الرئيسيةبحث

الرواية ( Novel )



الرواية قصة خيالية نثرية طويلة ؛ وهي من أشهر أنواع الأدب النثريّ. وتُقدّم الروايات قصصًا شائقة تساعد القارئ، في معظمها، على التفكير في القضايا الأخلاقية والاجتماعية أو الفلسفية، كما يحث بعضها على الإصلاح، ويهتم بعضها الآخر بتقديم معلومات عن موضوعات غير مألوفة، وتكشف جوهَر المألوف. ومن الرِّوايات مايكون هدفه مجرد الإمتاع والتَّسلية.

تُغطي الموضوعات التي تتناولها الروايات حيّزيّ التجارب الإنسانية والخيال. فبعض الروايات تصوّر أشخاصًا وحوادث من واقع الحياة. وكتَّاب هذه الروايات الواقعية يسعون لتصوير الحياة كما هي، على حين أن الرواية النفسية تركز على أفكار ومشاعر واحد أو أكثر من شخصياتها. وعلى عكس الرواية الواقعية، فإن الرواية الرومانسية تقدّم صورًا مثالية للحياة كما تستكشف بعض الروايات علمًا خياليًا مثل: قصص الخيال العلمي التي تصف أحداثـًا مستقبلية أو كواكب أخرى. أما الرواية البوليسية فتعدُّ أشهر الروايات وأحبها عند بعض القُرّاء.

إن للرواية ـ بوصفها شكلاً أدبيًا ـ أربع سمات أساسية تميزها عن باقي الأنماط الأدبية هي: 1- شكل أدبي سرديّ يحكيه راوٍ، وبهذا تختلف عن المسرحية التي تُحكى قصتها من خلال أقوال وأفعال شخصياتها 2- أطول من القصة القصيرة وتُغطي فترة زمنية أطول وتضم عددًا من الشخصيات أكثر 3- تكتب في لغة نثرية 4- عمل قوامه الخيال، وبذلك تختلف عن التأريخ والسيرة الذاتية اللذين يحكيان عن أحداث وأشخاص حقيقية.

وقد يبني بعض الروائيين أعمالهم على أحداث أو حياة لأشخاص حقيقيين، لكنّ إبداعهم يكمن في إيراد أحداث أو شخصيات لا تمت إلى الحقيقة بصلة. ولذا فالرواية جزئيًا ـ إن لم يكن كليًا ـ من نسج خيال المؤلّف.

جذور الرواية:

أصبحت الرواية شكلاً ثابتًا من أشكال الأدب في القرن الثامن عشر الميلادي في إنجلترا. غير أن جذورها تمتد إلى الأدبين الإغريقي والروماني القديمين. وتمتزج في الأدب الروائي بما فيه من خيال، بعض سمات الأدب غير الروائي كالتأريخ والسيرة الذاتية، لكن الرواية تختلف عن هذه الفنون غير الروائية بملامح فنية خاصة بها، كالحبكة والموضوع وتقنيات القصّ.

الروايات الإغريقية والرومانية القديمة:

كانت الأنماط الأدبية السردية في القديم تكتب شعرًا، وأفضل أنماطها الملحمة التي تتحدّث عن إنجازات أبطال وآلهة وثنيين أسطوريين، مثل الإلياذة والأوديسة لهومر. كما كَتَب الإغريق قصصًا روائية طويلة تسمَّى القصص الخيالية. تصف مغامرات خيالية في بلاد أجنبية أو مآزق العشاق الشباب. وكذلك كتبوا القصص الخيالية الرعوية عن قصص حبّ الرّعاة. ومن أهم الأنماط السردية لدى الرومان التي تخالف تمامًا قصص الإغريق عن الحبّ المثالي، روايات الستيريكون و الحمار الذهبيّ والمسوخ.

