الرئيسيةبحث

منهاج السنة النبوية/23



فصل

قال الرافضي وكان ولده على الهادي ويقال له العسكري لأن المتوكل أشخصه من المدينة إلى بغداد ثم منها إلى سر من رأى فأقام بموضع عندها يقال له العسكر ثم انتقل إلى سر من رأى فأقام بها عشرين سنة وتسعة أشهر وإنما أشخصه المتوكل لأنه كان يبغض عليا رضي الله عنه فبلغه مثام علي بالمدينة وميل النس إليه فخاف منه فدعا يحيى بن هبيرة وأمره بإحضاره فضج أهل المدينة لذلك خوفا عليه لأنه كان محسنا إليهم ملازما للعبادة في المسجد فحلف يحيى أنه لا مكروه عليه ثم فتش منزله فلم يجد فيه سوى مصاحف وأدعية وكتب العلم فعظم في عينه وتولى خدمته بنفسه فلما قدم بغداد بدأ بإسحاق بن إبراهيم الطائي والى بغداد فقال له يا يحيى هذا الرجل قد ولده رسول الله ﷺ والموكل من تعلم فإن حرضته عليه قتله وكان رسول الله ﷺ خصمك يوم القيامة فقل له يحيى والله ما وقعت منه إلا على خير قال فلما دخلت على المتوكل أخبرته بحسن سيرته وورعه وزهده فأكرمه المتوكل ثم مرض المتوكل فنذر إن عوفى تصدق بدراهم كثيرة فسأل الفقهاء عن ذلك فلم يجد عندهم جوابا فبعث إلى على الهادي فسأله فقال تصدق بثلاثة وثمانين درهما فسأله المتوكل عن السبب فقال لقوله تعالى لقد نصركم الله في مواطن كثيرة وكانت المواظن غزاة وبعث ستا وخمسين سرية قال المسعودي نمى إلى المتوكل بعلى بن محمد أن في منزله سلاحا من شيعته من أهل قم وأنه عازم على الملك فبعث إليه جماعة من الأتراك فهجموا داره ليلا فلم يجدوا فيها شيئا ووجدوه في بيت مغلق عليه وهو يقرأ وعليه مدرعه من صوف وهو جالس على الرمل والحصا متوجها إلى الله تعالىيتلو القران فحمل على حالته تلك إلى المتوكل فأدخل عليه وهو في مجلس الشراب والكأس في يد المتوكل فعظمه وأجلسه إلى جانبه وناوله الكأس فقال والله ما خامر لحمى ودمى قط فأعفني فأعفاه وقال له أسمعني صوتا فقال كم تركوا من جنات وعيون فقال أنشدني شعرا فقال إني قليل الواية للشعر فقال لا بد من ذلك فأنشده

باتوا عن قلل الأجبال تحريهم ... غلب الرجال فما أغنتهم القلل

واستنلزوا بعد عز من معاقلهم ... وأسكنوا حفرا يا بئس ما نزلوا

ناداهم صارخ من بعد دفنهم ... أين الأسرة والتيجان والحلل

أين الوجوه التي كانت منعمة ... من دونها تضرب الأستار والكلل

فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم ... تلك الوجوه عليها الدود يقتتل

قد طال ما أكلوا دهرا وما شربوا ... فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا

فبكى المتوكل حتى بلت دموعه لحيته


فيقال هذا الكلام من جنس ما قبله لم يذكر منقبة بحجة صحيحة بل ذكر ما يعلم العلماء أنه من الباطل فإنه ذكر في الحكاية أن والي بغداد كان إسحاق بن إبراهيم الطائي وهذا من جهله فإن إسحاق بن إبراهيم هذا خزاعة معروف هو وأهل بيته كانوا من خزاعة فإنه إسحاق بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب وابن عمه عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب أمير خراسان المشهور المعلومة سيرته وابن هذا محمد بن عبد الله بن طاهر كان نائبا على بغداد في خلافة المتوكل وغيره وهو الذي صلى على أحمد بن حنبل لما مات وإسحاق بن إبراهيم هذا كان نائبا لهم في إمارة المعتصم والواثق وبعض أيام المتوكل وهؤلاء كلهم من خزاعة ليسوا من طيىء وهم أهل بيت مشهورون

وأما الفتيا التي ذكرها من أن المتوكل نذر إن عوفي يتصدق بدراهم كثيرة وأنه سأل الفقهاء عن ذلك فلم يجد عندهم جوابا وأن على بن محمد أمره أن يتصدق بثلاثة وثمانين درهما لقوله تعالى لقد نصركم الله في مواظن كثيرة وأن المواطن كانت هذه الجملة فإن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم غزا سبعا وعشرين غزاة وبعث ستا وخمسين سرية فهذه الحكاية أيضا تحى عن على بن موسى مع المأمون وهي دائرة بين أمرين إما أن تكون كذبا وإما أن تكون جهلا ممن أفتى بذلك

فإن قول القائل له على دراهم كثيرة أو والله لأعطين فلانا دراهم كثيرة أو لأتصدقن بدراهم كثيرة لا يحمل على ثلاث وثمانين عند أحد من علماء المسلمين

والحجة المذكورة باطلة لوجوه

أحدها أن قول القائل إن المواطن كانت سبعا وعشرين غزاة وستا وخمسين سرية ليس بصحيح فإن النبي ﷺ لم يغز سبعا وعشرين غزاة باتفاق أهل العلم بالسير بل أقل من ذلك

الثاني أن هذه الآية نزلت يوم حنين والله قد أخبر بما كان قبل ذلك فيجب أن يكون ما تقدم قبل ذلك مواطن كثيرة وكان بعد يوم حنين غزوة الطائف وغزوة تبوك وكثير من السرايا كانت بعد يوم حنين كالسرايا التي كانت بعد فتح مكة مثل إرسال جرير بن عبد الله إلى ذي الخلصة وأمثال ذلك

وجرير إنما أسلم قبل موت النبي ﷺ بنحو سنة وإذا كان كثير من الغزوات والسرايا كانت بعد نزول هذه الآية امتنع أن تكون هذه الآية المخبرة عن الماضي إخبارا بجميع المغازي والسرايا

الثالث أن الله لم ينصرهم في جميع المغازي بل يوم أحد تولوا وكان يوم بلاء وتحميص وكذلك يوم مؤتة وغيرها من السرايا لم يكونوا منصورين فيها فو كان مجموع المغازي والسرايا ثلاثا وثمانين فإنهم لم ينصروا فيها كلها حتى يكون مجموع ما نصروا فيه ثلاثا وثمانين

الرابع اختصاص هذا القدر بذلك فإن لفظ الكثير لفظ عام يتناول الألف والألفين والالاف وإذا عم أنواعا من المقادير فتخصيص بعض المقادير دون بعض تحكم

الخامس أن الله تعالى قال من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يضاعف الحسنة إلى سبعمائة ضعف بنص القران وقد ورد أنه يضاعفها ألفى ألف حسنة فقد سمى هذه الأشعفا كثيرة وهذه المواطن كثيرة

وقد قال تعالى كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين والكثرة ههنا تناول أنواعها من المقادير لأن الفئات المعلومة مع الكثرة لا تحصر في عدد معين وقد تكون الفئة القليلة ألفا والفئة الكثيرة ثلاثة الاف فهي قليلة بالنسبة إلى كثرة عدد الأخرى

وقد قال تعالى إذ يريكم الله في منامك قليى ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم ومعلوم ن الله أراه أهل بدر أكثر من مائة وقد سمى ذلك قليلا بالنسبة والإضافة

وهذا كله مما يبين أن القلة والكثرة أمر إضافي ولهذا تنازع الفقهاء فيما إذا قال له على مال عظيم أو خطير أو كثير أو جليل هو يرجع في تفسيره إليه فيفسره بما يتمول كقول الشافعي وطائفة من أصحاب أحمد أو لا يقبل تفسيره إلا بما له قدر خطير كقول أبي حنيفة ومالك وبعض أصحاب أحمد على قولين وأصحاب القول الثاني منهم من قدره بنصاب السرقة ومنهم من قدره بنصاب الزكاة ومنهم من قدره بالدية وهذا النزاع في الإقرار لأنه خبر والخبر عن أمر ماض قد علمه المقر

وأما المسألة المذكورة فهي إنشاء كما لو أوصى له بدراهم كثيرة والأرجح في مثل هذا أن يرجع إلى عرف المتكلم فما كان يسميه مثله كثيرا حمل مطلق كلامه على أقل محملاته والخليفة إذا قال دراهم كثيرة في نذر نذره لم يكن عرفه في مثل هذا مائة درهم ونحوها بل هو يستقل هذا ولا يستكثره بل إذا حمل كلامه على مقدار الدية اثنة عشر ألف درهم كان هذا أولة من حمله على ما دون ذلك واللفظ يحتمل أكثر من ذلك لكن هذا مقدار النفس المسلمة في الشرع ولا يكون عوض المسلم إلا كثيرا

والخليفة يحمل الكثير منه على ما لا يحمل الكثير من احاد العامة فإن صاحب ألف درهم إذا قال أعطوا هذا جراهم كثيرة احتمل عشرة وعشرين ونحو ذكل بحسب حاله فمعنى القليل والكثير هو من الأمور النسبية الإضافية كالعظيم والحير يتنوع بتنوع الناس فيحمل كلام كل إنان على ما هو المناسب لحالة في ذلك المقام

والحكاية التي ذكرها عن المعودي منقطعة الإسناد وفي تاريخ المسعودي من الأكاذيب ما لا يحصيه إلا الله تعالى فكيف يوثق بحكاية منقطعة الإسناد في كتاب قد عرف بكثرة الكذب مع أنه ليس فيها الفضيلة إلا ما يوجد في كثير من عامة المسلمين ويوجد فيهم ما هو أعظم منها

وأما قوله وكان ولده الحسن العسكري عالما زاهدا فاضلا عابدا أفضل أهل زمانه وروت عنه العامة كثيرا

فهذا من نمط ما قبله من الدعاوي المجردة والأكاذيب البينة فإن العلماء المعروفين بالرواية الذين كانوا في زمن هذا الحسن بن علي العسكري ليست لهم عنه رواية مشهورة في كتب أهل العلم وشيوخ أهل الكتب الستة البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه كانوا موجودين في ذلك الزمان وقريبا منه قبله وبعده

وقد جمع الحافظ أبو القاسم بن عساكر أخبار شيوخ النبل يعني شيوخ هؤلاء الأئمة فليس في هؤلاء الأئمة من روى عن الحسن بن على هذا العسكري مع روايتهم عن ألوف مؤلفة من أهل الحديث فكيف يقال روت عنه العامة كثيرا أين هذه الروايات وقوله إنه كان أفضل أهل زمانه هو من هذا النمط

فصل

قال الرافضي وولده مولانا المهدي محمد عليه السلا روى ابن الجوزي بإسناده إلى ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ يخرج في اخر الزمان رجل من ولدي اسمه كاسمي كنيتي يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا فذلك هو المهدي

فيقال قد ذكر محمد بن جرير الطبري وعبد الباقي بن قانع وغيرهما من أهل العلم بالأنساب والتواريخ أن الحسن بن علي العسكري لم يكن له نسل ولا عقب والإمامية الذين يزعمون أنه كان له ولد يدعون أنه دخل السرداب بسامرا وهو صغير منهم من قال عمرة سنتان ومنهم من قال ثلاث ومنهم من قال خمس سنين وهذا لو كان موجودا معلوما لكان الواجب في حكم الله الثابت بنص القران والسنة والإجماع أن يكون محضونا عند من يحضنه في بدنه كأمه وأم أمه ونحوهما من أهل الحضانة وأن يكون ماله عند من يحفظه إما وصي أبيه إن كان له وصي وإما غير الوصي إما قريب وإما نائب لدى السلطان فإنه يتيم لموت أبيه

