الرئيسيةبحث

درء تعارض العقل والنقل/55


عود إلى كلام ابن رشد في مناهج الأدلة ورد ابن تيمية

قال: وقد كان الواجب عندي في هذه الصفة قبل أن تصرح الفرق الضالة بإثباتها يجرى فيها على منهاج الشرع ولا يصرح فيها بنفي ولا إثبات ويجاب من سأل عن ذلك من الجمهور بقوله تعالى: { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } [ الشورى: 11 ] وينهى عن هذا السؤال وذلك لثلاثة معان: أحدها: أن إدراك هذا المعنى - أعني أنه ليس بجسم الذي هو الحق ليس قريبا من المعروف بنفسه برتبة واحدة ولا رتبتين ولا ثلاث

وأنت تتبين ذلك من الطرق التي سلكها المتكلمون في ذلك فإنهم قالوا: إن الدليل على أنه ليس بجسم: أنه قد تبين أن كل جسم محدث وإذا سئلوا عن الطريق التي يوقف منها على أن كل جسم محدث سلكوا في ذلك الطريق التي ذكرنا من حدوث الأعراض وأنا ما لا يعرى عن الحوادث حادث وقد تبين لك من قولنا أن هذه الطريقة ليس برهانية ولو كانت برهانية لما كان في طباع الغالب من الجمهور أن يصلوا إليها فإن ما يضعه هؤلاء القوم من أنه سبحانه ذات وصفات زائدة على الذات يوجبون بذلك أنه جسم أكثر مما ينفون عنه الجسمية بدليل انتفاء الحدوث عنه فهذا هو السبب الأول في أن لم يصرح الشرع بأنه ليس بجسم بين

قال: فلذلك أضرب الإمام المهدي عن هذا الدليل إذ كان لا يرضى الخواص ولا يقنع الجمهور وسلك طريقا عجيبا مشتركا للصنفين جميعا وهذا من خواصه في العلم لا يعلم أحد ممن سلكه قبل ذلك وهو طريق إثبات المثلية بين الأجسام التي هي المساواة في جميع الخواص فخاصة في تماثل قوتها في التناهي أعني كل جسم قوته متناهية وفي تماثلها في التركيب وذلك أن من هاتين الجهتين افتقرت الأجسام إلى الفاعل أما افتقارها من جهة التركيب فلأن كل مركب جائز وكل جائز مفتقر إلى الفاعل وأما افتقارها إلى الفاعل من جهة تناهي قوتها فلأن كل متناهي القوة إن لم يقدر الفاعل الموت له تناهت قوته وفسد ولم يمكن فيه أن يبقى طرفة عين وهو معنى قوله تعالى: { الرحمن على العرش استوى } [ طه: 5 ] فأنى بهذا الترياق الأعظم لهذا الداء العضال؟

قلت: ولقائل أن يقول: إن كان هذا المعلوم حقا فيمتنع أنه لم يعلمه أحد قبل ابن التومرت ممن هو أعلم بالله وأفضل منه وإذا كانت تلك الطريق باطلة وهذا هو الطريق ولم يسلكه غيره فلا يعلمه أحد قبله وهكذا كل من سلك طريقا في النفي زعم أنه لم يسلكه غيره فإنه يوجب أن ذلك لم يعلم قبله فلا يكون من تقدم من خيار هذه الأمة معتقدين لهذا النفي ولو كان حقا لاعتقدوه فما ذكره من المدح يعود بنقيض مقصوده

وأيضا فيقال: القول بتماثل الأجسام والاستدلال بذلك طريق معروفة سلكها المعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم والأشعري في كتاب الإبانة يقتضي كلامه أنه خالفهم فيها فليست طريقا غريبة

وأيضا فإنه لم يذكر دليلا على تماثلها أصلا وأما ما ذكره من التركيب وتناهي القوة فإن صح كان دليلا بنفسه فإنه سبحانه غني عن كل ما سواه فلا يجوز أن يفتقر إلى فاعل بالضرورة باتفاق العقلاء

وأيضا فإنه لم يذكر دليلا على تركيب الجسم وتناهي قوته والمنازع ينفي كلا من الأمرين كما قد ذكر في موضعه وأعجب من ذلك تفسير قوله: { الرحمن على العرش استوى } [ طه: 5 ] بهذا المعنى فإن فساد هذا أوضح من أن يحتاج إلى بيان

قال: وأما السبب الثاني فهو أن الجمهور يرون أن الموجود هو المتخيل والمحسوس وأن ما ليس بمتخيل ولا محسوس فهو عدم فإذا قيل لهم: إن ها هنا موجودا ليس بجسم ارتفع عنهم التخيل فصار عندهم من قبيل المعدوم ولا سيما إذا قيل: إنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق ولا أسفل ولهذا اعتقدت الطائفة التي أثبتت الجسمية في الطائفة التي نفتها عنه سبحانه أنه ملشية واعتقدت التي نفتها في المثبتة أنها مكثرة

قال: وأما السبب الثالث فهو أنه إذا صرح بنفي الجسمية عرضت من الشرع شكوك كثيرة مما يقال في المعاد وغير ذلك فمنها ما يعرض من ذلك في الرؤية التي جاءت بها السنة الثابتة وذلك أن الذين صرحوا بنفيها - أعني الجسمية - فرقتان: المعتزلة والأشعرية فأما المعتزلة فدعاهم هذا الاعتقاد إلى نفي الرؤية وأما الأشعرية فأرادوا أن يجمعوا بين الأمرين فعسر ذلك عليهم ولجأوا في الجمع إلى أقاويل سوفسطائية سنرشد إلى الوهن الذي فيها عند الكلام في الرؤية

ومنها أنه يوجب انتفاء الجهة في بادي الرأي عن الخالق سبحانه أنه ليس بجسم فترجع الشريعة متشابهة وذلك أن بعث الأنبياء انبنى على أن الوحي نازل عليهم من السماء وعلى ذلك انبنت شريعتنا هذه أعني أن الكتاب العزيز نزل من السماء

كما قال تعالى: { إنا أنزلناه في ليلة مباركة } [ الدخان: 3 ] وانبنى نزول الوحي من السماء على أن الله في السماء

وكذلك كون الملائكة تنزل من السماء وتصعد إليها كما قال تعالى: { إليه يصعد الكلم الطيب } [ فاطر: 10 ] وقال تعالى: { تعرج الملائكة والروح إليه } [ المعارج: 4 ]

وبالجملة جميع الأشياء التي تلزم القائلين بنفي الجهة على ما سنذكره بعد عند التكلم في الجهة

ومنها أنه إذا صرح بنفي الجسمية وجب التصريح بنفي الحركة وإذا صرح بنفي هذا عسر تصور ما جاء في صفة الحشر من أن الباري سبحانه يطلع إلى أهل الحشر وأنه الذي يلي حسابهم كما قال تبارك وتعالى: { وجاء ربك والملك صفا صفا } [ الفجر: 22 ]

وكذلك يصعب تأويل حديث النزول المشهور وإن كان التأويل أقرب إليه منه إلى أمر الحشر مع أن ما جاء في الحشر متواتر في الشرع فيجب أن لا يصرح للجمهور بما يؤول عندهم إلى إبطال هذه الظواهر فإن تأثيرها في نفوس الجمهور إنما هو إذا حملت على ظاهرها وأما إذا أولت فإنه يعود الأمر فيها إلى أحد أمرين: إما أن يسلط التأويل على هذه وأشباه هذه في الشريعة فتموت الشريعة كلها وتبطل الحكمة المقصودة منها

وإما أن يقال في هذه كلها: إنها من المتشابهات فيعود الشرع كله من المتشابه مع أنك إذا اعتبرت الدلائل التي احتج بها المؤولون لهذه الأشياء كلها تجدها غير برهانية بل الظواهر الشرعية أقنع منها أعني أن التصديق بها أكثر وأنت تتبين ذلك من قولنا في البرهان الله تعالى بنوا عليه نفي الجسمية وكذلك تتبين ذلك في البرهان الذي بنوا عليه نفي الجهة على ما سنقوله بعد

قال: وقد يدلك على أن الشرع لم يقصد التصريح بنفي هذه الصفة للجمهور أنه لمكان انتفاء هذه الصفة عن النفس أعني الجسمية لم يصرح الشرع للجمهور بما هي النفس فقال في الكتاب العزيز: { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } [ الإسراء: 85 ] وذلك أنه يعسر قيام البرهان عند الجمهور على وجود موجود قائم بذاته ليس بجسم ولو كان انتفاء هذه الصفة مما يقف عليه الجمهور لاكتفى بذلك الخليل في محاجة الكافر حين قال له: { ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت } [ البقرة: 258 ] الآية لأنه كان يكتفي بأن يقول له: أنت جسم والله تعالى ليس بجسم لأن كل جسم محدث كما يقول الأشعرية

وكذلك كان يكتفي بذلك موسى عليه السلام عند محاجة فرعون في دعوى الإلهية وكذلك كان يكتفي المصطفى ﷺ في أمر الدجال في إرشاد المؤمنين إلى كذب ما يدعيه من الربوبية من أنه جسم والله تعالى ليس بجسم بل قال عليه السلام: إن ربكم ليس بأعور واكتفى بالدلالة على كذبه بوجود هذه الصفة الناقصة التي ينتفي عند كل أحد وجودها ببديهة العقل في الباري سبحانه

وكذلك كان يكتفي بنفي الجسمية في عجل بني إسرائيل

فهذه كلها - كما تراه - بدع حادثة في الإسلام هي السبب فيما عرض فيه من الفرق التي أنبأ المصطفى ﷺ أنه ستفترق أمته إليها

فإن قال قائل: فإذا لم يصرح الشرع للجمهور بأنه جسم ولا بأنه غير جسم فما عسى أن يجابوا في جواب ما هو؟ فإن هذا السؤال طبيعي للإنسان وليس يقدر أن ينفك عنه ولذلك ليس يقنع الجمهور أن يقال لهم في موجود وقع الاعتراف به: لا ماهية له لأن ما لا ماهية له لا ذات له

قلنا: الواجب في ذلك أن يجابوا بجواب الشرع فيقال لهم: إنه نور فإنه الوصف الذي وصف الله به نفسه في كتابه على جهة ما يوصف الشيء بالصفة التي هي ذاته فقال تعالى: { الله نور السماوات والأرض مثل نوره } الآية [ النور: 35 ] وبهذا الوصف وصفه النبي ﷺ في الحديث الثابت عنه فإذا جاء أنه قيل له عليه السلام: هل رأيت ربك؟ فقال: نور أنى أراه