الروايات الأوروبية اللاحقة:

اشتهرت في أوروبا قصص الفروسية الخيالية التي تتحدّث عن الحب والمغامرة في أواخر القرون الوسطى. وكان معظمها يدور حول ملك إنجلترا الأسطوري الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة. أما في أسبانيا فقد ظهرت خلال القرن السادس عشر الميلادي عدَّة أعمال سرديّة أكثر واقعية مثل: لثريودي تورمس ويعدُّها بعض النقاد أول رواية في أدب الشطار، وأبطالها من اللصوص والقراصنة بدلاً من الفرسان.

وفي الأعمال السردية الأسبانية تحلُّ المدنية محل الغابات والقلاع. ويعتقد بعض النقاد أن أول رواية هي رائعة ميغل دي سرفانتس دون كيشوت، لكن نقادًا آخرين يعارضون هذا الرأي ويقولون إنها ساعدت كثيرًا في تطوير الفن الروائي. وتدور رواية دون كيشوت عن مالك أرض في منتصف العمر، تعبث برأسه أحلام مثالية بسبب قراءته لقصص الفروسية الخرافية، فيتخيّل نفسه فارسًا يجوب العالم ليدفع الظلم. وخلافًا للشخصيات التي تصورها الفروسية الخرافية، فإن شخصية دون كيشوت ترتكب أخطاء مأساوية محزنة.

ازدهار الرواية الإنجليزية:

ظهرت الرواية الإنجليزية شكلاً أدبيًا بارزًا في إنجلترا خلال القرن الثامن عشر الميلادي، ويعد بعض النقاد دانيال ديفو أول روائي في إنجلترا بالرغم من افتقار رواياته لحبكة موحدة. فكلتا روايتيه روبنسون كروزو (1719م) و مول فلاندرز سلسلة من الأحداث في حياة أشخاص عاديين، لكنهم أكثر ذكاء من غيرهم.

أما صمويل ريتشاردسون فقد كتب رواياته بحبكات واضحة، كما تميزت رواية هنري فيلدينج حكايات توم جونز اللقيط (1749م) بحبكتها الطويلة المترابطة التي تحكي مغامرات مضحكة لطفل يتيم. ويُعد لورانس ستيرن من كبار المجربين في حقل الرواية، فروايته تريسترام شاندي (1767م) رواية غير تقليدية، تقوم على الحوار والذكريات أكثر من الحركة والأحداث.

وبالمثل يُعدُّ توبياس سموليت من كتاب الرواية الرواد المعروفين في هذه الفترة. وفي أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر الميلاديين اشتهرت في إنجلترا الرواية القوطية وهي روايات الإثارة والرعب، مثل: فرانكنشتين (1818م) لماري شيللي.

الرواية في القرن التاسع عشر

أنجبت روسيا خلال القرن التاسع عشر الميلادي روائيَيْن كبيرَيْن هما ليو تولستوي وفيودور دوستويفسكي، وكلاهما من كبار أساتذة المدرسة الواقعية. وإن كانت رائعة تولستوي الحرب والسّلام (1869م) تصوِّر أحداث هجوم نابليون الأول على روسيا، إلا أن هذه الأحداث تتداخل مع قصص أخرى، تصوَّر حياة طبقات مختلفة من المجتمع الروسي، كما تقدّم رواية أنَّا كارنينا (1875- 1877م) للمؤلِّف نفسه قصة حب مأساوية. على حين اشتهر دوستويفسكي بتحليله أغوار النفس الإنسانية ومعالجته للأفكار الفلسفية. ومن أشهر رواياته في هذا الميدان الجريمة والعقاب (1866م) والإخوة كارامازوف (1879-1880م).

أضاف كُتّاب هذا القرن من الإنجليز إضافات بارزة إلى تقنيات الروائيين الأوائل، فأنتجوا أعمالاً كثيرة رائعة. كما كتب روائيون آخرون من فرنسا وروسيا والولايات المتحدة روايات ذات قيمة أدبية كبيرة. وقد سيطرت الحركة الرومانسية ـ التي تقوم على التعبير الكامل عن العواطف والخيال ـ على أدب أوائل القرن التاسع عشر الميلادي. ثم أعقبتها الحركة الواقعية التي تنادي بتصوير الحياة بدقة كما هي.