والله تعالى يقول وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن انستم مهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا فهذا لا يجوز تسليم ماله إليه حتى يبلغع النكاح ويؤنس منه الرشد كما ذكر الله تعالى ذلك في كتابه فكيف يكون من يستحق الحجر عليه في بدنه وماله إماما لجميع المسلمين معصوما لا يكون أحد مؤمنا إلا بالإيمان به

ثم إن هذا باتفاق منهم سواء قدر وجوده أو عدمه لا ينتفعون به لا في دين ولا في دنيا ولا علم أحدا شيئا ولا يعرف له صفة من صفات الخير ولا الشر فلم يحصل به شيء من مقاصد الإمامة ولا مصالحها لا الخاصة ولا العامة بل إن قدر وجوده فهو ضرر على أهل الأرض بلا نفع أصلا فإن المؤمنين به لم ينتفعوا به ولا حصل لهم به لطف ولا مصلحة والمكذبون به يعذبون عندهم على تكذبيهم به فهو شر محض ولا خير فيه وخلق مثل هذا ليس من فعل الحكيم العادل

وإذا قالوا إن الناس بسبب ظلمهم احتجب عنهم

قيل أولا كان الظلم موجودا في زمن ابائه ولم يحتجبوا

وقيل ثانيا فالمؤمنون به طبقوا الأرض فهلا اجتمع بهم في بعض الأوقات أو أرسل إليهم رسولا يعلمهم شيئا من العلم والدين

وقيل ثالثا قد كان يمكنه أن يأوى إلى كثير من المواضع التي فيها شيعته كجبال الشام التي كان فيها الرافضة عاصية وغير ذلك من المواضع العاصية

وقيل رابعا فإذا هو لا يمكنه أن يذكر شيئا من العلم والدين لأحد لأجل هذا الخوف لم يكن في وجوه لطف ولا مصلحة فكان هذا مناقضا لما أثبتوه بخلاف من أرسل من الأنبياء وكذب فإنه بلغ الرسالة وحصل لمن امن من اللطف والمصلحة ما هو من نعم الله عليه وهذا المنتظر لم يحصل به لطائفته إلا الانتظار لمن لا يأتي ودوام الحسرة والألم ومعاداة العالم والدعاء الذي لا يستجيبه الله لأنهم الحسرة والألم ومعاداة العالم والدعاء الذي لا يستجيبه الله لأنهم لم يحصل شيء من هذا ثم إن عمر واحد من المسلمين هذه المرة أمر يعرف كذبه بالعادة المطردة في أمة محمد فلا يعرف أحد ولد في دين الإسلام وعاش مائة وعشرين سنة فضلا عن هذا العمر وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال في اخر عمره أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه على رأس مائة نة منها لا يبقى على وجه الأرض ممن هو اليوم عليها أحد

فمن كان في ذلك الوقت له سنة ونحوها لم يعش أكثر من مائة سنة قطعا وإذا كانت الأعمار في ذلك العصر لا تتحاوز هذا الحد فما بعده من الأعصار أولى بذلك في العادة الغالبة العامة فإن أعمار بني ادم في الغالب كلما تأخر الزمان قصرت ولم تطل فإن نوحا عليه السلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما وادم عليه السلام عاش ألف سنة كما ثبت ذلك في حديث صحيح رواه الترمذي وصححه فكان العمر في ذلك الزمان طويلا ثم أعمار هذه الأمة ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح

واحتجاجهم بحياة الخضر احتجاج باطل على باطل فمن الذي يسلم لهم بقاء الخضر والذي عليه سائر العلماء المحققون أنه مات وبتقدير بقائه فليس هو من هذه الأمة

ولهذا يوجد كثير من الكذابين من الجن والأنس ممن يدعى أنه الخضر ويظن من راه أنه الخضر وفي ذلك من الحكايات الصحيحة التي نعرفها ما يطول وصفها هنا

وكذلك المنتظر محمد بن الحسن فإن عددا كثيرا من الناس يدعى كل واحد منهم أنه محمد بن الحسن منهم من يظهر ذلك لطائفة من الناس ومنهم من يكتم ذلك ولا يظهره إلا للواحد أو الاثنين وما من هؤلاء إلا من يظهر كذبه كما يظهر كذب من يدعى أنه الخضر

فصل

وقوله روى ان الجوزي بإسناده إلى ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ يخرج في اخر الزمان رجل من ولدي إسمه كاسمي وكنيته كنيتب يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا فذلك هو المهدي

فيقال الجواب من وجوه

أحدها أنكم لا تحتجون بأحاديث أهل السنة فمثل هذا الحديث لا يفيدكم فائدة وإن قلتم هو حجة على أهل السنة فنذكر كلامهم فيه

الثاني إن هذا من أخبار الاحاد فكيف يثب به أصل الدين الذي لا يصح الإيمان إلا به

الثالث أن لفظ الحديث حجة عليكم لا لكم فإن لفظه يواطىء اسمهاسمى واسم أبيه اسم أبي فالمهدي الذي أخبر به النبي ﷺ اسمه محمد بن عبد الله لا محمد بن الحسن وقد روى عن علي رضي الله عنه أنه قال هو من ولد الحسن بن على لا من ولد الحسين بن علي

وأحاديث المهدي معروفة رواها الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم كحديث عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا من أهل بيتي يواطىء اسمه اسمى واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا

الوجه الرابع أن الحديث الذي ذكره وقوله اسمه كامسى وكنيته كنيتي ولم يقل يواطىء اسمه اسمى واسم أبيه اسم أبي فلم يروه أحد من أهل العلم بالحديث في كتب الحديث المعروفة بهذا اللفظ فهذا الرافضي لم يذكر الحديث بلفظه المعروف في كتب الحديث مثل مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي وغير ذلك من الكتب وإنما ذكره بلفظ مكذوب لم يروه أحد منهم

وقوله إن ابن الجوزي رواه بإسناده أن أراد العالم المشهور صاحب المصنفات الكثيرة أبا الفرج فهو كذب عليه وإن أراد سبطه يوسف بن قز أو إلى صاحب التاريخ المسى بمراة الزمان وصاحب الكتاب المصنف في الاثنى عشر الذي سماه إعلام الخواص فهذا الرجل يذكر في مصنفاته أنواعا من الغث والسمين ويحتج في أغراضه بأحاديث كثيرة ضعيفة وموضوعة وكان يصنف بحسب مقاصد الناس يصنف للشيعة ما يناسبهم ليعوضوه بذلك ويصنف على مذهب أبي حنيفة لبعض الملوك لينال أغراضه فكانت طريقته الواعظ الذي قيل له ما مذهبك قال في أي مدينة

ولهذا يوجد في بعض كتبه ثلب الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم لأجل مداهنة من قصد بذلك من الشيعة ويوجد في بعضها تعظيم الخلفاء الراشدين وغيرهم

ولهذا لما كان الحديث المعروف عند السلف والخلف أن النبي ﷺ قال في المهدي يواطىء اسمه اسمه واسم أبيه اسم أبي صار يطمع كثير من الناس في أن يكون هو المهدي حتى سمى المنصور ابنه محمدا ولقبه بالمهدي مواطأة لاسمه باسمه واسم أبيه باسم أبيه ولكن لم يكن هو الموعود به

وأبو عبد الله محمد بن التومرت الملقب بالمهدي الذي ظهر بالمغرب ولقب طائفته بالموحدين وأحواله معروفة كان يقول إنه المهدي المبشربه وكان أصحابه يطقبون له على منابرهم فيقولون في خطبتهم الإمام المعصوم المهدي المعلوم الذي بشرت به في صريح وحيك الذي اكتنفته بالنور الواضح والعدل اللائح الذي ملأ البرية قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا

وهذا الملقب بالمهدي ظهر سنة بضع وخمسمائة وتوفى سنة أربع وعشرين وخمسمائة وكان ينتسب إلى أنه من ولد الحسن لأنه كان أعلم بالحديث فادعى أنه هو المبشر به ولم يكن الأمر كذلك ولا ملأ الأرض كلها قسطا ولا عدلا بل دخل في أمور منكرة وفعل أمورا حسنة

وقد ادعى قبله أنه المهدي عبيد الله بن ميمون القداح ولكن لم يوافق في الاسم ولا اسم الأب وهذا ادعى أنه من ولد محمد بن إسماعيل وأهل المعرفة بالنسب وغيرهم من علماء المسلمين يعلمون أنه كذب في دعوى نسبه وأن أباه كان يهوديا ربيب مجوسى فله نسبتان نسبة إلى اليهود ونسبة إلى المجوس

وهو وأهل بيته كانوا ملاحدة وهم أئمة الإسماعيلية الذين قال فيهم العلماء إن ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه الكفر المحض وقد صنف العلماء كتبا في كشف أسرارهم وهتك أستارهم وبيان كذبهم في دعوى النسب ودعوى الإسلام وأنهم بريئون من النبي ﷺ نسبا ودينا

وكان هذا المتلقب بالمهدي عبيد الله بن ميمون قد ظهر سنة تسع وتسعين ومائتين وتوفى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة وانتقل الأمر إلى ولده القائم ثم ابنه المنصور ثم ابنه المعز الذي بنى القاهرة ثم العزيز ثم الحاكم ثم الظاهر ابنه ثم المستنصر ابنه وطالت مدته وفي زمنه كانت فتنة البساسيري وخطب له ببغداد عاما كاملا وابن الصباح الذي أحدث السكين للإسماعيلية هو من أتباع هؤلاء

وانقرض ملك هؤلاء في الديار المصرية سنة ثمان وستين وخمسمائة فملكوها أكثر من مائتي سنة وأخبارهم عن العلماء مشهورة بالإلحاد والمحادة لله ورسوله والردة والنفاق

والحديث الذي فيه لا مهدى إلا عيسى بن مريم رواه ابن ماجة وهو حديث ضعيف رواه عن يونس عن الشافعي عن شيخ مجهول من أهل اليمن لا تقوم بإسناده حجة وليس هو في مسنده بل مداره على يونس بن عبد الأعلى وروى عنه أنه قال حدثت عن الشافعي وفي الخلعيات وغيرها حدثنا يونس عن الشافعي لم يقل حدثنا الشافعي ثم قال عن حديث محمد بن خالد الجندي وهذا تدليس يدل على توهينه

ومن الناس من يقول إن الشافعي لم يروه

فصل

قال الرافضي فهؤلاء الأئمة الفضلاء المعصومون الذين بلغوا الغاية في الكمال ولم يتخذوا ما اتخذ غيرهم من الأئمة المشتغلين بالملك وأنواع المعاصي والملاهي وشرب الخمور والفجور حتى فعلوا بأقاربهم على ما هو المتواتر بين الناس قالت الإمامية فالله يحكم بيننا وبين هؤلاء وهو خير الحاكمين

قال وما أحسن قول الشاعر

إذا شئت أن ترضى لنفسك مذهبا ... وتعلم أن الناس في نقل أخبار

فدع عنك قول الشافعي ومالك ... وأحمد والمروى عن كعب أحبار

ووال أناسا قولهم وحديثهم ... روى جدنا عن جبرئيل عن الباري

والجواب من وجوه أحدها أن يقال أما دعوى العصمة في هؤلاء فلم تذكر عليها حجة إلا ما ادعيته من أنه يجب على الله أن يجعل للناس إماما معصوما ليكون لطفا ومصلحة في التكليف وقد تبين فساد هذه الحجة من وجوه أدناها أن هذا مفقود لا موجود فإنه لم يوجد إمام معصوم حصل به لطف ولا مصلحة ولو لم يكن في الدليل على انتفاء ذلك إلا المنتظر الذي قد علم بصريح العقل أنه لم ينتفع به أحد لا في دين ولا دنيا ولا حصل لأحد من المكلفين به مصلحة ولا لطف لكان هذا دليل على بطلان قولهم فكيف مع كثرة الدلائل على ذلك