وفي حديث الإسراء أنه لما قرب ﷺ من سدرة المنتهى غشي السدرة من النور ما حجب بصره من النظر إليها أو إليه

وفي كتاب مسلم: إن لله حجابا من نور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره

قال: وفي بعض روايات الحديث: سبعين حجابا من نور

فينبغي أن يعلم أن هذا المثال هو شديد المناسبة للخالق سبحانه لأنه يجتمع فيه أنه محسوس تعجز الأبصار عن إدراكه وكذلك الإفهام مع أنه ليس بجسم والموجود عند الجمهور إنما هو المحسوس والمعدوم عندهم هو غير المحسوس والنور لما كان هو أشرف المحسوسات وجب أن يمثل لهم به أشرف الموجودات

فيقال: هذا الرجل يرى رأي ابن سينا ونحوه من المتفلسفة والباطنية الذين يقولون: إن الرسل أظهرت للناس في الإيمان بالله واليوم الآخر خلاف ما هو الأمر عليه في نفسه لينتفع الجمهور بذلك إذ كانت الحقيقة لو أظهرت لهم لما فهم منها إلا التعطيل فخيلوا ومثلوا لهم ما يناسب الحقيقة نوع مناسبة على وجه ينتفعون به وأبو حامد في مواضع يرى هذا الرأي ونهيه عن التأويل في إلجام العوام والتفرقة بين الإيمان والزندقة مبني على هذا الأصل وهؤلاء يرون إقرار النصوص على ظواهرها هو المصلحة التي يجب حمل الناس عليها مع اعتقادهم أن الأنبياء لم يبينوا الحق ولم يورثوا علما ينبغي للعلماء معرفته وإنما المورث عندهم للعلم الحقيقي هم الجهمية والدهرية ونحوهم من حزب التعطيل والجحود

وما ذكره هذا في النور أخذه من مشكاة أبي حامد وقد دخل معهم في هذا طوائف ممن راج عليهم هذا الإلحاد في أسماء الله وآياته من أعيان الفقهاء والعباد

وكل من اعتقد نفي ما أثبته الرسول حصل في نوع من الإلحاد بحسب ذلك وهؤلاء كثيرون في المتأخرين قليلون في السلف ومن تدبر كلام كثير من مفسري القرآن وشارحي الحديث ومصنفي العقائد النافية والكلام وجد فيه من هذا ما يتبين له به حقيقة الأمر

وقوله في النور: إنه محسوس تعجز الأبصار عن إدراكه وكذلك الأفهام مع أنه ليس بجسم تناقض من وجهين: أحدهما: أن المحسوس الذي يحسه الناس ليس إلا جسما أو عرضا في جسم والثاني: أن النور الذي يعرفونه ليس إلا جسما أو عرضا في جسم وذلك كنور المصابيح ونحوها

فإنه إما أن يراد به نفس النور الخارج من ذبالة المصباح فذلك نار والنار جسم وإما أن يراد به ما يصير على ما يلاقيه من الأرض والجدران والهواء من الضوء فذلك عرض قائم بغيره

وكذلك الشمس والقمر إن أريد بالنور نفس ذات واحد منهما كقوله: { جعل الشمس ضياء والقمر نورا } [ يونس: 5 ] فالقمر جسم وإن أريد بالنور ما على الأرض والهواء من ضوء ذلك فذلك عرض فلا يعرف الناس نورا إلا هذا وهذا

وأيضا فإذا كان السؤال بما هو طبيعي للإنسان لا يقدر أن ينفك عنه ولا يقنع الإقناع في جواب هذا السؤال بعد الاعتراف بوجود المسؤول عنه بأن يقال: لا ماهية له لأن ما لا ماهية له لا ذات له فلا يقع الإقناع بجواب ليس مطابقا للحقيقة

وبتقدير أن لا يكون هو في نفسه نورا يكون الجواب غير مطابق للحقيقة وحينئذ فالجواب المطابق للحق مع الإعراض عن ذكر الحقيقة أحسن من هذا كما تقوله طائفة من الناس في جواب موسى لفرعون لما سأله بقوله: { وما رب العالمين * قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين } [ الشعراء 23 - 24 ] قالوا: لما سأله عن الماهية والمسؤول عنه لا ماهية له عدل إلى ما يصلح الجواب به

فقول هؤلاء مع أنه خطأ أقرب من أن يجاب عن الماهية بما ليس مطابقا للحق وإنما كان قول هؤلاء خطأ لأن فرعون لم يسأل موسى سؤال مستفهم طالب للعلم بماهية المسؤول عنه حتى يجاب جواب المستفهم السائل كما ذكره الناس في جواب السؤال بما هو ولكن هذا استفهام إنكار ونفي وجحود للمسؤول عنه فإن فرعون كان مظهرا لجحد الصانع

ولهذا قال: { ما علمت لكم من إله غيري } [ القصص: 38 ] وقال: { أنا ربكم الأعلى } [ النازعات: 24 ] وقال: { يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا } [ غافر: 36 - 37 ] تكلم بما هو جحد ونفي وإنكار لمسمى رب العالمين فقال: { وما رب العالمين } [ الشعراء: 23 ] كما لو ادعى على أحد مدع أن هذا ولدك أو شريكك في المال أو أعطاك هذا المال ونحو ذلك فقال: من هو ولدي؟ ومن هو شريكي؟ ومن هو الذي أعطاني؟ فإنه يقول ذلك على سبيل الإنكار والجحد لا على سبيل الاستعلام والاستفهام فإذا كان منكرا للحق أجيب بما يقيم الحجة عليه فيقال له: هذا الذي ولدته امرأتك فلانة أو الذي اشتريت أنت وهو المال الفلاني أو هو الذي أقررت له بذلك وأشهدت به عليك فلانا وفلانا ونحو ذلك

ولهذا أجابه موسى بما فيه تقرير لما أنكره وتثبيت له فقال: { رب السماوات والأرض وما بينهما } [ الشعراء: 24 ] وقال { ربكم ورب آبائكم الأولين } [ الشعراء: 26 ] وذلك لأن العلم بثبوت هذا الرب أمر مستقر في الفطر مغروز في القلوب

يبين هذا أن السؤال عن ماهية الشيء الثابتة في الخارج يكون بعد الاعتراف بوجوده أما ما يكون مجحودا منتفيا في نفس الأمر فلا ماهية له في الخارج حتى يسأل عنها ولكن قد يسأل المسؤول عن تصوير ما يقوله وإن لم تكن له حقيقته في الخارج

أما إذا ادعى شيئا في الخارج والمدعي ينكر وجوده فإنه لا يطلب منه أن يعرفه ماهية ما لا حقيقة له بل يسأله على طريق إنكار ذلك لا على طريق الاستعلام عن ذلك

وإذا كان المسؤول عنه مما لا وجود له طولب بتمييزه وتعريفه حتى يبين له أنه لا وجود له وأنك تدعي ثبوت ما ليس بثابت كما يقال لمن يدعي أن هنا جبلا من ياقوت أو بحرا من زئبق أين هو؟ وكيف هو؟ وكما يقال لمن يدعي وجود المنتظر المعصوم الداخل إلى سرداب سامرا: بماذا يعرف؟ وكم كان عمره حين دخل؟ وماذا الذي يمنعه من الظهور؟ ونحو ذلك من المسائل التي يبين بها عدم المسؤول عنه أو عدم ما أثبته المسؤول له

وهذا في القرآن كثير كقوله تعالى: { ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها } [ الأعراف: 195 ]

وقوله تعالى: { قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض } [ يونس: 18 ]

وقوله: { أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى * ألكم الذكر وله الأنثى } [ النجم: 19 - 21 ]

ومنه قولهم: { أهذا الذي بعث الله رسولا } [ الفرقان: 41 ]

وقول الكفار: { أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون * أو آباؤنا الأولون } [ الصافات: 16 - 17 ]

وإذا كان المسؤول عنه موجودا كان الجواب بما يدل على وجوده فلهذا أجاب موسى للمنكرين بما يدل على إثبات الصانع سبحانه فإن افتقار السماوات والأرض وما بينهما والمشرق والمغرب والموجودين وآثارهم إلى الصانع واستقرار ذلك في فطرهم - أمر لا يمكن إنكاره إلا عنادا كما قال تعالى: { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا } [ النمل: 14 ]

وذكر موسى عليه السلام السماوات والأرض والليل والنهار والأولين والآخرين فذكر الأعلى والأسفل والمتيامن والمتياسر والمتقدم والمتأخر وهذه هي الجهات الست للإنسان وذكر التقدم والتأخر بالزمان بعد أن ذكر التقدم والتأخر بالمكان فإن المكان دخل في السماوات والأرض والمشرق والمغرب وذكر موسى خلق الإنسان بعد أن ذكر الخلق العام

كما في قوله: { اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق } [ العلق: 1 - 2 ] وكما في قوله تعالى: { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق } [ فصلت: 53 ]

فإذا كان المسؤول عنه بما هو لا بد أن تكون له ذات هي ماهيته كان الجواب عنها بما يمكن من التعريف فإن أمكن أن يعرف بعينه قيل: هذا هو أو هو فلان ابن فلان ونحو ذلك مما يميزه عند السائل ويوجب معرفته بعينه بالإحساس لكن معرفة عينه لم تحصل هنا بمجرد كلام المتكلم بل بالإحساس به وإن لم يمكن معرفته بعينه عرف بنظيره ولا يكون له نظير من كل وجه فإنه لو كان نظير من كل وجه لم يكن المجهول إلا عينه وإذا كان المطلوب معرفة عينه لم يحصل الجواب بالنظير وإنما يعرف بالنظير نوعه فلا يجاب بالنظير إلا إذا كان السؤال عن معرفة نوعه وحينئذ فتحصل المعرفة به بحسب مماثلة ذلك النظير له لأجل القدر المشترك الذي بين المتماثلين

كمن سئل عن الخمر فقال: شراب مسكر فلا بد أن يكون السائل يعرف الشرب ويعرف السكر ولكن لم يعرف نوع سكر الخمر بل عرف مثلا سكر الغضب والعشق والحزن وعرف زوال العقل بالجنون والبنج فلو سأل عن السكر قيل له: لذة مع زوال الحزن فقولنا: لذة يخرج سكر الغضب والحزن فإنه ألم بخلاف سكر العشق ولكن ليس هذا مثل هذا فلا يمكن تعريفه ذلك إلا بالقدر المشترك بين هذه اللذة وسائر اللذات وبالقدر المشترك بين زوال العقل بهذا السبب وغيره من الأسباب ثم إذا انضم إلى ذلك أنه شراب يميز المسؤول عنه عن غيره

