الرئيسيةبحث

منهاج السنة النبوية/22


قال الرافض الوجه الثالث أن الإمامية جازمون بحصول النجاة لهم ولأئمتهم قاطعون بذلك وبحصول ضدها لغيرهم وأهل السنة لا يجيزون ولا يجزمون بذلك لا لهم ولا لغيرهم فيكون اتباع أولئك أولى لأنا لو فرضنا مثلا خروج شخصين من بغداد يريدان الكوفة فوجدا طريقين سلك كل منهما طريقا فخرج ثالث يطلب الكوفة فسأل أحدهما إلى أين تذهب فقال إلى الكوفة فقال له هل طريقك توصلك إليها وهل طريقك آمن أم مخوف وهل طريق صاحبك تؤديه إلى الكوفة وهل هو آمن أم مخوف فقال لا أعلم شيئا من ذلك ثم سأل صاحبه عن ذلك فقال أعلم أن طريقي يوصلني إلى الكوفة وأنه آمن وأعلم أن طريق صاحبي لا يؤديه إلى الكوفة وأنه ليس بآمن فإن الثالث إن تابع الأول عده العقلاء سفيها وإن تابع الثاني نسب إلى الأخذ بالحزم

هكذا ذكره في كتابه والصواب أن يقال وسأل الثاني فقال له الثاني لا أعلم أن طريقي تؤديني إلى الكوفة ولا أعلم أنه آمن أم مخوف

والجواب على هذا من وجوه

أحدها أن يقال إن كان اتباع الأئمة الذين تدعي لهم الطاعة المطلقة وأن ذلك لا يوجب لهم النجاة واجبا كان اتباع خلفاء بني أمية الذين كانوا يوجبون طاعة أئمتهم طاعة مطلقا ويقولون إن ذلك يوجب النجاة مصيبين على الحق وكانوا في سبهم عليا وغيره وقتالهم لمن قاتلوه من شيعة على مصيبين لأنهم كانوا يعتقدون أن طاعة الأئمة واجبة في كل شيء وأن الإمام لا يؤاخذه الله بذنب وأنه لا ذنب لهم فيما أطاعوا فيه الإمام بل أولئك أولى بالحجة من الشيعة لأنهم كانوا مطيعين أئمة أقامهم الله ونصبهم وأيدهم وملكهم فإذا كان من مذهب القدرية أن الله لا يفعل إلا ما هو الأصلح لعباده كان تولية أولئك الأئمة مصلحة لعباده

ومعلوم أن اللطف والمصلحة التي حصلت بهم أعظم من اللطف والمصلحة التي حصلت بإمام معدوم أو عاجز ولهذا حصل لأتباع خلفاء بني أمية من المصلحة في دينهم ودنياهم أعظم مما حصل لأتباع المنتظر فإن هؤلاء لم يحصل لهم إمام يأمرهم بشيء من المعروف ولا ينهاهم عن شيء من المنكر ولا يعينهم على شيء من مصلحة دينهم ولا دنياهم بخلاف أولئك فإنهم انتفعوا بأئمتهم منافع كثيرة في دينهم ودنياهم أعظم مما انتفع هؤلاء بأئمتهم فتبين أنه إن كانت حجة هؤلاء المنتسبين إلى مشايعة علي رضي الله عنه صحيحة فحجة أولئك المنتسبين إلى مشايعة عثمان رضي الله عنه أولى بالصحة وإن كانت باطلة فهذه أبطل منها فإذا كان هؤلاء الشيعة متفقين مع سائر أهل السنة على أن جزم اولئك بنجاتهم إذا أطاعوا أولئك الأئمة طاعة مطلقة خطأ وضلال فخطأ هؤلاء وضلالهم إذا جزموا بنجاتهم لطاعتهم لمن يدعي أنه نائب المعصوم والمعصوم لا عين له ولا أثر أعظم وأعظم فإن الشيعة ليس لهم أئمة يباشرونهم بالخطاب إلا شيوخهم الذين يأكلون أموالهم بالباطل ويصدونهم عن سبيل الله ويصدونهم عن سبيل الله

الوجه الثاني أن هذا المثل إنما كان يكون مطابقا لو ثبت مقدمتنان إحداهما أن لنا إماما معصوما والثانية أنه أمر بكذا وكذا وكلتا المقدمتين غير معلومة بل باطلة دع المقدمة الأولى بل الثانية فإن الأئمة الذين يدعى فيهم العصمة قد ماتوا منذ سنين كثيرة والمنتظر له غائب أكثر من أربعمائة وخمسين سنة وعند آخرين هو معدوم لم يوجد والذين يطاعون شيوخ من شيوخ الرافضة أو كتب صنفها بعض شيوخ الرافضة وذكروا أن ما فيها منقول عن أولئك المعصومين وهؤلاء الشيوخ المصنفون ليسوا معصومين بالاتفاق ولا مقطوعا لهم النجاة

فإذًا الرافضة لا يتبعون إلا أئمة لا يقطعون بنجاتهم ولا سعادتهم فلم يكونوا قاطعين لا بنجاتهم ولا بنجاة أئمتهم الذين يباشرونهم بالأمر والنهي وهم أئمتهم حقا وإنما هم في انتسابهم إلى أولئك الأئمة بمنزلة كثير من أتباع شيوخهم الذين ينتسبون إلى شيخ قد مات من مدة ولا يدرون بماذا أمر ولا عماذا نهى بل له أتباع يأكلون أموالهم بالباطل ويصدون عن سبيل الله يأمرونهم بالغلو في ذلك الشيخ وفي خلفائه وأن يتخذوهم أربابا وكما تأمر شيوخ الشيعة أتباعهم وكما تأمر شيوخ النصارى أتباعهم فهم يأمرونهم بالإشراك بالله وعبادة غير الله ويصدونهم عن سبيل الله فيخرجون عن حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن حقيقة التوحيد أن نعبد الله وحده فلا يدعى إلا هو ولا يخشى إلا هو ولا يتقى إلا هو ولا يتوكل إلا عليه ولا يكون الدين إلا له لا لأحد من الخلق وأن لا نتخذ الملائكة والنبيين أربابا فكيف بالأئمة والشيوخ والعلماء والملوك وغيرهم

والرسول ﷺ هو المبلغ عن الله أمره ونهيه فلا يطاع مخلوق طاعة مطلقة إلا هو فإذا جعل الإمام والشيخ كأنه إله يدعى مع مغيبة وبعد موته ويستغاث به ويطلب منه الحوائج والطاعة إنما هي لشخص حاضر يأمر بما يريد وينهى عما يريد كان الميت مشبها بالله تعالى والحي مشبها برسول الله ﷺ فيخرجون عن حقيقة الإسلام الذي أصله شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله

ثم إن كثيرا منهم يتعلقون بحكايات تنقل عن ذلك الشيخ وكثير منها كذب عليه وبعضها خطأ منه فيعدلون عن النقل الصدق عن القائل المعصوم إلى نقل غير مصدق عن قائل غير معصوم فإذا كان هؤلاء مخطئين في هذا فالشيعة أكثر وأعظم خطأ لأنهم أعظم كذبا فيما ينقلونه عن الأئمة وأعظم غلوا في دعوى عصمة الأئمة

وإذا كان الواحد من هؤلاء أتباع الشيوخ الأحياء المضلين الغالين في شيخ قد مات مخطئين في قطعهم بالنجاة فخطأ الشيعة في قطعهم بالنجاة أعظم وأعظم وإن قدر أن طريق الشيعة صواب لما فيه من القطع والجزم بالنجاة فطريق المشايخية صواب لما فيه من القطع بالنجاة وحينئذ فيكون طريق من يعتقد أن يزيد بن معاوية كان من الأنبياء الذين يشربون الخمر وأن الخمر حلال له لأنه شربها الأنبياء ويزيد كان منهم طريقا صوابا وإذا كان يزيد نبيا كان من خرج على نبي كافرا فيلزم من ذلك كفر الحسين وغيره ويلزم من ذلك أن يكون طريق من يقول كل رزق لا يرزقنيه الشيخ لا أريده طريقا صحيحا وطريق من يقول إن الله ينزل إلى الأرض وأن كل مسجد فإن الله قد وضع قدمه عليه طريقا صحيحا وطريق من يقول

على الدرة البيضاء كان اجتماعنا ... وفي قاب قوسين اجتماع الأحبة

طريقا صحيحا وطريق من يقول إن شيخه قد أسقط عنه الصلاة طريقا صحيحا وأمثال هذه الضلالات التي توجد في كثير من العامة أتباع المشايخ

فإن كثيرا من هؤلاء جازمون بنجاتهم وسعادة مشايخهم أعظم من قطع الاثني عشرية للأئمة وأتباعهم فإن كان ما ذكره من أتباع الجازم بالنجاة واجبا وجب أتباع هؤلاء ومن جملة اتباع هؤلاء القدح في الشيعة وإبطال طريقتهم فيلزم من اتباع الجازم إبطال قول الشيعة وإن لم يكن اتباع الجازم مطلقا طريقا صحيحا بطلت حجته

وكذلك يقال لهؤلاء وهؤلاء إن كان اتباع أهل الجزم أولى بالاتباع من طريقة الذين يأمرون بطاعة الله ورسوله ويتبعون أهل العلم والدين فيما يأمرون به من طاعة الله ورسوله ولا يوجبون طاعة معين إلا رسول الله ﷺ ولا يضمنون السعادة إلا لمن أطاع الله ورسوله ويقولون إن من سواه يخطىء ويصيب فلا يطاع مطلقا فإن كان اتباع هؤلاء نقصا وخطأ والصواب اتباع أهل الجزم مطلقا وجب أتباع شيعة الأئمة المعصومين وشيعة المشايخ المحفوظين وشيعة هؤلاء يقدحون في هؤلاء وشيعة هؤلاء يقدحون في هؤلاء فيلزم أن يكون كل من الطريقين باطلا حقا وهذا جمع بين النقيضين وهذا إنما لزم لأن الأصل فاسد وهو اتباع من يجزم بلا علم ولا دليل فكل من جعل اتباع الشيخ الجازم والمجازف بلا حجة ولا دليل أو الإمامي الجازم المجازف بالنجاة بلا حجة ولا دليل مما يجب اتباعه لزم تناقض أقوالهم بخلاف الاقوال التي ترجع إلى أصل صحيح فإنها لا تتناقض الوجه الثالث منع الحكم في هذا المثال الذي ضربه وجعله أصلا قاس عليه فإن الرجل إذا قال له أحد الرجلين طريقي آمن يوصلني وقال له الآخر لا علم لي بأن طريقي آمن يوصلني أو قال ذلك الأول لم يحسن في العقل تصديق الأول بمجرد قوله بل يجوز عند العقلاء أن يكون هذا محتالا عليه يكذب حتى يصحبه في الطريق فيقتله ويأخذ ماله ويجوز أن يكون جاهلا لا يعرف ما في الطريق من الخوف وأما ذاك الرجل فلم يضمن للسائل شيئا بل رده إلى نظره فالحزم في مثل هذا أن ينظر الرجل أي الطريقين أولى بالسلوك أحد ذينك الطريقين أو غيرهما