الوجه الثاني أن قوله كل واحد من هؤلاء قد بلغ الغاية في الكمال هو قول مجرد عن الدليل والقول بلا علم يمكن كل أحد أن يقابله بمثله وإن ادعى المدعى هذا الكمال فيمن هو أشهر في العلم والدين من العسكريين وأمثالهما من الصحابة والتابعين وسائر أئمة المسلمين لكان ذلك أولى بالقبول ومن طالع أخبار الناس علم أن الفضائل العلمية والدينية المتواترة عن غير واحد من الأئمة أكثر مما ينقل عن العسكريين وأمثالها من الكذب دع الصدق

الثالث أن قوله هؤلاء الأئمة أن أراد بذلك أنهم كانوا ذوي سلطان وقدرة معهم السيف فهذا كذب ظاهر وهم لا يدعون ذلك بل يقولون إنهم عاجزون ممنوعون مغلوبون مع الظالمين لم يتمكن أحد منهم من الإمامة إلا علي بن أبي طالب مع أن الأمور استصعبت عليه ونصف الأمة أو أقل أو أكثر لم يبايعوه بل كثير منهم قاتلوه وقاتلهم وكثير منهم لم يقاتلوه ولم يقاتلوا معه وفي هؤلاء من هو أفضل من الذين قاتلوه وقاتلوا معه وكان فيهم من فضلاء المسلمين من لم يكن مع علي مثلهم بل الذين تحلفوا عن القتال معه وله كانوا أفضل ممن قاتله وقاتل معه

وإن أراد أنه كان لهم على ودين يستحقون به أن يكونوا أئمة فهذه الدعوى إذا صحت لا توجب كونهم أئمة يجب على الناس طاعتهم كما أن استحقاق الرجل أن يكون إمام مسجد لا يجعله إمامام واستحقاقه أن يكون قاضيا لا يصيره قاضيا واستحقاقه أن يكون أمير الحرب لا يجعله أمير الحرب والصلاة لا تصح إلا خلف من يكون إماما بالفعل ولا خلف من ينبغي أن يكون إماما وكذلك الحكم بين الناس إنما يفصله ذو سلطان وقدرة لا من يستحق أن يولي القضاء وكذلك الجند إنما يقاتلون مع أمير عليهم لا مع من لم يؤمر وإن كان يستحق أن يؤمر ففي الجملة الفعل مشروط بالقدرة فكل من ليس له قدرة وسلكان على الولاية والإمارة لم يكن إماما وإن كان يستحق أن يجعل له قدرة حتى يتمكن فكونه يسوغ أن يمكن أو يجب أن يمكن ليس هو نفس التمكن فكونه يسوغ أن يمكن أو يجب أن يمكن ليس هو نفس التمكن والإمام هو المتمكن القادر الذي له سلطان وليس في هؤلاء من هو كذلك إلا على رضى الله عنه كما تقدم

الوجه الرابع أن يقال ما تعنون بالاستحقاق أتعنون أن الواحد من هؤلاء كان يجب أن يولى الإمامة دون سائر قريش أم تريدون أن الواحد منهم من جملة من يصلح للخلافة فإن أردتم الأول فهو ممنوع مردود وإن أردتم الثاني فذلك قدر مشترك بينهم وبين خلق كثير من قريش

الوجه الخامس أن يقال الإمام هو الذي يؤتم به وذلك على وجهين أحدهما أن يرجع إليه في العلم والدين بحيث يطاع باختيار المطيع لكونه عالما بأمر الله عز وجل آمرا به فيطيعه المطيع لذلك وإن كان عاجزا عن إلزامه الطاعة والثاني أ يكون صاحب يد وسيف بحيث يطاع طوعا وكرها لكونه قادرا على إلزام المطيع بالطاعة

وقوله تعالى يا أيها الذين امنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم قد فسر بالأمراء بذوي القدرة كأمراء الحرب وفسر بأهل العلم والدين وكلاهما حق وهذان الوصفان كانا كاملين في الخلفاء الراشدين فإنهم كانوا كاملين في العلم والعدل والسياسة والسلطان وإن كان بعضهم أكمل في ذلك من بعض فأبو بكر وعمر أكمل في ذلك من عثمان وعلي وبعدهم لم يكمل أحد في هذه الأمور إلا عمر بن عبد العزيز بل قد يكون الرجل أكمل في العلم والدين ممن يكون له سلطان وقد يكون أكمل في السلطان ممن هو أعلم منه وأدين

وهؤلاء إن أريد بكونهم أئمة أنهم ذوو سلطان فذلك باطل وهم لا يقولونه وان أريد بذلك أنهم أئمة في العلم والدين يطاعون مع عجزهم عن إلزام غيرهم بالطاعة فهذا قدر مشترك بين كل من كان متصفا بهذه الصفات

ثم إما أن يقال قد كان في أعصارهم من هو أعلم منهم وأدين إذ العلم المنقول عن غيرهم أضعاف العلم المنقول عنهم وظهور اثار غيرهم في الأمة أعظم من ظهور اثارهم في الأمة والمتقدمون منهم كعلى بن الحسين وابنه أبي جعفر وابنه جعفر بن محمد قد نقل عنهم من العلم قطعة معروفة وأخذ عن غيرهم أكثر من ذلك بكثير كثير وأما من بعدهم فالعلم المأخوذ عنهم قليل جدا ولا ذكر لأحد منهم في رجال أهل العلم المشاهير بالرواية والحديث والفتيا ولا غيرهم من المشاهير بالعلم وما يذكر لهم من المناقب والمحاسن فمثله يوجد لغيرهم من الأئمة

وإما أن يقال إنهم أفضل الأمة في العلم والدين فعلى التقديرين فإمامتهم على هذا الاعتبار لا ينازع فيها أهل السنة فإنهم متفقون على أنه يؤتم بكل أحد فيما يأمر به من طاعة الله ويدعو إليه من دين الله ويفعله مما يحبه الله فما فعله هؤلاء من الخير ودعوا إليه من الخير فإنهم أئمة فيه يقتدى بهم في ذلك

قال تعالى وجعلنا أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا باياتنا يوقنون وقد قال تعالى لإبراهيم إنى جاعلك للناس إماما ولم يكن ذلك بأن جعله ذا سيف يقاتل به جموع الناس بل جعله بحيث يجب على الناس اتباعه سواء أطاعوه أم عصوه

فهؤلاء في الامامة في الدين أسوة أمثالهم فأهل السنة مقرون بإمامة هؤلاء فيما دلت الشريعة على الائتمام بهم فيه وعلى الإمامة فيما يمكن الائتمام بهم فيه كما أن هذا الحكم ثابت لأمثالهم مثل أبي بكر وعمر وعثمان وابن مسعود وابي بن كعب ومعاذ وأبي الدرداء وأمثالهم من السابقين الأولين ومثل سعيد بن المسيب وليمان بن يسار وعبيد الله بن عبد الله وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وأبي بكر بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد وهؤلاء هم فقهاء المدينة السبعة الذين قيل فيهم ...

إذا قيل من في العلم سبعة أبحر ... مقالة حق ليست عن الحق خارجه

فقل هم عبيد الله عروة قاسم ... سعيد أبو بكر سليمان خارجه

ومثل علقمة والأسود بن يزيد وأسامة ومحمد بن سيرين والحسن البصري ومثل سالم بن عبد الله بن عمر ومثل هشام بن عروة وعبد الرحمن بن القاسم وعبيد الله بن عمر والزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري وأبي الزناد ومثل مالك والأوزاعي والليث بن سعد وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق بن إبراهيم وغيرهم

لكن المنقول الثابت عن بعض هؤلاء من الحديث والفتيا قد يكون أكثر من المنقول الثابت عن الاخر فتكون شهرته لكثرة علمه أو لقوة حجته أو نحو ذلك وإلا فلا يقول أهل السنة إن يحيى بن سعيد وهشام بن عروة وأبا الزناد أولى بالاتباع من جعفر بن محمد ولا يقولون إن الزهري ويحيى بن أبي كثير وحماد بن أبي سليمان ومنصور بن المعتمر أولى بالاتباع من أبيه أبي جعفر الباقر ولا يقولون إن القاسم بن محمد وعروة بن الزبير وسالم بن عبد الله أولى بالاتباع من على بن الحسين بل كل واحد من هؤلاء ثقة فيما ينقله مصدق في ذلك وما بينه من جلالة الكتاب والسنة على أمر من الأمور فهو من العلم الذي يستفاد منه فهو مصدق في الرواية والإسناد مقبول في الدلالة والإرشاد وإذا أفتى بفتيا وعارضه غيره رد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله كما أمر الله سبحانه بذلك وهذا حكم الله ورسوله بين هؤلاء جميعهم وهكذا كان المسلمون على عد رسول الله ﷺ وعهد الخلفاء الراشدين

الوجه السادس أن يقال قوله لم يتخذوا ما اتخذه غيرهم من الأئمة المشتغلين بالملك والمعاصى كلام باطل وذلك أنه إن أراد أهل السنة يقولون إنه يؤتم بهؤلاء الملوك فيما يفعلونه من معصية الله فهذا كذب عليهم فإن علماء أهل السنة العروفين بالعلم عند أهل السنة متفقون على أنه لا يقتدى بأحد في معصية الله ولا يتخذ إماما في ذلك

وإن أراد أن أهل السنة يستعينون بهؤلاء الملوك فيما يحتاد إليهم فيه من طاعة الله ويعاونونهم على ما يفعلونه من طاعة الله فيقال لهم إن كان اتخاذهم أئمة بهذا الاعتبار محذورا فالرافضة أدخل منهم في ذلك فإنهم دائما يستعينون بالكفار والفجار على مكالبهم ويعاونون الكفار والفجار على كثير من ماربهم وهذا أمر مشهود في كل زمان ومكان ولو لم يكن إلا صاحب هذا الكتاب منهاج الندامة وإخوانه فإنهم يتخذون المغل والكفار أو الفساق أو الجهال أئمة بهذا الاعتبار

الوجه السابع أن يقال الأئمة الذين هم مثل هؤلاء الذين ذكرهم في كتابه وادعى عصمتهم ليس لهم سلطان تحصل به مقاصد الإمامة ولا يكفي الائتمام بهم في طاعة الله ولا في تحصيل ما لا بد منه مما يعين على طاعة الله فإذا لم يكن لهم ملك ولا سلطان لم يمكن أن تصلى خلفهم جمعة ولا جماعة ولا يكونون أئمة في الجهاد ولا في الحج ولا تقام بهم الحدود ولا تفصل بهم الخصومات ولا يستوفى الرجل بهم حقوقه التي عند الناس والتي في بيت المال ولا يؤمن بهم السبل فإن هذه الأمور كلها تحتاج إلى قادر يقوم بها ولا يكون قادرا إلا من له أعوان على ذلك وهؤلاء ولم يكونوا قادرين على ذلك بل القادر على ذلك كان غيرهم فمن طلب هذه الأمور من إمام عاجز عنها كان جاهلا ظالما ومن استعان عليها بمن هو قادر عليها كان عالما مهتديا مسددا فهذا يحصل مصلحة دينه وديناه والأول تفوته مصلحة دينه وديناه

الوجه الثامن أن يقال دعوى كون جميع الخلفاء كانوا مشتغلين بما ذكره من الخمور والفجور كذب عليهم والحكايات المنقولة في ذلك فيها ما هو كذب وقد علم أن فيهم العدل الزاهد كعمر بن عبد العزيز والمهدي بالله وأكثرهم لم يكن مظهرا لهذه المنكرات من خلفاء بني أمية وبني العباس وإن كان أحدهم قد يبتلى ببعض الذنوب وقد يكون تاب منها وقد يكون له حسنات كثيرة تمحو تلك السيئات وقد يبتلى بمصائب تكفر عنه خطاياه ففي الجملة الملوك حسناتهم كبار وسيئاتهم كبار والواحد من هؤلاء وإن كان له ذنوب ومعاص لا تكون لاحاد المؤمنين فلهم من الحسنات ما ليس لاحاد المسلمين من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود وجهاد العدو وإيصال كثير من الحقوق إلى مستحقيها ومنع كثير من الظلم وإقامة كثير من العدل