ولهذا كان حقيقة الأمر أن الحدود المقولة في جواب ما هو إنما يحصل التمييز بين المحدود وغيره وأما نفس تصور حقيقته فذاك لا يحصل بالقول والكلام لا على وجه التحديد ولا غيره بل بإدراك النفس المحدودة

فالسائل إذ سأل عن الرب ما هو أمكن أن يجاب بأجوبة تميزه عما سواه سبحانه بحيث لا يشركه غيره في الجواب ويمكن أن يذكر من الأمور المشتركة بحسب إدراك السائل ما يحصل به من المعرفة ما يشاء الله

وأما معرفة كنه الذات فذاك لا يمكن بمجرد الكلام ليس لأنه لا كنه لها لكن لأن تعريف كنه الأمور لا يمكن بمجرد العبارات

فإذا قيل: هو نور لم يمنع هذا أن تكون حقيقته نورا كما إذا قيل: هو حي أو عالم أو قادر أو موجود لكن ليس هو مثل شيء من الأنوار المخلوقة كما أنه ليس مثل شيء من الأحياء العالمين المخلوقين ولا شيء من الموجودات المخلوقة

ولكن لولا القدر المشترك لما كان في الكلام فائدة ثم القدر المميز يحصل بالإضافة فيعلم أنه نور ليس كالأنوار موجود ليس كالموجودين حي لا كالأحياء

وهذا الجواب هو جواب أهل التحقيق من المثبتين الذين ينفون علم العباد بماهيته وكيفيته ويقولون: لا تجري ماهيته في مقال ولا تخطر كيفيته ببال ويقولون: الاستواء معلوم والكيف مجهول ويقولون: حجب الخلق عن معرفة ماهيته ونحو ذلك

وأما من نفى ثبوت هذه الأمور في نفس الأمر فقال: لا ماهية له فتجري في مقال ولا كيفية له فتخطر ببال كما يقول ذلك من يقول من المعتزلة ومن اتبعهم من الأشعرية وغيرهم من أصحاب الفقهاء الأربعة - فهؤلاء هم الذين خرجوا عن الجواب الطبيعي وأرادوا تغيير الفطرة الإنسانية كما غيروا النصوص الشرعية وإنما الكمال بالفطرة المكملة بالشرعة المنزلة والرسل صلوات الله عليهم بعثوا بتقرير الفطرة وتكميلها لا بتغيير الفطرة وتحويلها

ومن المعلوم أنه لا يمكن أن يجاب عن سؤال السائل بما هو بما يجاب إذا سئل عن الأنواع فإن الله لا مثل له سبحانه وإذا كان المخلوق الذي انحصر نوعه في شخصه كالشمس مثلا لا يمكن ذلك فيها فالخالق سبحانه أولى بذلك

وإذا كان تعريف عين الشيء لا يمكن إلا بمعرفته أو معرفة نظيره والله لا نظير له امتنع أن يعرف إلا بما تعرف به الأعيان من المعارف الخاصة بالمعروف باطنا وظاهرا كما يهدي إليه به عباده المؤمنين من الإيمان به في الدنيا وكما يتجلى لهم في الدار الآخرة

وهذه المعرفة تطابق ما سمعوه مما وصف به نفسه ووصفه به رسوله فيتطابق الإيمان والقرآن ويتوافق البرهان والعيان

والله سبحانه فطر عباده على الإقرار به فطرة تختص به ليست كلية مشتركة بينه وبين غيره كما جعل في الإبصار قوة ترى بها الشمس بخصوصها لا تعرف الشمس معرفة مشتركة

كما يقال في حدها: كوكب يطلع نهارا بل معرفة الناس للشمس أعظم من معرفتهم لغيرها من أعيان الكواكب ولنوع الكواكب لو كانت الشمس من نوع الكواكب فكيف إذا لم تكن من نوعها؟

ولهذا كانت الدلائل على الخالق آيات له والآية تختص بما في آية عليه ليست قياسا كليا يدل على معنى مشترك عام بل تدل على معين موجود متميز عن غيره

والأدلة القياسية الكلية التي يخصها باسم البرهان أهل المنطق ونحوهم لا تدل إلا على أمر كلي كقولنا: الإنسان محدث وكل محدث فله محدث: ينتظم قضيتين كليتين فقول القائل: الإنسان محدث يعم كل إنسان وعلمه بحدوث الإنسان المعين كعلمه بحدوث الإنسان الآخر ليس علمه بهذه القضية الكلية أكمل من علمه بالواحد المعين إلا أنه قد يجهل الإنسان حكم المعين فيستدل عليه بنظيره

وكذلك قول القائل: كل محدث فله محدث فما من محدث يعلم حدوثه إلا وهو يعلم أنه له محدثا كما أنه يعلم أن المحدث الآخر محدثا ثم إذا علم أن للمحدث محدثا فهذا علم مطلق كلي ليس فيه معرفة بمعين وليس هذا معرفة بالله تعالى

وأما الآية فهي مختصة به لا يشركه فيها غيره فالإنسان وغيره من الآيات تدل على عينه نفسه لا تدل على نوع مطلق إذ الدليل مستلزم للمدلول وهذه الأدلة مستلزمة لعينه لافتقارها إليه ليست مستلزمة لأمر مطلق كلي إذا المطلق الكلي لا وجود له في الخارج

لكن المستدل قد لا يعلم ابتداء استلزامها لنفسه بل يعرف المشترك أولا ثم المختص ثانيا كمن يرى شخصا من بعيد فيعلم أنه جسم ثم يراه متحركا إليه فيعلم أنه حيوان ثم يراه منتصبا فيعلم أنه إنسان ثم يراه فيعلم أنه زيد مثلا فكان علمه بعينه بحسب أدلته

والرب تعالى متميز عن غيره بجميع خصائصه والناس تكلموا في أخص وصفه فقال من قال من المعتزلة: هو القدم وقال الأشعري وغيره: هو القدرة على الاختراع وقال من قال من الفلاسفة: هو وجوب الوجود

والتحقيق أن كل وصف من هذه الأوصاف فهو من خواصه ومن خواصه أنه بكل شيء عليم وأنه على كل شيء قدير وأنه الله الذي لا إله إلا هو وأنه الرحمن الرحيم

وكل اسم لا يسمى به غيره: كالله والقديم الأزلي ورب العالمين ومالك يوم الدين ونحو ذلك - فمعناه من خصائصه

والاسم الذي يسمى به غيره وهو عند الإطلاق ينصرف إليه: كالملك والعزيز والحليم - يختص بكماله وإطلاقه فلا يشركه في ذلك غيره

والاسم الذي يسمى به غيره ولا ينصرف إطلاقه إليه: كالموجود والمتكلم والمريد - يختص أيضا بكماله وإن لم يختص بإطلاقه

عود إلى كلام ابن رشد في مناهج الأدلة ورد ابن تيمية

ومن المعلوم أن الأسماء التي يختص بها بكل حال أو عند الإطلاق أو تنصرف إليه بالنية يجب أن يعلم المتكلم بها اختصاصه بها وإلا لم يخصه بها وتخصيصه بها مستلزم لمعرفة ما يختص به ويمتاز به غيره فلا بد أن يكون في القلوب من المعرفة ما تختص به ويمتاز به عن غيره

وهذه المعرفة لا تكون بقياس كلي مدلوله معنى كلي إذ الكلي لا تخصيص فيه بل قد يحصل عن قياسين مثل أن يعلم أن كل محدث له محدث وأن المحدث للمحدثات ليس هو شيئا من هذا العالم ولا يكون اثنين فيعلم أنه واحد خارج عن العالم ومع هذا فإشارة القلوب إلى عينه خارجة عن موجب قياس الكلي

وهكذا سائر المعلومات لا يمكن أن تعلم بمجرد القياس الكلي غير معينة في الخارج وقد بسط الكلام على هذا في موضعه

ولهذا إذا ذكر الله توجهت القلوب إليه سبحانه لما في الفطرة من معرفته أبلغ مما توجه إلى معين غيره إذا ذكر فإذا قيل: الشمس - أو الهلال - توجهت القلوب إلى ما عرفته من ذلك وتوجهها إلى ما عرفته من الخالق أكمل

وهذا أمر مغروز فيها وقد فطرت عليه وآياته دوال وشواهد وهي كما قال تعالى: { تبصرة وذكرى لكل عبد منيب } [ ق: 7 ] فهي تبصر الجاهل وتذكر الغافل

قال ابن رشد: وههنا سبب آخر وجب أن يسمى به نورا وذلك أن حال وجوده من عقول العلماء الراسخين في العلم عند النظر إليه بالعقل هي حال الإبصار عند النظر إلى الشمس بل حال عيون الخفافيش فكان هذا الصنف لائقا عند الصنفين من الناس

قلت: ولقائل أن يقول: هذا الكلام يناسب حال أهل الحيرة والضلال الذين حارت عقولهم فيه فلم تعرفه كما يحار البصر في الشمس فلا يراها فقد مثله بالنور عند الجمهور لكونه هو الذي يرى وعند العلماء لكونه لا يرى فاقتضى هذا أن الجمهور لهم به معرفة وأن العلماء لا يعرفونه

وهذا حقيقة كلام هؤلاء فإنهم يجعلون ما أظهره الله من أسمائه وصفاته لتعريف الجمهور إذ لا يمكن إلا ذلك وهو عندهم في الباطن ليس كذلك بل موصوف بالسلوب التي لا يحصل منها إلا الجهل والحيرة والضلالة ومنتهاهم أن يثبتوا وجودا مطلقا لا حقيقة له إلا في الذهن لا في الخارج

وهذا منتهى هؤلاء المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من المتصوفة: أهل الوحدة والحلول والاتحاد ومن ضاهاهم من أصناف أهل الإلحاد

وأصل ضلال هؤلاء أنهم لم يثبتوا وجودا للرب مباينا للمخلوقات متميزا عنها بل اعتقدوا أن هذا منتف لكونه يقتضي ما هو منتف عندهم من التحيز والجهة

قال: وأيضا فإن الله تبارك وتعالى لما كان سبب الموجودات وسبب إدراكنا لها وكان النور مع الألوان هذه صفته أعني أنه سبب وجود الألوان بالفعل وسبب رؤيتنا لها فبالحق ما سمى الله نفسه نورا وإذا قيل: إنه نور لم يعرض شك في الرؤية التي جاءت في المعاد

قلت: هذا الرجل سلك مسلك صاحب مشكاة الأنوار فإن ذلك الكتاب موضوع على قواعد هؤلاء المتفلسفة وابن رشد هذا يمدح كلامه في مشكاة الأنوار وما كان مثله مما وافق فيه الفلاسفة