ولو كان كل من قال إن طريقي آمن موصل يكون أولى بالتصديق ممن توقف لكان كل مفتر وجاهل يدعي في المسائل المشتبهة أن قولي فيها هو الصواب وأنا قاطع بذلك فيكون اتباعي أولى من طريق هؤلاء الذين ينظرون ويستدلون وكان ينبغي أن يكون الشيوخ الكذابون الذين يضمنون لمريدهم الجنة وأن لهم في الآخرة كذا وكذا وأن كل من أحبهم دخل الجنة وأن من أعطاهم المال أعطوه الحال الذي يقر به إلى ذي الجلال أولى بالاتباع من ذوي العلم والصدق والعدل الذين لا يضمنون له إلا ما ضمنه الله ورسوله لمن أطاعه وكان أيضا ينبغي أن يكون أئمة الإسماعيلية كالمعز والحاكم وأمثالهما أولى بالاتباع من أئمة الاثني عشرية لأن أولئك يدعون من علم الغيب وكشف باطن الشريعة وعلو الدرجة أعظم مما تدعيه الاثنا عشرية لأصحابهم ويضمنون له هذا مع استحلال المحرمات وترك الواجبات فيقولون له قد أسقطنا عنك الصلاة والصوم والحج والزكاة وضمنا لك بموالاتنا الجنة ونحن قاطعون بذلك

والاثنا عشرية يقولون لا يستحق الجنة حتى يؤدي الواجبات ويترك المحرمات فإن كان اتباع الجازم بمجرد جزمه أولى كان اتباع هؤلاء أولى من اتباع من يقول أنت إذا أذنبت يحتمل أن تعاقب ويحتمل أن يعفى عنك فيبقى بين الخوف والرجاء ونظائر هذا كثيرة فتبين أن مجرد الإقدام على الجزم لا يدل على علم صاحبه ولا على صدقه وأن التوقف والإمساك حتى يتبين الدليل هو عادة العقلاء

الوجه الرابع أن يقال قوله إنهم جازمون بحصول النجاة لهم دون أهل السنة كذب فإنه إن أراد بذلك أن كل واحد ممن اعقتد اعتقادهم يدخل الجنة وإن ترك الواجبات وفعل المحرمات فليس هذا قول الإمامية ولا يقوله عاقل

وإن كان حب علي حسنة لا يضر معها سيئة فلا يضره ترك الصلوات ولا الفجور بالعلويات ولا نيل أغراضه بسفك دماء بني هاشم إذا كان يحب عليا

فإن قالوا المحبة الصادقة تستلزم الموافقة عاد الأمر إلى انه لا بد من أداء الواجبات وترك المحرمات وإن أراد بذلك أنهم يعتقدون أن كل من اعتقد الاعتقاد الصحيح وأدى الواجبات وترك المحرمات يدخل الجنة فهذا اعتقاد أهل السنة فإنهم يجزمون بالنجاة لكل من اتقى الله كما نطق به القرآن وإنما يتوقفون في الشخص المعين لعدم العلم بدخوله في المتقين فإنه إذا علم أنه مات على التقوى علم أنه من أهل الجنة ولهذا يشهدون بالجنة لمن شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم ولهم فيمن استفاض في الناس حسن الثناء عليه قولان

فتبين أنه ليس في الإمامية جزم محمود اختصوا به عن أهل السنة والجماعة وإن قالوا إنا نجزم لكل شخص رأيناه ملتزما للواجبات عندنا تاركا للمحرمات بأنه من أهل الجنة من غير أن يخبرنا بباطنه معصوم قيل هذه المسألة لا تتعلق بالإمامية بل إن كان إلى هذا طريق صحيح فهو طريق لأهل السنة وهم بسلوكه أحذق وإن لم يكن هنا طريق صحيح إلى ذلك كان ذلك قولا بلا علم فلا فضيلة فيه بل في عدمه

ففي الجملة لا يدعون علما صحيحا إلا وأهل السنة أحق به وما ادعوه من الجهل فهو نقص وأهل السنة أبعد عنه

والقول بكون الرجل المعين من أهل الجنة قد يكون سببه إخبار المعصوم وقد يكون سببه تواطؤ شهادات المؤمنين الذين هم شهداء الله في الأرض كما في الصحيح عن النبي ﷺ أنه مر عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال وجبت وجبت ومر عليه بجنازة فأثنوا عليها شرا فقال وجبت وجبت فقالوا يا رسول الله ما قولك وجبت وجبت قال هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرا فقلت وجبت لها الجنة وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرا فقلت وجبت لها النار أنتم شهداء الله في الأرض

وفي المسند عن النبي ﷺ أنه قال يوشك أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار قالوا بم يا ر سول الله قال بالثناء الحسن والثناء السيء وقد يكون سبب ذلك تواطؤ رؤيا المؤمنين فإن النبي ﷺ قال لم يبق بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها الرجل المؤمن الصالح أو ترى له

وسئل عن قوله تعالى لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة سورة يونس 64 قال هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له

وقد فسرها أيضا بثناء المؤمنين فقيل يا رسول الله الرجل يعمل العمل لنفسه فيحمده الناس عليه فقال تلك عاجل بشرى المؤمن

والرؤيا قد تكون من الله وقد تكون من حديث النفس وقد تكون من الشيطان فإذا تواطأت رؤيا المؤمنين على أمر كان حقا كما إذا تواطأت رواياتهم أو رأيهم فإن الواحد قد يغلط أو يكذب وقد يخطىء في الرأي أو يتعمد الباطل فإذا إجتمعوا لم يجتمعوا على ضلالة وإذا تواترت الروايات أورثت العلم وكذلك الرؤيا

قال النبي ﷺ أرى رؤياكم قد تواطأت على أنها في السبع الأواخر فمن كان منكم متحريها فيلتحرها في السبع الأواخر

وهذه الأسباب كلها عند أهل السنة أكمل وأتم مما هي عند الشيعة فلا طريق لهم إلى العلم بالسعادة وحصولها إلا وذلك الطريق أكمل لأهل السنة

الوجه الخامس أن أهل السنة يجزمون بحصول النجاة لأئمتهم أعظم من جزم الرافضة وذلك أن أئمتهم بعد النبي ﷺ هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار وهم جازمون بحصول النجاة لهؤلاء فإنهم يشهدون أن العشرة في الجنة ويشهدون أن الله قال لأهل بدر اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم بل يقولون إنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي ﷺ فهؤلاء أكثر من ألف وأربعمائة إمام لأهل السنة يشهدون أنه لا يدخل النار منهم أحد وهي شهادة بعلم كما دل على ذلك الكتاب والسنة

الوجه السادس أن يقال أهل السنة يشهدون بالنجاة إما مطلقا وإما معينا شهادة مستندة إلى علم وأما الرافضة فإنهم إن شهدوا شهدوا بما لا يعلمون أو شهدوا بالزور الذي يعلمون أنه كذب فهم كما قال الشافعي رحمه الله ما رأيت قوما أشهد بالزور من الرافضة الوجه السابع أن الإمام الذي شهد له بالنجاة إما أن يكون هو المطاع في كل شيء وإن نازعه غيره من المؤمنين أو هو المطاع فيما يأمر به من طاعة الله ورسوله وفيما يقوله باجتهاده إذا لم يعلم أن غيره أولى منه ونحو ذلك فإن كان الإمام هو الأول فلا إمام لأهل السنة بهذا الاعتبار إلا رسول الله ﷺ فإنه ليس عندهم من يجب أن يطاع في كل شيء إلا رسول الله ﷺ وهم يقولون كما قال مجاهد والحاكم ومالك وغيرهم كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ وهم يشهدون لإمامهم أنه خير الخلائق ويشهدون بأن كل من ائتم به ففعل ما أمر به وترك ما نهى عنه دخل الجنة وهذه الشهادة بهذا وهذا هم فيها أتم من الرافضة من شهادتهم للعسكريين وأمثالهما بانه من أطاعهم دخل الجنة

فثبت أن إمام أهل السنة أكمل وشهادتهم له ولهم إذا أطاعوه أكمل ولا سواء ولكن قال الله تعالى آلله خير أما يشركون سورة النمل 59 فعند المقابلة يذكر فضل الخير المحض على الشر المحض وإن كان الشر المحض لا خير فيه

وإن أرادوا بالإمام الإمام المقيد فذاك لا يوجب أهل السنة طاعته إن لم يكن ما أمر به موافقا لأمر الإمام المطلق رسول الله ﷺ وهم إذا أطاعوه فيما أمر الله بطاعته فيه فإنما هم مطيعون لله ورسوله فلا يضرهم توقفهم في الإمام المقيد هل هو في الجنة أم لا كما لا يضر أتباع المعصوم عندهم إذا أطاعوا نوابه مع أن نوابه قد يكونون من أهل النار لا سيما ونواب المعصوم عندهم لا يعلم أنهم يأمرون بما يأمر به المعصوم لعدم العلم بما يقوله معصومهم وأما أقوال الرسول ﷺ فهي معلومة فمن أمر بها فقد علم أنه وافقها ومن أمر بخلافها علم أنه خالفها وما خفى منها فاجتهد فيه نائبه فهذا خير من طاعة نائب لمن تدعى عصمته ولا أحد يعلم بشيء مما أمر به هذا الغائب المنتظر فضلا عن العلم بكون نائبه موافقا أو مخالفا فإن ادعوا أن النواب عالمون بأمر من قبله فعلم علماء الأمة بأمر رسول الله ﷺ أتم وأكمل من علم هؤلاء بقول من يدعون عصمته ولو طولب أحدهم بنقل صحيح ثابت بما يقولونه عن علي أو عن غيره لما وجدوا إلى ذلك سبيلا وليس لهم من الإسناد والعلم بالرجال الناقلين ما لأهل السنة

الوجه الثامن أن يقال إن الله قد ضمن السعادة لمن أطاعه وأطاع رسوله وتوعد بالشقاء لمن لم يفعل ذلك فمناط السعادة طاعة الله ورسوله كما قال تعالى ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا سورة النساء 69 وأمثال ذلك

وإذا كان كذلك والله تعالى يقول فاتقوا الله مااستطعتم سورة التغابن 16 فمن اجتهد في طاعة الله ورسوله بحسب استطاعته كان من أهل الجنة

