لا يكون إلا محدثا مسبوقا بعدم نفسه وقسموا الممكن إلى أقسام كلها محدثة وجعلوا قسيم الممكن العامي هو الضروري الواجب وجوده وهو القديم الأزلي وصرحوا بأن ما كان قديما أزليا يمتنع أن يقال: إنه ممكن يقبل الوجود والعدم 0

وممن صرح بذلك ابن سينا وأتباعه لما تكلموا في الإلهيات وأحدثوا مذهبا ركبوه من مذهب سلفهم - أرسطو وأتباعه - ومن مذهب أهل الكلام المعتزلة ونحوهم وقسموا الوجود إلى واجب ممكن كما قسمه المتكلمون إلى قديم وحادث

وهذا التقسيم ابتدعوه لم يذهب إليه قدماء الفلاسفة بل قدماؤهم قسموه إلى جوهر وتسعة أعراض كما هو معروف في كتاب قاطبغورياس وجعلوا العلة الأولى من مقولة الجوهر

وهؤلاء جعلوا هذه القسمة للممكن وقالوا: الوجود إما واجب وإما ممكن والممكن لا بد له من واجب. فيلزم ثبوت الواجب على التقديرين

وظنوا أن هذه الطريقة التي ابتدعوها في إثبات رب العالمين طريقة عظيمة وأنها غاية عقول العقلاء وهي من أفسد الطرق لا تدل على إثبات مبدع للعالم البتة فإنهم يحتاجون إلى حصر الوجود في القسمين

ثم إلى بيان أن الممكن الذي جعلوه قسيم الواجب يستلزم ثبوت الواجب الذي ادعوه وهذا ممتنع على طريقهم

فإنهم إذا قالوا: الموجود إما أن يقبل العدم وإما أن لا يقبله وما قبل العدم فهو الممكن ولا بد له من واجب

قيل لهم: إن عنيتم بما يقبل العدم المحدث كان مقتضى الحجة إثبات قديم محدث للمحدثات. وهذا حق ولكن القديم عندكم قد يكون واجبا وقد يكون ممكنا فليس في هذا ما يدل على إثبات واجب

وإن قلتم: إن الممكن لا بد له من واجب

قيل لكم: فمعلوم أن المحدث لا بد له من فاعل. وأما ما جعلتموه قديما أزليا وسميتموه ممكنا فهذا لا يعلم أنه يفتقر إلى فاعل بل عامة العقلاء يقولون: إنه يمتنع أن يكون لهذا فاعل 0 ولو قدر أن له فاعلا لكان هذا يعلم بنظر دقيق خفي فلا يمكن أن يكون إثبات واجب الوجود موقوفا على مثل هذه المقدمة

فإن قالوا: نحن قد قررنا أنه ممكن ولا بد للمكن من واجب

قيل: أنتم جعلتموه ممكنا قديما أزليا وهذا عند جمهور العقلاء جمع بين النقيضين وهو ممتنع. والممتنع قد يلزمه حكم ممتنع. وإنما موجب دليلكم ثبوت قديم أزلي وهذا حق

والقديم الأزلي عندكم يمكن أن يكون واجبا ويمكن أن يكون ممكنا وهذا الممكن لم نعلم أنه يفتقر إلى واجب فلا يلزم ثبوت الواجب الذي ادعيتموه كما لم يلزم ثبوت الممكن الذي ادعيتموه

وإن قلتم: إذا قدر عدم هذا الممكن لزم ثبوت القسم الآخر وهو الواجب لانحصار الموجود في الواجب والممكن كما بيناه

قيل لكم: كما لم يلزم ثبوت هذا الممكن فلم يثبت نفيه بل الشك حاصل وإن قدر انتفاؤه فإذا لم يثبت وجود ممكن بل واجب لم يكن في هذا ما يدل على أن في الوجود ما هو ممكن وأمكن أن يقال الوجود كله واجب كما يقوله من يقول بوحدة الوجود ويقول: عين وجود ما يسمى ممكنا ومحدثا هو عين وجود الواجب فصار حقيقة قولكم إن الوجود كله إما واجب وإما ممكن هو نوعان: قديم ومحدث

وهذا الكلام لا فائدة فيه بل ليس فيه إلا ذكر التقسيم والشك في وجود الواجب أو إثبات واجب يعم المحدث والقديم وهو باطل قطعا فليس فيه إلا الجزم بالباطل أو الشك في الحق أو يقولوا: إن الموجود يمكن أن يكون كله واجبا ويمكن أن يكون ليس فيه واجب بل هو إما محدث وإما قديم ممكن

ومعلوم أن كل القولين معلوم الفساد بالضرورة وأن الوجود فيه حوادث كانت معدومة فوجدت وهذه ممكنات وأنه لا بد لها من قديم أزلي والقديم الأزلي يجب وجوده ويمتنع أن يكون ممكنا وهذا يبين أن كل ما سوى الواجب المبدع فهو محدث كائن بعد أن لم يكن وهذا كله يناقض ما قالوه

ولهذا يوجد في بحوث من سلك طريقهم ك الرازي والآمدي من البحوث المضطربة في الواجب والممكن والعلة والمعلول ما ليس هذا موضع بسطه وقد تكلم عليه في غير هذا الموضع

فصل

فإن قالوا: نحن إذ قلنا: الوجود: إما واجب ذاته لا تقبل العدم وإما ممكن يقبل العدم وما كان قابلا للعدم فلا بد له من واجب لزم ثبوت الواجب على التقديرين مع قطع النظر عن الممكن: هل يكون قديما أم لا؟