ففي بريطانيا أبدع الكاتب الأسكتلندي الرومانسي السير وولتر سكوت الروايات التاريخية وساعد على انتشارها. ومن أشهر هذه الروايات ويفرلي (1814م) وإيفانهو (1819م). وقد ظهرت روايات العادات والتقاليد خلال القرن التاسع عشر الميلادي متأثرة بأسلوب العلاقات الاجتماعية وحياة طبقات معينة. ومن أشهر هذه الروايات رواية الكبرياء والتحامل (1813م) لجين أوستن التي تناولت التقاليد الاجتماعية ومشكلات الحب والزواج.

ومن أشهر الروائيين والروايات التي ناقشت زيف الطبقات الارستقراطية والبرجوازية ما كتبه وليم تاكاري في سوق الغرور (1847-1848م) وتشارلز ديكنز في أوليفر تويست (1837 - 1839م) وهي تعرض لمشكلات الطبقات الدنيا في لندن. وجورج إليوت في سيلاس مارنر (1861م) وتعرض لمجتمع القرية والمدن الصغيرة، وتوماس هاردي في دير برفيل (1891م)، حيث عرض لشخصيات قدّرت عليها حياة مأساوية.

وفي فرنسا أثر الروائيون الفرنسيون في تطور الرواية خلال القرن العشرين الميلادي تأثيرًا كبيرًا. إذ ساهم ستندال في تطور الرواية النفسيّة كما كتب جوستاف فلوبير مدام بوفاري (1856م) بتفاصيل واقعية تعطي صورة مرئية عن الأجواء الداخلية لشخصياته. وقد أثرت طريقته هذه في عدد من الكتاب. وساهم إميل زولا في إرساء دعائم المدرسة الطبيعية، فأصبحت اتجاهًا مهمًا في الأدب خلال هذا القرن. وقدَّم في رواية جرمينال (1885م) شخصيات تعيش في ظروف خارجة عن إرادتها.

شهدت الولايات المتحدة الأمريكية العديد من كبار الروائيين خلال القرن التاسع عشر الميلادي، منهم ناثانيل هووثورن الذي اشتهر باستخدام الأسلوب الرمزي وتحليل الجوانب الخفية في حياة شخصياته وسلوكها كما في روايته الحرف القرمزي (1850م). كما كتب هرمان ملفيل موبي ديك أو الحوت (1851م). وتثير هذه الرواية، في قالب رمزي، أسئلة فلسفية عن الخير والشر. أما الكاتب مارك توين فعُرف بأسلوبه الفكاهي الساخر واستخدامه اللهجة العامية الخاصة لتعرية نفاق المجتمع وقسوته. وأطيب مثال على ذلك روايته مغامرات هكلبري فن (1884م). ويتصدر هذه الفترة كاتب كبير هو هنري جيمس الذي كان متمكِّنًا من تقنية كتابة الرواية وبنائها المسرحي، خاصة في معالجاته للعلاقات الاجتماعية وتصويره لنفسيات الشخصيات الذكية الحساسة التي قدَّمها في روايتيه صورة سيِّدة (1880-1881م) و السفراء (1903م).

أثَّرت حركة المدرسة الطبيعية الفرنسية في أواخر القرن العشرين الميلادي على أدباء أمريكا، مثل ثيودور درايزر. وستيفن كرين الذي صوّر قسوة الأحياء الفقيرة في روايته ماجي فتاة الطريق (1893م). أما روايات وليم فوكنر فتؤكد على انهيار المعايير الأخلاقية التقليدية.

الرواية الحديثة في القرن العشرين

قام الروائيون من مختلف البلاد في القرن العشرين بتجارب متنوعة في إبداع الرواية وتقنيتها وأنواع الحبكة. وتناول الكثير منهم التغيرات الاجتماعية التي طرأت بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية.

