الرئيسيةبحث

العقد الفريد/الجزء الرابع/9

كتاب اليتيمة الثانية في أخبار زياد والحجاج والطالبين والبرامكة

فرش كتاب أخبار زياد والحجاج والطالبيين والبرامكة قال الفقيهَ أبو عمرَ أحمدُ بنُ محمد بنِ عبدِ ربّه رضي الله تعالى عنه: قد مضى قولُنا في أخبار الخُلفاء وتواريخهم وأيامهم وما تَصرّفت به دولهم ونحن قائلون بعون الله في أخبار زياد والحجَّاج والطالبيين والبرامكة وماسِحون على شيء من أخبار الدولة إذ كان هؤلاء الذين جرّدنا لهم كتابَنا هذا قُطبَ المُلك الذي عليه مدار السياسة ومعادنَ التَّدبير ويَنابيعَ البلاغة وجوامعَ البيان. هم راضوا الصِّعاب حتى لانت مقاردُها وخَزموا الأنوف حتى سكنتْ شواردُها ومارسوا الأمور وجرّبوا اَلدُّهُور فاحتملوا أعباءَها واستفتحوا مغالقها حتى استقرت قواعدُ الملك وانتظمت قلائدُ الحكم ونَفذت عزائم السلطان. أخبار زياد كانت سُميَّة أُمّ زياد قد وَهبها أبو الخَير بن عمرو الكِنْدي للحارث بن كَلَدة وكان طبيباً يعالجه فولدت له على فِراشه نافعاً ثم ولدتْ أبا بَكْرة فأنكر لونَه. وقيل له: إن جاريتك بَغيّ. فَانْتِفِى من أبي بَكْرة ومن نافع وَزَوْجهَا عُبيداً عبداً لابنته. فولدتْ على فراشه زياداً. فلما كان يومُ الطائف نادَى مُنادي رسول الله ﷺ: أيما عبدٍ نزل فهو حر وولاؤه لله ورسوله. فنزل أبو بكرة واسلم ولحق بالنبيّ ﷺ. فقال الحارث بن كلَدة لنافع: أنت ابني فلا تَفعل كما فَعل هذا يريد أبا بكرة. فلَحِق به فهو ينتسب إلى الحارث بن كلَدة. وكانت البَغايا في الجاهليّة لهن راياتٌ يُعرفن بها ويِنَتْحَيْهَا الفِتْيان. وكان أكثرُ الناس يُكْرهون إماءَهم على البِغاء والخُروج إلى تلك الرايات يبتغون بذلك عَرضَ الحياة الدنيا. فَنَهَى الله تَعَالَى في كتابه عن ذلك بقوله جل وعز: " ولا تُكرِهُوا فَتَياتِكم على البِغَاء إنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًاً لِتَبْتَغوا عَرِضَ الحَياة الدُّنيا. ومَنْ يُكْرِهْهن " يريد في الجاهلية " فإنّ الله مِن بَعْد إكراههنّ غفُورٌ رَحِيم " يريد في الإسلام. فيقال: إن أبا سفيان خَرج يوما وهو ثَمِل إلى تلك الرايات فقال لصاحبة الراية: هل عندك من بَغِيّ فقالت: ما عندي إلا سُمية. قال: هاتها على نَتن إبطيها فوقع بها. فولدت له زياداً على فراش عُبيد. ووجه عاملٌ من عُمّال عمرَ بن الخطّاب زياداً إلى عمرَ بفَتح فَتحه الله على المسلمين. فأمره عمرُ أن يَخطب الناسَ به على المنبر. فاحسن في خطبته وجَوّد وعند أصل المِنبر أبو سفيان بن حَرْب وعليّ بن أبي طالب. فقال أبو سفيان لعليِّ: أيُعجبك ما سمعتَ من هذا الفتى قال: نعم. قال: أما إنه ابنُ عمّك. قال: وكيف ذلك قال: أنا قذفتُه في رَحم أمه سُميَّة. قال: فما يَمنعك أن تدعِيهِ قال: أخشى هذا القاعدَ على المِنبر - يعني عُمَر بن الخطاب - أن يُفسد عليّ إهابي. فبهذا الخبر استلحق معاويةً زياداً وشَهد له الشُّهود بذلك. وهذا خلافٌ حُكم رسول الله ﷺ في قوله: الولدُ للفراش وللعاهر الحَجَر. اَلْعَتَبَي عن أبيه قال: لما شَهِد الشهود لزياد قام في أَعْقَابهمْ فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: هذا أمرٌ لم أشهد أولَه ولا عِلْم لي بآخره وقد