بل نفس تصور هذه الحقيقة وهو كونه يقبل العدم فيلزم افتقاره إلى فاعل قيل صحيح لكن هذا التقسيم لا يستلزم ثبوت القسمين في الخارج إن لم يبين ثبوت الممكن ولكن يلزم ثبوت موجود لا يقبل العدم على التقديرين وهذا لا يناقض قول القائل بأن الموجود واحد لا يقبل العدم وإنما يبطل قول هؤلاء إذا بين أن في الوجود ما هو ممكن يقبل العدم وليس في مجرد التقسيم ثبوت القسمين وإنما يثبت القسمان إذا ثبت أن في الوجود ممكنا يقبل العدم وهذا الممكن لا بد له من واجب وحينئذ فيكون استدلالا بوجود الممكن المعلوم إمكانه على القديم وهذا استدلال بالمحدثات على القديم لا استدلال بالوجود من حيث هو جود الواجب كما ظن ابن سينا وأتباعه بأن الوجود من حيث هو وجود إذا دل على وجود واجب لم يناقض ذلك أن يكون الوجود كله واجبا

فإذا قال أنا أبين بعد أن فيه محدثا

قيل: إذا بين ذلك ثبت أن فيه قديما ويكون الدليل على ثبوت القديم وهو الحوادث وهذه طريقة صحيحة وهي تدل على إثبات قديم لا على ثبوت واجب له مفعول قديم لكن نفس الوجود يدل على كل تقدير ثم يقال: وليس الوجود كله واجبا قديما فإن نشهد حدوث المحدثات والمحدث ليس بقديم وليس بواجب الوجود وعدمه ولا بممتع الوجود يجب عدمه فإنه كان موجودا تارة ومعدوما أخرى فعلم أنه يمكن وجوده وعدمه وما كان هكذا فلا بد له من فاعل قديم أزلي يمتنع عدمه فثبت وجود الموجود القديم الأزلي من نفس الوجود ومن وجود المحدثات وثبت من وجود المحدثات أنه ليس كل موجود قديما ولا واجبا بل ثبت انقسام الوجود إلى قديم واجب وإلى محدث ممكن بهذه الطريق وهي طريق الحدوث وطريق الإمكان الذي لا يناقض الحدوث بل يلازمه فأما الإمكان الذي ابتدعوه فلا يثبت هو بنفسه ولا يثبت به شيء ثم الكلام في تعيين القديم الواجب وأن السماوات محدثه له طرق متعددة ضرورية ونظرية كما قد بسط في موضع آخر وبين أن معرفة الصانع فطرية ضرورية: معرفته بعينه وأن السماوات والأرض وما بينهما مخلوقه له حادثه بعد أن لم تكن وأن كل مولود يولد على الفطرة وأن الله خلق عباده حنفاء ولكن شياطين الإنس والجن أفسدوا فطرة بعض الناس فعرض لهم ما أزاحهم عن هذه الفطرة ولهذا قالت الرسل: { أفي الله شك فاطر السماوات والأرض } ولما قال فرعون لموسى على سبيل الإنكار لما قال موسى: إني رسول من رب العالمين قال: { وما رب العالمين } قال له موسى: { رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين * قال لمن حوله ألا تستمعون * قال ربكم ورب آبائكم الأولين * قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون * قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون } ولما قال لموسى وهارون: { فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين }

قال ابن رشد: وأما المقدمة الثانية وهي القائلة: إن الجائز محدث فهي مقدمة غير بينة بنفسها وقد اختلف فيها العلماء فأجاز أفلاطون أن يكون شيئا جائزا أزليا ومنعه أرسطوطاليس وهو مطلب عويص ولم يتبين حقيقته إلا لأهل صناعة البرهان وهم العلماء الذين خصهم الله بعلمه وقرن شهادتهم في الكتاب العزيز بشهادتة وشهادة ملائكته

قلت: أما دعواه أن العلماء المذكورين في القرآن هم إخوته الفلاسفة أهل المنطق وأتباع اليونان فدعوى كاذبة فإنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن الذين أثنى الله عليهم بالتوحيد ليس هم من المشركين الذين يعبدون الكواكب والأوثان ويقولون بالسحر ولا ممن يقول بقدم الأفلاك ولا ممن يقول قولا يستلزم أن تكون الحوادث حدثت بأنفسها ليس لها فاعل ونعلم بالاضطرار أن العلم بالتوحيد ليس موقوفا على ما انفرادوا به في المنطق من الكلام في الحد والقياس بما يخالفهم فيه أكثر الناس كتفريقهم بين الذاتيات والعرضية اللازمة للماهية وتفريقهم بين حقيقة الأعيان الموجودة التي هي ما هيتها وبين نفس الوجود الذي هو الأمر الموجود وأمثال ذلك وهذا الذي ذكره من ينازع هذين فإنه ينصر قول أرسطو طاليس ويقول: إن الجائز وجوده وعدمه لا يكون إلا محدثا وينكر على ابن سينا قوله بأن الجائز وجوده وعدمه يكون قديما أزليا وحكايته لهذا عن أفلاطون قد يقال: إنه لا يصح فيما يثبته قديما من الجواهر العقلية كالدهر والمادة والخلاء فإنه يقول بأنها جواهر عقلية قديمة أزلية لكن القول مع ذلك بأنها جائزة ممكنة ونقل ذلك عنه فيه نظر