فقول الرافضة لن يدخل الجنة إلا من كان إماميا كقول اليهود والنصارى لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون

ومن المعلوم أن المنتظر الذي يدعيه الرافضي لا يجب على أحد طاعته فإنه لا يعلم له قول منقول عنه فإذا من أطاع الرسول ﷺ دخل الجنة وإن لم يؤمن بهذا الإمام ومن آمن بهذا الإمام لم يدخل الجنة إلا إذا أطاع الرسول ﷺ فطاعة الرسول ﷺ هي مدار السعادة وجودا وعدما وهي الفارقة بين أهل الجنة والنار ومحمد ﷺ فرق بين الناس والله سبحانه وتعالى قد دل الخلق على طاعته بما بينه لهم فتبين أن أهل السنة جازمون بالسعادة والنجاة لمن كان من أهل السنة



فصل

قال الرافضي الوجه الرابع أن الإمامية أخذوا مذهبهم عن الأئمة المعصومين المشهورين بالفضل والعلم والزهد والورع والاشتغال في كل وقت بالعبادة والدعاء وتلاوة القران والماداومة على ذلك من زمن الكفولية إلى اخر العمر ومنهم من يعلم الناس العلوم ونزل في حقهم هل أتى واية الطهارة وإيجاب المودة لهم واية الابتهال وغير ذلك وكان علي رضي الله عنه يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة ويتلو القران مع شدة ابتلائه بالحروب والجهاد

فأولهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان أفضل الخلق بعد رسول الله ﷺ وجعله الله نفس رسول الله حيث قال وأنفسنا وأنفسكم وواخاه رسول الله وزوجه ابنته وفضله لا يخفى وظهرت منه معجزات كثيرة حتى ادعى قوم فيه الربوية وقتلهم وصار إلى مقالتهم اخرون إلى هذه الغاية كالغلاة والنصيرية وكان ولداه سبطا رسول الله ﷺ سيدا شباب أهل الجنة إمامين بنص النبي ﷺ وكانا أزهد الناس وأعلمهم في زمانهما وجاهدا في الله حق جهادة حتى قتلا ولبس الحسن الصوف تحت ثيابه الفاخرة من غير أن يشعر أحد بذلك وأخذ النبي ﷺ يوما الحسين على فخذه الأيمن وإبراهيم على فخذه الأيسر فنزل جبرائيل عليه السلام وقال إن الله تعالى لم يكن ليجمع لك بينهما فاختر من شئت منهما فقال النبي ﷺ إذا مات الحسين بكيت أنا وعلى وفاطمة وإذا مات إبراهيم بكيت أنا عليه فاختار موت إبراهيم فمات بعد ثلاثة أيام وكان أذا جاء الحسين بعد ذلك يقبله ويقول أهلا ومرحبا بمن فديته بابني إبراهيم وكان علي بن الحسين زين العابدين يصوم نهاره ويقوم ليله ويتلو الكتاب العزيز ويصلى كل يوم وليلة ألف ركعة ويدعو كل ركعتين بالأدعية المنقولة عنه وعن ابائه ثم يرمي الصحيفة كالمتضجر ويقول أني لي بعبادة على وكان يبكي كثيرا حتى أخذت الدموع من لحم خديه وسجد حتى سمى ذا الثفنات وسماه رسول الله ﷺ سيد العابدين

وكان قد حج هشام بن عبد الملك فاجتهد أن يستلم الحجر فلم يكنه من الزحام فجاء زين العابدين فوقف الناس له وتنحوا عن الحجر حتى استلمه ولم يبق عند الحجر سواه فقال هشام بن عبد الملك من هذا فقال الفرزدق الشاعر

هذا الذي تعرف البحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم

هذا ابن خير عباد الله كلهم ... وهذا التقى النقى الطاهر العلم

يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحكيم إذا ما جاء يستلم

إذا رأته قريش قال قائلها ... إلى مكامر هذا ينتهى الكرم

إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم ... أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم

هذا ابن فاكمة إن كنت جاهله ... بجده أنبياء الله قد ختموا

يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم

ينشق نور الهدى عن صبح غرته ... كالشمس ينجاب عن إشراقها الظلم

مشتقة من رسول الله نبعته ... طابت عناصره والخيم والشيم

الله شرفه قدنا وفضله ... جرى بذاك له في لوجه القلم

من معشر حبهم دين ويغضهم ... كفر وقربهم ملجا ومعتصم

لا يستطيع جواد بعد غايتهم ... ولا يدانيهم قوم وإن كرموا

هم الغيوث إذا أومة أزمت ... والأسد أسد الشرى والرأى محتدم

لا ينقص العسر بسطا من أكفهم ... سيان ذلك إن أثروا وإن عدموا

ما قال لا قط إلا في تشهده ... ويترق به الإحسان والنعم

يستدفع السوء والبلوي بحبهم ويسترق به الإحسان والنعم

مقدم بعد ذكر الله ذكرهم ... في كل بر ومختوم به الكلم

من يعرف الله يعف أولية ذا ... فالدين من بيت هذا ناله الأمم

فغضب هشام وأمر بحبس الفرزدق بين مكة والمدينة فقال الفرزدق هذه الأبيات وبعث بها إليه

أتحبسني بين المدينة والتي ... إليها قلوب الناس يهوى منبيها

تقلب رأسا لم يكن رأس سيد ... وعينا له حولاء باد عيوبها

فبعث إليه الإمام زين العابدين بألف دينار فردها وقال إنما قلت هذا غضبا لله ولرسوله فما اخذ عليه أجرا فقال علي بن الحسن نحن أهل بيت لا يعود إلينا ما خرج منا فقبلها الفرزدق

وكان بالمدينة قوم يأتيهم رزقهم ليلا ولا يعرفون ممن هو فلما مات زين العابدين انقطع ذلك عنهم وعرفوا أنه كان منه

وكان ابنه محمد الباقر أعظم الناس زهدا وعبادة بقر السجود جبهته وكان أعلم أهل وقته سماه رسول الله ﷺ الباقر وجاء جابر بن عبد الله الأنصاري إليه وهو صغير في الكتاب فقال له جدك رسول الله ﷺ يسلم عليك فقال وعلى جدي السلام فقيل لجابر كيف هذا قال كنت جالسا عند رسول الله ﷺ والحسين في حجره وهو يلاعبه فقال يا جابر يولد له ولد اسمه على إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم سيد العابدين فيقوم ولده ثم يولد له مولود اسمه محمد الباقر يبقر العلم بقرا فإذا رأيته فاقرئه مني السلام وروى عنه أبو حنيفة وغيره

وكان ابنه الصادق عليه السلام أفضل أهل زمانه وأعبدهم قال علماء السيرة إنه اشتغل بالعبادة عن طلب الرياسة وقال عمربن أبي المقدام كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد الصادق علمت أنه من سلالة النبيين وهو الذي نشر فقه الإمامية والمعارف الحقيقة والعقائد اليقينية وكان لا يخبر بأمر إلا وقع وبه سموه الصادق الأمين

وكان عبد الله بن الحسن جمع أكابر العلويين للبيعة لولديه فقال الصادق هذا الأمر لا يتم فاغتاظ من ذلك فقال أنه لصاحب القباء الأصفر وأشار بذلك إلى المنصور فلما سمع المنصور بذلك فرح لعلمه بوقوع ما يخبر به وعلم أن الأمر يصل إليه ولما هرب كان يقول أين قول صادقهم وبعد ذلك انتهى الأمر إليه

وكان ابنه موسى الكائط يدعى بالعبد الصالح وكان أعبد أهل زمانه يقوم الليل ويصوم النهار وسمي الكاظم لأنه كان إذ بلغه عن أحد شيء بعث إليه بمال ونقل فضله الموافق والمخالف قال ابن الجوزي من الحنابلة روى عن شقيق البلخي قال خرجت حاجا سنة تسع وأربعين ومائة فنزلت القادسية فإذا شاب حسن الوجه شديد السمرة عليه ثوب صوف مشتمل بشملة في رجليه نعلان وقد جلس منفردا عن الناس فقلت في نفسي هذا الفتى من الصوفية يريد أن يكون كلا على الناس والله لأمضين إليه أوبخه فدنوت منه فلما راني مقبلا قال يا شقيق اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم فقلت في نفسي هذا عبد صالح قد نطق على ما في خاطري لألحقنه ولأسألته أن يحاللني فغاب عن عيني فلما نزلنا واقصة إذا به يصلي وأعضاؤه تضطرب ودموعه تتحادر فقلت أمضي إليه وأعتذر فأوجز في صلاته ثم قال يا شقيق وإني لغفار لمن تاب وامن وعمل صالحا ثم اهتدى فقلت هذا من الأبدال قد تكلم على سرى مرتين فلما نزلنا زبالة إذا به قائم على البئر وبيده ركوة يريد أن يستقى ماء فسقطت الركوة من يده في البئر فرفع طرفه إلى السماء وقال

أنت ربى إذا ظمئت إلى الما ... وقوتي إذا أردت الطعاما

يا سيدي مالي سواها

قال شقيق فوالله لقد رأيت البئر قد ارتفع ماؤها فأخذ الركوة وملأها توضأ وصلى أربع ركعات ثم مال إلى كثيب رمل هناك فجعل يقبض بيده ويطرحه في الركوة ويشرب فقلت أطعمني من فضل ما رزقك الله أو ما أنعم الله عليك فقال يا شقيق لم تزل نعم الله علينا ظاهرة وباطنة فأحسن ظنك بربك ثم ناولني الركوة فشربت منها فإذا هو سويق وسكر ما شربت والله ألذ منه ولا أطيب منه ريحا فشبعت ورويت وأقمت أياما لا أشتهى طعاما ولا شرابا ثم لم أره حتى دخلت مكة فرأيته ليلة إلى جانب قبة الميزاب نصف الليل يصلي بخشوع وأنين وبكاء فلم يزل كذلك حتى ذهب الليل فلما طلع الفجر جلس في مصلاة يسبح ثم قام إلى صلاة الفجر وطاف بالبيت أسبوعا وخرج فتبعته فإذا له حاشية وأموال وغلمان وهو على خلاف ما رأيته في الطريق ودار به الناس يسلمون عليه ويتبركون به فقلت لهم من هذا قالوا موسى بن جعفر فقلت قد عدبت أن تكون هذه العدائب إلا لمثل هذا السيد هذا رواه الحنبلي

وعلى يده تاب بشر الخافي لأنه عليه السلام اجتاز على داره ببغداد فسمع الملاهى وأصوات الغناء والقصب يخرج من تلك الدار فخرجت جارية وبيدها قمامة البقل وفرمت بها في الدرب فقال لها يا جارية صاحب هذا الدا حر أم عبد فقالت بل حر فقال صدقت لو كان عبدا لخاف من مولاه فلما دخلت الجارية قال مولاها وهو على مائدة السكر ما أبطأك علينا قالت حدثني رجل بكذا وكذا فخرج حافيا حتى لقى مولانا موى بن جعفر فتاب على يده