تيارات جديدة في الرواية:

صوّر جوزيف كونراد ـ البولندي الأصل ـ في أوائل هذا القرن جانب قسوة الإنسان وأنانيته في روايته نوسترومو (1904م). كما جرّب مارسيل بروست في فرنسا تقنية الكتابة بوصفها أحلام يقظة شاعرية. ففي رائعته تذكر الأشياء الماضية (1913-1927م) عمد إلى فقرات مستفيضة من الحوار في هذا اللون من الأحلام. وحاكاه في هذا الأسلوب أندريه جيد ولويس فيردناند سلين.

كما استخدم جيمس جويس في إنجلترا تقنية تيار الوعي للتعبير عن الرؤى والمشاعر والذكريات التي تفيض بها عقول شخصياته. ويؤكد جويس في يوليسيز (1922م) انهيار القيم الشخصية وتفاهة النشاط الإنساني في الحياة المعاصرة. وكذلك كتبت فرجينيا وولف بالتقنية نفسها مع استخدام الرمزية بأسلوب شاعري مؤكدة على هشاشة العلاقات الإنسانية في خضم القيم الاجتماعية المنهارة. وقد تبدّى ذلك في روايتها إلى الفنار (1927م).

وفي أمريكا صوّر سكوت فيتزجيرالد الخواء الأخلاقي للأثرياء الأمريكيين في جاتسبي العظيم (1925م). كما عبّر هرمان ملفيل وإرنست همنجواي عن شعور الأمريكيين بالضياع بعد الحرب العالمية الأولى في رائعتيه: الشمس تشرق أيضًا (1926م) و وداعًا للسلاح (1929م).

وكتب فرانز كافكا، التشيكي الأصل، باللغة الألمانية روايات تتسم بأجواء خيالية، مثل الكابوس ، وصوّر في المحاكمة (1925م) إحباط الرجل العادي ويأسه في دوامة البيروقراطية الحكومية. كما كتب الروائي الألماني توماس مان عن إحباطات الحياة الحديثة من خلال شخصياته الحساسة المثقَّفة في روايتيه الجبل السحري (1924م) ودكتور فاوست (1947م).

وكان للحركة الوجودية ـ بوصفها حركة فلسفية ـ أثر كبير على الأدب الفرنسي في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين. وترى هذه المدرسة أن الحياة مشوشة وليس لها معنى، وأنّ على الإنسان أن يختار طريقه على مسؤوليته الخاصة. وقد أسفرت هذه الحركة عن روايات من أشهرها الغثيان (1938م) لـ جان بول سارتر والغريب (1942م) لـ ألبيرت كامو.

فترة مابعد الحرب العالمية الثانية:

ظهر شكل تجريبيّ في فرنسا للرواية خلال الخمسينيات من القرن العشرين عرف باسم الرواية الجديدة. وقد رفض أصحاب هذا الاتجاه السمات التقليدية للرواية، مثل الحبكة المنظمة والشخصيات الواضحة المعالم وركزوا على وصف دقيق للأشياء والأحداث كما هي. وتمثل هذا الاتجاه رواية آلان روب جرييه المسمَّاة الغيرة (1957م). ويعدّ صمويل بيكيت ـ الأيرلندي الأصل ـ أكثر أدباء الخمسينيات تأثيرًا على اتجاه الرواية في كتاباته سواء بالفرنسية أو الإنجليزية. وتركز روايته وفاة مالون على الهستيريا التي أصابت مالون عند وفاته.

وتناول جراهام جرين ووليم جولدينج، وهما من أشهر الروائيين الإنجليز بعد الحرب، القضايا الأخلاقية والدينية، أولهما في لب المشكلة (1948م) والآخر في ملك الذباب (1954م).

كما كتب أدباء أمريكا روايات تقليدية مثل القابض في الجودار (1951م) للكاتب ج. د. سالينجر. بينما ركَّز جيمس بولدوين و رالف أليسون على مشكلات الزنوج في المجتمع الأمريكي، فكتب الأول اذهب وقل ذلك على الجبل (1953م) والآخر الرجل الخفي (1952م).