ونحن لا نقول إنهم كانوا سالمين من الظالم والذنوب كما لا نقول إن أكثر المسلمين كانوا سالمين من ذلك لكن نقول وجود الظلم والمعاصي من بعض المسلمين وولاة أمورهم وعامهم لا يمنع أن يشارك فيما عمله من طاعة الله

وأهل السنة لا يأمرون بموافقة ولاة الأمور إلا في طاعة الله لا في معصيته ولا ضرر على من وافق رجلا في طاعة الله إذا انفرد ذلك عنه بمعصية لم يشركه فيها كما أن الرجل إذا حج مع الناس فوقف معهم وطاف لم يضره كون عض الحجاج له مظالم وذنوب ينفرد بها وكذلك إذا شهد مع الناس الجمعة والجماعة ومجالس العلم وغزا معهم لم يضره أن يكون بعض المشاركين له في ذلك له ذنوب يختص بها فولاة الأمور بمنزلة غيرهم يشاركون فيما يفعلونه من طاعة الله ولا يشاركون فما يفعلونه من معصية الله

وهذه كانت سيرة أئمةأهل البيت مع غيرهم فمن اتبعهم في ذلك فهو المقتدى بهم دون من تبرأ من السابقين الأولين وجمهور أهل العلم والدين وظاهر على عدواتهم الكفار والمنافقين كما يفعله من يفعله من الرافضة الضالين

الوجه التاسع أن يقال إمام قادر ينتظم به أمر الناس في أكثر مصالحهم بحيث تأمن به السبل ويقام به ما يقام من الحدود ويدفع به ما يدفع من الظلم ويحصل به ما يحصل من جهاد العدو ويستوفى به ما يستوفى من الحقوق خير من إمام معدوم لا حقيقة له

والرافضة تدعو إلى إمام معصوم وليس عندهم في الباطن إلا إمام معدوم وفي الظاهر إمام كفور أو ظلوم فأثمة أهل السنة ولو فرض ما فرض فيهم من الزلم والذنوب خير من الأئمة الظاهرين الذين يعتقدهم الرافضة وخير من إمام معدوم لا حقيقة له وأما الأئمة الباقون الذين كانوا موجودين فأولئك يأتم بهل أهل السنة كما يأتمون بأمثالهم فهو وأمثالهم أئمة ومن أئتم بهؤلاء مع أمثالهم من سائر المسلمين كان خيرا ممن أئتم بهم وحده فإن العلم رواية ودراية كلما كثر فيه العلماء واتفقوا على ذلك كان أقوى وأولى الاتباع فليس عند الشيعة خير إلا وأهل السنة يشركونهم فيه والخير الذي اختص به أهل السنة لا يشركهم فيه الشيعة

الوجه العاشر أن يقال ما ذكره هذا الإمامي يمكن كل واحد من أهل السنة أن يعارضه بما هو أقوى منه فإنه يقول عن مثل سعيد بن المسيب وعلقمة والأسود والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح ومحمد بن سيرين ومطرف بن الشهير ومكحول والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير وسالم بن عبد الله ومن شاء الله من التابعين وتابعيهم هؤلاء هم الأئمة فيما يمكن الأئتمام بهم فيه من الدين مع الائتمام بالملوك فيما يحتاج فيه إلى الائتمام بهم فيه من الدين وعلى بن الحسين وابنه وجعفر بن محمد وغيرهم هم أيضا من أئمة أهل السنة والجماعة بهذا الاعتبار فلم تأتم الشيعة بإمام ذي علم وزهد إلا وأهل السنة يأتمون به أيضا وبجماعات اخرين يشاركونهم في العلم والزهد بل هم أعلم منه وأزهد وما اخذ أهل السنة إماما من أهل المعاصى إلا وقد اتخذت الشيعة إماما من أهل المعاصي شرا منه فأهل السنة أولى بالائتمام بأئمة العدل فيما يمكن الائتمام بهم فيه وأبعد عن الائتمام بأئمة الظلم في غير ما هم ظالمون فيه فهم خير من الشيعة في الطرفين

الوجه الحادي عشر قوله قالت الإمامية فالله يحكم بيننا وبين هؤلاء وهو خير الحاكمين فيقال للإمامية إن الله قد حكم بينهم في الدنيا بما أظهره من الدلائل والبينات وبما نصر به أهلالحق عليكم فهم ظاهرون عليكم بالحجة والبيان وباليد والسنان كما أظهر دين نبيه على سائر الأديان

قال تعالى هو الذي أرسل رسولهبالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون وكان من دينه قول أهل السنة الذي خالفتموهم فيه فإنه ظاهر عليكم بالحجة والسنان كظهور دين محخمد ﷺ على سائر الأديان ولم يظهر دين محمد ﷺ قط غير غيره من الأديان إلا بأهل السنة كما ظهر في خلافه أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ظهورا لم يحصل لشيء من الأديان

وعلى رضي الله عنه مع أنه من الخلفاء الراشدين ومن سادات السابين الأولين فلم يزهر في خلافته دين الاسلام بل وقعت الفتنة بين أهله وطمع فيهم عجوهم م الكفار والنصاري والمجوس بالشام والمشرق وأما بعد على فلم يعرف أهل علم ودين ولا أهل يد وسيف نصر الله بهم الإسلام إلا على أهل السنة وأما الرافضة فإما أن تعاون أعداء الإسلام وإما أن تمسك عن نصر الطائفتين ولا ريب أن الله تعالى يحكم يوم القيامة بين السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وبين من عاداهم من الأولين والاخرين كما يحكم بين المسلمين والكفار

الوجه الثاني عشر أن يقال هذا التظلم ممن هو إن قلتم ممن ظلم عليا كأبي بكر وعمر على زعمكم فيقال لكم الخصم في هذا على وقد مات كما مات أبو بكر وعمر وهذا امر لا يتعلق بنا ولا بكم الا بطريق بيا نالحق وموالاة أهله ونحن نبين بالحجج الباهرة أن أبا بكر وعمر أولى بالعدل من كل أحد سواهما من هذه الأمة وأبعد عن الظلم من كل من سواهما وأن عليا لمي يكن يعتقد أنه إمام الأمة دونهما كما يذكر هذا في موضعه إن شاء الله تعالى

وإن قلتم نتظلم من الملوك الذين منعوا هؤلاء حقوقهم من الإمامة فهذا فرع على كون هؤلاء الاثنى عشر كانوا يطلبون الإمامة أو كانوا يعتقدون أنهم أئمة الأمة المعصومون وهذا كذب على القوم

وسواء كان صدقا أو كذبا فالله يحكم بين الكائفتين إن كانوا مختصمين قلن اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون

وإن كان التظلم من بعض الملوك الذين بينهم وبين هؤلاء منازعة في ولاية أو مال فلا ريب أن الله يحكم بين الجميع كما يحكم بين سائر المختصمين فإن نفس لشيعة بينهم من المخاصمات أكثر مما بين سائر طوائف أهل السنة

وبنو هاشم قد جرى بينهم نوع من الحروب وقد جرى بين بني حسن وبني حسين من الحروب ما يجري بين أمثالهم في هذه الأزمان والحروب وفي الأزمان المتأخرة بين بعض بني هاشم وبين غيرهم من الطوائف أكثر من الحروب التي كانت في أول الزمان بين بعض بني أمية وبعض بني هاشم لا لشرف نسب أولئك إذ نسب بني هاشم أشرف لكن لأن خير القرون هو القرن الذي بعث فيه النبي ﷺ ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم بالخير في تلك القرون أكثر والشر فيما بعدها أكثر وإن كان التظلم من أهل العلم والدين الذين لم يظلموا أحدا ولم يعاونوا ظالما ولكن يذكرون ما يجب من القول علما وعملا بالدلائل الكاشفة للحق فلا يشك من له أدنى عقل أن من شبه مثل مالك والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق وأمثالهم بمثل هشام بن الحكم وهشام بن سالم وأمثالهما من شيوخ الرافضة إنه لمن أظلم الظالمين وكذلك من شبه المفيد بن النعمان والكراجكي وأمثالهما بمثل أبي علي وأبي هاشم والقاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري إنه لمن أظلم الظالمين وهؤلاء شيوخ المعتزلة دع محمد بن الهيصم وأمثاله والقاضي أبا بكر بن الطيب وأمثاله من متكلمة أهل الإثبات دع أهل الفقه والحديث والتصوف كأبي حامد الإسفراييني وأبي زيد المروزي وأبي عبد اله بن حامد وأبي عبد الله بن بطة وأبي بكر عبد العزيز وأبي بكر الرازي وأبي الحسين القدوري وأبي محمد بن أبي زيد وأبي بكر الأبهري وأبي الحسن الدراقطني وأبي عبد الله بن منده وأبي الحسين بن سمعون وأبي طالب المكي وأبي عبد الرحمن السلمي وأمثال هؤلاء

فما من طائفة من طوائف أهل السنة على تنوعهم إلا إذا اعتبرتها وجدتها أعلم وأعدل وأبعد عن الجهل والظلم من طائفة الرافضة فلا يوجد في أحد منهم معاونة ظالم إلا وهو في الرافضة أكثر ولا يوجد في الشيعة بعد ما عن ظلم ظالم إلا وهو في هؤلاء أكثر

وهذا أمر يشهد به العيان والسماع لمن له اعتبار ونظر ولا يوجد في جميع الطوائف لا أكذب منهم ولا أظلم منهم ولا أجهل منهم وشيوخهم يقرون بألسنتهم يقولون يا أهل السنة أنتم فيكم فتوة لو قدرنا عليكم لما عاملناكم بما تعاملونا به عند القدرة علينا الوجه الثالث عشر أن يقال هذا الشعر الذي استشهد به واستحسنه هو قول جاهل فإن أهل السنة متفقون على قبول ما روى جدهم عن جبريل عن الباري بل هم يقبلون مجرد قول الرسول ﷺ ويؤمنون به ولا يسألونه من أين علمت هذا لعلمهم بأنه معصوم لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى وإنما سموا أهل السنة لاتباعهم لسنته ﷺ لكان الشأن في معرفة ما رواه جدهم فهم يطلبون علم ذلك من الثقات الأثبات فإن كان عند أحد من العلويين علم شيء من ذلك استفادوه منه وإن كان عند غيرهم علم شيء من ذلك استفادوه منه

وأما مجرد كون جدهم روى عن جبريل عن الباري إذا لم يكونوا عالمين به فما يصنع لهم والناس لم يأخذوا قول مالك والشافعي وأحمد وغيرهم إلا لكونهم يسندون أقوالهم إلى ما جاء به النبي ﷺ فإن هؤلاء من أعلم الناس بما جاء به وأتبعهم لذلك وأشدهم اجتهادا في معرفة ذلك وابتاعه وإلا فأي غرض للناس في تعظيم مثل هؤلاء وعامة الأحاديث التي يرويها هؤلاء يرويها أمثالهم وكذلك عامة ما يجيبون به في المسائل يقوله أمثالهم ولا يجعل أهل السنة قول واحد من هؤلاء وحده معصوما يجب اتباعه بل إذا تنازعوا في شيء ردوه إلى الله والرسول

واعتبر ذلك بما تشعدوه في زمانك من علم أهل العلم بالقران والحديث والفقه فيهما وأنت تجد كثيرا من بني هاشم لا يحفظ القران ولا يعرف من حيث النبي ﷺ إلا ما شاء اله ولا يفقه معاني ذلك

فإذا قال هذا روى جدنا عن جبريل عن الباري قيل نعم وهؤلاء أعلم منكم بما روى جدكم عن جبريل وأنتم ترجعون في ذلك إليهم وإذا كان كل من الأولين والاخرين من بني هاشم قد تعلم بعض ما جاء به الرسول ﷺ من غيره بل من غير بني هاشم كان هذا من أمارة أنه لا علم عندهم بذلك إلا كعلم أمثالهم فبمن يأتم الناس وعمن يأخذون عمن يعرف ما جاء به جدهم أو عمن لا يعرف ذلك والعلماء هم ورثة الأنبياء فإن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا وإنما ورثوا العلم فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر

وإن قال مرادى بهؤلاء الأئمة الاثنا عشر قيل له ما رواه علي بن الحسين وأبو جعفر وأمثالهما من حديث جدهم فمقبول منهم كما يرويه أمثالهم ولولا أن الناس وجدوا عند كالك والشافعي وأحمد أكثر مما وجدوه عند موسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمدبن علي لما عدلوا عن هؤلاء إلى هؤلاء وإلا فأي لأهل العلم والدين أن يعدلوا عن موسى بن جعفر إلى مالك بن أنس وكلاهما من بلد واحد في عصر واحد لو وجدوا عند موسى بن جعفر من علم الرسول ما وجدوه عند كالك مع كمال رغبة المسلمين في معرفة علم الرسول ونفس بني هاشم كانوا يستفيدون علم الرسول من مالك بن أنس أكثر مما يستفيدونه من ابن عمهم موسى بن جعفر ثم الشافعي جاء بعد مالك وقد خالفه في أشياء وردها عليه حتى وقع بينه وبين أصحاب مالك ما وقع وهو أقرب نسبا ببنى هاشم من مالك ومن أحرص الناس على ما يستفيده من علم الرسول من بني عمه وعير بني عمه فلو وجد عند أحد من بني هاشم أعظم من العلم الذي وجده عند مالك لكان أشد الناس مسارعة إلى ذلك فلما كان يعترف بأنه لم يأخذ العلم عن أحد أعلم من مالك وسفيان بن عيينة وكانت كتبه مشحونة بالأخذ عن هذين الاثنين وعن غيرهما وليس فيها شيء عن موسى بن جعفر وأمثاله من بني هاشم علم أن مطلوبه من علم الرسول ﷺ كان عند مالك أكثر مما هو عند هؤلاء

وكذلك أحمد بن حنبل قد علم كمال محبته لرسول الله ﷺ ولحديثه ومعرفته بأقواله وأفعاله وموالاته لمن يوافقه ومعاداته لمن يخالفه ومحبته لبني هاشم وتصنيفه في فضائلهم حتى صنف فضائل على والحسن والحسين كما سنف فضائل الصحابة ومع هذا فكتبه مملوءة بعلم مثل مالك والثوري والأوزاعي والليث بن سعد ووكيع بن الجراج ويحيى بن سعيد القطان وهشيم بن بشير وعبد ارحمن بن مهدي وأمثالهم دون موسى بن جعفر وعلى بن موسى ومحمد بن علي وأمثالهم فلو وجد مطلوبه عن مثل هؤلاء لكان أشد الناس رغبة في ذلك

فإن زعم زاعم أنه كان عندهم من العلم المخزون ما ليس عن أولئك لكان كانوا يكتمونه فأي فائدة للناس في علم يكتمونه فعلم لا يقال به ككنز لا ينفق منه وكيف يأتم اناس بمن لا يبين لهم العلم المكتوم كالإمام المعدوم وكلاهما لا ينتفع به ولا يحصل به لكف ولا مصلحة

وإن قالوا بل كانوا يبينون ذلك لخواصهم دون هؤلاء الأئمة قيل أولا هذا كذب عليهم فإن جعفر بن محمد لم يجيء بعد مثله وقد أخذ العلم عنه هؤلاء الأئمة كما لك وابن عيينة وشعبة والثوري وابن جريج ويحيى بن سعيد وأمثالهم من العلماء المشاعير الأعيان ثم من ظن بهؤلاء السادة أنهم يكتمون علمهم عن مثل هؤلاء ويخصون به قوما مدهولين ليس لهم في الأمة لسان صدق فقد أساء الظن بهم فإن في هؤلاء من المحبة لله ولرسوله والطاعة له والرغبة في حفظ دينه وتبليغه وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه وصيانته عن الزادة والنقصان ما لا يوجد قريب مه لأحد من شيوخ الشيعة

وهذا أمر معلوم بالضرورة لمن عرف هؤلاء وهؤلاء واعتبر هذا مما تجده في كل زمان من شيوخ السنة وشيوخه الرافضة كمصنف هذا الكتاب فإنه عند الإمامية أفضلهم في زمانه بل يقول بعض الناس ليس في بلاد المشرق أفضل منه في جنس العلوم مطلقا ومع هذا فكلامه يدل على أنه من أجهل خلق الله بحال النبي ﷺ وأقواله وأعماله فيروى الكذب الذي يظهر أنه كذب من وجوه كثيرة فإن كان عالما بأنه كذب فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين وإن كان جاهلا بذلك دل على أنه من أجهل الناس بأحوال النبي ﷺ كما قيل

فإن كنت لا تدري فتلك معصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

وأما الأبيات التي أنشدها فقد قيل في معارضهتها

إذا شئت أن ترضى لنفسك مذهبا ... تنال به الزلفي وتنجو من النار

فدن بكتاب الله والسنة التي ... أتت عن رسول الله من نقل أخيار

ودع عنك دين الرفض والبدع التي ... يقودك داعيها إلى النار والعار

وسر خلف أصحاب الرسول فإنهم ... نجوم هدى في ضوئها يهتدي الساري

وعج عن طريق الرفض فهو مؤسس ... على الكفر تأسيسا على جرف هار

هما خطتا إما هدى وسعادى ... وإما شقاء مع ضلالة كفار

فأي فريقينا أحق بأمنه ... وأهدى سبيلا عند ما يحكم الباري

أمن سب اصحاب الرسول وخالف ال ... كتاب ولم يعبا بثابت أخبار

أم المفتدى بالوحي يسلك منهج ال ... صحابة مع حب القرابة الاطهار

فصل

قال الرافضب وما أظن أحدا من المحصلين وقف على هذه المذاهب واختار غير مذهب الإمامية باطنا وإن كان في الظاهر يصير إلى غيره طلبا للدنيا حيث وضعت لهم المدارس والربط والأوقاف حتى تستمر لبني العباس الدعوة ويشيدوا للعامة اعتقاد إمامتهم

فيقال هذا الكلام لا يقوله إلا من هو من أدهل الناس بأحوال أهل السنة أو من هو من أعظم الناس كذبا وعنادا وبطلانه ظاهر من وجوه كثيره فإنه من المعلوم أن السنة كانت قبل أن تبنى المدارس أقوى وأظهر فإن الدارس إنما بنيت في بغداد في أثناء المائة الخامسة بنيت النظامية في حدود الستين والأربعمائة وبنيت على مذهب واحد من الأئمة الأربعة والمذاهب الأربعة طبقت المشرق والمغرب وليس لأحد منهم درسة والمالكية في الغرب لا يذكر عندهم ولد العباس

ثم السنة كانت قبل دولة بني العباس أظهر منها وأقوى في دولة بني العباس فإن بني العباس دخل في دولتهم كثير من الشيعة وغيرهم من أهل البدع ثم إن أهل السنة متفقون على أن الخلافة لا تختص ببني العباس وإنه لو تولاها بعض العلويين أو الأمويين أو غيرهم من بطون قريش جاز ثم من المعلوم أن علماء السنة كمالك وأحمد وغيرهما من أبعد الناس عن مداهنة الملوك أو مقاربته ثم إن أهل السنة إنما يعظمون الخلفاء الراشدين وليس فيهم أحد من بني العباس

ثم من المعلوم لكل عاقل أنه ليس في علماء المسلمين المشهورين أحد رافضي بل كلهم متفقون على تجهيل الرافضة وتضليلهم وكتبهم كلها شاهدة بذلك وهذه كتب الطوائف كلها تنطق بذلك مع أنه لا أحد يلجئهم إلى ذكر الرافضة وذكر جهلهم وضلالهم

وهم دائما يذكرون من جهل الرافضة وضلالهم ما يعلم معه بالاضطرار أنهم يعتقدون أن الرافضة من أجهل الناس وأضلهم وأبعد طوائف الأمة عن الهدى كيف ومذهب هؤلاء الإمامية قد جمع عظائم البدع المنكرة فإنهم جهمية قدرية رافضة وكلام السلف والعلماء في ذم كل صنف من هذه الأسناف لا يحصيه إلا الله والتب مشحونة بذلك ككتب الحديث والاثار والفقه والتفسير والأصول والفروع وغير ذلك وهؤلاء الثلاثة شر من غيرهم من أهل البدع كالمرجئة والحرورية

والله يعلم أني مع كثرة بحثي وتطلعي إلى معرفة أقوال الناس ومذاهبهم ما علمت رجلا له في الأمة لسان صدق يتهم بمذهب الإمامية فضلا عن أن يقال إنه يعتقده في الباطن

وقد اتهم بمذهب الزيدية الحسن بن صالح بن حي وكان فقيها صالحا زاهدا وقيل إن ذلك كذب عليه ولم ينقل أحد عنه إنه طعن في أبي بكر وعمر فضلا عن أن يشك في إمامتهما واتهم طائفة من الشيعة الأولى بتفضيل على على عثمان ولم يتهم أحد من الشيعة الأولى بتفضيل على علي أبي بكر وعمر بل كانت عامة الشيعة الأولى الذين يحبون عليا يفضلون عليه أبا بكر وعمر لكن كان فيهم كائفة ترجحه على عثمان وكان الناس في الفتنة صاروا شيعتين شيعة عثمانية وشيعة علوة وليس كل من قاتل مع على كان يفضله على عثمان بل كان كثير منهم يفضل عثمان عليه كما هو قول سائر أهل السنة

فصل

قال الرافضي وكثيرا ما رأينا من يتدين في الباطن بمذهب الإمامية ويمنعه عن إظهاره حب الدنيا وطلب الرياسة وقد رأيت بعض أئمة الحنابلة يقول إني على مذهب الإمامية فقلت لم تدرس على مذه الحنابلة فقال ليس في مذهبكم البغلات والمشاهرات وكان أكبر مدرسي الشافعيه في زماننا حيث توفي أوصى أن يتولى أمره في غسله وتجهيزه بعض المؤمنين وأن يدفن في مشهد مولانا الكاظم وأشهد عليه أنه كان على مذهب الإمامية

والجواب أن قوله وكثيرا ما رأينا هذا كذب بل قد يوجد في بعض المنتسبين إلى مذهب الأئمة الأربعة من هو في الباطن رافضي كما يوجد في المظهريت للإسلام من هو في الباطن منافق فإن الرافضة لما كانوا من جنس المنافقين يخفون أمرهم احتاجوا أن يتظاهروا بغير ذلك كما احتاج المنافقون أن يتظاهروا بغير الكفر ولا يوجد هذا إلا فيمن هو جاهل بأحوال النبي ﷺ وأمور المسلمين كيف كانت في أول الإسلام وأما من عرف الإسلام كيف كان وهو مقر بأن محمدا رسول الله باطنا وظاهرا فإنه يمتنع أن يكون في الباطن رافضيا ولا يتصور أن يكون في الباطن رافضيا إلا زنديق منافق أو جاهل بالإسلام كيف كان مفرط في الجهل

والحكاية التي ذكرها عن بعض الأئمة المدرسين ذكر لي بعض البغداديين أنها كذب مفترى فإن كان صادقا فيما نقله عن بعض المدرسين من هؤلاء وهؤلاء فلا ينكر أن يكون في المنتسبين إلى الأئمة الأربعة من هو زنديق ملحد مارق من الإسلام فضلا عن أن يكون رافضيا ومن استدل بزندقة بعض الناس في الباطن على أن علماء المسلمين كلهم زناقدة كان من أجهل الناس كذلك من استدل برفض بعض الناس في الباطن