والجواب عنه من وجوه أحدها أن يقال لا نسلم أن الإمامية أخذوا مذهبهم عن أهل البيت لا الاثنا عشرية ولا غيرهم بل هم مخالفون لعلي رضي الله عنه وأئمة أهل البيت في جميع أوصلهم التي فارقوا فيها أهل السنة والجماعة توحيدهم وعدلهم وإمامتهم فإن الثابت عن علي رضي الله عنه وأئمة أهل البيت من إثبات الصفات لله وإثبات القدر وإثبات خلافة الخلفاء الثلاثة وإثبات فضيلة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وغير ذلك من المسائل كله يناقض مذهب الرافضة والنقل بذك ثابت مستفيض في كتب أهل العلم بحيث أن معرفة المنقول في هذا الباب عن أئمة أهل البيت يوجب علما ضروريا بأ الرافضة مخالفون لهم لا موافقون لهم

الثاني أن يقال قد علم أن الشيعة مختلفون اختلافا كثيرا في مسائل الإمامة والصفات والقدر وغير ذلك من مسائل أصول دينهم فأي قول لهم هو المأخوذ عن الأئمة المعصومين حتى مسائل الإمامة قد عرف اضطرباهم فيها

وقد تقدم بعض اختلافهم في النص وفي المنتظر فهم في الباقي المنتظر على أقوال منهم من يقول ببقاء جعفر بن محمد ومنهم من يقول ببقاءابنه موسى بن جعفر ومنهم من يقول ببقاء عبد الله بن معاوية ومنهم من يقول ببقاء محمد بن عبد الله بن حسن ومنهم من يقول ببقاء محمد ابن الحنفية وهؤلاء يقولون نص على علي الحسن والحسين وهؤلاء يقولون على محمد بن الحنفية وهؤلاء يقولون أوصى وعلي بن الحسين إلى ابنه أبي جعفر وهؤلاء يقولون إلى ابنه عبد الله وهؤلاء يقولون أوصى إلى محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين وهؤلاء يقولون إن جعفر أوصى إلى ابنه إسمماعيل وهؤلاء يقولون إلى ابنه محمد بن إسماعيل وهؤلاء يقولون إلى ابنه محمد وهؤلاء يقولون إلى ابنه عبد الله وهؤلاء يقولون إلى ابنه موسى وهؤلاء يسوقون النص إلى محمد بن الحسن وهؤلاء يسوقون النص إلى بني عبيد الله بن ميمون القداح الحاكم وشعيته وهؤلاء يسوقون النص من بني هاشم إلى بني العباس ويمتنع أن تكون هذه الأقوال المتناقضة مأخوذة عن معصوم فبطل قولهم أن أقوالهم مأخذوه عن معصوم

الوجه الثالث أن يقال هب أن عليا كان معصوما فإذا كان الاختلاف بين الشبعة هذا الاختلاف وهم متنازعون ها التنازع فمن أين يعلم صحة بعض هذه الأقوال عن علي دون الاخر وكل مهم يدعى أن ما يقوله إنما أخذه عن المع 2 صومين وليس للشيعة أسانيد متصلة برجال معروفين مثل أسانيد أهل السنة حتى ينظر في الإسناد وعدالة الرجال بل إنما هي منقولات منقطعة عن طائفة عرف فيها كثرة الكذب وكثرة التناقض في النقل فهو يثق عاقل بذلك

وإن ادعوا تواتر نص هذا على هذا ونص هذا على هذا كان هذا معارضا بدعوى غيرهم مثل هذا التواتر فإن سائر القائلين بالنص إذا ادعا مثل هذه الدعوى لم يكن بين الدعويين فرق

فهذه الوجوه وغيرها تبين أن بتقدير ثبوت عصمة على رضي الله عنه فمذهبهم ليس مأخذوا عنه فنفس دعواهم العصمة في على مثل دعوى النصارى الإلهية في المسيح مع أن ماهم عليه ليس مأخذوا عن المسيح

الوجه الرابع أنهم في مذهبهم محتاجون إلى مقدمتين إحداهما عصمة من يضيفون المذهب إليه من الأئمة والثانية ثبوت ذلك النقل عن الإمام وكلتا المقدمتين باطلة فإن المسيح ليس بإله بل هو رسول كريم وبتقدير أن يكون إلها أو رسولا كريما فقوله حق لكن ما تقوله النصارى ليس م قوله ولهذا كان في على رضي الله عنه شبه من المسيح قوم غلوا فيه فوق قدره وقوم نقصوه دون قدره فهم كاليهود فهؤلاء يقولون عن المسيح إنه إله وهؤلاء يقولون كافر ولد بغية وكذلك على هؤلاء يقولون إنه إله وهؤلاء يقولون إنه كافر ظالم

الوجه الخامس أنه يقال قد ثبت لعلى بن أبي طالب رضي الله عنه والحسن والحسين وعلي بن الحسين وابمه محمد وجعفر ابن محمد من المناقب والفصائل ما لم يذكره هذا المصنف الرافضي وذكر أشياء من الكذب تدل على جهل ناقلها مثل قوله نزل في حقهم هل أتى فإن سورة هل أتى مكية باتفاق العلماء وعلى إنما تزوج فاطمة بالمدينة بعد الهجرة ولم يدخل بها إلا بعد غزوة بدر وولد له الحسن في السنة الثالثة من الهجرة والحسين في السنة الرابعة من الهجرة بعد نول هل أتى بنسنين كثيرة

فقول القائل إنها نزلت فيهم من الكذب الذي لا يخفى على م له علم بنزول القران وعلم بأحوال هؤلاء السادة الأخيار

وأما آية الطهارة فليس فيها إخبار بكهارة أهل البيت وذهاب الرجس عنهم وإنما فيها الأمر لهم بما يوجب طهارتهم وذهاب الرجس عنهم فإن قوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم نطهيرا كقوله تعالى ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وقوله يريد الله ليبين لك ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليهم حكيم والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا

فالإرادة هنا متضمنة للأمر والمحبة والرضا وليست هي المشيئة المستلزمة لوقوع المراد فإنه لو كان كذلك لكان قد طهر كل من أراد الله طهارته وهذا على قول هؤلاء القدرية الشيعة أوجه فإن عندهم أن الله يريد مالا يكون ويكون ما لا يريد

فقوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا إذا كان هذا بفعل المأمور وترك المحظور كان ذلك متعلقا بإرادتهم وأفعالهم فإن فعلوا ما أمروا به طهروا وإلا فلا

وهم يقولون إن الله لا يخلق أفعالهم ولا يقدر على تطهيرهم وإذهاب الرجس عنهم وأما المثبتون للقدر فيقولون إن الله قادر على ذلك

فإذا ألهمهم فعل ما أمر وترك ما حظر حصلت الطهارة وذهاب الرجس

ومما يبين أن هذا مما أمروا به لا مما أخبروا بوقوعه ما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ أدار الكساء على على وفاطمة وحسن وحسين ثم قال اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه عن عائشة ورواه أهل السنن عن أم سلمة

وهو يدل على ضد قول الرافضة من وجهين أحدهما أنه دعا لهم بذلك وهذا دليل على أن الآية لم تخبر بوقوع ذلك فإنه لو كان قد وقع لكان يثنى على الله بوقوعه ويشكره على ذلك لا يقتصر على مجرد الدعاء به

الثاني أن هذا يدل على أن الله قادر على إذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم وذلك يدل على أنه خالف أفعال العباد ومما يبين أن الآية متضمنة للأمر والنهي قوله في سياق الكلام يا نساء النبي من أت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيكمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة واتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا واذكرن ما يتلى في بيوتكن من ايات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا

وهذا السياق يدل على أن ذلك أمر ونهى ويدل على أن أزواج النبي ﷺ من أهل بيته فإن السياق إنما هو في مخاطبتهن ويدل على أن قوله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت عم غير أزواجه كعلى وفاكمة وحسن وحسين رضي الله عنهم لأنه ذكره بصيغة التذكير لما اجتمع المذكر والمؤنث وهؤلاء خصوا بكونهم من أهل البيت من أزواجه فلهذا خصهم بالدعاء لما أدخلهم في الكساء كما أن مسجد قباء أسس على التقوى ومسجده ﷺ أيضا أسس على التقى وهو أكمل في ذلك فلا نزل قوله تعالى لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين بسبب مسجد قباء تناول اللفظ لمسج قباء ولمسجده ﷺ بطريق الأولى

وقد تنازع العلماء هل أزواجه من اله على قولين هما روايتان عن أحمد أصحهما أنهن من اله وأهل بيته كما دل على ذلك ما في الصحيحين من قوله اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته وهذا مبسوط في موضع اخر

وأما مواليهن فليسوا من أهل بيته بلا نزاع فلهذا كانت الصدقة تباح لبريرة وأما أبو رافع فكان من مواليهم فلهذا نهاه عن الصدقة لأ مولى القوم منهم وتحريم الصدقة عليهم هو من التكهير الذي أراده الله بهم فإن الصدقة أوساخ الناس

وكذلك قوله في إيجاب المودة لهم غلط فقد ثبت في الصحيح عن سعيد بن جيبر أن ابن عباس رضي الله عنهما سئل عن قوله تعالى قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى قال فقلت إلا أن تودوا ذوي قربى محمد ﷺ فقال ابن عباس عجلت إنه لم يكن بكن من قريش إلا لرسول الله ﷺ منهم قرابة فقال قل لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوني في القرابة التي بيني وبينكم

فابن عباس كان من كبار أهل البيت وأعلمهم بتفسير القران وهذا تفسيره الثابت عنه ويدل على ذلك أنه لم يقل إلا المودة لذوي القربى ولكن قال إلا المودة في القربى ألا ترى أنه لما أراد ذوي قرباه قال واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسة وللرسول ولذي القربى ولا يقال المودة في ذوي القربى وإنما يقال المودة لذوي القربى فكيف وقد قال قل لا أساألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى

ويبين ذلك أن الرسول ﷺ لا يسأل أجرا أصلا إنما أجره على الله وعلى المسلمين موالاة أهل البيت لكن بأدلة أخرى غير هذه الآية وليست موالاتنا لأهل البيت من أجر النبي ﷺ في شيء