وأما الأفلاك فالمنقول عن أفلاطون وغيرة أنها محدثة فإن أرسطو طاليس يقول بقدم الأفلاك والعقول والنفوس وهي على اصطلاح هؤلاء ممكنة جائزة وعلى أصله يكون أزليا وهم ينقلون: إن أول من قال من هؤلاء بقدم العالم هو أرسطو طاليس وهو صاحب التعالىم وأما القدماء كأفلاطون وغيرة فلم يكونوا يقولون بقدم ذلك وإن كانوا يقولون - أو كثير منهم - بقدم أمور أخرى قد يخلق منها شيء أخر ويخلق من ذلك شيء آخر إلى أن ينتهي الخلق إلى هذا العالم فهذا قول قدمائهم أو كثير منهم وهو خير من قول أرسطو وأتباعه

قال ابن رشد: وأما أبو المعالي فإنه رام أن يبين هذه المقدمة بمقدمات: إحداها: أن الجائز لا بد له من مخصص يجعله بأحد الوصفين الجائزين أولى من الثاني والثانية: أن هذا المخصص لا يكون إلا مريدا والثالثة: أن الموجود على الإرادة حادث ثم بين أن الجائز يكون عن الإرادة أي عن فاعل مريد من قبل أن كل فعل فإما أن يكون عن الطبيعة وإما عن الإرادة والطبيعة ليس يكون عنها أحد الجائزين المتماثلين دون مماثلة مثال ذلك أن السقمونيا ليس تدذب الصفراء التي في الجانب الأيمن من البدن دون التي في الأيسر وأما الإرادة فهي التي تخصص الشيء دون مماثلة ثم أضاف إلى هذه أن العالم يماثل كونه في الموضع الذي خلق فيه من الجو الذي خلق فيه يريد الخلاء لكونه في غير ذلك الموضع من ذلك الخلاء فأنتج ذلك أن العالم خلق عن إرادة

قال: والمقدمة القائلة: إن الإرادة هي التي تخص أحد المتماثلين صحيحة والقائلة إن العالم في حد يحيط به كاذبة أو غير بينة بنفسها ويلزم أيضا عن وضعه هذا الخلاء أمر شنيع عندهم وهو أن يكون قديما لأنه إن كان محدثا احتاج إلى خلاء

قلت: أما تسليمه أن الإرادة تخص أحد المتماثلين فيناقض ما قد ذكر أولا من أنه لا بد من المفعول من حكمة اقتضت وجوده دون الآخر والإرادة تتعلق بالمفعول لعلم المريد بما في المفعول من تلك الحكمة المطلوبة ومن كان هذا قوله امتنع عنده تخصيص أحد المتماثلين بالإرادة بل لا بد أن يختص أحدهما بأمر أوجب تعلق الإرادة به وإلا فمع التساوي يمتنع أن يراد أحدهما على هذا القول ومتى تسلم هذا أمكن أن يقال: إن مجرد اختيار الفاعل وهي إرادته خصت الوجود بدهر دون دهر مع التماثل وبقدر دون قدر وبوصف دون وصف

وأما منازعته في أن العالم في حد يحيط به فهم لا يحتاجون أن يثبتوا أمرا واحدا وجوديا يكون العالم فيه بل هم يقولون: إنا نعلم إمكان تيامنه وتياسره بالضرورة وإن كان ما وراءه عدم محض وتسمية ذلك موضعا كقول القائل: العالم في موضع ولفظ الموضع والمكان والحيز يراد به أمر موجود وأمر معدوم

قال ابن رشد: وأما المقدمة القائلة: إن الإرادة لا يكون عنها إلا مراد حادث فذلك شيء غير بين وذلك أن الإرادة التي هي بالفعل فهي مع فعل المراد نفسه لأن الإرادة من المضاف وقد تبين أنه إذا وجد أحد المضافين بالفعل وجد الآخر بالفعل مثل الأب والابن وإذا وجد أحدهما بالقوة وجد الآخر بالقوة فإن كانت الإرادة التي هي بالفعل حادثة فالمراد لا بد حادث وإن كانت الإرادة التي بالفعل قديمة فالمراد الذي بالفعل قديم وأما الإرادة التي تتقدم المراد فهي الإرادة التي بالقوة أعني التي لم يخرج مرادها إلى الفعل إذا لم يقترن بتلك الإرادة الفعل الموجب لحدوث المراد ولذلك هو بين أنها إذا خرج مرادها للفعل أنها على نحو من الوجود لم تكن عليه قبل خروج مرادها إلى الفعل إذ كانت هي السبب في حدوث المراد بتوسط الفعل فإذا لو وضع المتكلمون أن الإرادة حادثة لوجب أن يكون المراد محدثا ولابد