والمسلمون يقدحون في كلامه الذي وافق فيه الفلاسفة ويمدحون من كلامه ما وافق فيه المسلمين وناقض به الفلاسفة فما يمدحه به أهل العلم والإيمان يذمه به هذا وأمثاله وينشد :

يوما يمان إذا ما جئت ذا يمن... وإن لقيت معديا فعدنان

وما يمدحه به أهل العلم والإيمان يذمه به هؤلاء وقد ذكر في مشكاة الأنوار ما يناسب ما ذكره هذا في النور ومن هنا دخل الملحدون من الاتحادية الذين قالوا بوحدة الوجود وقالوا: إن الخلق مجال ومظاهر لأن وجود الحق ظهر فيها وتجلى فجعلوا نفس وجوده هو نفس ظهوره وتجليه

ومن المعلوم أن الشيء يكون موجودا في نفسه ثم يظهر ويتجلى تارة ويحتجب أخرى سواء كان تجليه لوجود سبب الرؤية في الرائي كالأعمى إذا صار بصيرا أو لزوال المانع في الظاهر كالحجب المانعة أو لهما جميعا

وهؤلاء جعلوا وجود الحق في المخلوقات هو نفس ظهوره وتجليه فيها وسموها مجالي ومظاهر وذلك أن حقيقة قولهم: إنه ليس موجودا في الخارج ولكنهم يظنون أنهم يعتقدونه موجودا في الخارج فإذا شاهدوا الوجود الساري في الكائنات ظهر لهم هذا الوجود وهم يظنونه الله فسموها مظاهر ومجالي لأنها أظهرت لهم ما ظنوا أنه الله

ولو أنهم جعلوها آيات أظهرت لهم وبينت ما دلت عليه من وجوه وعلمه وقدرته ورحمته وحكمته مع علمهم بأن وجوده مباين لوجودها - لكانوا مهتدين

وما ذكره هذا الرجل موافقا فيه لصاحب المشكاة أن النور سبب وجود الألوان وسبب إدراكنا لها كما أن الله سبب وجود الموجودات وسبب معرفتنا بها - ليس بمستقيم فإن الألوان موجودة في نفسها سواء أدركناها أو لم ندركها وهي في نفسها مستغنية عن النور ولكن النور شرط في إدراكنا لها لا في وجودها

وليس المخلوق مع الخالق كذلك بل الخالق هو المبدع لأعيان الموجودات وليس هو معها كالشرط مع المشروط ونحو ذلك مما يقتضيه كلام هذا الرجل في تهافت التهافت وكلام أمثاله من هؤلاء المتفلسفة الاتحادية وغيرهم الذين يجعلونه مع الموجودات كالمادة مع الصورة وكالصورة مع المادة كالكلي مع الجزئي كالجنس مع النوع أو النوع مع الشخص ونحو ذلك من التمثلات التي يقتضي أنه مفتقر إليها وهي مفتقرة إليه وكل منهما مع الآخر كالشرط مع المشروط كما قد صرح بذلك صاحب الفصوص وغيره

بل هو سبحانه الغني بنفسه عن كل ما سواه من كل وجه وكل ما سواه مفتقر إليه من كل وجه وليس شيء أفقر إلى شيء من المخلوق إلى الخالق ولا شيء أغنى عن شيء من الخالق عن المخلوق ولا يشبه فقر الخلق إليه وغناه عنهم شيء من أنواع الفقر والغنى

وإذا قلنا: كالمفعول مع الفاعل والمصنوع مع الصانع والمبدع مع المبدع أو كالمعلول مع العلة والموجب مع الموجب ونحو ذلك - فكل ذلك تقريب فيه قصور وتقصير منا إذ ليس في الموجودات ما هو مع غيره كالمخلوق مع الخالق ولا في الوجود مفعول له فاعل واحد له يستغني به ولا معلول له علة واحدة تستغني به في الوجود

بل كل ما في الوجود مما يظن أنه مفعول أو معلول لشيء من المخلوقات فإن غايته إذا كان فاعلا وعلة أن يكون محتاجا إليه من وجه دون وجه وهو محتاج إلى غيره من وجه آخر وهو فاعل وعلة له من وجه دون وجه وأما أن يكون في الموجودات ما هو مفتقر إلى فاعل أو علة كافتقار المخلوقات إلى الخالق فلا

وهذا من أسباب ضلال هؤلاء فإنهم ضلوا في قياسهم الخالق الذي ليس كمثله شيء على المخلوقات فيجعلون حال المخلوقات معه كحال مفعولات العباد معهم لا سيما وفيهم من يكون قوله شرا من ذلك

ومن هذا الباب قول من جعل المعدوم شيئا ثابتا في الخارج مستغنيا عن الخالق ومن جعل الماهيات غير الأعيان الموجودة فإذا ضم إلى أحد هذين القولين أن يجعل الوجود واحدا والوجود الواجب هو الممكن - لزم أن يكون كل من وجود الأعيان وثبوتها مفتقرا إلى الآخر وأن يكون الوجود الواجب مفتقرا إلى الذوات المستغنية عنه كما يقوله صاحب الفصوص

أو أن يكون وجود الأعيان الذي هو الوجود الواجب عند هؤلاء مفتقرا إلى الماهيات المستغنية عنه كما يقوله آخرون منهم ويقول ابن سبعين وأمثاله: هو في كل شيء بصورة ذلك الشيء فهو في الماء ماء وفي النار نور وفي الحلو حلو وفي المر مر وقد وقع نوع من الحلول والاتحاد في كلام غير واحد من شيوخ الصوفية

ولهذا كان الأئمة منهم ك الجنيد وأمثاله يتكلمون بالمباينة كقول الجنيد: التوحيد إفراد الحدوث عن القدم وفي كلام الشاذلي والحرالي بل وابن برجان بل وأبي طالب وغيرهم من ذلك ما يعرفه من فهم حقيقة الحق وفهم مقاصد الخلق

ولهذا كان الناس يصفون السالمية بالحلول فإن أبا طالب من أصحاب أبي الحسن ابن سالم صاحب سهل بن عبد الله التستري

والناس في هذه المسألة على أربعة أقوال :

منهم من يقول بالحلول والاتحاد فقط كقول صاحب الفصوص وأمثاله

ومنهم من يثبت العلو ونوعا من الحلول وهو الذي يضاف إلى السالمية أو بعضهم وفي كلام أبي طالب وغيره ما قد يقال: إنه يدل على ذلك

ومنهم من لا يثبت لا مباينة ولا حلولا ولا اتحادا كقول المعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم

والقول الرابع إثبات مباينة الخلق للمخلوق بلا حلول وهذا قول سلف الأمة وأئمتها

وكل من وقع بنوع من الحلول لزم افتقار الخالق إلى غيره واستغناء غيره عنه فإن الحال في غيره إن لم يكن محتاجا إليه بوجه من الوجوه امتنع الحلول سواء قيل: إن الحال قائم بنفسه أو بغيره

فإن قال الحلولي: أنا أثبت حلولا لا كحلول الأجسام ولا الأعراض وحينئذ فلا يلزم افتقاره فيه إلى غيره

قيل: هذا لا حقيقة له وهو كقول من قال: أثبت قيامه بغيره من غير احتياج إلى ذلك المحل الذي من شأنه أن يقوم ما قام فيه لأن قيامه بالغير ليس كقيام الأجسام والأعراض وأثبته في غيره لا مماسا له ولا مباينا له

لكن هذا الجواب يصح من أهل السنة الذين ينكرون وجود موجود لا مباين للعالم ولا داخل فيه وأما من أثبت هذا فإنه لا يمكنه إبطال قول الحلولية فإنهم يقولون: كما أثبت موجودا لا داخل العالم ولا خارجه فأثبته حالا في الموجودات من غير أن يكون مفتقرا إليها

فإذا قال: هذا لا يعقل

قيل: وذاك لا يعقل بلا تصديق العقل بوجود موجود في العالم غير مفتقر إليه أقرب من تصديقه بوجود موجود لا داخل العالم ولا مباين له

ولهذا كان انقياد القلوب إلى قول الحلولية أقرب من انقيادهم إلى قول نفاة الأمرين وجمهور الجهمية وعبادهم وصوفيتهم إنما يتكلمون بالحلول وإلا فالنفي العام لا تقبله غالب العقول وإنما يقوله من يقوله من متكلمتهم

وهؤلاء يخضعون لأرباب الأحوال والعبادات والمعارف من الجهمية الحلولية ولا يمكنهم الإنكار عليهم بحجة ظاهرة ويد مبسوطة بل إما أن يكونوا مقصرين معهم في الحجة وإما أن يكونوا مقهورين معهم بالحال والعبادة والمعرفة لأن أولئك في قلوبهم تأله ووجد وذوق وهؤلاء بطالون قساة القلوب لأن القلب لا يتوجه بالقصد والعبادة إلى العدم والنفي وإنما يتوجه إلى أمر موجود

ولهذا كانت الجهمية النفاة داخلين في نوع من الشرك إذ كل معطل مشرك وليس كل مشرك معطلا والجهمية قولهم مستلزم للتعطيل ففيهم شرك وقد يكون الشرك فيمن ليس منهم إذ إخلاص الدين لله مستلزم لإثباته وليس إثباته مستلزما للإخلاص فمن أثبت شيئا من الحقائق مستغنيا عن الله كاستغناء الألوان في أنفسها عن النور أمكنه أن يقول: هو بالنسبة إلى تلك الأمور كالنور بالنسبة إلى اللون إذ قد تظهر به تلك الأمور كما ظهر اللون لنا بالنور

قال ابن رشد: فقد تبين لك من هذا القول الاعتقاد الأول الذي في هذه الشريعة في هذه الصفة يعني الجسمية وما حدث في ذلك من البدعة

قال: وإنما سكت الشرع عن هذه الصفة لأنه لا يعترف بموجود في الغائب أنه ليس بجسم إلا من أدرك برهانا: أن في الشاهد موجودا بهذه الصفة وهي النفس ولما كان الوقوف على معرفة هذا المعنى من النفس مما لا يمكن الجمهور لم يمكن فيهم أن يعقلوا وجود موجود ليس بجسم فلما حجبوا عن معرفة النفس علمنا أنهم حجبوا عن معرفة هذا المعنى من الباري تعالى

قلت: ولقائل أن يقول: هو قد بين فساد طرق نفاة الجسم من المتكلمين وكذلك بين فساد طريقة ابن سينا وغيره من الفلاسفة وذكر أنه لا يمكن الاعتراف بوجود موجود في الغائب ليس بجسم إلا من علم بالبرهان أن النفس ليست بجسم