وأيضا فإن هذه الآية مكية ولم يكن على بعد قد تزوج بفاطمة ولا ولد له أولاد

وأما آية الابتهال ففي الصحيح أنها لما نزلت أخذ النبي ﷺ بيد علي وفاطمة وحسن وحسين ليباهل بهم لكن خصهم بذلك لأنهم كانوا أقرب إليه من غيرهم فإنه لم يكن ولد ذكر إذ ذاك يمشي معه ولكن كان يقول عن الحسن إن ابني هذا سيد فهما ابناه ونساؤه إذ لم يكن قد بقى له بنت إلا فاطمة رضي الله عنها فإن المباهلة كانت لما قدم وفد نجران وهم نصارى وذلك كان بعد فتح مكة بل كان سنة تسع وفيها نزل صدر ال عمران وفيها فرض الحج وهي سنة الوفود فإن مكة لما فتحت سنة ثمان قدمت وفود العرب من كل ناحية فهذه الآية تدل على كمال اتصالهم برسول الله ﷺ كما دل على ذلك حديث الكساء ولكن هذا لا يقتضي أن يكون الواحد منهم أفضل ن سائر المؤمنين ولا أعلم منهم لأن الفضيلة بكمال الإيمان والتقوى لا بقرب النسب كما قال تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم وقد ثبت أن الصديق كان أتقى الأمة بالكتاب والسنة وتواتر عن النبي ﷺ أنه قال لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا وهذا مبسوط في موضعه

وأما ما نقله عن علي أنه كان يصلي كل يوم وليلة ألف ركعة فهذا يدل على جهله بالفضيلة وجهله بالواقع أما أولا فلأن هذا ليس بفضيلة فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه كان لا يزيد في الليل على ثلاث عشرى ركعة وثبت عنه في الصحيح أنه قال ﷺ أفضل القيام قيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه

وثبت عنه أنه كان يقوم إذا سمع الصارخ وثبت عنه أنه بلغه أن رجالا يقول أحدهم أما أنا فأصوم ولا أفطر ويقول الاخر وأما أنا فأقوم ولا أنام ويقول الاخر أما أنا فلا اكل اللحم ويقول الاخر أما أنا فلا أتزوج النساء فقال النبي ﷺ لكني أصوم

وأفكر وأقوم انا واكل اللحم أتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني

وثبت عنه في الصحيح أنه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص لما بلغه أنه قال لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشت فقال رسول الله ﷺ لا تفعل فإمك إذا فعلت ذلك هجمت له العين ونفهت له النفس إن لربك عليك حقا ولنفسك عليك حقا ولزورك عليك حقا ولزوجك عليك حقا فات كل ذي حق حقه

فالمداومة على قيام جميع الليل ليس بمستحب بل هو مكروه بسنة النبي ﷺ الثابته عنه وهذا مداومة صيام النهار فإن أفضل الصيام صيام داود عليه السلام صيام يوم وفطر يوم

وأيضا فالذي ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يصلي في اليوم والليلة نحو أربعين ركعة وعلى رضى الله عنه أعلم بسنته وأتبع لهديه من أن يخالفه هذه المخالفة لو كان ذلك ممكنا فكيف وصلاة ألف ركعة في اليوم والليلة مع القيام بسائر الواجبات غير ممكن فإنه لا بد له من أكل ونوم وقضاء حق أهل وقضاء حقوق الرعية وغير ذلك من الأمور التي تستوعب من الزمان إما النصف أو أقل أو أكثر والساعة الواحدة لا تتسع لثمانين ركعة وما يقارب ذلك إلا أن يكون نقرا كنقر الغراب وعلى أجل من أن يصلي صلاة المنافقين كما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال تلك صلاة تلك تلك صلاة المنافق يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرنى شيكان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا وقد نهى عن نقر كنقر الغراب فنقل مثل هذا عن علي يجل على جهل ناقله ثم إن إحياء الليل بالتهجد وقراءة القران في ركعة هو ثابت عن عثمان رضي الله عنه فتهجده ووتلاوته القران أظهر من غيره

وأيضا فقوله إن علي بن أبي طالب كان أفضل الخلق بعد رسول الله ﷺ دعوى مجردة ينازعه فيها جمهور المسلمين من الأولين والاخرين

وقوله جعله الله نفس رسول الله ﷺ حيث قال وأنفسنا وأنفسكم وواخاه

فيقال أما حديث المؤاخاة فباطل موضوع فإن النبي ﷺ لم يؤاخ أحدا ولا اخى بين المهاجرين بعضهم مع بعض ولا بين الأنصار بعضهم مع بعض ولكن اخى بين المهاجرين والأنصار كما اخي بين سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف واخى بين سلمان الفارسي وأبي الدرداء كما ثبت ذلك في الصحيح وأما قوله وأنفسنا وأنفسكم فهذا مثل قوله لولا إذا سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا نزلت في قصة عائشة رضي الله عنها في الإفك فإن الواحد من المؤمنين من أنفس المؤمنين والمؤمنات

وكذلك قوله تعالى فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم، أي يقتل بعضكم بعضا ومنه قوله تعالى وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم أي لا يخرج بعضكم بعضا فالمراد بالأنفس الإخوان إما في النسب وإما في الدين

وقد قال النبي صلى الله لعيه وسلم لعلى أنت مني وأنا منك

وقال للأشعريين إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو نفدت نفقة عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان معهم في ثوب واحد ثم قسموه بينهم بالسوية هم منى وأنا منهم وهذا في الصحيح والأول أيضا في الصحيح

وفي الصحيح أيضا أنه قال لجليبيب وهذا منى وأنا منه هذا منى وأنا منه وهذا مبسوط في موضعه

وأما تزويجه فاطمة ففيلة لعلى كما أن تزويجه عثمان بابنتيه فضيلة لعثمان أيضا ولذلك سمي ذو النورين وكذلك تزوجه بنت أبي بكر وبنت عمر فضيلة لهما فالخلفاء الأربعة أصهاره ﷺ ورضى الله عنهم

وأما قوله وظهرت منه معجزات كثيرة فكأنه يسمى كرامات الأولياء معجزات وهذا اصطلاح لكثير من الناس فيقال على أفضل من كثير ممن له كرامات والكرامات متواترة عن كثير من عوام أهل السنة الذين يفضلون أبا بكر وعمر عللى علي فكيف لا تكون الكرامات ثابته لعلي رضي الله عنه وليس في مجرد الكرامات ما يجل على أنه أفضل من غيره

وأما قوله حتى ادعى قوم فيه الربوبية وقتلهم، فهذه مقالة جاهل في غاية الجهل لوجوه أحدها أن معجزات النبي ﷺ أعظم بكثير وما ادعى فيه أحد من أصحابه الإلهية

والثاني أن معجزات الخليل وموسى أعظم بكثير وما ادعى أحد فيهما الإلهية

الثالث أن معجزات نبينا ومعجزات موسى أعظم من معجزات المسيح وما ادعيت فيهما الإلهية كما ادعيت في المسيح

الرابع أن المسيح ادعيت فيه الألهية أعظم مما ادعيت في محمد وإبراهيم وموسى ولم يدل ذلك لا على أنه أفضل منهم ولا على أن معجزاته أبهر

الخامس أن دعوى الإلهية فيهما دعوى باطلة تقابلها دعوى باطلة وهو دعوى اليهود في المسيح ودعوى الخوارج في على فإن الخوارج كفروا عليا فإن جاز أن يقال إنما ادعيت فيه الإلهيه لقوى الشبهة جاز أن يقال إنما ادعى فيه الكفر لقوة الشبهة وجاز أن يقال صدرت منه ذنوب اقتضت أن يكفره بها الخوارج، والخوارج أكثر وأعقل وأدين من الذين ادعوا فيه الإلهية فإن جاز الاحتجاج بمثل هذا وجعلت هذه الدعوى منقبة كان دعوى المبغضين له ودعوى الخوارج مثلبة وأقوى وأين الخارج من الرافضة الغالية

فالخوارج من أعظم الناس صلاة وصياما وقراءة للقران ولهم جيوش وعساكر وهم متدينون بدين الإسلام باطنا وظاهرا. والغالية المدعون للإلهية إما أن يكونوا من أجهل الناس وإما أن يكونوا من أكفر الناس والغالية كفار بإجماع العلماء وأما الخوارج فلا يكفرهم إلا من يكفر الإمامية فإنهم خير من الإمامية وعلي رضى الله عنه لم يكن يكفرهم ولا أمر بقتل الواحد المقدور عليه منهم كما أمر يتحريق الغالية بل لم يقاتلهم حتى قتلوا عبد الله بن خباب وأغاروا على سرح الناس

فثبت بالإجماع من علي ومن سائر الصحابة والعلماء أن الخوارج خير من الغالية فإن جاز لشعيته أن تجهل دعوى الغالية الإلهية فيه حجة على فضيلته كان لشيعة عثمان أن يجعلوا دعوى الخوارج لكفره حجة على نقيضه بطريق الأولى فعلم أن هذه الحجة إنما يحتج بها جاهل ثم أنها تعود عليه لا له ولهذا كان الناس يعملون أن الرافضة أجهل وأكذب من الناصبة

وأما قوله وكان ولداه سبطا رسول الله ﷺ سيدا شباب أهل الجنة إمامين بنص النبي ﷺ

فيقال الذي ثبت بلا شك عن النبي ﷺ في الصحيح أنه قال عن الحسن إن ابني هذا سيد وإن الله سيصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين وثبت عنه في الصحيح أنه كان يقعده وأسامه بن زيد على فخذه ويقول اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما

وهذا يدل على أن ما فعله الحسن من ترك القتال على الإمامة وقصد الاصلاح بين المسلمين كان محبوبا يحبه الله ورسوله ولم يكن ذلك مصيبة بل كان ذلك أحب إلى الله ورسول من اقتتال المسلمين ولهذا أحبه وأحب أسامه بن زيد ودعا لهما فإن كلاهما كان يكره القتال في الفتنة فأما أسامة فلم يقاتل لا مع على ولا مع معاوية والحسن كان دائما يشير على علي بترك القتال وهذا نقيض ما عليه الرافضة من أن ذلك الصلح كان مصيبة وكان ذلا ولو كان هناك إمام معصوم يجب على كل أحد طاعته ومن تولى غيره كانت ولايته باطلة لا يجوز أن يجاهد معه ولا يصلي خلفه لكان ذلك الصلح من أعظم المصائب على أمة محمد ﷺ وفيه فساد دينها فأي فضيلة كانت تكون للحسن بذلك حتى يثنى عليه به وإنما غايته أن يعذر لضعفه عن القتال الواجب والنبي ﷺ جعل الحسن في الصلح سيدا محمودا ولم يجعله عاجزا عذورا ولم يكن الحسن أعجز عن القتال من الحسين بل كان أقدر على القتال من الحسين والحسين قاتل حتى قتل فإن كان ما فعله الحسين هو الأفضل الواجب كان ما فعله الحسن تركا للواجب أو عجزا عنه وإن كان ما فعله الحسن هو الأفضل الأصلح جل على أن ترك القتال هو الأفضل الأصلح وأن الذي فعله الحسن أحب إلى الله ورسوله مما فعله غيره والله يرفع درجات المؤمنين المتقين بعضهم على بعض وكلهم في الجنة رضي الله عنهم أجمعين