قال: والظاهر من الشرع أنه لم يتعمق هذا التعمق مع الجمهور ولذلك لم يصرح لا بإرادة قديمة ولا حادثة بل صرح بما الأظهر منه أن الإرادة موجدة موجودات حادثة وذلك قوله تعالى: { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } وإنما كان ذلك كذلك لأن الجمهور لا يفهمون موجودات حادثة عن إرادة قديمة بل الحق أن الشرع لم يصرح في الإرادة لا بحدوث ولا قدم لكون هذا من المتشابهات في حق الأكثر وليس بأيدي المتكلمين برهان قطعي على استحالة إرادة حادثة في موجود قديم لأن الأصل الذي يعولون فيه على نفي قيام الإرادة الحادثة بمحل قديم هي المقدمة التي بينا وهنها وهي أن ما لا يخلو عن الحوادث حادث وسنبين هذا المعنى بيانا أتم عند القول في الإرادة قلت: الكلام في الإرادة وتعددها أو وحده عينها أو عمومها أو خصوصها وقدمها أو حدثها أوحدوث نوعها أوعينها وتنازع الناس في ذلك ليس هذا موضعه وهي من أعظم محارات النظار والقول فيها يشبه القول في الكلام ونحوه لكن نفس تسليم الإرادة للمفعول يستلزم حدوثه بل تسليم كون الشيء مفعولا يستلزم حدوثه فأما مفعول مراد أزلي لم يزل ولا يزال مقارنا لفاعله المريد له الفاعل له بإرادة قديمة وفعل قديم فهذا مما يعلم جمهور العقلاء بضرورة العقل

وحينئذ فبتقدير أن يكون الباري لم يزل مريدا لأن يفعل شيئا بعد شيء يكون كل ما سواه حادثا كائنا بعد أن لم يكن وتكون الإرادة قديمة بمعنى أن نوعها قديم وإن كان كل من المحدثات مرادا بإرادة حادثة قال: فقد تبين لك من هذا كله أن الطرق المشهورة للأشعرية في السلوك إلى معرفة الله تعالى ليست طرقا نظرية يقينية ولا طرقا شرعية يقينية وذلك ظاهر لمن تأمل أجناس الأدلة المنبهة في الكتاب العزيز على هذا المعنى أعني معرفة وجود الصانع تعالى وذلك أن الطرق الشرعية إذا تؤملت وجدت في الأكثر قد جمعت وصفين: أحدهما: أن تكون يقينية والثاني: أن تكون بسيطة غير مركبة أعني قليلة المقدمات فتكون نتائجها قريبة من المقدمات الأول

قال ابن رشد: وأما الصوفية فطرقهم في النطر ليست طرقا نظرية أعني مركبة من مقدمات وأقيسة وإنما يزعمون أن المعرفة بالله وبغيره من الموجودات شيء يلقى في النفس عند تجريدها من العوارض الشهوانية وإقبالها بالفكرة على المطلوب ويحتجون لتصحيح هذا بظواهر من الشرع كثيرة ونحن نقول: إن هذه الطريقة وإن سلمنا وجودها فليست عامة للناس بما هم ناس ولوكانت هذه الطريقة هي المقصودة بالناس لبطلت طريقة النظر ولكان وجودها في الإنسان عبثا

مثل قوله تعالى: { واتقوا الله ويعلمكم الله } البقرة: 282 ومثل قوله تعالى: { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } العنكبوت: 69 ومثل قوله: { يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا } الانفال: 29 إلى أشياء كثيرة يظن أنها عاضدة لهذا المعنى والقرآن كله دعاء إلى النظر والاعتبار وتنبيه على طرق النظر نعم لسنا ننكر أن إماته الشهوات قد تكون شرطا في صحة النظر لا أن إماته الشهوات هي التي تفيد المعرفة بذاتها وإن كانت شرطا فيها كما أن الصحة شرط في العلم وإن كانت ليست مفيدة له

ومن هذه الجهة دعا الشارع إلى هذه الطريقة وحث عليها في جملة ما حث أعني على العمل لا أنها كافية بنفسها كما ظن القوم بل إن كانت نافعة في النظرية فعلى الوجه الذي بينا وهذا بين عند من أنصف واعتبر الأمر بنفسه

قلت: العمل الذي أصله حب الله تعالى أمر الشرع به لأنه مقصود في نفسه وهو معين على حصول العلم النافع كما أنه معين على حصول عمل آخر صالح كما أن الشرع أمربالعلم بالله تعالى لأنه مقصود في نفسه وهو معين على العمل الصالح وعلى علم آخر نافع

قال ابن رشد: وأما المعتزلة فإنه لم يصل إلينا في هذه الجزيرة من كتبهم شيء نقف منه على طرقهم التي سلكوها في هذا المعنى ويشبه أن تكون طرقهم شيئا من جنس طرق الأشعرية

قلت: طريق المعتزلة هي الطريق التي ذكرها عن الأشعرية وإنما أخذها من أخذها ولهذا لما كان الأشعري تارة يوافقهم وتارة يوافق السلف والأئمة وأهل الحديث والسنة ذم هذه الطريقة كما تقدم ذكر كلامه في ذلك فذمها وعابها موافقه للسلف والأئمة في ذلك وابن رشد رأى ما رآه من كتب الأشعرية فرأى اعتمادهم عليها فذلك تكلم عليها

وأفضل متأخري المعتزلة هو أبو الحسين البصري وعلى هذه الطريقة في كتبه كلها يعتمد حتى في كتابه الذي سماه غرر الأدلة

كلام أبي الحسين البصري في غرر الأدلة وتعليق ابن تيمية

قال في أوله: إنا ذاكرون الغرض بهذا الكتاب والمنفعة به لكي إذا عرف الإنسان شرف تلك المنفعة وشرف الغرض صبرت نفسه على تحمل المشاق في طلبها والاجتهاد في تحصيلها فنقول: إن الغرض به هو التوصل بالأدلة إلى معرفة الله تعالى ومعرفة ما يجوز عليه وما لا يجوز عليه من الصفات والأفعال وصدق رسله وصحة ما جاءوا به