ولو كشف لنا عن اسم هذا المدرس وهذا المدرس لبينا من جهله ما يبين حقيقة حاله وهل في مجرد كون الرجل تولى التدريس في مثل دولة الترك الكفار أو الحديثي العهد بالإسلام ما يدل على فضيلة المدرس وديانته حتى يجعل له قول مع العلم بأن كثيرا ممن يتولى التدريس بجاه الظلمة الجهال يكون من أجهل الناس وأظلمهم ولكن الذي يدل على فضيلة العلماء ما اشتهر من علمهم عند الناس وما زهر من اثار كلامهم وكتبهم فهل عرف أحد من فضلاء أصحاب الشافعي وأحمد وأصحاب مالك كان رافضيا أم يعلم بالاضطرار أن كل فاضل منهم فإنه من أشد الناس إنكارا للرفض وقد أتهم طائفة من أتباع الأئمة بالميل إلى نوع من الاعتزال ولم يعلم عن أحد منهم أنه اتهم بالرفض لبعد الرفض عن طريقة أهل العلم فإن المعتزلة وإن كانت أقوالهم متضمنة لبدع منكرة فإن فيهم من العلم والدين والاستدلال بالأدلة الشرعية والعقلية والرد على ما هو أبعد عن الإسلام منهم من أهل الملل والملاحدة بل ومن الرد على الرافضة ما أوجب أن يدخل فيهم جماعات من أهل العلم والدين وإن انتسبوا إلى مذهب بعض الأئمة الأربعة كأبي حنيفة وغيره بخلاف الرافضة فإنهم من أجهل الطوائف بالمنقول والمعقول ومن دخل فيهم من المظهرين للعلم والدين باطنا فلا يكون إلا من أجهل الناس أو زنديقا ملحدا

فسل

قال الرافضي الوجه الخامس في بيان وجوب اتباع مذهب الإمامية أنهم لم يذهبوا إلى التعصب في غير الحق بخلاف غيرهم فقد ذكر الغزالي والماوردي وهما إمامان للشافعيه أن تسطيح القبور هو المشروع لكن لما جعلته الرافضة شعارا لهم عدلنا عنه إلى التسنيم وذكر الزمخشري وكان من أئمة الحنفية في تفسير قوله تعالى هو الذي يصلي عليكم وملائكته أنه يجوز بمقتضى هذه الآية أن يصلي على احاد المسلمين لكن لما اتخذت الرافضة ذلك في أئمتهم منعناه وقال مصنف الهداية من الحنفية إن المشروع التختم في اليمين ولكن لما اتخذته الرافضة جعلنا التختم في اليسار وأمثال ذلك كثير فانظر إلى من يغير الشريعة ويبدل الأحكام التي ورد بها النص عن النبي ﷺ ويذهب إلى شد الصواب معاندة لقوم معينين فهل يجوز اتباعه والمصير إلى أقواله

والجواب من طريقين أحدهما أن هذه الذي ذكره هو بالرافضة ألصق

والثاني أن أئمة السنة براء من هذا أما الطريق الأول فيقال لا نعلم طائفة أعظم تعصبا في الباطل من الرافضة حتى أنهم دون سائر الطوائف عرف منهم شهادة الزور لموافقهم على مخالفهم وليس في التعصب أعظم من الكذب وحتى أنهم في التعصب جعلوا للبنت جميع الميراث ليقولوا إن فاطمة رضي الله عنها ورثت رسول الله ﷺ دون عمه العباس رضي الله عنه وحتى أن فيهم من حرم لحم الجمل لأن عائشة قاتلت على جمل فخالفوا كتاب الله وسنة رسوله صلى اله عليه وسلم وإجماع الصحابة والقرابة لأمر لا يناسب ذلك فإن ذلك الجمل الذي ركبته عائشة رضي الله عنها مات ولو فرض أنه حي فركوب الكفار على الجمال لا يوجب تحريمها وما زال الكفار يركبون جمالا ويغنمها المسلمون منهم ولحمها حلال لهم فأي شيء في ركوب عائشة للجمل مما يوجب تحريم لحمه

وغاية ما يفرضون أن بعض من يجعلونه كافرا ركب جملا مع أنهم كاذبون مفترون فيما يرمون به أم المؤمنين رضي الله عنها

ومن تعصبهم أنهم لا يذكرون اسم العشرة بل يقولون تسعة وواحد وإذا بنوا أعمدة أو غيرها لا يجعلونها عشرة وهم يتحرو ذلك في كثير من أمورهم

مع أن الكتاب العزيز قد جاء بذكر العشرة والعشر في غير موضع كما في قوله تعالى فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة وقال والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا وقال تعالى وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر وقال تعالى والفجر وليال عشر

فذكر سبحانه وتعالى اسم العشرة في مواضع محمودة وذكر اسم التسعة في موضع مذموم كقوله تعالى وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون

وقال النبي ﷺ تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان وكان يعتكف العشر الأواخر حتى قبضه الله تعالى وقال ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام العشرة فإذا كان الله ورسوله قد تكلم باسم العشرة وعلق بهذا العدد أحكاما شرعية محمودة كان نفورهم عن التكلم بذلك لكونه قد تسمى به عشرة من الناس يبغضونهم غاية الجهل والتعصب

ثم قولهم تسعة واحدة هو معنى العشرة مع طول العبارة وإذا كان اسم العشرة أو التسعة أو السبعة يقع على كل معدود بهذا العدد سواء كان من الناس أو الدواب أو الثياب أو الدراهم وبعض المعدودات يكون محمودا وبعضها يكون مذموما فنفور هؤلاء الجهال عن التكلم بهذه الأعداد في غاية الجهل وإنما هو كنفورهم عن التكلم بأسماء قوم يبغضونهم كما ينفرون عمت اسمه أبو بكر وعمر وعثمان بغضهم لشخص كان اسمه هذا الاسم

وقد كان من الصحابة رضي الله عنهم من هو مسمى بأسماء تسمى بها بعض الكفار كالوليد بن الوليد وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ كان يقول في قنوته إذا قنت اللهم انج الوليد بن الوليد وانج سلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين

وهذا الوليد مؤمن تقى وأبوه الوليد كافر شقى وكذلك عقبة بن أبي معيط من كفار قريش وقد قال النبي ﷺ رأيت كأني في دار عقبة بن رافع وأتينا برطب ابن طاب فأولت الرفعة لنا في الدنيا والعاقبة لنا في الاخرة وأن ديننا قد طاب

وقد كان النبي ﷺ يدعو علي بن أبي طالب في الكفار على بن أمية بن خلف قتل هو وأبوه يوم بدر كافرين وفي الصحابة كعب بن مالك شاعر النبي ﷺ وغيره وكان كعب بن الأشرف قد اذى الله ورسوله حتى ندب النبي ﷺ لقتله محمد بن مسلمة وأصحابه وفي الصحابة أبي بن كعب الذي قال له النبي ﷺ إن الله أمرني أن أقرأ عليك لم يكن الذين كفروا يعني قراءة تبليغ لا قراءة تعلم وفي المشركين أبي بن خلف ثقله النبي ﷺ بيده يوم أحد ولم يقتل النبي ﷺ بيده أحدا غيره وقال إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة من قتل نبيا أو قتله نبي وهذا باب واسع

وقد سمى النبي ﷺ ابنه إبراهيم وقد سمى علي رضي الله عنه ابنيه أبا بكر وعمر

ففي الجملة أساء الأعلام يشترك فيها المسلم والكافر كما تسمى اليهود والنصارى إبراهيم وموسى وإسحاق ويعقوب والمسلمون يسمون بذلك أيضا فليس في تسمية الكافر باسم ما يوجب هجران ذلك الاسم فلو فرض والعياذ بالله أن هؤلاء كفار كما يقول المفترون لعنهم الله لم يكن في ذلك ما يوجب هجران هذه الأسماء وإنما ذلك مبالغة في التعصب والجهل

فإن قيل إنما يكرهون هذا الاسم لأن المسمى به يكون سنيا، قيل فهم قد يعرفون مذهب الرجل ولا خاطبونه بهذا الاسم بل بغيره من الأسماء مبالغة في هجران هذا الاسم ومن تعصبهم أنهم إذا وجدوا مسمى بعلى أو جعفر أو الحسن أو الحسين بادروا إلى إكرامه مع أنه قد يكون فاسقا وقد يكون في الباطن سنيا فإن أهل السنة يسمون بهذه الأسماء كل هذا من التعصب والجهل ومن تعصبهم وجهلهم أنهم يبغضون بني أمية كلهم لكون بعضهم كان ممن يبغض عليا، وقد كان في بني أمية قوم صالحون ماتوا قبل الفتنة وكان بنو أمية أكثر القبائل عمالا للنبي ﷺ فإنه لما فتح مكة استعمل عليها عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية واستعمل خالد بن سعيد بن العاص بن أمية وأخويه أبان بن سعيد وسعيد بن سعيد على أعمال أخر واتعمل أبا سفيان بن حرب بن أمية على نجران أو ابنه يزيد ومات وهو عليها وصاهر نبي الله ﷺ ببناته الثلاثة لبني أمية فزوج أكبر بناته زينب بأبي العاص بن الربيع بن أمية بن عبد شمس وحمد صهره لما أراد علي أن يتزوج ببنت أبي جهل فذكر صهرا له من بني أمية بن عبد شمس فأثنى عليه في مصاهرته وقال حدثني فصدقني ووعدني فوفى لي وزوج ابنتيه لعثمان بن عفان واحدة بعد واحدة وقال لو كانت عندنا ثالثة لزوجناها عثمان

وكذلك من جهلهم وتعصبهم أنهم يبغضون أهل الشام لكونهم كان فيهم أولا من يبغض عليا ومعلوم أن مكة كان فيها كفار ومؤمنون وكذلك المدنية كان فيها مؤمنون ومنافقون والشام في هذه الأعصار لم يبق فيه من يتظاهر ببغض على ولكن لفرط جهلهم يسحبون ذيل البغض وكذلك من جهلهم أنهم يذمون من ينتفع بشيء من اثار بني أمية كالشرب من نهر يزيد ويزيد لم يحفره ولكن وسعه وكالصلاة في جامع بناه بنو أمية ومن المعلوم أن النبي صلى الله علين وسلم كان يصلي إلى الكعبة التي بناها المشركون وكان يسكن في المساكن التي بنوها وكان يشرب من ماء الابار التي حفروها ويلبس من الثياب التي نسجوها ويعامل بالدراهم التي ضربوها فإذا كان ينتفع بمساكنهم وملابسهم والمياه التي أنبطوها والمساجد التي بنوها فكيف بأهل القبلة

فلو فرض أن يزيد كان كافرا وحفر نهرا لم يكره الشرب منه بإجماع المسلمين ولكن لفرط تعصبهم كرهوا ما يضاف إلى من يبغضونه

ولقد حدثني ثقة أنه كان لرجل منهم كلب فدعاه اخر منهم بكير بكير فقال صاحب الكلب أتسمي كلبي بأسماء أصحاب النار فاقتتلا على ذلك حتى جرى بينهما دم فهل يكون أجهل من هؤلاء

والنبي ﷺ يسمى أصحابه بأسماء قد تسمى بها قوم من أهل النار الذين ذكرهم الله في القران كالوحيد الذي ذكره الله في القران في قوله ذرني ومن خلقت وحيدا واسمه الوليد بن المغيرة وكان النبي ﷺ يدعو لابن هذا واسمه أيضا الوليد ويسمى الابن والأب في الصلاة ويقول اللهم أنج الوليد بن الوليد كما ثبت ذلك في الصحيح

ومن فرط جهلهم وتعصبهم أنهم يعمدون إلى يوم أحب الله صيامه فيرون فطره كيوم عاشوراء وقد ثبت في الصحيح عن أبي موسى قال دخل النبي ﷺ المدينة وإذا ناس من اليهود يعظمون عاشوراء ويصومونه فقال النبي ﷺ نحن أحق بصومه وأمر بصومه أخرجه البخاري ومن فرط جهلهم وتعصبهم أنهم يعمدون إلى دابة عجماء فيؤذونها بغير حق إذ جعلوها بمنزلة من يبغضونه كما يعمدون إلى نعجة حمراء يسمونها عائشة وينتفون شعرها ويعمدون إلى دواب لهم فيسمون بعضها أبا بكر وبعضها عمر ويضربونها بغير حق ويصورون صورة إنسان من حيس يجعلونه عمر ويبعجون بطنه ويزعمون أنهم يأكلون لحمه ويشربون دمه