وحينئذ فيقال له: هذا أضعف من كلام المتكلمين ومن كلام الفلاسفة من وجهين: أحدهما: أن الأدلة الدالة على كون النفس ليست الجسم الإصطلاحي وهو ما يمكن الإشارة إليه وكونها لا توصف بحركة ولا سكون ولا تقرب من شيء ولا تبعد عنه ولا تصعد ولا تعرج ولا تهبط ونحو ذلك مما يقوله فيها هؤلاء الفلاسفة - أضعف من أدلة نفي ذلك عن الباري فإذا كانت تلك فاسدة فهذه أولى

والثاني: أن يقال: هب أنه يثبت أن النفس لا يمكن الإشارة إليها أو أن المخلوقات ما لا يمكن الإشارة إليها فمن أين يجب أن يكون الخالق كذلك؟ غاية ما يثبت به: أن العقل لا يحيل ذلك لكن عدم استحالته في العقل لا يقتضي ثبوته في نفس الأمر بل ولا إمكانه في نفس الأمر

فإذا لم يكن ثم دليل عقلي ينفي الجسمية عن الباري كما قد بينته لم يكن في نفي ذلك عن النفس دليل على أن الباري كذلك اللهم إلا أن يثبت أن هذا الجنس أشرف من غيره

فيقال: الباري أحق بصفة الكمال من النفس لكن كون الشيء لا يشار إليه أمر سلبي والسلب المحض ليس صفة مدح ولا كمال إلا أن يتضمن أمرا وجوديا وليس في كون الشيء لا يشار إليه ما يستلزم أمرا وجوديا كما أنه ليس في كونه لا يرى ما يستلزم أمرا وجوديا كما أن نفي الرؤية عن بعض المخلوقات لا يستلزم نفيها عن الباري تعالى

وأيضا فيقال: من المعلوم أن اتصاف الموصوف بكونه حيا عليما قديرا أكمل من اتصافه بكونه لا يشار إليه ثم أنتم تفرون من إثبات صفات الكمال للرب في نفس الأمر لما في ذلك من التشبيه فإذا شبهتموه بالمخلوق فيما دون صفات الكمال من الصفات السلبية كان هذا أقرب إلى التشبيه الباطل ووصفه بالنقائص ولكن هذه سنة معلومة للجهمية: يسلبون عن ربهم صفات الكمال فرارا من التشبيه بالكامل من الموجودات ويصفون بالسلوب المتضمنة صفات النقص التي يشبهونه فيها بالجمادات والمعدومات والممتنعات فإن العدم علم لا يشار إليه كما أنه لا يرى وكل ما يوصف به العدم المحض لم يكن كمالا بل هو إلى النقص أقرب

وأما ما ذكره من سكوت الشريعة عن النفس

فيقال له: الكتاب - والسنة - مملوء بإثبات صفات النفس الدالة على أنه يشار إليها وأنها بحكم اصطلاحهم - جسم فإنه أخبر بقبضها ورجوعها وصعودها ودخولها في عباده ودخولها جنته ودخولها البدن وخروجها منه وعروجها إلى السماء وأنها في حواصل طير خضر وأمثال ذلك من الصفات التي تقولون أنتم: إنها لا تكون إلا لجسم

وأما لفظ الجسم فهو في اللغة بمعنى البدن أو بمعنى غلظه وكثافته كما قال: { وزاده بسطة في العلم والجسم } [ البقرة: 247 ] وقال: { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم } [ المنافقون: 4 ] ويقال: لهذا الثوب جسم أي غلظ وكثافة

وهذه المعاني منتفية عن الروح فلم يصلح أن يعبر عنها في لغة العرب بلفظ الجسم بل الناس يقولون: الجسم والروح فيجعلون مسمى الأجسام غير مسمى الأرواح وإذا كان من الأعيان القائمة بنفسها الموصوفة بالصعود والعروج والدخول والخروج ونحو ذلك مما لا يسمى في اللغة جسما لم يجب أن يسمى كل ما قام بنفسه جسما في لغتهم

وأما في اصطلاحكم فالجسم عندكم هو ما أمكن الإشارة إليه وما وصف بصعود أو هبوط فهو عندكم جسم وما قامت به الصفات فهو عندكم جسم فعلى اصطلاحكم يجب أن تكون الروح جسما وليس في عدم إخبار الشارع بذلك حجة لكم

والناس قد تنازعوا في قوله تعالى: { ويسألونك عن الروح } [ الإسراء: 85 ]: هل المراد به روح ابن آدم أو ملك من الملائكة أو غير ذلك؟ على قولين مشهورين وبتقدير أن يكون المراد روح الإنسان فالنص لم يخبر بكيفيتها لأن الإخبار بالكيفية إنما يكون فيما له نظير يماثله وليست الروح من جنس ما نشهده من الأعيان فلا يمكن تعريفنا بكيفيتها وإن كانت لها كيفية في نفسها

ثم يقال لهذا الذي أحال على ما قالوه في النفس: من المعلوم أن أعظم برهان لهم في أن النفس ليست جسما: قولهم: إن العلم يحل فيها فلو كانت جسما لا تقسم الحال فيها بانقسامها فإن الجسم منقسم والعلم لا ينقسم ولا بعض له وقد يفرضون ذلك في العلم بما لا ينقسم كالعلم بالكليات والمجردات وواجب الوجود

والعلم بالمعلوم الواحد لا ينقسم إذ العلم يتبع المعلوم فإذا لم يكن المعلوم منقسما لم يكن العلم منقسما فلم يكن محل العلم منقسما فلا يكون جسما هذا أعظم ما عندهم من البراهين

وقد اضطرب الناس في جوابه كما قد بسط في غير هذا الموضع لكن نقول هنا: جوابه من وجوه :

أحدها: أن يقال: قيام العلم بالنفس كقيام الحياة والقدرة والإرادة والحب والبغض وسائر الأعراض المشروطة بالحياة وهم يسلمون أن هذه الصفات تقوم بالجسم فما كان جوابا عن قيام هذه الصفات بالنفس كان جوابا عن قيام العلم

الثاني: ما عارضهم به صاحب التهافت وغيره وقالوا: هذا باطل عليكم بالقوة الوهمية التي تدرك في المحسوس ما ليس بمحسوس كإدراك القوة التي في الشاة عداوة الذئب فإنها في حكم شيء واحد لا يتصور تقسيمه إذ ليس للعداوة بعض حتى يقدر إدراك بعضه وزوال بعضه وقد حصل إدراكها في قوة جسمانية عندكم فإن نفس البهائم منطبعة في الأجسام لا تبقى بعد الموت وقد اتفقوا عليه فإن أمكنهم أن يتكلفوا تقدير الانقسام في المدركات بالحواس الخمس وبالحس المشترك وبالقوة الحافظة للصور فلا يمكنهم تقدير الانقسام في هذه المعاني التي ليس من شرطها أن تكون في مادة

وأورد على نفسه سؤالا فقال: هذه مناقضة في العقليات إذ العقليات لا تنتقض فإنه مهما لم يقدروا على الشك في المقدمتين وهو أن العلم الواحد لا ينقسم وأن ما لا ينقسم لا يقوم بجسم منقسم - لم يمكنهم الشك في النتيجة وأجاب بأن المقصود بيان تهافتهم وتناقضهم وقد حصل إذ انتقض أحد الأمرين: إما ما ذكروه في النفس الناطقة أو ما ذكروه في القوة الوهمية

الجواب الثالث: أن يقال: ما تعنون بقولكم: العلم لا ينقسم ومحله إذا كان جسما ينقسم؟ إن عنيتم بالانقسام إمكان تغريقه فلم قلتم: إن كل جسم يمكن تغريقه؟ وبتقدير أن يكون ممكنا في نفسه فلم قلتم: إنه إذا قسم لا تبقى النفس نفسا ولا روحا وإن بقيت أجزاؤها متفرقة؟

وكذلك يقال في العلم والقدرة والحياة وسائر الأعراض القائمة بالنفس: هي لا تبقى بعد تفرق النفس فقيامها بالنفس مشروط ببقاء النفس فإذا قدر أنه فرقت لم تكن باقية فلا تقوم بها الأعراض وهذا كقيام الأعراض بالبدن فإن قيام الحياة والحس والحركة ببعض البدن قد يكون مشروطا بقيامه بالبعض الآخر فإذا قطعت بعض الأوصال فارقت الحياة والقدرة والحس لمحل آخر فما المانع من أن يكون قيام العلم وغيره من الأعراض مشروطا بأن لا تفرق ولا تفسد إن كانت قابلة للتفريق؟

الجواب الرابع: قولكم: العلم الواحد بالمعلوم الواحد الذي لا ينقسم: ما تعنون بالمعلوم الواحد الذي لا ينقسم؟ إن عنيتم به العقول المجردة فتلك إثباتها فرع على إثبات النفس وكذلك واجب الوجود قد قلتم: إنه لا يمكن نفي ذلك عنه إلا بعد نفي ذلك عن الجسم فلو نفي ذلك عن النفس بناء على نفيه عنه لزم الدور

وهب أن منكم من لا يقول ذلك فالمنازع لا يسلم ثبوت شيء من الموجودات على الوجه الذي تدعونه من أنه لا يشار إليه ولا إلى محله

وأما الكليات فتلك ليس لها في الخارج معلوم ثابت لا ينقسم وإنما هذا على زعم من يضن أن الكليات موجودة كلية في الخارج وهو معلوم الفساد بالضرورة وهو من أصول ضلالهم في المنطق والإلهيات وإنما هي في الذهن

والكلي هو العام واللفظ العام والمعنى العام يقوم بالجسم كما يقوم اللفظ العام باللسان وكما يقوم الشك المطلق والجسم المطلق واللون المطلق في الخيال

وهذه كليات وأفرادها موجودة في الخارج وهي تقوم بالجسم عندهم

الجواب الخامس: أن يقال: سريان العرض في محله بحسب محله ومن المحال أن يقبل التفريق وتتفرق أعراضه مع بقائها كما أن السواد والبياض القائم بالجسم يتفرق بتفرق محله كالنور إذا قطع ومن المحال ما إذا فرق زالت أعراضه كالأشكال القائمة بالمشكل فإذا فرق زال ذلك الشكل فالاستدارة والتثليث والتربيع القائم بالجسم لا يبقى إذا فرق فأخرج عن ذلك الشكل إلى غيره وقد تكون الحياة والحس والحركة الإرادية والعلم والقدرة وغير ذلك مشروطا بالشكل الخاص أو غير ذلك من الأعراض