قال: وظاهر أن المنفعة بذلك عظيمة شريفة من وجوه منها: أن من عرف هذه الأشياء بالأدلة أمن من أن يستزله غيره عنها ومنها: أنه يمكنه أن يرد غيره عن الضلال إليها ومنها أن يكون على ثقة مما يقدم عليه في معاده غير خائف من أن يكون على ضلال يوديه إلى الهلاك

قال: وليس أحد يثق بصحة ما جاءت به الرسل إلا بعد المعرفة بصدقهم ولا تحصل المعرفة بصدقهم إلا بالمعجزات التي تميزهم عن غيرهم وليس تدل المعجزات على صدقهم إلا إذا صدرت ممن لا يفعل القبيح لكي يؤمن أن نصدق الكذابين وليس يؤمن أنه لا يفعل القبيح إلا إذا عرف أنه عالم بقبحه عالم باستغنائه عنه ولا يعرف غناءه إلا بعد أن يعلم أنه غير جسم ولا يعرف أنه غير جسم إلا إذا عرف أنه قديم ولا يعلم أنه عالم بكل قبيح إلا إذا علم أنه عالم بكل شيء ولا يعلمه كذلك إلا إذا علم أنه عالم لذاته ولا يعلمه كذلك إلا إذا علم أنه عالم ولا يعلم أنه يثيب ويعاقب إلا إذا علم أنه قادر حي ولا يعرف موصوفا بهذه الصفات إلا إذا عرفت ذاته وإنما تعرف ذاته إذا استدل عليها بأفعاله لأنها غير مشاهدة ولا معروفة باضطرار ولا طريق إليها إلا أفعاله فيجب أن نتكلم في هذه الأشياء لنعلم صحة ما جاءت به الرسل ونمتثله فنكون آمنين في المعاد

ثم قال: باب الدلالة على محدث الأجسام الدلالة على محدث الأجسام والجواهر هي أن الأجسام والجواهر محدثة وكل محدث فله محدث فللأجسام إذا محدث

قال: وهذا الكلام يشتمل على أصلين: أحدهما: قولنا: إن الجسم لم يسبق الحركات والسكنات المحدثة والآخر: قولنا: وكل ما لم يسبق المحدث فهو محدث فالأول يشتمل على ثلاث دعاو: إثبات الحركة والسكون وأن الجسم ما سبقها وأنها محدثان

والأصل الآخر لا يشتمل إلا على دعوى واحدة: وهو أن ما لم يسبق المحدث محدث فصارت الدعاوى أربعا ونحن نبينها ليصح حدوث الجسم

قلت: وهذه الدعاوى الأربع التي ذكرها أبو المعالي في أول الإرشاد لكن جعل بدل الحركات والسكنات الأعراض ولكنه لم يقرر حدوث الأعراض إلا بحدوث الأكوان ولم يقرر ذلك إلا بالاجتماع والافتراق وأما طريقة الحركة والسكون التي اعتمدتها المعتزلة فهي التي يعتمدها الرازي وهي أقوى مما سلكه الآمدي وغيرة حيث سلكوا طريقة الأعراض مطلقا بناء على أن العرض لا يبقى زمانين فإن هذه أضعف الطرق وطريقة الحركة أقواها وطريقة الاجتماع والافتراق بينهما وهي طريقة أبي الحسن الأشعري وطريقة الكرامية وغيرهم ممن يقول: إنه جسم

ثم إن أبا الحسين أحتج لهذه الدعاوى الأربع بنظير ما تقدم

قيل: فإن قيل: فما الدليل على أن الحركة غيرة؟

قيل: لو كان تحرك الجسم هو الجسم لكان إذا بطل تحرك بطل الجسم ولو كان تحرك الجسم هو الجسم لكانت الدلالة على حدث التحرك دلالة على حدث الجسم فلو كان تحرك الجسم هو الجسم لكان أسهل في الدلالة على حدث الجسم

قلت: هذا ينبني على أن ما ليس هو الشيء فهو غيره وهو قول المعتزلة وأما الصفاتية فينازعونهم في هذا ويقولون: الصفة لا يطلق عليها: إنها هي هو ولا إنها غيره وأئمتهم لا يقولون: لاهي هو ولا هي غيره لأن لفظ الغير مجمل وكثير منهم يقولون: لا هي هو ولا هي غيره لكن الاستدلال يمشي بأن تكون الحركة ليست هي الجسم وهي حادثة ويمشي بأن يقال: الغيران ما جاز مفارقة أحدهما الآخر بزمان أو مكان أو وجود والحركة تفارق الجسم بالوجود فإنه قد يكون موجودا ولا حركة له لكن يقال: لانسلم أن كل جسم يجوز أن يفارقه نوع الحركة بل قد تقارنه عين الحركة وهم لايدعون أن الجسم مستلزم لعين الحركة والسكون بل لنوعها قال أبو الحسين: والدلالة على استحالة سبق الجسم لجنس الحركة والسكون وهي أنه لو سبقه لكان لا واقفا ولا مارا ولا حا صلا في مكان مع أنه جرم متحيز والعلم باستحالة ذلك ضروري قال: والدلالة على حدوث الحركة والسكون هي أن كل حركة وسكون يجوز