ثم إن كان النبي ﷺ جعلهما إمامين لم يكونا قد استفادا الإمامة بنص على ولاستفادها الحسين بنص الحسن عليه ولا ريب أن الحسن والحسين ريحانتا النبي ﷺ في الدنيا وقد ثبت أنه ﷺ أدخلهما مع أبويهما تحت الكساء وقال اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا وأنه دعاهما في المباهلة وفضائلهما كثيرة وهما من أجلاء سادات المؤمنين وأما كونهما أزهد الناس وأعلهم في زمانهم فهذا قول بلا دليل

وأما قوله وجاهدوا في الله حق جهاده حتى قتلا، فهذا كذب عليهما فإن الحسن تخلى عن الأمر وسلمه إلى معاوية ومعه جيوش العراق وما كان يختار قتال المسلمين قط وهذا متواتر من سيرته

وأما موته فقد قيل إنه مات مسموما وهذا شهادة له وكرامة في حقه لكن لم يمت مقاتلا

والحسين رضي الله عنه ما خرج يريد القتال ولكن ظن أن الناس يطيعونه فلما رأى انصرافهم عنه طلب الرجوع إلى وطنه أو الذهاب إلى الثغر أو إتيان يزيد فلم يمكنه أولئك الظلمة لا من هذا ولا من هذا ولا من هذا وطلبوا أن يأخذوه أسيرا إلى يزيد فامتنع من ذلك وقاتل حتى قتل مظلوما شهيدا لم يكن قصده ابتداء أن يقاتل

وأما قوله عن الحسن إنه لبس الصوف تحت ثيابه الفاخرة، فهذا من جنس قوله في على إنه كان يصلي الف ركعة فإن هذا لا فضيلة فيه وهو كذب وذلك أن لبس الصوف تحت ثياب القطن وغيره لو كان فاضلا لكان النبي ﷺ شرعه لأمته إما بقوله أو بفعله أو كان يفعله أصحابه على عهده فلما لم يفعله هو ولا أحد من أصحابه على عهده ولا رغب فيه دل على أنه لا فضيلة فيه ولكن النبي ﷺ لبس في السفر جبة من صوف فوق ثيابه وقصد لبس الصوف دون القطن وغيره ليس بمستحب في شريعتنا ولا هو من هدى نبينا ﷺ

وقد قيل لمحمد بن سيرين إن قوما يقصدون لبس الصوف ويقولون إن المسيح كان يلبسه فقال هدى نبينا أحب إلينا من هدى غيره

وقد تنازع العلماء هل يكره لبس الصوف في الحضر من غير حاجة أم لا وأما لبسه في السفر فحن لأنه مظنة الحاجة إليه ثم بتقدير أن يكون لبس الصوف طاعة وقربة فإظهاره تواضعا أولى من إخفائه تحت الثياب فإنه ليس في ذلك إلا تعذيب النفس بلا فائدة والله تعالى لم يأمر العباد إلا بما هو له أطوع ولهم أنفع لم يأمرهم بتعذيب لا ينفعهم بل قال النبي ﷺ إن الله لغنى عن تعذيب هذا نفسه

وأما الحديث الذي رواه أن النبي ﷺ أخذ يوما الحسن على فخذه الأيمن وولده إبراهيم على فخذه الأيسر فنزل جبريل وقال إن الله تعالى لم يكن ليجمع لك بينهما فاختر من شئت منهما فقال النبي ﷺ إذا مات الحسن بكيت أنا وعلي وفاطمة وإذا مات إبراهيم بكيت أنا عليه فاختار موت إبراهيم فمات بعد ثلاثة أيام وكان إذا جاء الحسين بعد ذلك يقبله ويقول أهلا ومرحبا بمن فديته بابني إبراهيم

فيقال هذا الحديث لم يروه أحد من أهل العلم ولا يعرف له إسنادا ولا يعرف في شء من كتب الحديث وهذا الناقل لم يذكر له إسنادا ولا عزاه إلى كتاب حديث ولكن ذكره على عادته في روايته أحاديث مسيبة بلا زمام ولا خطام

ومن المعلوم أن المنقولات لا يميز بين صدقها وكذبها إلا بالطرق الدالة عل ذلك وإلا فدعوى النقل المجرد بمنزلة سئر الدعاوى

ثم يقال هذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث وهو من أحاديث الجهال فإن الله تعالى ليس في جمعه بين إبراهيم والحسين أعظم مما في جمعه بين الحسن والحسين على مقتضى هذا الحديث فإن موت الحسن أو الحسين إذا كان أعظم من موت غبراهيم فبقاء الحسن أعظم من بقاء إبراهيم وقد بقى الحسن مع الحسين

وأيضا فحق رسول الله ﷺ أعظم من حق غيره وعلى يعلم أن رسول الله ﷺ أولى به من نفسه وهو يحب النبي ﷺ أكثر مما يحب نفسه فيكون لو مات إبراهيم لكان بكاؤه لأجل النبي ﷺ أكثر من بكائه لأجل ابنه إلا أن يقال محبة الابن طبيعية لا يمكن دفعها فيقال هذا موجود في حب النبي ﷺ وهو الذي يقول لما مات إبراهيم تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضى الرب وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون وهكذا ثبت في الحديث الصحيح فكيف يكون قد اختار موته وجعله فداء لغيره

ثم هل يسوغ مثل هذا أن يجعل شخص معصوم الدم فداء شخص معصوم الدم بل إن كان هذا جائزا كان الأمر بالعكس أولى فإن الرجل لو لم يكن عنده إلا ما ينفق على ابنه أو ابن بنته لوجب تقديم النفقة على الابن باتفاق المسلمين ولو لم يمكنه دفع الموت أو الضرر إلا عن ابنه أو ابن بنته لكان دفعه عن ابنه هو المشروع لا سيما وهم يجعلون العمدة في الكرامة هو القرابة من النبي ﷺ ويجعلون من أكبر فصائل على قرابته من النبي ﷺ وذلك الحسن والحسين

ومعلوم أن الابن أقرب من الجميع فكيف يكون الإبعد مقدما على الأقرب ولا مزيه إلا القرابة

وقد قال أنس بن مالك لو قضى أن يكون بعد النبي ﷺ نبي لعاش إبراهيم وغير أنس نازعه في هذا الكلام وقال لا يجب إذا شاء الله نبيا أن يكون ابنه نبيا

ثم لماذا كان إبراهيم فداء الحسين ولم يكن فداء الحسن والأحاديث الصحيحة تدل على أن الحسن كان أفضلهما وهو كذلك باتفاق أهل السنة والشيعة وقد ثبت في الصحيح أنه كان يقول عن الحسن اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه فلم لا كان إبراهيم فداء هذا الذي دعا بمحبة الله لمن يحبه

فصل

وأما على بن الحسين فمن كبار التابعين وساداتهم علما ودينا أخذ عن أبيه وابن عباس والمسور بن مخرمة أبي رافع مولى النبي ﷺ وعائشة وأم سلمة وصفية أمهات المؤمنين وعن مروان بن الحكم وسعيد بن المسيب وعبد الله بن عثمان بن عفان

وذكوان مولى عائشة وغيرهم رضي الله عنهم وروى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن ويحيى بن سعيد الأنصاري والزهري وأبو الزناد وزيد بن أسلم وابنه أبو جعفر

قال يحيى بن سعيد هو أفضل هاشمي رأيته في المدينة وقال ممد بن سعد في الطبقات كان ثقة مأمونا كثير الحديث عاليا رفيعا وروى عن حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد الأنصاري قال سمعت علي بن الحسين وكان أفضل هاشمي أدركته يقول يا أيها الناس أحبونا حب الإسلام فما برح بنا حبكم حتى صار عارا علينا وعن شيبة بن نعامة قال كان علي بن الحسين يبخل فلما مات وجدوه يقوت مائة أهل بيت بالمدينة في السر وله من الخشوع وصدقة السر وغير ذلك من الفصائل ما هو معروف حتى إنه كان من صلاحه ودينه يتخطى وكان من خيار أهل العلم والدين من التابعين فيقال له تدع مجالس قومك وتجالس هذا فيقول إنما يجلس الرجل حيث يجد صلاح قلبه

وأما ما ذكره من قيام ألف ركعة فقد تقدم أن هذا لا يمكن إلا على وجه يكره في الشريعة أو لا يمكن بحال فلا يصلح ذكر مثل هذا في المناقب وكذلك ما ذكرمن تسمية رسول الله ﷺ له سيد العابدين هو شيءلا أصل له ولم يروه أحد من أهل العلم والدين

وكذلك أبو جعفر محمد بن علي من خيار أهل العلم والدين وقيل إنما سمى الباقر لأنه بقر العلم لا لأجل بقر السجود جبهته وأما كونه أعلم أهل زمانه فهذا يحتاج إلى دليل والزهري من أقرانه وهو عند الناس أعلم منه ونقل تسميته بالباقر عن النبي ﷺ لا أصل له عند أهل العلم بل هو من الأحاديث الموضوعة وكذلك حديث تبليغ جابر له السلام هو من الموضوعات عند أهل العلم بالحديث لكن هو روى عن جابر بن عبد الله غير حديث مثل حديث الغسل والحج وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة عنه ودخل على جابر مع أبيه على بن الحسين بعد ما أضر جابر وكان جابر من المبين لهم رضي الله عنهم وأخذ العلم عن جابر وأنس بن مالك وروى أيضا عن ابن عباس وأبي سعيد وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة وعن سعيد بن المسيب ومحمد بن الحنفية وعبيد الله بن أبي رافع كاتب على وروى عنه أبو إسحاق الهنداني وعمرو بن دينار والزهري وعطاء بن أبي رباح وربيعة بن أبي عبد الرحمن والأعرج وهو أسن منه وابنه جعفر وابن جريج ويحيى بن أبي كثير الأوزاعي وغيرهم

وجعفر الصادق رضي الله عنه من خيار أهل العلم والدين أخذ العلم عن جده أبي أمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وعن محمد بن المنكدر ونافع مولى ابن عمر والزهري وعطاء بن أبي رباح وغيرهم وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري ومالك بن أنس وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وابن جريج وشعبة ويحيى بن سعيد القطان وحاتم بن إسماعيل وحفص بن غياث ومحد بن إسحاق بن يسار