وفي الستينيات من القرن العشرين أصبح أسلوب الفكاهة السوداء أسلوبًا شائعًا. فيتناول الكاتب في هذا اللون من الروايات المشكلات الجادة بطريقة مضحكة مبكية. فرواية جوزيف هلر الممسك 22 تتحدث بصورة مضحكة عن عبثية الحرب والمؤسسات العسكرية غير أنها تصوّر في الوقت نفسه الضياع المخيف الذي تخلفه الحرب.

تتسم الرواية اليوم بتيارات عالمية ظهرت في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، ويُعد مؤلفو الروايات غير الخيالية من أصحاب هذه التيارات. ويود كتَّاب هذا التيّار أن يجمعوا بين الأسلوب الوثائقي عن الأحداث الحقيقية وتقنية الكتابة الروائية. ويظهر هذا بوضوح في رواية ترومان كابوت مع سبق الإصرار (1959م) التي كتبت بأسلوب صحفي يعتمد على وثائق عن جريمة حقيقية. كما مزج الكاتب البريطاني بيتر أكرويد في كتاباته في الثمانينيات الحقائق التاريخية بالخيال الروائي.

وقد أصبحت الرواية اليوم شكلاً أدبيًا عالميًا. ويشمل الأدباء الذين يكتبون بالإنجليزية، أدباء أستراليين مثل: باتريك وايت الحائز على جائزة نوبل للأداب عام 1973م، والأديب الهندي راسبيورام نارايان كاتب بائع الحلوى (1967م). واشتهر نيبول، ف.س من منطقة الكاريبي بروايته منحنى النهر (1979م). ومن كتَّاب جنوب إفريقيا الذين يكتبون بالإنجليزية والأفرِيكانية ؛ أندريه برنك مؤلف ★ تَصَفح إلى الظلام (1974م). ومن كتاب إفريقيا أيضًا الأديب النيجيري شينوا أتشيبي بروايته رجل الشعب (1966م). وفي أيرلندا اشتهر فلان أوبريان وبراين مور. ومن أشهر أدباء بريطانيا الجدد مارتن أميس، ووليم بويد وأنيتا بروكنر و أ. ن. ولسون وجوليان بارنز وأيضًا كازو إيشيجورو الياباني الأصل.

وهناك روائيون جدد يكتبون بلغات أخرى غير الإنجليزية، مثل كارلوس فيونتس في المكسيك، وماريو فارجاس لوسا في بيرو، وجورجي لويس بورجيس في الأرجنتين. وجميعهم يكتبون باللغة الأسبانية. ويكتب جورج أمادو من البرازيل باللغة البرتغالية. واشتهر الإيطالي إيتالو كالفينو والروائية الفرنسية مارجريت دورا مؤلفة رواية العاشق (1984م).

الرواية في الأدب العربي

تعود نشأة الرواية العربية إلى التأثر المباشر بالرواية الغربية بعد منتصف القرن التاسع عشر الميلادي. ولا يعني هذا التأثر أن التراث العربي لم يعرف شكلاً روائيًا خاصًا به. فقد كان التراث حافلاً بإرهاصات قصصية، تمثلت في حكايات السمار والسير الشعبية وقصص العذريين وأضرابهم، والقَصَص الديني والفلسفي. أما المقامات العربية فذات مقام خاص في بدايات فن القص والرواية في الأدب العربي. فقد تركت بصمات واضحة في مؤلف المويلحي حديث عيسى بن هشام وفي مؤلفات غيره من المحدثين الذين اتخذوا من أسلوب المقامة شكلاً فنيًا لهم.

وتعزى أول محاولة لنقل الرواية الغربية إلى عالم الرواية العربية إلى رفاعة رافع الطهطاويّ في ترجمته لرواية "فينيلون" مغامرات تليماك (1867م) ولعلّ رواية سليم البستاني الهيام في جنان الشام (1870م) أول رواية عربية قلبًا وقالبًا.