عليهما العدم والقديم لايجوز عليه العدم وإنما قلنا: يجوز على السكنات والحركات لأنه ما من جسم متحرك إلا ويمكن أن يسكن أو يحول من حركة إلى حركة كخروج الفلك من دورة إلى دورة وما من جسم ساكن إلا ويمكننا أن نحركه: إما بجملته أو بأجزائه كالأجسام العظام وإنما قلنا: إن القديم لا يجوز عليه العدم لأن القديم واجب الوجود في كل حال وما وجب وجوده في كل حال استحال عدمه

وإنما قلنا: إنه واجب الوجود في كل حال لأنه موجود فيما لم يزل فإما أن يكون وجوده على طريق الجواز أو على طريق الوجوب فلو كان موجودا على طريق الجواز لم يكن بالوجود أولى منه بالعدم لولا فاعل ويستحيل أن يوجد القديم بالفاعل لأن المعقول من الفاعل هو المحصل للشيء عن عدم وليس للقديم حال عدم فيخرجه فصح أن وجود القديم واجب وليس بأن يجب وجوده في حال أولى من حال فصح أنه واجب الوجود في كل حال فاستحال عدمه

ثم قرر الأصل الثاني وهو المهم

قال: فإن قيل: ما أنكرتم أن الحوادث الماضية لا أول لها ولا يلزم حدث الجسم إذا لم يتقدمها؟

قيل: إذا كان كل واحد من الحوادث له أول استحال ألا يكون لجميعها أول لأنها ليست سوى آ حادها كما يستحيل أن يكون كل واحد من الزنج أسود ولا يكونوا كلهم سودا ولأن كل واحد قد سبقه عدمه فلو كانت لا أول لها لكان ما مضى ما أنفك من وجودها ولا من عدمها ولا يفصل السابق من المسبوق

قلت: هذه المقدمة هي التي نازعهم فيها المنازعون كما تقدم ذكر بعض طعن الطاعنين فيها في كلام الرازي وغيره وهؤلاء يقولون: لا نسلم أنه إذا كان لكل واحد منها أول أن يكون لجميعها أول كما أن كل واحد منها له آخر وليس لجميعها آخر وكما أن كل واحد من العشرة عشر وليس المجموع عشرا وكل واحد من أعضاء الإنسان عضو وليس المجموع في جميع المواضع بل تارة يتصف المجموع بما يتصف به الأفراد كما أنه إذا كان كل جزء من الجملة موجودا فالجميع موجود وإن كان كل جزء من المجموع ممكنا فالمجموع ممكن وإذا كان كل جزء منها معدوما فالجميع معدوم وتارة لا يكون كذلك كما تقدم

فلا بد من بيان أن مورد النزاع من أحد الصنفين وإلا فدعوى ذلك هو أول المسألة فدعوى ذلك مصادرة وتمثيلهم بالزنج تمثيل بأم جزئي لايحصل به المقصود إلا أن يعلم أن هذا مثل هذا

ولهم عنه أجوبة: المنع والمعارضة والفرق أما المنع: فيقولون: لا نسلم أن هذا مثل الزنج

وأما المعارضة: فيعارضون ذلك بعلمنا بأن كل حركة لها آخر وكل حادث له آخر وليس لكل الحركات والحوادث آخر وأن كل عدد له نهاية وليس للأعداد نهاية وأن كل واحدة من الأخوات يباح التزويج بها وليس الجمع بين الاخوات مباحا وكل واحد من أفراد العشرة واحد وهو ثلث الثلاثة وربع الأربعة وليست العشرة ثلث الثلاثة ولا ربع الأربعة وأن كل واحد من أجزاء المركب هو مفرد بشرط المركب ليس مفردا بسيطا وأن كل واحد من أجزاء الدائرة جزء دائرة والدائرة ليست جزء دائرة وأن كل واحد من أجزاء المطر قطرة وليس المجموع قطرة وليس المجموع قطرة فإنه يفرق بين ما له مجموع يمكن أن يوصف بما وصفت به الأفراد وبين ما ليس له مجموع يمكن وصفه بذلك ولا ريب أنا إذا عرضنا على عقولنا أن كل زنجي فهو أسود فإنا نعلم بالضرورة أن مجموع الزنج سود وذلك لأن المجموع غير كل واحد واحد من الأفراد فتارة يمكن وصفه بصفات الأفراد كما نقول عن الحوادث المحدودة الطرفين: إن مجموعها حادث كما أن كل واحد منها حادث

وتارة لا يمكن وصفه بذلك اللفظ بل بصيغة الجمع فإن مجموع السودان لا يقال فيه بنفس اللفظ: أسود ولا يقال غير أسود بل يقال: سود وسود صيغة جمع فهي بمعنى قولنا: كل زنجي أسود

وإذا لم يكن الحكم على المجموع هو بلفظه الحكم على الأفراد كان نظير مثال الزنج وأما إذا اتحد الحكم فقد يكون حكم المجموع فيه حكم الأفراد وقد لا يكون

فالأول إذا قلنا: كل محدث فهو مخلوق أو فهو ممكن أو: كل ممكن فهو مفتقر إلى غير ممكن

فإن ذلك يوجب أن يكون مجموع المحدث مخلوقا وممكنا ومجموع الممكن مفتقرا إ لى غير ممكن لأن هذا الحكم ثابت للجنس من حيث هو هو فيلزم ثبوته حيث تحقق الجنس والجنس يتحقق في المجموع كتحققه في كل فرد فرد