ومن المحال ما لا يعقل تفريقه ومن قال: إن النفس جسم لا يلتزم إمكان تفريقها وأنها مركبة من الجواهر المفردة أو من المادة والصورة إلا إذا كان من القائلين بذلك وقد عرف أن جمهور الناس لا يقولون لا بهذا ولا بهذا بل كثير من الطوائف النظار - أو أكثرهم - كالهشامية والنجارية والضرارية والكلابية وطائفة من الكرامية

وإنما ادعى أنها مركبة من الجواهر المفردة من ادعاء من المعتزلة والأشعرية ومن وافقهم من الكرامية وغيرهم

وأما القول بتركبة من المادة والصورة فقول بعض الفلاسفة

فهؤلاء إذا قالوا: إن النفس ليست جسما فقد أصابوا من وجه وأخطأوا من وجه أصابوا من حيث نفوا عنها هذا التركب والتبعيض والانقسام وأخطأوا من حيث ادعوا ثبوت ذلك في كل ما يشار إليه وكل ما يمكن الإحساس به ورؤيته فإنهم لما زعموا أن كل ما يمكن الإشارة الحسية إليه فهو جسم وكل جسم فهو مركب بهذا الاعتبار - لزمهم أن تكون النفس بحيث لا يشار إليها إشارة حسية

ومن المعلوم أن بدنها جسم معين محسوس وأنها هي التي ترى المعينات وتشمها وتذوقها وتسمعها بتوسط البدن فإذا كانت يشار إلى المعينات المحسوسة إشارة حسية تميز بها بين محسوس ومحسوس وتتعلق ببدن معين مخصوص - لم تكن نسبتها إلى جميع الأبدان والأجسام واحدة

وإذا قيل: هي تتعلق بالبدن تعلق التدبير والتصريف

قيل: المدبر المصرف لغيره: إن كان تدبيره بعينه فلا بد من إحساسه وإما إن كان يدبره تدبيرا مطلقا كليا مثلما يأمر الإنسان أتباعه أو أجناده بأمر عام من غير قصد شخص معين منهم - فهذا لا يفتقر إلى الإحساس بآحادهم أما إذا أمر واحدا بعينه فلا بد من امتيازه عن غيره

وتمييز الأعيان بعضها عن بعض إنما هو بالحس الباطن أو الظاهر ليس بمجرد العقل الكلي فإذا كانت تشير إلى المعينات من الأجسام المحسوسة أشارت إليها الأجسام المعينة فإن الإشارة الحسية مشتركة فما أشير إليه إشارة حسية أمكن أن يشير إشارة حسية وما لا فلا

يبين هذا أن البدن والنفس يؤثر كل منها في الآخر والنفس إذا أحبت ورضيت وفرحت وحزنت أثر ذلك في البدن والبدن إذا سخن أو برد أو جاع أو شبع أثر ذلك في النفس فالتأثير مشترك

وإذا كان البدن جسما معينا يؤثر فيها دون غيرها من الأنفس فلا بد أن يشير إليها ويعينها دون غيرها من الأنفس وإشارة البدن لا تكون إلا إشارة حسية والكلام على هذا مبسوط في موضعه

قال ابن رشد: وأما ما حصله الإمام المهدي يعني محمد بن التومرت الذي ادعى أنه المهدي المبشر به وأقام الملك المعروف بملك الموحدين وكان كثير من مصنفي العلم في مملكة أتباعه يراعون ذكره وأقواله حتى يذكروا اسمه بعد اسم النبي ﷺ لأنه دعا الناس إلى أقواله بالسيف واستحل دماء من خالفه فيما ذكره من التوحيد وإمامته وغير ذلك وكأصول التوحيد الذي هو توحيد الجهمية نفاة الصفات وكان يقول بالوجود المطلق وعلى منواله نسج ابن سبعين وأمثاله في التوحيد

عود إلى كلام ابن رشد في مناهج الأدلة ورد ابن تيمية

قال ابن رشد: وأما ما حصله الإمام المهدي من التصريح بنفي الجسمية فهو الواجب بحسب زمانه وذلك أن الناس لما اجترأوا على الشرع وسألوا عما لم يسأل عنه الصحابة وهل هو جسم أم ليس بجسم؟ إذ هذا السؤال موجود في فطر الناس بالطبع واشتهر هذا السؤال وفشا في الناس وكان السبب فيه سؤال من دعي إلى الدخول في الإسلام من سائر الأمم الذين اعتادوا النظر لم يكن بد لأهل الإسلام من الجواب في ذلك فأجاب بعضهم في ذلك بجواب خطأ وهو أنه جسم وأجاب بعضهم بأنه ليس بجسم وهو الجواب الصواب وكثر الاختلاف بينهم ووقع الشك والحيرة وكفر بعضهم بعضا

قال: ولما كانت خاصة الإمام المهدي رفع الاختلاف بين الناس أتى مقررا لنفي الجسمية عنه سبحانه كفر المثبت للجسمية وهو شيء جرى من فعله في الشرع في وقته - وبحسب الناس الذين وجد فيهم - مجرى التتميم والتبيين والله يختص بفضله من يشاء

قلت: ولقائل أن يقول: في هذا الكلام من المداهنة والمصانعة لأتباع ابن التومرت ما لا يخفى والمقصود العلمي أن يقال: هذا باطل من وجوه :

أحدها: أنه قد أسلم على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم من الأمم ودعي إلى الإسلام من أصناف الأمم من لا يوجد بعدهم مثلهم في الحذق والنظر فإن الصحابة دعوا أكمل الأمم: العرب والعبرانيين والروم والفرس ومن دخل في هؤلاء من القبط والنبط وفتحوا أوسط الأرض وكل من دعي - أو أسلم - بعد هؤلاء كالترك والديلم والبرير والحبشة وغيرهم فإنهم دون هؤلاء في الفضل

ومن المعلوم أن فلسفة اليونان والهند ونحوهم كانت موجودة إذ ذاك كوجودها اليوم وأكثر إذ كانت اليونان موجودين قبل مبعث المسيح وكان أرسطوا وملكه الإسكندر بن فليبس قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة وآخر ملوكهم بطليموس الذي دخل النصارى عليهم

ثم من نظر في أخبار الأمم الذين لم يكن لهم كتاب كالروم واليونان ونحوهم علم أن النصارى أكمل منهم في الإلهيات وأفضل وأعلم منهم وأعقل وإنما كان يكون حذق تلك الأمم في غير العلوم الإلهية كالطب والحساب والهيئة ونحو ذلك

وأعظم اشتغالهم بالهيئة إنما كان لأجل الشرك والسحر ودعوة الكواكب والأوثان من دون الله فإنهم يقولون: إنهم يستخرجون قوى الأفلاك ويمزجون بين القوة الفعالة السماوية والقوى المنفعلة الأرضية

ولهذا يوجد في بلادهم من الطلاسم ونحوها ما هو معروف بأرض مصر والشام والجزيرة وغيرها

فدعوى المدعي أن الناس احتاجوا فيمن يدعونه إلى الإسلام إلى تغيير الأصول الشرعية التي لم يحتج الصحابة إلى تغييرها - دعوى باطلة

الوجه الثاني: أن يقال: القرآن فيه بيان الوجوب عن هذا السؤال وسائر ما يسأل عنه لكن يريد الذي يجيب بما في القرآن والسنة أن يعرف معاني القرآن والسنة ويعرف معاني كلام السائل فإن الناس لهم عبارات يعبرون بها عن معانيهم غير العبارات التي في الكتاب والسنة كما لأمة لسان غير لسان العرب

فالمجيب بما جاء به الرسول يحتاج إلى أن يعرف معنى العبارتين: العبارة التي خاطب بها الرسول والعبارة التي وقع بها السؤال

ثم هذه العبارات قد تكون غريبة غير معناها وقد لا يكون معناها مغيرا وقد لا تكون غريبة فلفظ الهيولى ونحوها من كلام الفلاسفة ليس غريبا في لغتهم معناه مثل معنى المحل والموضع ونحو ذلك

ولفظ العقل والمادة ونحوهما في كلامهم غير معناه عن معناه في لغة العرب فإنهم يعنون بالعقل جوهرا قائما بنفسه والعقل في لغة العرب عرض هو علم أو عمل بالعلم وغريزة تقتضي ذلك

والمادة من جنس الهيولى عندهم

وكذلك لفظ الجسم والجوهر والعرض والتحيز والانقسام والتركيب: معانيها في اصطلاح النظار غير معانيها في لغة العرب لكن هذه الألفاظ لم تستعمل في القرآن في الأمور الإلهية

وكذلك غير طائفة من أهل الكلام والفلسفة لفظ التوحيد والإيمان والسنة والشريعة ونحو ذلك من الألفاظ المستعملة في الأمور الإلهية

والمقصود هنا أن السائل إذا سأل عن الأمور الدينية بألفاظ ليست مأثورة عن الرسول في ذلك مثل سؤاله بلفظ: الجهة والحيز والجسم والجوهر والمركب والمنقسم ونحو ذلك - نظرنا إلى معنى لفظه فأثبتنا المعنى الذي أثبته الله ونفينا المعنى الذي نفاه الله

ثم إن كان التعبير عن ذلك بعبارته سائغا في الشرع وإلا عبر بعبارة تسوغ في الشرع وإذا كانت عبارته تحتمل حقا وباطلا منع من إطلاقها نفيا وإثباتا

ولفظ الجسم والجوهر ونحوهما من هذا الباب فإذا قال السائل: هل الله جسم أم ليس بجسم؟ لم نقل: إن جواب هذا السؤال ليس في الكتاب والسنة مع قول القائل: إن هذا السؤال موجود في فطر الناس بالطبع

والله تعالى يقول: { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } [ المائدة: 3 ]

وقال: { وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون } [ التوبة: 115 ]

وقال: { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين } [ النحل: 89 ]

وقال: { ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } [ يوسف: 111 ]

وقال: { فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى } [ طه: 123 - 126 ]

وقال: { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء } [ الأعراف: 3 ]

وقال: { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } [ الأنعام: 153 ]

وقال: { قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم } [ المائدة: 15 - 16 ]

وقال: { الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد } [ إبراهيم: 1 ]

وقال: { أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون } [ العنكبوت: 51 ]

وقال: { فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون } [ الأعراف: 157 ]

ومثل هذا في القرآن كثير مما يبين الله فيه أن كتابه مبين للدين كله موضح لسبيل الهدى كاف لمن اتبعه لا يحتاج معه إلى غيره يجب اتباعه دون اتباع غيره من السبل

وقد [ كان النبي ﷺ يقول في خطبته إن أصدق الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ]

وكان يقول: [ عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة ] وفي لفظ: [ وكل محدثة بدعة ]

وكان يقول: [ تركتكم على البيضاء: ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ]

وكان يقول: [ ما أمركم الله بشيء إلا أمرتكم به ولا نهاكم الله عن شيء إلا نهيتكم عنه ]

وقال أبو ذر: لقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما ومثل هذا كثير

فكيف يكون هذا - مع هذا البيان والهدى - ليس فيما جاء به جواب عن هذه المسألة ولا بيان الحق فيها من الباطل والهدى من الضلال؟ ! بل كيف يمكن أن يسكت عن بيان الأمر ولو لم يسأله الناس؟ !