وأما الطريق الثاني في الجواب فنقول الذي عليه أئمة الإسلام أن ما كان مشروعا لم يترك لمجرد فعل أهل البدع لا الرافضة ولا غيرهم وأصول الأئمة كلهم توافق هذا منها مسألة التسطيح الذي ذكرها فإن مذهب أبي حنيفة واحمد بن تسنيم القبور أفضل كما ثبت في الصحيح أن قبر النبي ﷺ كان مسنما ولأن ذلك أبعد عن مشابهة أبنية الدنيا وأمنع عن القعود على القبور والشافعي يستحب التسطيح لما روى من الأمر بتسوية القبور فرأى أن التسوية هي التسطيح ثم إن بعض أصحابه قال إن هذا اشعار الرافضة فيكره ذلك فخالفه جمهور الأصحاب وقالوا بل هو المستحب وإن فعلته الرافضة

وكذلك الجهر بالبسملة هو مذهب الرافضة وبعض الناس تكلم في الشافعي بسببها وبسبب القنوت ونسبه إلى قول الرافضة والقدرية لأن المعروف في العراق أن الجهر كان من شعار الرافضة وأن القنوت في الفجر كان من شعار القدرية الرافضة حتى أن سفيان الثوري وغيره من الأئمة يذكرون في عقائدهم ترك الجهر بالبسملة لأنه كان عندهم من شعار الرافضة كما يذكرون المسح على الخفين لأن تركه كان من شعار الرافضة ومع هذا فالشافعي لما رأى أن هذا هو السنة كان ذلك مذهبه وإن وافق قول الرافضة

وكذلك إحرام أهل العراق من العقيق يستحب عنده وإن كان ذلك مذهب الرافضة ونظائر هذا كثيرة

وكذلك مالك يضعف أمر المسح على الخفين حتى أنه في المشهور عنه لا يمسح في الحضر وإن وافق ذلك قول الرافضة وكذلك مذهبه ومذهب أحمد المشهور عنه أن المحرم لا يستظل بالمحمل وإن كان ذلك قول الرافضة وكذلك قال مالك إن السجود يكره على غير جنس الأرض والرافضة يمنعون من السجود على غير الأرض وكذلك أحمد بن حنبل يستحب المتعة متعة الحج ويأمر بها حتى يستحب هو وغيره من الأئمة أئمة أهل الحديث لم أحرم مفردا أو قارنا أن يفسح ذلك إلى العمرة ويصير متمتعا لأن الأحاديث الصحيحة جاءت بذكل حتى قال سلمة بن شبيب للإمام أحمد يا أبا عبد الله قويت قلوب الرافضة لما أفتيت أهل خراسات بالمتعة فقال يا سلمة كان يبلغن عنك أنك أحمق وكنت أدفع عنك والان فقد ثبت عندي أنك أحمق عندي أحد عشر حديثا صحاحا عن النبي ﷺ أتركها لقولك

وكذلك أبو حنيفة مذهبه أنه يجوز الصلاة على غير النبي ﷺ كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وهذا هو المنصوص عن أحمد في رواية غير واحد من أصحابه واستدل بما نقله عن علي رضي الله عنه أنه قال لعمر رضي الله عنه صلى الله عليك وهو اختيار أكثر أصحابه كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل وأبي محمد عبد القادر الجيلي وغيرهم ولكن نقل عن مالك والشافعي المنع من ذلك وهو اختيار بعض أصحاب أحمد لما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لا تصلح الصلاة من أحد على أحد على غير النبي ﷺ وهذا الذي قاله ابن عباس رضي الله عنه قال والله أعلم لما صارت الشيعة تخص بالصلاة عليا دون غيره ويجعلون ذلك كأنه مأمور به في حقه بخصوصمه دون غيره وهذا خطأ بالاتفاق فإن الله تعالى أمر بالصلاة على نبيه ﷺ وقد فسر النبي ﷺ ذلك بالصلاة عليه وعلى اله فيصلي على جميع اله تبعا له

وال محمد ﷺ عند الشافعي وأحمد هم الذين حرمت عليهم الصدقة وذهبت طائفة من أصحاب مالك وأحمد وغيرهما إلى أنهم أمة محمد ﷺ وقالت طائفة من الصوفية إنهم الأولياء من أمته وهم المؤمنون المتقون وروي في ذلك حديث ضعيف لا يثبت فالذي قالته الحنفية وغيرهم أنه إذا كان عند قوم لا يصلون إلا على على دون الصحابة فإذا صلى على علي ظن أنه منهم فيكره لئلا يظن به أنا رافضي فأما إذا علم أنه صلى على علي وعلى سائر الصحابة لم يكره ذلك

وهذا القول يقوله سائر الأئمة فإنه اذا كان في فعل مستحب مفسدة راجحة لم يصر مستحبا ومن هنا ذهب من ذهب من الفقهاء إلى ترك بعض المستحبات إذا صارت شعارا لهم فلا يتميز السنى من الرافضي ومصلحة التميز عنهم لأجل هجراتهم ومخالفتهم أعظم من مصلحة هذا المستحب وهذا الذي ذهب إليه يحتاج إليه في بعض المواضع إذا كان في الاختلاط والاشتباه مفسدة راجحة على مصلحة فعل ذلك المستحب لكن هذا أمر عارض لا يقتضي أن يجعل المشروع ليس بمشروع دائما بل هذا مثل لباس شعار الكفار وإن كان مباحا إذا لم يكن شعارا لهم كلبس العمامة الصفراء فإنه جائز إذا لم يكن شعارا لليهود فإذا صار شعارا لهم نهى عن ذلك

فصل

قال الرافضي مع أنهم ابتدعوا أشياء واعترفوا بأنها بدعة وأن النبي صلى الله ليه وسلم قال كل بدعة ضلالة وكل ضلالة فإن مصيرها إلى النار وقال ﷺ من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد ولو ردوا عنها كرهته نفوسهم ونفرت قلوبهم كذكر الخلفاء في خطبهم مع أنه بالإجماع لم يكن في زمن النبي ﷺ ولا في زمن أحد من الصحابة والتابعين ولا في زمن بني أمية ولا في صدر ولاية العباسيين بل شيء أحدثه المنصور لما وقع بينه وبين العلوية خلاف فقال والله لأرغمن أنفى وأنوفهم وأرفع عليهم بنى تيم وعدي وذكر الصحابة في خطبته واستمرت هذه البدعة إلى هذا الزمان

فيقال الجواب من وجوه أحدها أن ذكر الخلفاء على المنبر كان على عهد عمر بن عبد العزيز بل قد روى أنه كان على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وحديث ضبة بن محصن من أشهر الأحاديث فروى الطلمنكي من حجيث ميمون بن مهران قال كان أبو موسى الاشعري رضي اله عنه إذا خطب بالبصرة يوم اجمعة وكان واليها صلى على النبي ﷺ ثم ثنى بعمر بن الخطاب يدعو له فيقوم ضبة بن محصن العنزي فيقول فأين أنت عن ذكر صاحبه قبله يفضله يعني أبا بكر رضي الله عنهما ثم قعد فلما فعل ذلك مرارا أمحكه أبو موسة فكتب أبو موسى إلى عمر رضي الله عنه أن ضبة يطعن علينا ويفعل فكتب عمر إلى ضبة يأمره أن يخرج إليه فبعث به أبو موسى فلما قدم ضبة المدينة على عمر رضي الله عنه قال له الحاجب ضبة العنزي بالباب فأذن له فلما دخل عليه قال لا مرحبا بضبة ولا أهلا قال ضبة أما المرحب فمن الله وأما الأهل فلا أهل ولا مال فبم استحللت إشخاصي من مصري بلا ذنب أذنبت ولا شيء أتيت قال ما الذي شجر بينك وبين عاملك قلت الان أخبرك يا أمير المؤمنين إنه كان إذا خطب فحمد الله فأثنى عليه وصلى على النبي ﷺ ثم ثنى يدعو لك فغاظني ذلك منه وقلت أين أنت عن صاحبه تفضله عليه فكتب أليك يشكوني قال فاندفع عمر رضي الله عنه باكيا وهو يقول أنت والله أوفق منه وأرشد منه فهل أنت غافر لي ذنبي يغفر الله لك قلت غفر الله لك يا أمير المؤمنين ثم اندفع باكيا وهو يقول والله لليلة من أبي بكر ويوم خير من عمر وال عمر فهل لك أن أحدثك بليلته ويومه قلت نعم يا أمير المؤمنين قال أما الليلة فإن رسول الله ﷺ لما خرج من مكة هاربا من المشركين خرج ليلا فتبعه أبو بكر فجعل يمشي مرة أمامه ومرة خلفه ومرة عن يمينه ومرة عن يساره فقال له رسول الله ﷺ ما هذا يا أبا بكر ما أعرف هذا من فعلك فقال يا رسول الله أذكر الرصد فأكون أمامك وأذكر الطلب فأكون خلفك ومرة عن يمينك ومرة عن يسارك لا امن عليك فمضى رسول الله ﷺ على أطراف أصابعه حتى حفيت فلما رأى أبو بكر أنها قد حفيت حمله على عاتقهع حتى أتى به فم الغار فأنزله ثم قال والذي بعثك بالحق لا تدخله حتى أدخله فإن كان فيه شيء فيبدأ بي قبلك فلم ير شيئا يستريبه فحمله فأدخله وكان في الغار خرق فيه حيات فلما رأ ى ذلك أبو بكر ألقمه عقبه فجعلن يلسعنه أو يربنه وجعلت دموعه تتجادر على خده من ألم ما يجد ورسول الله ﷺ يقول لا تحزن يا أبا بكر إن الله معنا فأنزل الله سكينته وطمأنينته لأبي بكر فهذه ليلته

وأما يومه فلما توفي رسول الله ﷺ ارتدت العرب فال بعضهم نصلي ولا نزكي وقال بعضهم نزكي ولا نصلي فأتيته لا الوه نصحا فقلت يا خليفة رسول الله تألف الناس وارفق بهم فقال لي أجبار في الجاهلية وخوار في الإسلام قبض رسول الله عليه وسلم وارتفع الوحي والله لو منعوني عقالا كانوا يعطونه رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه فقاتلنا معه فكان والله رشيد الأمر فهذا يومه ثم كتب إلى أبي موسى يلومه فإن قيل ذاك فيه ذكر عمر لأنه كان هو السلطان الحي قيل فأبو بكر كان قد مات فعلم أنهم ذكروا الميت أيضا

الوجه الثاني أنه قد قيل إن عمر بن عبد العزيز ذكر الخلفاء الأربعة لما كان بعض بني أمية يسبون عليا فعوض عن ذلك بذكرالخلفاء والترضي عنهم ليمحو تلك السنة الفاسدة

الوجه الثالث أن ما ذكره من إحداث المنصور وقصده بذلك باطل فإن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما توليا الخلافة قبل المنصور وقبل بني أمية فلم يكن في ذكر المنصور لهما إرغام لأنفه ولا لأنوف بني علي إلا لو كان بعض بني تيم أو بعض بني عدي ينازعهم الخلافة ولم يكن أحد من هؤلاء ينازعهم فيها

الوجه الرابع أن أهل السنة لا يقولون إن ذكر الخلفاء الأربعة في الخطبة فرض بل يقولون إن الاقتصار على علي وحده أو ذكر الاثنى عشر هو البدعة المنكرة التي لم يفعلها أحد لا من الصحابة ولا من التابعين ولا من بني أمية ولا من بني العباس كما يقولون إن ست علي أو غيره من السلف بدعه منكرة فإن كان ذكر الخلفاء الأربعة بدعة مع أن كثيرا من الخلفاء فعلوا ذلك فالاقتصار على علي مع أنه لم يسبق إليه أحد من الأمة أولى أن يكون بدعة وإن كان ذكر على لكونه أمير المؤمنين متحبا فذكر الأربعة الذين هم الخلفاء الراشدون إلى بالاستحباب ولكن الرافضة من المطففين يرى أحدهم القذاة في عيون أهل السنة ولا يرى الجذع المعترض في عينه