فطبيعة المحدث تستلزم كونه مخلوقا ممكنا وطبيعة الممكن إذا وجد تستلزم الافتقار إلى غير ممكن والطبيعة لازمة للمجموع فيستحيل وجود الطبيعة منفكة عن لازمها فلا يكون مجموع الممكنات إلا مفتقرا إلى غيره كما لا يكون كل فرد منها إلا مفتقرا إلى غيره ولا يكون مجموع المخلوقات إلا حادثة وممكنة كما لا يكون كل منها إلا حادثا ممكنا كذلك في المعنى

لكن من المجموع ما يكون اللفظ يتناول جنسه كما يتناول الواحد منه كلفظ المخلوق والمحدث والممكن ومنه ما يكون لفظ الكثير فيه صيغة جمع لا يستعمل في الواحد منه

والزنج ليس لهم مجموع يحكم عليه بأنه أسود أو ليس بأسود بل يقال: مجموعهم سود وذلك معنى قولك: كل واحد منهم أسود ولكنه الأسود يتصف به المجموع من حيث هو مجموع كما يتصف به كل واحد واحد بخلاف اتصاف المجموع بكونه محدثا وممكنا ومفتقرا إلى غيره فإن هذا الوصف يمكن ثبوته للمجموع من حيث هو مجموع كما يثبت لكل فرد من أفراده

والحوادث إذا حكم على مجموعها بأن له أولا ليس له أول فهو حكم على الجنس المجموع فإن علم أن الجنس الحادث لا يكون دائما متصلا بل لا يكون إلا بعد عدم كما علم أن كل فرد فرد من أفراده كذلك كان هذا نظير المحدث والممكن لكن النزاع في هذا فإنا إذا عرضنا على العقل المحدث عن عدم من حيث هو مع قطع النظر عن أفراده ومجموعه: هل يكون مخلوقا ممكنا؟ جزم العقل بأن ما كان مخلوقا محدثا فإن كونه محدثا يستلزم كونه ممكنا إذا لو لم يكن كذلك لزم كونه واجبا فلا يعدم أو ممتنعا فلا يوجد

والمحدث كان معدوما وصار موجودا فطبيعته تنافي الوجوب والامتناع لا فرق في ذلك بين الواحد والجنس

وإذا عرضنا على العقل الحادث مع قطع النظر عن أفراده وجنسه: هل يستلزم أن يكون منتهيا منقطعا لن ابتداء أو يستلزم ذلك بل يمكن دوامه؟ لم تجد في العقل ما يقضي بأن جنس الحادث يجب أن يكون منتهيا له ابتداء وهذا الباب من تدبره تبين له الفرق بين تسلسل المؤثرات الفاعلات أنه ممتنع وبين تسلسل الآثار: أثرا بعد أثر كما هو مبسوط في غير هذا الموضع

والمقصود الفرق بين الزنجي وبين الحادث ومما يوضح ذلك أنا إذا قلنا: كل زنجي أسود لم يكن في الزنج ما ليس بأسود لأن هذا النقي يناقص ذلك الإثبات وصدق أحد المتناقضين اللذين لا يرتفعان يوجب كذب الآخر فإنا إذا قلنا: بعض الزنج ليس بأسود كان مناقضا لقولنا: كل زنجي أسود فإذا لم يكن في الزنج ما ليس بأسود لزم أن يكون جميعهم سودا وأما إذا قلنا: كل حادث فله يلزم أن لا يكون في الحوادث ما ليس له أول وهكذا عكس نقيضه فيمتنع أن يكون جميع الزنج سودا؟ هذا محل نزاع فيقال: الفرق معلوم بين قولنا: جميع الحوادث لها أول بمعنى: أن كل واحد منها له أول وبين قولنا: إن جنس الحوادث لها أول بمعنى: أن الحوادث منقطعة غير دائمة ولا مستمرة ولا متسلسلة فإن العقل يتصور أن كل واحد له أول وآخر وهي مع ذلك دائمة مستمرة فيمكنه الحكم بأن كل حادث له أول كما أن كل زنجي أسود وهو بعد ذلك لم يعلم: هل هي دائمة أم هي منقطعة؟

بل العلم بكون الحادث له أول هو العلم بأنه مسبوق بعدم وليس العلم بأن كل حادث هو مسبوق بعدم هو العلم بأنه كان العدم مستمرا دائما حتى حدث جنس الحوادث بل يمكن العقل أن يتصور أنه ما من حادث إلا وقبله حادث وبعده حادث وما من عدد إلا وبعده عدد 0 وهو يعلم أن كل حادث فله أول وكل نقص فله آخر وكل عدد فله حد ومنتهى وإن لم يكن لجنس العدد حد ومنتهى 0

ومما يبين ذلك الفرق: أن كون الشخص أسود وأبيض صفة قائمة به في حال وجوده فلا يمكن انتفاؤها عن الجنس الموجود مع قولنا: إن كلا منهم أسود 0 وأما أن كون الشيء حادثا أو مسبوقا بعدم أو موجودا بعد أن لم يكن أو له أول فهو بمنزله كونه ماضيا وملحوقا بعدم ومعدوما بعد ما كان 0

وهذا يقتضي أن كلا من هذه الأمور ثابت لكل واحد من الحادث والمنقضي أما كون جنس المنقضي انقطع فلا يكون بعده منقض أو كون جنس الحوادث منقطعا فلم يكن قبل الحوادث المعينة شيء حادث هذا نوع آخر

والحكم على كل فرد فرد غير الحكم على المجموع من حيث هو مجموع في النفي والإثبات ففي النفي نفرق بين قوله: لا تأكل هذا ولا هذا ولا تأكل السمك وتشرب اللبن إذا الأول نهى عن كل منهما والثاني نهى عن جميعها