واعتقاد الحق واجب فيها: إما على العامة والخاصة وإما على الخاصة دون الأمة لا سيما مع كثرة النصوص المشعرة بأحد قسمي السؤال وإنما يقول: إن جواب هذا السؤال وأمثاله ليس في الكتاب والسنة الذين يعرضون عن طلب الهدى من الكتاب والسنة ثم يتكلم كل منهم برأيه ما يخالف الكتاب والسنة ثم يتأول آيات الكتاب على مقتضى رأيه فيجعل أحدهم ما وضعه برأيه هو أصول الدين الذي يجب اتباعه ويتأول القرآن والسنة على وفق ذلك فيتفرقون ويختلفون

كما قال فيهم الإمام أحمد: هم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على مخالفة الكتاب

ولو اعتصموا بالكتاب والسنة لاتفقوا كما اتفق أهل السنة والحديث فإن أئمة السنة والحديث لم يختلفوا في شيء من أصول دينهم ولهذا لم يقل أحد منهم: إن الله جسم ولا قال: إن الله ليس بجسم بل أنكروا النفي لما ابتدعته الجهمية من المعتزلة وغيرهم وأنكروا ما نفته الجهمية من الصفات مع إنكارهم على من شبه صفاته بصفات خلقه مع أن إنكارهم كان على الجهمية المعطلة أعظم منه على المشبهة لأن مرض التعطيل أعظم من مرض التشبيه

كما قيل: المعطل يعبد عدما والمشبه يعبد صنما

ومن يعبد إلها موجودا موصوفا بما يعتقده هو من صفات الكمال وإن كان مخطئا في ذلك خير ممن لا يعبد شيئا أو يعبد من لا يوصف إلا بالسلوب والإضافات

ونفاة الصفات وإن كانوا لا يعتقدون أن ذلك متضمن لنفي الذات لكنه لازم لهم لا محالة لكنهم متناقضون ولهذا لا يوجد فيهم إلا من فيه نوع من الشرك ولا بد من ذلك لنقص توحيدهم الذي به يتخلصون من الشرك

والمقصود أن يقال: جواب هذا السؤال في الشريعة وذلك أن يقال: إن الله قد بين ما هو ثابت له من الصفات وما هو منزه عنه وأثبت لنفسه صفات الكمال ونفى عنه صفات النقص

فيقال لمن سأل بلفظ الجسم: ما تعني بقولك؟ أتعني بذلك أنه من جنس شيء من المخلوقات؟ فإن عنيت ذلك فالله تعالى قد بين في كتابه أنه لا مثل له ولا كفو له ولا ند له وقال: { أفمن يخلق كمن لا يخلق } [ النحل: 17 ]

فالقرآن يدل على أن الله لا يماثله شيء: لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله: فإن كنت تريد بلفظ الجسم ما يتضمن مماثلة الله لشيء من المخلوقات فالله منزه عن ذلك وجوابك في القرآن والسنة

وإذا كان الله ليس من جنس الماء والهواء ولا الروح المنفوخة فينا ولا من جنس الملائكة ولا الأفلاك فلأن لا يكون من جنس بدن الإنسان ولحمه وعصبه وعظامه ويده ورجله ووجهه وغير ذلك من أعضائه وأبعاضه أولى وأحرى

فهذا الضرب ونحوه مما قد يسمى تشبيها وتجسيما كله منتف في كتاب الله وليس في كتاب الله آية واحد تدل لا نصا ولا ظاهرا على إثبات شيء من ذلك لله فإن الله إنما أثبت له صفات مضافة إليه

كقوله: { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } [ البقرة: 255 ] و: { إن الله هو الرزاق ذو القوة } [ الذاريات: 58 ]

و: { ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي } [ ص: 75 ] { ويبقى وجه ربك } [ الرحمن: 27 ] { والسماوات مطويات بيمينه } [ الزمر: 67 ] كما قال: { تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك } [ المائدة: 116 ]

ومعلوم أن نفس الله التي هي ذاته المقدسة الموصوفة بصفات الكمال ليست مثل نفس أحد من المخلوقين

وقد ذهب طائفة من المنتسبين إلى السنة من أهل الحديث وغيرهم وفيهم طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما إلى أن النفس صفة من الصفات والصواب أنها ليست صفة بل نفس الله هي ذاته سبحانه والموصوفة بصفاته سبحانه وذلك لأنه بإضافته إليه قطع المشاركة فكذلك لما أضاف إليه علمه وقوته ووجهه ويديه وغير ذلك قطع بإضافته إليه المشاركة فامتنع أن شيئا من ذلك من جنس صفات المخلوقين كما امتنع أن تكون ذاته من جنس ذوات المخلوقين

ولهذا اتفق السلف والأئمة على الإنكار على المشبهة الذين يقولون: بصر كبصري ويد كيدي وقدم كقدمي

وإن عنيت بلفظ الجسم الموصوف بالصفات القائم بنفسه المباين لغيره الذي يمكن أن يشار إليه وترفع إليه الأيدي - فلا ريب أن القرآن قد أخبر أن الله له العلم والقوة والرحمة والوجه واليدان وغير ذلك وأخبر أنه إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه وأنه: { خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش } [ الفرقان: 59 ] وأنه: { تعرج الملائكة والروح إليه } [ المعارج: 4 ]

فالقرآن مملوء من بيان علوه على خلقه والصعود إليه والنزول منه ومن عنده وإثبات علمه ورحمته وغير ذلك من صفاته

وإذا سميت ما هو كذلك جسما وسئلت: هل هم جسم؟ كان الجواب أن المعنى الذي سئلت عنه وأردته بهذا اللفظ قد بينه الله وأثبته في كتابه

وأما إطلاق لفظ الجسم على الله فهو كإطلاق الفلاسفة لفظ العقل ونحو ذلك وهذه العبارات في لغة العرب تتضمن معاني ناقصة ينزه الله عنها فالعقل هو المصدر الذي هو عرض والله سبحانه منزه عن ما هو فوق ذلك بل نفس تسميته عاقلا ليس معروفا في شرع المسلمين

فقد تبين أن ما يعني بلفظ الجسم من تمثيل الله بخلقه ووصفه بالنقائص فقد بين الله في كتابه أنه منزه عنه وما يعني به من إثبات أنه قائم بنفسه مباين لخلقه عال عليهم يرفعون إليه أيديهم عند الدعاء ويعرج إليه بنبيه ليلة الإسراء - موصوف بصفات الكمال منزه عما يستلزم العدم والإبطال - فقد بين الله في كتابه إثباته لنفسه فلا يقال: إنه ليس في القرآن جواب هذا السؤال

فإذا قال القائل بعد هذا: الجسم هو المؤلف أو المركب فلا يكون جسما ونحو ذلك

قيل له: لا ريب أن الله سبحانه غني عن كل ما سواه لا يجوز أن يقال: إنه مفتقر إلى غيره في شيء فضلا عن أن يقال: ركبه مركب أو ألفه مؤلف والله قد أخبر في القرآن بمعناه

وكذلك لا يجوز أن نظن أنه كان مفرقا فاجتمع أو أنه يتفرق أو نحو ذلك مما ينافي صمديته وكماله في وقت من الأوقات

وإذا قال قائل: الجسم هو القائم بنفسه أو المشار إليه فيكون جسما

قيل له: لا ريب أن الله قائم بنفسه وأنه ترفع الأيدي إليه ويشار إليه كما أشار النبي ﷺ عشية عرفة بإصبعه إليه وجعل يقول: اللهم اشهد اللهم اشهد

وقال: إن الله حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا

وقال: إشارة الرجل بإصبعه في الصلاة مقمعة للشيطان وهو إشارة إلى التوحيد

ويقال لذلك :

أنت تقول: الجسم هو المركب وهذا يقول: هو القائم بنفسه وأنتما متفقان على أن الله تعالى لا يتفرق ولا يركبه أحد وعلى أنه قائم بنفسه فإن تنازعتما في كونه فوق العرش وأن القرآن نزل منه والملائكة تعرج إليه - فالصواب مع المثبت وإن تنازعتما في كون استوائه على العرش مثل استواء المخلوق أو في كونه مفتقرا إلى العرش ونحو ذلك مما يتضمن وصفه بالنقص أو تمثيله بالخلق - فالصواب مع النافي

وكذلك إن تنازعتم في إثبات علمه ورحتمه وقوته فالصواب مع المثبت وإن تنازعتم في أنه: هل صفاته ذوات قائمة بنفسها كما قد يحكى عن النصارى فالصواب مع النافي

فإن قال القائل: الأجسام المتماثلة فإذا قلنا: هو جسم لزم أن يكون مثلا لغيره بخلاف ما إذا قيل: حي وحي وعليم وعليم وقدير وقدير فإذا هذا اتفاق في الصفات لا يقتضي التماثل في الذوات فمن قال: هو جسم لا كالأجسام - كان مشبها بخلاف من قال: حي لا كالأحياء

وهذا السؤال يقوله من يقوله من أصحاب الأشعري ومن وافقهم من أصحاب مالك والشافعي وأحمد فيقال: إذا كان المخاطب لك ينفي أن يكون مماثلا لغيره وينفي التشبيه كما ننفيه وأنت وهو قد تنازعتم في مسمى اسم من الأسماء: هل هو مماثل لغيره أو لا؟ كان ذلك نزاعا لفظيا ونزاعا عقليا ليس ذلك نزاعا في أمر ديني ولو تركوا الكلام في هذا لم يضر ذلك الدين شيئا ويمكن كلا منهما أن يعبر مقصوده الديني بما لا نزاع فيه فيبقى هذا التمثيل بألفاظ ومعان لا نزاع فيها ويثبت هذا قيام الرب بنفسه ومباينته لخلقه وعلوه على عرشه بألفاظ ومعان لا نزاع فيها من غير احتياج واحد منهما إلى التكلم بلفظ الجسم نفيا ولا إثباتا