وقال عمرو بن أبي المقدام كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد علمت أنه من سلالة النبيين

وأما قوله اشتغل بالعبادة عن الرياسة، فهذا تناقض من الإمامية لأن الإمامة عندهم واجب عليه أن يقوم بها وبأعبائها فإنه لا إمام في وقته إلا هو فالقيام بهذا الأمر العظيم لو كان واجبا لكان أولى ن الاشتعال بنوافل العبادات

وأما قوله إنه هو الذي نشر فقه الإمامية والمعارف الحقيقية والعقائد اليقينية

فهذا الكلام يستلزم أحد أمرين إما أنه ابتدع في العلم ما لم يكن يعلمه من قبله وإما أن يكون الذين قبله قصروا فيما يجب عليهم من نشر العلم وهل يشك عاقل أن النبي ﷺ بين لأمته المعارف الحقيقية والعقائد اليقينية أكمل بيان وأن أصحابه تلقوا ذلك عنه وبلغوه إلى المسلمين

وهذا يقتضي القدح إما فيه وإما فيهم بل كذب على جعفر الصادق أكثر مما كذب على من قبله فالافة وقعت من الكذابين عليه لا منه ولهذا نسب إليه أنواع من الأكاذيب مثل كتاب البطاقة والجفر والهفت والكلام في انجوم وفي تقدمة المعرفة من جهة الرعود والبروق واختلاج الأعضاء وغير ذلك حتى نقل عنه أبو عبد الرحمن في حقائق التفسير من الأكاذيب ما نزه الله جعفرا عنه وحتى أن كل من أراد أن ينفق أطاذيبه نسبها إلى جعفر حتى أن طائفة من الناس يظنون أن رسائل إخوان الصفا مأخوذه عنه وهذا من الكذب المعلوم فإن جعفرا توفي سنة ثمان وأربعين ومائة وهذه الرسائل وضعت بعد ذلك بنحو مائتي سنة وضعت لما ظهرت دولة الإسماعيلية الباطنية الذين بنوا القاهرة المعزية سنة بضع وخمسين وثلاثمائة وفي تلك الأوقات صنفت هذه الرسائل بسبب ظهور هذا المذهب الذي ظاهره الرفض وباطنه الكفر المحض فأظهروا اتباع الشريعة وأن لها باطنا مخالفا لظاهرها وباطن أمرهم مذهب الفلاسفة وعلى هذا الأمر وضعت هذه الرسائل وضعها طائفة من المتفلسفة معروفون وقد ذكروا في أثنائها ما استولى عليه النصارى من أرض الشام وكان أول ذلك بعد ثلثمائة سنة من الهجرة النبوية في أوائل المائة الرابعة

فصل

وأما من بعد جعفر فموسى بن جعفر قال فيه أبو حاتم الرازي ثقة صدوق إمام من أئمة المسلمين قلت موسى ولد بالمدينة سنة بضع وعشرين ومائة وأقدمه المهدى إلى بغداد ثم رده إلى المدينة وأقام بها إلى أيام الرشيد فقدم هارون منصرفا من عمرة فحمل موسى معه إلى بغداد وحبسه بها إلى أن توفى في محبسه قال ابن سعد فتوفى سنة ثلاث وثمانين ومائة وليس له كثير رواية روى عن أبيه جعفر وروى عنه أخوه على وروى له الترمذي وابن ماجة

وأما من بعد موسة فلم يؤخذ عنهم من العلم ما يذكر به أخبارهم في كتب المشهورين بالعلم وتواريخهم فإن أولئك الثلاثة توجد أحاديثهم في الصحاح والسنن والمسانيد وتوجد فتاويهم في الكتب المصنفة في فتاوي السلف مثل كتب ابن المبارك وسعيد بن منصور وعبد الرزاق وأبي بكر بن أبي شيبة وغير هؤلاء وأما من بعدهم فليس لهم رواية في الكتب الأمهات من كتب الحديث ولا فتاوي في الكتب المعروفة التي نقل فيها فتاوي السلف ولا لهم في التفسير وغيره أقوال معروفة ولكن لهم من الفضائل والمحاسن ما هو له أهل رضي الله عنهم أجمعين وموسى بن جعفر مشهور بالعبادة والنسك

وأما الحكاية المذكورة عن شقيق البلخي فكذب فإن هذه الحكاية تخالف المعروف من حال موسى بن جعفر وموسى كان مقيما بالمدينة بعد موت أبيه جعفر وجعفر مات سنة ثمان وأربعين ولم يكن قد جاء إذ ذاك إلى العراق حتى يكون بالباقدسية ولم يكن أيضا ممن يترك منفردا على هذه الحال لشهرته وكثرة غاشيته وإجلال الناس له وهو معروف ومتهم أيضا بالملك ولذلك أخذه المهدي ثم الرشيد إلى بغداد

أما قوله تاب على يده بشر الحافي فمن أكاذيب من لا يعرف حاله ولا حال بشر فإن موسى بن جعفر لما قدم به الرشيد إلى العراق حبسه فلم يكن ممن يجتاز على دار بشر وأمثاله من العامة

فصل

قال الرافضي وكان ولده على الرضا أوهد أهل زمانه وكان أعلمهم وأخذ عنه فقهاء الجمهور كثيرا وولاه المأمون لعلمه بما هو عليه من الكمال والفضل ووعظ يوما أخاه زيدا فقال يا زيد ما أنت قائل لرسول الله ﷺ إذا سفكت الدماء وأخذت الأموال من غير حلها وأخفت السبل وغرك حمقى أهل الكوفة وقد قال رسول الله ﷺ إن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار وفي رواية إن علي قال يا رسول الله لم سميت فاطمة قال لأن الله فطكمها وذريتها من النار فلا يكون الإحصان سببا لتحريم ذريتها على النار وأن تظلم والله ما نالوا ذلك إلا بطاعة الله فإن أردت أن تنال بمعصية الله ما نالوه بطاعته إنك إذا لأكرم على الله منهم

وضرب المأمون اسمه على الدراهم والدنانير وكتب إلى أهل الافاق ببيعته وطرح السواد ولبس الخضرة

قال وقيل لأبي نواس لم لا تمدح الرضا فقال

قيل لي أنت أفضل الناس طرا ... في المعاني وفي الكلام البديه

لك من جوهر الكلام بديع ... يثمر الدر في يدي مجتنيه

فلماذا تركت مدح ابن موسى ... والخصال التي تجمعن فيه

قلت لا أستطيع مدح إمام ... كان جبريل خادما لأبيه

فيقال من المصائب التي ابتلى بها ولد الحسين انتساب الرافضة إليهم وتعظيمهم ومدحهم لهم فإنهم يمدحونهم بما ليس بمدح ويدعون لهم دعاوي لا حجة لها ويذكرون من الكلام ما لو لم يعرف فضلهم من غير كلام الرافضة لكان ما تذكره الرافضة بالقدج أشبه منه بالمدح فإن على بن موسى له من المحاسن والمكارم المعروفة والممادح المناسبة لحاله اللائقة به ما يعرفه بها أهل المعرفة وأما هذا الرافضي فلم يذكر له فضيلة واحدة بحجة

وأما قوله إنه كان أزهد الناس وأعلمهم فدعوى مجردة بلا دليل فكل من غلا في شخض أمكنه أن يدعى له هذه الدعوى كيف والناس يعلمون أنه كان في زمانه من هو أعلم منه ومن هو أزهد منه كالشافعي وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل وأشهب بن عبد العزيز وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي وأمثال هؤلاء هذا ولم يأخذ عنه أحد من أهل العلم بالحديث شيئا ولا روى له حديث في الكتب الستة وإنما يروى له أبو الصلت الهروي وأمثاله نسخا عن ابائه فيها من الأكاذيب ما قد نزه الله عنه الصادقين من غير أهل البيت فكيف بالصادقين منهم

وأما قوله إنه أخذ عنه فقهاء الجمهور كثيرا فهذا من أظهر الكذب هؤلاء فقهاء الجمهور المشهورون لم يأخذوا عنه ما هو معروف وإن أخذ عنه بعض من لا يعرف من فقهاء الجمهور فهذا لا ينكر فإن طلبة الفقهاء قد يأخذون عن المتوسطين في العلم ومن هم دون المتوسطين

وما يذكره بعض الناس من أن معروفا الكرخي كان خادما له وأنه أسلم على يديه أو أن الخرقة متصلة منه إليه فكله كذب باتفاق من يعرف هذا الشأن

والحديث الذي ذكره عن النبي ﷺ عن فاطمة هو كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث ويظهر كذبه لغير أهل الحديث أيضا فإن قوله إن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار يقتضي أن إحصان فرجها هو السبب لتحريم ذريتها على النار وهذا باطل قطعا فإن سارةأحصنت فرجها ولم يحرم الله جميع ذريتها على النار

قال تعالى وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين

وقال تعالى ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون

ومن المعلوم أن بني اسرائيل ن ذرية سارة والكفار فيهم لا يحصيهم إلا الله وأيضا فصفية عمه رسول الله ﷺ أحصنت فرجها ومن ذريتها محسن وظالم

وفي الجملة فاللواتي أحصن فروجهن لا يحصى عددهن إلا الله عز وجل ومن ذريتهن البر والفاجر والمؤمن والكافر

وأيضا ففضيلة فاطمة ومزيتها ليست بمجرد إحصان فرجها فإن هذا يشارك فيه فاطمة جمهور نساء المؤمنين وفاطمة لم تكن سيدة نساء العالمين بهذا الوصف بل بما هو أخص منه بل هذا من جنس حجج الرافضة فإنهم لجهلهم لا يحسنون أن يحتجوا ولا يحسنون أن يكذبوا كذبا ينفق

وأيضا فليست ذرية فاطمة كلهم محرمين على النار بل فيهم البر والفاجر والرافضة تشهد على كثير منهم بالكفر والفسوق وهم أهل السنة منهم المتولون لأبي بكر وعمر كزيد بن علي بن الحسين وأمثاله من ذرية فاطمة رضي الله عنها فإن الرافضة رفضوا زيد بن علي بن الحسين ومن والاه وشهدوا عليهم بالكفر والفسق بل الرافضة أشد الناس عداوة إما بالجهل وإما بالعناد لأولاد فاطمة رضي الله عنها

ثم موعظة على بن موسى لأخيه المذكور تدل على أن ذرية فاطمة فيهم مطيع وعاص وأنهم إنما بلغوا كرامة الله بطاعته وهذا قدر مشترك بين جميع الخلق فمن أطاع الله أكرمه الله ومن عصى الله كان مستحقا لإهانة الله وهذا هوالذي دل عليه الكتاب والسنة