وتظل الرواية العربية قبل الحرب العالمية الأولى على حالة من التشويش والبعد عن القواعد الفنية وأقرب ماتكون إلى التعريب والاقتباس حتى ظهور رواية زينب (1914م) لمحمد حسين هيكل، التي يكاد يتفق النقاد على أنها بداية الرواية العربية الفنيّة، حيث اقترب المؤلف فيها من البنية الفنية للرواية الغربية التي كانت في أوج ازدهارها آنذاك. وقد عالجت رواية زينب واقع الريف المصري وهو أمر لم تألفه الكتابة الروائية قبل ذلك.

وعقب الحرب العالمية الأولى ومع بداية الثلاثينيات من القرن العشرين بدأت الرواية العربية تتخذ سمتًا أكثر فنية وأعمق أصالة. وكان ذلك على يد مجموعة من الكتاب ممن تأثروا بالثقافة الغربية أمثال طه حسين وتوفيق الحكيم وعيسى عبيد والمازني ومحمود تيمور وغيرهم.

فقد نقلت روايات الأربعينيات والخمسينيات الإبداع الروائي في الأدب العربي نقلة جديدة، ومن أبرز كتاب هذه الفترة عبد الحميد جودة السحار ويوسف السباعي وإحسان عبد القدوس إلا أن الروائي المصري نجيب محفوظ يُعَدّ سيِّد هذا الميدان غير مدافع. فرواياته خان الخليلي و زقاق المدق، و الثلاثية تمثل رؤية جديدة أضافت إلى أجواء الرواية عوالم أرحب وأوسع. وفي الستينيات من القرن العشرين بدأ نجيب محفوظ يبدع عالَـمًا روائيًا جديدًا مستخدمًا تقنيات أكثر إبداعًا وأكثر تعقيدًا، وتقف رواياته اللص والكلاب ؛ السمان والخريف ؛ الطريق ؛ الشحاذ ؛ ثرثرة فوق النيل معلمًا بارزًا في مسيرة الرواية الجديدة، ذلك أن المضامين الاجتماعية التي عني بها من قبل امتزجت بها في هذه المرحلة مضامين فكرية وإنسانية ونفسية احتاجت إلى شكل روائيً أكثر فنية من مرحلته السابقة. وقد أجبرت هزيمة عام 1967م الروائي العربي إلى إعادة النظر في تيار الرواية، الذي كان سائدًا قبل الهزيمة، فظهرت من ثَمَّ أنماطٌ روائية جديدة، فيها ثورة على الأساليب التقليدية، كالحبكة والبطل والسرد التاريخي. وكانت لنجيب محفوظ إضافة لاتنكر في هذه المرحلة. ظهر بعد ذلك جيل آخر من الروائيين العرب، سُمِّي بالحداثيين، خرجوا على رؤية الرواية التقليدية وتقنياتها. وعلى أيدي هؤلاء الكتاب مثل: صنع الله إبراهيم وحنا مينا وجمال الغيطاني وإدوار الخراط والطيب صالح وبهاء طاهر وإميل حبيبي والطاهر وطّار وعبدالرحمن منيف وغيرهم ظهرت رؤية روائية تحمل اتجاهات معاصرة وحداثية مختلفة، من أهم سماتها أن الخطاب الروائي تجاوز المفاهيم التقليدية حول الرواية في عصورها الكلاسيكية والرومانسية والواقعية الجديدة ؛ وتداخلت أساليبها مع تداخلات العالم الخيالي والصوفي والواقعي والتاريخي، مما جعلها، سواء في حبكتها أو شخوصها، أكثر تعقيدًا وأعمق تركيبًا.

ووصلت الرواية بذلك إلى دُنيا النص المفتوح الذي يفضي إلى قراءات متعددة لا تصل إلى تفسير نهائي للخطاب الروائي كما كان الحال في الروايات السابقة.

المصدر: الموسوعة العربية العالمية