فإن قلتم: نزاعنا في شيء آخر وهو أن يسمى جسما: هل هو مركب من الجواهر المفردة؟ أو من المادة والصورة؟ أم هو واحد لا تركيب فيه؟ فمن قال بالأول لم يجز أن يسميه جسما ومن قال بالثاني سماه جسما

قيل: هذا نزاع لا يتعلق بالدين فإن اللفظ إنما يكون البحث عن معناه من الدين الواجب إذا جاء في الكتاب والسنة وكلام أهل الإجماع فإن معرفة مراد الله ومراد رسوله ومراد أهل الإجماع واجب لأن قول الله ورسوله وقول أهل الإجماع قول معصوم عن الخطأ يجب اتباعه فاللفظ الوارد في ذلك إن لم يعرف معناه لم يعرف ما أرادوا ولهذا كان الواجب أن كل لفظ جاء في كلام المعصوم وجب علينا التصديق به وإن لم يعرف معناه وما جاء في كلام غير المعصوم لم يجب علينا إثباته ولا نفيه حتى يعرف معناه فإن كان مما أثبته المعصوم أثبتناه وإن كان مما نفاه نفيناه

ولفظ الجسم في حق الله وفي الأدلة الدالة عليه لم يرد في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا كلام أحد من السلف والأئمة فما منهم أحد قال: إن الله جسم أو جوهر أو ليس بجسم ولا جوهر ولا قال: إنه لا يعرف إلا بطريقة الأجسام والأعراض بل ولا استدل أحد منهم على معرفة الله بشيء من هذه الطرق: لا طريقة التركيب ولا طريقة الأعراض والحوادث ولا طريقة الاختصاص

وإذا كان كذلك فالمتنازعون في مسمى الجسم متنازعون في أمر ليس من الدين: لا من أحكامه ولا دلائله وهكذا نزاعهم في مسمى العرض وأمثال ذلك

بخلاف نزاعهم في إثبات المعنى المراد بلفظ الجسم ونفيه فإن هذا يتعلق بالدين فما كان من الدين فقد بينه الله في كتابه وسنة رسوله بخلاف ما لم يكن كذلك

فإن قيل: فلا بد من فصل النزاع بين كل اثنين في الدين

قيل: فصل النزاع قد يكون بوجهين: أحدهما: نهي كل منهما عن منازعة الآخر بهذا إذ هو نزاع فيما لا فائدة فيه كما لو تنازع اثنان في لون كلب أصحاب الكهف ومقدار السفينة والبعض من البقرة الذي أمر الله بالضرب به إن قدر أنه كان معينا مع أن ظاهر القرآن يدل على أنه مطلق لا معين وفي أمثال ذلك من الأمور التي لا فائدة فيها وقد لا يكون إلى معرفتها سبيل - فمثل هذا ينهي كل منهم عن منازعة الآخر فيه بل ينهي عن أن يقول ما لا يعلم

والثاني أن يفصل النزاع ببيان الخطأ من الصواب وحينئذ فإذا فصل النزاع بين المتنازعين في الجسم قيل: النزاع على وجهين: لفظي ومعنوي

فإن كنتم تتنازعون في مسمى الجسم في اللغة فليس مسماه ما قلته أنت من أن كل قائم بنفسه أو مشار إليه يسمى جسما ولا ما قلته أنت من أن الجسم في اللغة هو المركب من أجزاء فإن الهواء أو نحوه عنده مركب والعرب لا تسميه جسما وهو مشار إليه قائم بنفسه والعرب لا تسميه جسما

فقول كل واحد منكما غير موافق للغة العرب وغايته أن يكون اصطلاحا منكم على معنى كسائر الألفاظ الاصطلاحية فيكون نزاعهم كتنازع الفقهاء في لفظ الفرض هل هو مرادف للواجب أو أوكد منه؟ ولفظ السنة هل يدخل فيه الواجب أو لا يدخل؟ ومثل هذه المنازعات اللفظية الكثيرة

وهذه بمنزلة اللغات والعادات في العبادات قد تحمد أو تذم بحسب الشرع تارة وبحسب اللغة أخرى وقد لا تحمد ولا تذم

وإن كان نزاعكم في معنى عقلي وهو أن العين التي اتفقتم على تسميتها جسما بحسب اصطلاحكم وهي ما يشار إليه بقول أحدكما: إنها مركبة من أجزاء مفردة أو المادة والصورة والآخر ينكر ذلك - فهذا يمكن فصل النزاع بينكم إذا كان النزاع معنويا بالأدلة العقلية تارة وبغيرها أخرى

ولكن مثل هذه المسائل لا يحتاج إليها الدين كما لا يحتاج إلى مسائل الهيئة والتشريح وإن كان العلم بها مما ينتفع به في الدين كما ينتفع بالحساب والطب وكما ينتفع بمسائل النحو واللغة ونحو ذلك

ومن هذا الباب ما ذكره من تماثل الأجسام وتناهي قواها وأنها مركبة مفتقرة إلى مركب - فإن هذه المسائل مما تنازع فيها العقلاء مع اتفاق المسلمين على أن الله ليس له مثل ولا تنتهي قوته وأنه غير مفتقر إلى غيره

فالمعنى الذي يرده النافي بلفظ الجسم يوافقه المثبت عليه وإذا تنازعوا بعد هذا لم يكن نزاعهم إلا لفظيا وليس لإطلاق لفظ واحد منهما أصل في الشرع: لا هذا ولا هذا فالشرع لم يسكت عن المعنى الذي يجب نفيه الذي ينفيه النافي بلفظ الجسم بل نفاه الشرع فلا يقال: إن الشرع سكت عما يحتاج إلى معرفته من معنى الجسم نفيا وإثباتا

ثم إذا كان المعنى الذي يريده النافي يمكنه نفيه بالشرع وبالعقل بدون إطلاقه لفظ متنازع في أحكام معناه كان نفي ذلك المعنى بما ينفيه من الأدلة الشرعية والعقلية التي لا يمكن النزاع فيها هو المشروع دون بقية معان متنازع فيها هي طويلة متعبة بلا نزاع وقد تكون مع ذلك باطلة

ومن المعلوم أن من ترك سلك الطريق المستقيم الذي يوصله إلى مكة وسلك طريقا بعيدة لغير مصلحة راجحة كان تاركا لما يؤمر به فاعلا لما لا فائدة فيه أو ما ينهى عنه إذا كانت تلك الطريق موصلة إلى المقصود فأما مع الاسترابة في كونها موصلة أو مهلكة فإنه لا يجوز سلوكها

وهذه الطرق التي يسلكها نفاة الجسم وأمثالهم أحسن أحوالها أن تكون عوجا طويلة قد تهلك وقد توصل إذ لو كانت مستقيمة موصلة لم يعدل عنها السلف فكيف إذا تيقن أنها مهلكة؟ !

ولا ريب أن الذين يعارضون الكتاب والسنة إنما يعارضونها بطرق هؤلاء فهم يعرضون عن كتاب الله في أول سلوكهم ويعارضونه في منتهى سلوكهم

وقال قال تعالى: { فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى } [ طه: 123 - 124 ]

فقد بين ان حذاق الفلاسفة أيضا يثبتون أن التصديق بما جاء به الشارع لا يتوقف على شيء من الطرق الكلامية المحدثة ولا شيء من طرقهم الفلسفية وإنما غايتهم أن يقولوا: إن الطرق الفلسفية تفيد علما لبعض الناس ليس مما يجب ولا يستحب لجمهور الناس وأن ذلك العلم الخاص يخالف بعض الظاهر المعروف عند الجمهور

ونحن نقبل من كلامهم ما أقاموا عليه الحجة الصحيحة سواء كانت شرعية أو عقلية فأما إذا قالوا ما نعلم بطلانه رددناه

وقد نبهنا على أن قولهم فيما يدعون الاختصاص به من علم الباطن أضعف بكثير من قول من بينوا فساد قوله من المعتزلة والأشعرية

وقد تبين لك أن الطوائف التي في كلامها ما يعارضون به كلام الشارع من العقليات سواء عارضوا به في الظاهر والباطن كل منهم يقول جمهور العقلاء: إن عقلياته تلك باطلة ويبينون فساد عقلياته بالعقليات الصحيحة الصريحة التي لا يمكن ردها

وهذا مما ينصر الله به رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا فإن الله تعالى إذا أقام لكل طائفة تعارض الرسول من جنسها من يبين فساد قولها المعارض له ويكشف جهلها وتناقضها - كان بمنزلة أن يقيم لكل طائفة تزيد محاربته من جنسها من يحاربها بالسلاح ثم المؤمن المجاهد يمكنه جهاد هؤلاء كما يمكنه جهاد هؤلاء ويمكنه أن يستعين بما فعلته كل طائفة بالأخرى فإذا أغارت طائفة على أخرى وهزمتها أتاها من الناحية الأخرى ففتح بلادها وإن كان هو لم يستعن بأولئك ابتداء لكن الله يسر بما فيه الهدى والنصر لعباده المؤمنين وكفى بربك هاديا ونصيرا



(وهذا آخر الكتاب والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما كثيرا

فرغ من نسخه العبد الفقير إلى رحمة ربه القدير يوسف بن عبد الله بن محمد بن يوسف بن عبد المنعم بن نعمة بن سلطان بن سرور المقدسي يوم السبت أذان العصر ثامن عشر المحرم سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة ببستان الأعز رحم الله كاتبه ولمن قرا فيه ودعا له بالمغفرة ولجميع المسلمين وصلى الله على النبي محمد وآله

بلغ مقابلة بحسب الإمكان على نسخة قوبلت على أصل المصنف رضي الله عنه وهي المنقول منها وتكلمت مقابلة جميع الكتاب بحمد الله وعونه بعد أذان العصر يوم السبت ثامن عشر المحرم سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة أحسن الله خاتمتها في خير وعافية بمنه وكرمه وكان ذلك بالمكان الذي فرغ من نسخه فيه

أنهي جميع هذا الكتاب نظرا من أوله إلى آخره في مجالس عديدة وأزمان مديدة مطالعة تحقيق وبحث وتدقيق كان آخرها في أواخر شعبان المبارك من شهور سنة خمسين وسبعمائة قال وكتبه عبد العزيز بن يحيى بن عبد المنعم بن محمد بن روح المضوي المدني نفعه الله بالعلم وزينه بالتقى والحلم)


درء تعارض العقل والنقل
1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | 32 | 33 | 34 | 35 | 36 | 37 | 38 | 39 | 40 | 41 | 42 | 43 | 44 | 45 | 46 | 47 | 48 | 49 | 50 | 51 | 52 | 53 | 54 | 55