وأما ما ذكره من تولية المأمون له الخلافة فهذا صحيح لكن ذلك لم يتم بل استمر ذلك إلى أن مات على بن موسى ولم يجعله ولي عهده وهم يزعمون أنه قتله بالسم فإن كان فعل المأمون الأول حجة كان فعله الثاني حجة وإن لم يكن حجة لم يصلح أن يذكر مثل هذا في مناقب على بن موسى الرضا ولكن القم جهال بحقيقة المناقب والمثالب والكرق التي يعلم بها ذلك

ولهذا يستشهدون بأبيات أبي نواس وهي لو كانت صدقا لم تصلح أن تثبت فضائل شخص بشهادة شاعر معروف بالكذب والفجور الزائد الذي لا يخفى على من له أدنى خبرة بأيام الناس فكيف والكلام الذي ذكره فاسد فإنه قال

قلت لا أستطيع مدح إمام ... كان جبريل خادما لأبيه

ومن المعلوم أن هذا وصف مشترك بين جميع من كان من ذرية الرسل وجميع ذرية على يشاركونه في هذا فأي مزية له في هذا حتى يكون بها إماما دون أمثاله المشاركين له في هذا الوصف ثم هذا يقتضي أنه لا يمدح أحدا من ذرية على أصلا لأن هذا الوصف مشترك بينهم ثم كون الرجل من ذرية الأنبياء قدر مشترك بين الناس فإن الناس كلهم من ذرية نوح عليه السلام ومن ذرية ادم وبنو إسرائيل يهوديهم وغير يهوديهم من ذرية إبراهيم وإسحاق ويعقوب

وأيضا فتسمية جبريل رسول الله إلى محمد ﷺ خادما له عبارة من لا يعرف قدر الملائكة وقدر إرسال الله لهم إلى الأنبياء ولكن الرافضة غالب حججهم أشعار تليق بجهلهم وظلمهم وحكايات مكذوبة تليق بجهلهم وكذبهم وما يثبت أصول الدين بمثل هذه الأشعار إلا من ليس معدودا من أولى الأبصار

فصل

قال الرافضي وكان ولده محمد بن علي الجواد على منهاج أبيه في العلم والتقى والجود ولما مات أبوه الرضا شغف بحبه المأمون لكثرة علمه ودينه ووفور عثله مع صغر سنه وأراد أن يزوجه ابنته أم الفضل وكان قد زوج أباه الرضا عليه السلام بابنته أم حبيب فغلظ ذلك على العباسيين واستنكروه وخافوا أن يخرد الأمر منهم وأن يبايعه كما بايع أباه فاجتمع الأدنون منهم وسألوه ترك ذلك وقالوا إنه صغير السن لا علم عنده فقال أنا أعرف منكم به فإن شئتم فامتحنوه فرضوا بذلك وجعلوا للقاضي يحيى بن أكثم مالا كثيرا على امتحانه في مسألة يعجزه فيها فتواعدوا إلى يوم وأحضره المأمون وحضر القاضي وجماعة العباسيين فقال القاضي أسألك عن شيء فقال له عليه السلام سل فقال ما تقول في محرم قتل صيدا فقال له عليه السلام قتله في حل أو حرم عالما كان أو جاهلا مبتدئا بقتله أو عائدا من صغار الصيد كان أم من كبارها عبدا كان المحرم أو حرا صغيرا كان أو كبيرا من ذوات الطبر كان الصيد أم من غيرها فتحير يحيى بن أكثم وبان العجز في وجهه حتى عرف جماعة أهل المجلس أمره فقال المأمون لأهل بيته عرفتم الان ما كنتم تنكرونه ثم أقبل الإمام فقال أتخطب قال نعم فقال أخطب لنفسك خطبة النكاح فخطب وعقد على خمسمائة درهم جيادا كمهر جدته فاطمة عليها السلام ثم تزوج بها

والجواب أن يقال إن محمد بن علي الجواد كان من أعيان بني هاشم وهو معروف بالسخاء والسؤدد ولهذا سمي الجواد ومات وهو شاب ابن خمس وعشرين سنة ولد سنة خمس وتسعين ومات سنة عشرين أو سنة تسع عشرة وكان المأمون زوجه بابنته وكان يرسل إليه في السنة ألف ألف درهم واستقدمه المعتصم إلى بغداد ومات بها

وأما ما ذكره فإنه من نمط ما قبله فإن الرافضة ليس لهم عقل صريح ولا نقل صحيح ولا يقيمون حقا ولا يهدمون باطلا لا بحجة وبيان ولا بيد وسنان فإنه ليس فيما ذكره وما يثبت فضيلة محمد بن على فضلا عن ثبوت إمامته فإن هذه الحكاية التي حكاها عن يحيى بن أكثم من الأكاذيب التي لا يفرح بها إلا الجهال ويحيى بن أكثم كان أفقه وأعلم وأفضل من أن يطلب تعجيز شخص بأن يسأله عن محرم قتل صيدا فإن صغار الفقهاء يعلمون حكم هذه المسألة فليست من دقائق العلم ولا غرائبه ولا مما يختص به المبرزون في العلم

ثم مجرد ما ذكره ليس فيه إلا تقسيم أحوال القاتل ليس فيه بيان حكم هذه الأقسام ومجرد التقسيم لا يقتضي العلم بأحكام الأقسام وإنما يدل إن دل على حسن السؤال وليس كل من سئل أحسن أن يجيب ثم إن كان ذكر الأقسام الممكنة واجبا فلم يستوف الأقسام وإم لم يكن واجبا فلا حاجة إلى ذكر بعضها فإنه من جملة الأقسام أن يقال متعمدا كان أو مخطئا

وهذا التقسيم أحق بالذكر من قوله عالما كان أو جاهلا فإن الفرق بين المتعمد والمخطىء ثابت في الإثم باتفاق الناس وفي لزوم الجزاء في الخطأ نزاع مشهور فقد ذهب طائفة من السلف والخلف إلى أن المخطىء لا جزاء عليه وهي إحدى الروايتين عن أحمد قالوا لأن الله تعالى قال ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم الآية فخص المتعمد بإيجاب الجزاء وهذا يقتضي أن المخطىء لا جزاء عليه لأن الأصل براءة ذمته والنص إنما أوجب على المتعمد فبقى المخطىء على الأصل ولأن تخصيص الحكم بالمتعمد يقتضي انتقاءه عن المخطىء فإن هذا مفهوم صفة في سياق الشرط وقد ذكر الخاص بعد العام فإنه إذا كان الحكم يعم النوعين كان قوله ومن قتله منكم يبين الحكم مع الإيجاز فإذا قال ومن قتله منكم متعمدا فزاد اللفظ ونقص المعنى كان هذا مما يصان عنه كلام أدنى الناس حكمه فكيف بكلام الله الذي هو خير الكلام وأفضله وفضله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه

والجمهور القائلون بوجوب الجزاء على المخطىء يثبتون ذلك بعموم السنة والاثار وبالقياس على قتل الخطأ في الادمي ويقولون إنما خص الله المتعمد بالذكر لأنه ذكر من الأحكام ما يختص به المتعمد وهو الوعيد بقوله ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه فلما ذكر الجزاء والانتقام كان المجموع مختصا بالمتعمد وإذا كان المجموع مختصا بالمتعمد لم يلزم ألا يثبت بعضه مع عدم العمد

مثل هذا قوله وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا فإنه أراج بالقصر قصر العدد وقصر الأركان وهذا القصر الجامع للنوعين متعلق بالسفر والخوف ولا يلزم من الاختصاص المجموع بالأمرين أن لا يثبت أحدهما مع أحد الأمرين ولهذا نظائر

وكذلك كان ينبغي له أن يسأله أقتله وهو ذاكر لإحرامه أو ناس فإن في الناسى من النزاع أعظم مما في الجاهل ويسأله أقتله لكونه صال عله أو لكونه اضطر إليه لمخمصة أو قتله اعتباطا بلا سبب

وأيضا فإن في هذه التقاسيم ما يبين جهل السائل وقد نزه الله من يكون إماما معصوما عن هذا الجهل وهو قوله أفى حل قتله أم في حرم فإن المحرم إذا قتل الصيد وجب عليه الجزاء سواء قتله في الحل أو في الحرم باتفاق المسلمين والصيد الحرمى قتله على المحل والمحرم فإذا كان محرما وتقل صيدا حرميا توكدت الحرمة لكن الجزاء واحد

وأما قوله مبتدئا أو عائدا فإن هذا فرق ضعيف لم يذهب إليه إلا شاذ من أهل العلم

وأما الجماهير فعلى أن الجزاء يجب على المبتدىء وعلى العائد وقوله في القران ومن عاد فينتقم الله منه قيل إن المراد من عاد إلى ذلك في الإسلام بعدما عفا الله عنه في الجاهلية وقبل نزول هذه الآية كمن قال ولا تنكحوا ما نكح اباؤكم من النساء إلا ما قد سلف وقوله وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف وقوله قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف

يدل على ذلك أنه لو كان المراد به عفا الله عن أول مرة لما أوجب عليه جزاء ولا انتقم منه وقد أوجب عليه الجزاء أول مرة وقال ليذوق وبال أمره فمن أذاقه الله وبال أمره كيف يكون قد عفا عنه

وأيضا فقوله عما سلف لفظ عام واللفظ العام المجرد عن قرائن التخصيص لا يراد به مرة واحدة فإن هذا ليس من لغى العرب ولو قدر أن المراد بالآية عفا الله عن أول مرة وأن قوله ومن عاد يراد به العون إلى القتل فإن انتقام الله منه إذا عاد لا يسقط الجزاء عنه فإن تغليظ الذنب لا يسقط الواجب كمن قتل نفسا بعد نفس لايسقط ذلم عنه قودا ولا دية ولا كفارة

وقوله إن مهر فاطمة مان خمسمائة درهم لا يثبت وإنما الثابت أن رسول الله ﷺ لم يصدق امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من خمسمائة درهم اثنى عشر اوقية ونش والنش هو النصف وهذا معروف عن عمر وغيره لن أم حبيبة زوجة بها النجاشي فزاد الصداق من عنده وسواء كان هذا ثابتا أو لم يكن ثابتا فتحرى تخفيف الصداق سنة ولهذا استحب العلماء أن لا يزاد على صداق رسول الله ﷺ لنسائه وبناته وقد روى أن عليا أصدق فاطمة درعه وبكل حال فليس في هذا ما يدل على فضيله واحد من الأمراء فضلا عن إمامته وإن كانت لهم فضائل ثابته بدون هذا


منهاج السنة النبوية
1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | 32 | 33 | 34 | 35 | 36 | 37 | 38 | 39 | 40 | 41 | 42 | 43 | 44 | 45 | 46 | 47 | 48 | 50 | 51 | 52 | 53 | 54 | 55 | 56 | 57