ومن المعلوم أن الخلفاء الثلاثى اتفقت عليهم المسلمون وكان السيف في زكانهم مسلولا على الكفار مكفوفا عن أهل الإسلام وأما على فلم يتفق المسلمون على مبايعته بل وقعت الفتنة تلك المدة وكان السيف في تلك المدة مكفوفا عن الكفار مسلولا على أهل الإسلام فاقتصار المقتصر على ذكر على وحده دون من سبقه وهو ترك لذكر الأئمة وقت اجتماع المسلمين وانتصارهم على عدوهم واقتصار على ذكر الإمام الذي كان إماما وقت افتراق المسلمين وطلب عدوهم لبلادهم

فإن الكفار بالشام وخراسان طمعوا وقت الفتنة في بلاد المسلمين لاشتغال المسلمين بعضهم ببعض وهو ترك لذكر أئمة الخلافة التامة الكاملة واقتصار على ذكر الخلافة التي لم تتم ولم يحصل مقصودها

وهذا كان من حجة من كان يربع بذكر معاوية رضي الله عنه ولا يذكر عليا رضي عنه كما كان يفعل ذلك من كان يفعله بالأندلس وغيرها قالوا لأن معاوية رضي الله عنه اتفق المسلمون عليه بخلاف علي رضي الله عنه ولا ريب أن قول هؤلاء وإن كان خطأ فقول الذين يذكرون عليا وحده أعظم خطأ من هؤلاء وأعظم من ذلك كله ذكر الاثنى عشر في خطبه أو غيرها أو نقشهم على حائط أو تلقينهم لميت فهذا هو البدعة المنكرة التي يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنها من أظم الأمور المبتدعة في دين الإسلام ولو ترك الخطيب ذكر الأربعة جميعا لم ينكر عليه وإنما المنكر الاقتصار على واحد دون الثلاثة السابقين الذين كانت خلافتهم أكمل وسيرتهم أفضل كما أنكر على أبي موسى ذكره لعمر دون أبي بكر مع أن عمر كان هو الحي خليفة الوقت

الوجه الخامس أنه ليس كل خطباء لسنة يذكرون الخلفاء في الخطبة بل كثير من خطباء السنة بالمغرب وغيره لا يذكرون أحدا من الخلفاء باسمه وكان كثير من خطباء المغرب يذكرون أبا بكر وعمر وعثمان ويربعون بذكر معاوية لا يذكرون عليت قالوا لأن هؤلاء اتفق المسلمون على إمامتهم دون علي فإن كان ذكر الخلفاء بأسمائهم حسنا فبعض أهل السنة يفعله وإن لم يكن حسنا فبعض أهل السنة يتركه فالحق على التقديرين لا يخرج عن أهل السنة

الوجه السادس أنه يقال إن الذين اختاروا ذكر الخلفاء الراشدين على المنبر يوم الجمعة إنما فعلوه تعويضا عمن يسبهم ويقدح فيهم وكان ذلك فيه من الفاسد في الإسلام ما لا يخفى فأعلنوا بذكرهم والثناء عليهم والدعاء لهم ليكون ذلك حفظا للإسلام بإظهار موالاتهم والثناء عليهم ومنعا ممن يريد عوراتهم والطعن عليهم فإنه قد صح عن النبي ﷺ أنه قال عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة

والأحاديث في ذكر خلافتهم كثيرة فلما كان في بني أمية من يسب عليت رضي الله عنه ويذمه ويقول إنه ليس من الخلفاء الراشدين وتولى عمر بن عبد العزيز بعد أولئك فقيل إنه أول من ذكر الخلفاء الراشدين الأربعة على المنبر فأظهر ذكر على والثناء عليه وذكر فضائله بعد أن كان طائفة ممن يبغض عليا لا تختار ذلك والخوارج تبغض عليا وعثمان وتكفرهما فكان في ذكرهما مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهم رد على الخوارج الذين أمر النبي ﷺ بقتالهم والرافضة شر من هؤلاء وهؤلاء يبغضون أبا بكر وعمر وعثمان ويسبونهم بل قد يكفرونهم فكان قد ذكر هؤلاء وفضائلهم رد على الرافضة ولما قاموا في دولة خدابنده الذي صنف له هذا الرافضي هذا الكتاب فأرادوا إظهار مذهب الرافضة وإظفاء مذهب أهل السنة الكتاب فأرادوا إظهار مذهب الرافضة وإطفاء مذهب أهل السنة وعقدوا ألوية الفتنة وأطلقوا عنان البدعة وأظهروا من الشر والفساد ما لا يعمله إلا رب العباد كان مما احتالوا به أن استفتوا بعض المنتسبين إلى السنة في ذكر الخلفاء في الخطبة هل يجب فأفتى من أفتى بأنه لا يجب إما جهلا بمقصودهم وإما خوفا منهم وتقية لهم

وهؤلاء إنما كان مقصودهم منع ذكر الخلفاء ثم عوضوا عن ذلك بذكر على والا حدى عشر الذين يزعمون أنهم المعصومون فالمفتي إذا علم أن مقصود المستفتي له أن يترك ذكر الخلفاء وأن يذكر الاثنى عشر وينادي بحي على خير العمل ليبطل الأذان المنقول بالتواتر من عهد النبي ﷺ ويمنع قراءة الأحاديث الثابته الصحيحة عن رسول الله ﷺ ويعوض عنها بالأحاديث التي افتراها المفترون ويبطل الشرائع المعلومة من دين الإسلام ويعوض عنها بالبدع المضلة ويتوسل بذلك من يتوسل إلى إظهار دين الملاحدة الذين يبطنون مذهب الفلاسفة ويتظاهرون بدين الإسلام وهم أكفر من اليهود والنصارى إلى غير ذلك من مقاصد أهل الجهل والظلم الكائدين للإسلام وأهله لم يحل للمفتي أن يفتي بما يجر إلى هذه المفاسد

وإذا كان ذكر الخلفاء الراشدين هو الذي يحصل به المقاصد المأمور بها عند مثل هذه الأحوال كان هذا مما يؤمر به في مثل هذه الأحوال وان لم يكن من الواجبات التي يجب مطلقا ولا من السنن التي يحافز عليها في كل زمان ومكان كما أن عسكر المسلمين والكفار إذا كان لهؤلاء شعار ولهؤلاء شعار وجب إظهار شعار الإسلام دون شعار الكفر في مثل تلك الحال لأن هذا واجب في كل زمان ومكان فإذا قدر أن الواجبات الشرعية لا تقوم إلا بإظهار ذكر الخلفاء وإنه إذا ترك ذلك ظهر شعار أهل البدع والضلال صار مأمورا به في مثل هذه الأحوال والأمور المأمور بها منها ما هو واجب أو مسنون دائما كالصلوات الخمس والوتر وركعتي الفجر ومنها ما يؤمر به في بعض الأحوال إذا لم تحصل الواجبات إلا به ولم تندقع المحرمات إلا به

الوجه السابع أن يقال الكلام في ذكر الخلفاء الراشدين على المنبر وفي الدعاء لسلطان الوقت ونحو ذلك إذا تكلم في ذلك العلماءأهل العلم والدين الذين يتكلمون بموجب الأدلة الشرعية كان كلامهم في ذلك مقبولا وكان للمصيب منهم أجران وللمخطىء أجر على ما فعله من الخير وخطؤه مغفور له وأما إذا أخذ يعيب ذلك من يعوض عنه بما هو شر منه كطائفة ابن التومرت الذي كان يدعى فيه أنه المهدي المعلوم والإمام المعصوم إذا ذكروه باسمه على المنبر ووصفوه بالصفات التي تعلم أنه اباطلة وجعلوا حزبه هم خواص أمة محمد صلى الله ليه وسلم وتركوا مع ذلك ذكر أبي بكر وعمر وعثمان وعلى الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين الذين ثبت بالكتاب والسنة وإجماع السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان أنهم خير هذه الأمة وأفضلها وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون في زمن أفضل القرون ثم أخذ هؤلاء التومرتية ينتصرون لذلك بأن ذكر الخلفاء الأربعة ليس سنة بل بدعة كان هذا القول مردودا عليهم غاية الرد مع ذكرهم لإمامهم ابن التومرت بعد موته فإنه لا يشك من يؤمن بالله واليوم الاخر أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا رضي الله عنهم خير منه وأفضل منه وأن اتباعهم للنبي ﷺ وقيامهم بأمره أكمل بل ذكر غير واحد من خلفاء بني أمية ة وبني العباس أولى من ذكر هذا الملقب بالمهدي فإن خلافة أولئك خير من خلافته وقيامهم بالإسلام خير من قيامه وظهورهم بمشارق الأرض ومغفاربها أعظم من ظهوره وما فعلوه من الخير أعظم مما فعله هو وفعل هو من الكذب والظلم والجهل والشر ما لم يفعله أولئك فكيف يكون هو المهدي دونهم أم كيف يكون ذكره والثناء عليه فيالخطبة مشروعا دون ذكرهم فكيف ينكر ذكر أولئك من يذكر مثل هذا

وأعظم من ذلك إنكار هؤلاء الإمامية الذين ينكرون ذكر الخلفاء الراشدين ويذكرون اثنى عشر رجلا كل واحد من الثلاثة خير من أفضل الاثنة عشر وأكمل خلافة وإمامة وأما سائر الاثنى عشر فهم أصناف منهم من هو من الصحابة المشهود لهم بالجنة كالحسن والحسين وقد شركهم في ذلك من الصحابة المشهود لهم بالجنة خلق كثير وفي السابقين الأولين من هو أفضل منهما مثل أهل بدر وهما رضي الله عنهما وإن كنانا سيدا شباب أهل الجنة فأبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة وهذا الصنف أكمل من ذلك الصنف وإذا قال القائل هما ولد بنت رسول الله ﷺ قيل وعلي بن أبي طالب أفضل منهما باتفاق أهل السنة والشيعة وليس هو ولد بنت رسول الله ﷺ وإبراهيم ابن النبي ﷺ أقرب إليه منهما وليس هو أفضل من السابقين الأولين وكذا أمامه بنت أبي العاص بنت بنته وكان لعثمان ولد من بنت النبي ﷺ

واذا قيل علي هو ابن عمه

قيل في أعمام النبي ﷺ وبني عمه جماعة مؤمنون صحبوه كحمزة والعباس وعبد الله والفضل ابني العباس وكربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وحمزة أفضل من العباس وعلى وجعفر أفضل من غيرهما (وعلى أفضل ؟؟؟) وعلى أفضل من العباس فعلم أن الفضل بالإيمان والتقوى لا بالنسب وفي الاثنى عشر من هو مشهور بالعلم والدين كعلى بن الحسين وابنه أبي جعفر وابنه جعفربن محمد وهؤلاء لهم حكم أمثالهم ففي الأمة خلق كثير مثل هؤلاء وأفضل منهم وفيهم المنتظر ولا وجود له أو مفقود لا منفعة لهم فيه فهذا ليس في اتباع إلا شر محض بلا خير

وأما سائرهم ففي بني هاشم من العلويين والعباسيين جماعات مثلهم في العلم والدين ومن هو أعلم وأدين منهم فكيف يجوز أن يعيب ذكر الخلفاء الراشدين الذين ليس في الإسلام أفضل منهم من يعوض بذكر قوم في المسلمين خلق كثير أفضل منهم وقد انتفع المسلمون في دينهم ودنياهم بخلق كثير أضعاف أضعاف ما انتفعوا بهؤلاء مع أن الذين يذكرونهم قصدهم معاداة سائر المسلمين والاستعانة على ذلك بالكفار والمنافقين وإطفاء ما بعث الله به رسول الله ﷺ من الهدى ودين الحق الذي وعد الله أن يزهره على الدين كله وفتح باب الزندقة والنفاق لمن يريد إفساد الملة

منهاج السنة النبوية
1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | 32 | 33 | 34 | 35 | 36 | 37 | 38 | 39 | 40 | 41 | 42 | 43 | 44 | 45 | 46 | 47 | 48 | 50 | 51 | 52 | 53 | 54 | 55 | 56 | 57