وكذلك إذا قال: ما ضربت لا هذا ولا هذا أو لم أضربها وعنى نفي ضربهما جميعا ولهذا تنازع الفقهاء فيمن حلف لا يفعل شيئا ففعل بعضه كما لو حلف: لا آكل الرغيف فأكل بعضه ولم يتنازعوا في أنه لو عنى أكل جميعه لم يحنث بأكل البعض وهذا كما في قوله تعالى: { وأن تجمعوا بين الأختين } النساء: 23 ونهي النبي ﷺ أن تنكح المرأة على عمتها وخالتها فالجميع بينهما منهي عنه فهذه وحدها مباحة وهذه وحدها مباحة واجتماعهما ليس مباحا

وكذلك كل واحد من الضدين مقدور ممكن وليس الجمع بينهما مقدورا ممكنا وكذلك الجائع إذا حضرته أطعمة يكفيه كل منها فكل منها مباح له أكله ولا يباح له أكل المجموع حتى يبشم ويموت وكذلك من قال لغيره: خذ عبدا من عبيدي أو فرسا من خيلي كل منها مباح له وليس المجموع مباحا له فإذا قيل: كل من هذه مباح لم يستلزم أن يكون المجموع مباحا والمقصود أن الأمور التي يتصف بها كل واحد من الأفراد ثلاثة أنواع :

أحدها: ما لا يمكن تصوره في المجموع فلا يقال: هو ثابت ولا منتف

والثاني: ما يمكن تصوره في المجموع وهذا قد يكون ثابتا كثبوت الافتقار إلى الفاعل في مجموع الممكنات والحادثات وثبوت الحل في كل من الأجنبيات منفردة وفي جمع أربع وقد لا يكون ثابتا كثبوت النهاية في أفراد الحوادث المنقضية لا في مجموعها وثبوت الحل في كل من الأختين لا في مجموعهما والفرق بين هذا وهذان أن الحكم الذي ثبت للأفراد إن كان للمعنى الذي يوجد في المجموع ثبت له وإن لم يكن لذلك المعنى لم يلزم ثبوته له فيكون المحدث ممكنا أو مفتقرا إلى الفاعل ثبت لحقيقة الحدوث وهذا ثابت للأفراد والمجموع وكذلك افتقار الممكن إلى ما ليس ثبت لحقيقة الإمكان فإن حقيقة الممكن هو الذي لا يوجد إلا بغيره لا بنفسه وهذه الحقيقة لا تفرق بين الأفراد وبين المجموع وأما كون الحادث له أول أو الماضي له انتهاء فهذا يعلم في كل حادث حادث وماض ماض وأما كون هذا الجنس كذلك فالطبيعة تلزم كل واحد واحد وليس في الخارج مجموع ثابت للحوادث والماضيات حتى يقال: هل يحكم لذلك المجموع بحكم أفراده أم لا؟ فإن أفراده موجودة على التعاقب وإذا قدر حوادث متعاقبة لم يكن في العلم بهذا ما يوجب أن لا تكون دائمة

لكن إذا قدر إجتماع حوادث في آن واحد أو كانت محدودة قيل: إن هذا المجموع له ابتداء وإذا قدر اجتماع أمور منقضية أو محدودة الآخر

قيل: لها انتهاء

وأما ما لا يمكن اجتماعه لا من هذا ولا من هذا فليس وجوده مجتمعا في الخارج وإنما يجتمع أفراده في الذهن لا في الخارج

يبين ذلك أن ما لا يوجد إلا متعاقبا متتاليا إذا قيل: إن كل واحد من أفراده يعقب فردا آخر لم يعلم من ذلك أنه كله يعقب شيئا آخر إذا لم يحكم على جنسه بأنه يعقب غير جنسه وإنما حكمنا على أفراد الجنس بالتعاقب

وكذلك إذا قلنا: كل واحد من أفراده سبقه عدم لم يحكم على الجنس بأنه سبقه عدم كما حكمنا هناك على جنس المحدث بافتقاره إلى الفاعل وعلى جنس الممكن بافتقاره إلى ما ليس بممكن أو إلى الفاعل أو الواجب ونحو ذلك والكلام على هذا مبسوط في موضعه

والمقصود التنبيه على ما ذكره المنازعون لأبي الحسين وغيره من القائلين بأن جنس الحوادث ممتنع دوامها من أهل الإسلام والسنة والفلاسفة وغيرهم وكذلك قوله: كل واحد قد سبقه عدم فلو كانت لا أول لها لكان ما مضى ما أنفك من وجودها وعدمها ولا ينفصل السابق من جنس المسبوق فإنهم يقولون: كل واحد مسبوق بعدم نفسه لا بعدم جنسه فإذا كان الجنس لا أول له لم يلزم أن يقارنه عدمه بل يقارن كل فرد من أفراده عدم غيره

وهم يسلمون عدم كل واحد واحد كما يسلمون حدوثه فإن حدوثه مستلزم لعدمه لكنهم ينازعون في عدم الجنس وانتهائه وامتناع دوامه في الأزل كما ينازعون في انتهائه وامتناع دوامه في الأبد

درء تعارض العقل والنقل
1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | 32 | 33 | 34 | 35 | 36 | 37 | 38 | 39 | 40 | 41 | 42 | 43 | 44 | 45 | 46 | 47 | 48 | 49 | 50 | 51 | 52 | 53 | 54 | 55