قال أميرُ المؤمنين ما بَلغكم وشهد الشهودُ بما سَمعتم. فالحمدَ لله الذي رفع منا ما وضع الناس وحَفظ منّا ما ضَيّعوا. وأما عُبيد فإنما هو والدٌ مَبْرور أو رَبِيب مَشْكور. ثم جلس. وقال زياد: ما هُجيت ببيت قطّ أشدَّ عليَّ من قول الشاعر: فكَّر ففي ذاك إن فَكَّرتَ مُعْتَبر هل نِلتَ مَكرُمةً إلا بِتَأْمِير عاشتْ سُميَّة ما عاشت وما عَلِمتْ أنّ ابنَها من قريش في الجَماهير سُبحان مَن مُلْك عباد بقُدرته لا يَدفع الناسُ أسبابَ المقادير وكان زياد عاملاً لعليّ بن أبي طالب على فارس: فلما مات عليّ رضي الله عنه وبايع الحسنُ معاويةَ عامَ الجماعة بقي زيادٌ بفارس وقد مَلكها وضَبط قَلاعها فاغتمّ به معاوية فأرسل إلى المُغيرة بنُ شعبة. فلما دخل عليه قال: لكُل نبأ مُستقر ولكُل سر مسَتودِع وأنت موضعُ سري وغاية ثِقَتي. فقال: المغيرة: يا أمير المؤمنين إنْ تستودعني سرك تستودعه نَاصِحاً شَفيقاً ووَرِعا رفيقاً فلا ذاك يا أمير المؤمنين قال: ذكرتُ زياداً واعتصامَه بأرض فارس ومُقامه بها وهو داهية العرَب ومعه الأحوالُ وقد تحصّن بأرض فارس وقِلاعها يُدبّر الأمور فما يُؤمنني أن يبايع لرجل من أهل هذا البيت فإذا هو أعاد جَذَعه. قال له المُغيرة: أتأذن لي يا أمير المؤمنين في إتيانه قال: نعم. فخرَج إليه. فلما دخل عليه وجده وهو قاعد في بيت له مُستقبلٌ الشمسَ. فقام إليه زياد ورحِّب به سرُّ بقدومه وكان له صديقاً - وذلك أنّ زياداً كان أحدَ الشُهود الأربعة الذين شَهدوا على المُغيرة وهو الذي تَلجج في شهادته عند عمرَ بن الخطّاب رضي الله عنه فنجا المغيرة وجُلد الثلاثةُ من الشهود وفيهم أبو بكرة أخو زياد فحلف أن لا يكلمٍ زياداً أبداً - فلَما تَفاوضا في الحديث قال له المغيرة: أعلمتَ أنّ معاوية استخف الوجل حتى بعثتي إليك ولا نَعلم أحداً يَمد يَده إلى هذا الأمر غيرَ الحسن وقد بايع معاويةَ فخُذ لنفسك قبل التَوطين فيَستغني عنك معاوية. قال: أشر عليّ وارم الغرضَ الأقصى فإنّ المُستشار مُؤتَمن. قال: أرى أن تَصل حبلَك بحَبْله وتسيرَ إلَيه وتعير الناسَ أذناً صماء وعَينْاً عمياء. قال يا بن شُعبة لقد قلتَ قولاً لا يكون غَرْسُه في غير منبته ولا مَدَرة تغذية ولا ماء يَسْقيه قال زهير: ثمِ قال: أرى ويقضي الله. وذكر عمر بن عبد العزيز زِيَاداً فقال: سَعي لأهل العِراق سَعْيَ الأم البرّة وجَمع لهم جَمْعَ الذَّرة. وقال غيره: تَشبَّه زيادٌ بعمرَ فأفرط وتشبه الحجّاج بزياد فأَهلك الناس. وقالوا: الدُّهاة أربعة: معاوية للرويّة وعمرو بن اَلْعاصّ للبَديهة والمُغيرة للمعضلات وزياد لكُل صَغيرة وكبيرة. ولما قَدم زيادٌ العراق قال: مَن على حَرَسكم قالوا: بَلَج. قال: إنما يُحترس من مثل بَلَج فكيف يكون حَارِساً! أخذه الشاعر فقال: وحارس من مثله يُحْترس العَتَبَيْ قال: كان في مجلس زياد مكتوب: الشِّدة في غير عُنف واللّين في غير ضَعف. المُحسن يُجازَى بإحسانه وَالْمُسِيء يعاقَب بإساءته. الأعطيات في أيامها. لا احتجابَ عن طارق لَيْل ولا صاحب ثغر. وبَعث زيادٌ إلى رجال من بني تَميم ورجال من بني بَكْر وقال: دُلّوني على صُلَحاء كل ناحية ومن يُطاع فيها. فدلوه فضمّنهم الطريق وحَدّ لكُل رجل منهم حَدا. فكان يقول: لو ضاع حَبل بيني وبين خُراسان عرفتُ من أخذ به وكان زياد يقول: من سَقَى صبياً خمراً حددناه ومن نَقب بيتاً نَقبناً عن قلبه ومن نَبش قبراً دفّناه حيّاً. وكان يقول: اثنان لا تُقاتِلوا فيهما: الشتاء وبُطون الأودية. وأول من جُمعت له العراق زياد ثم ابنُه عبيد الله بن زياد لم تجتمع لقرشيّ قط غيرَهما. وعُبيد الله بن زياد أول من جُمع له العراق وسجستان وخراسان والبحران وعُمان وإنما كان البحران وعُمان إلى عُمال أهل الحجاز وهو أول من عرف العُرفاء ودعا النقباء ونَكَبالمناكب وحصل الدواوين ومُشي بين يديه بالعَمد ووَضع الكراسي وعمل المَقصورة ولَبس الزيادي ورَبعَ الأرباع بالكوفة وخمسَ الأخماس بالبصرة وأعطى في يوم واحد للمُقاتلة والذرية من أهل البصرة وأهل الكوفة وبلغ بالمُقاتلة من أهل الكوفة ستّين ألفاً ومقاتلة البصرة ثمانين ألفاً والذرية مائة ألف وعشرين ألفاً. وضَبط زياد وابنهُ عُبيد الله العراقَ بأهل العراق. قال عبدُ الملك بن مروان لعبَّاد بنِ زياد: أين كانت سيرةُ زياد من سيرة الحجاج قال: يا أمير المؤمنين إنّ زياداً قَدِم العراقَ وهي جَمْرة تشتعل فسَلَّ أحقادَهم وداوَى أدواءهم وضَبط أهلَ العراق بأهل العراق. وقَدمها الحجاجُ فكسر الخراج وأفسد قلوبَ الناس ولم يَضْبطهم بأهل الشام فضلاً عن أهل العراق ولو رام منهم ما رامَه زياد لم يَفْجأك إلا على قَعود يُوجف به. وقال نافعٌ لزِياد: استعملتَ أولادَ بَكْرة وتركت أولادي قال: إني رأيتُ أولادك كُزْماً قصاراً ورأيت أولاد أبي بكرة نُجباء طوالاً. ودخل عبد الله بن عامر على مُعاوية فقال له: حتى متى تذهب بخراج العراق فقال: يا أمير المؤمنين ما تقول هذا لمن هو أبعدُ منِّي رَحماً! ثم خرج. فدخل على يزيد فاخبره وشكا إليه. فقال له: لعلك أغضبتَ زياداً قال: قد فعلتُ. قال: فإنه لا يَرضى حتى تُرضي زياداً عنك. فانطلق ابنُ عامر فاستأذن على زياد فأذن له وألطفه. فقال ابنُ عامر: إن شئْت فصُلح بعتاب وإن شئتَ فصُلح بغير عتاب. " قال زياد: بل صُلْحٌ بغيرِ عِتاب " فإنه أسلم للصَّدر. ثم راح زيادٌ إلى مُعاوية فأخبره وأصبح ابنُ عامر غادياً على مُعاوية. فلما دخل عليه قال: مرحباً بأبي عبد الرحمن ها هنا وأجلسه إلى جَنْبه فقال له: يا أبا عبد الرحمن: لنا سياق ولكم سياق قد علمتْ ذلكمُ الرفاق الحسن بنُ أبي الحسن قال: ثَقُل أبو بكرة فأرسل زياد إليه أنسَ بن مالك ليصالحَه ويُكلّمه فانطلقتُ معه. فإذا هو مُول وجهَه إلى الجدار فلما قَعد قال له: كيف تجدك أبا بكرة فقال صالحا كيف أنتَ أبا حَمْزة فقال له أنس: اتق الله أبا بكرة في زياد أخيك فإنّ الحياة يكون فيها ما يكون فأمّا عند فراق الدُّنيا فلَيستغفر الله أحدُ كما لصاحبه فوالله ما علمتُ إنه لوَصول للرَحم هذا عبدُ الرحمن ابنُك على الأبلة وهذا داود على مدينة الرِّزْق وهذا عبدُ الله على فارس كلها. والله ما اعلمه إلا مُجتهداً: قال: أقعدوني. فأقعدوه فقالت: أخبرني ما قلتَ في أخر كلامك فأعاد عليه القولَ. فقال: يا أنس وأهلُ حَروراء قد اجتهدوا فأصابوا أم أخطئوا والله لا أكلمه أبداً ولا يصلي عليّ. فلما رجع أنس إلى زياد أخبره بما قال وقال له: إنه قَبيحٌ أن يموت مثْل أبي بكرة بالبَصرة فلا تُصلّي عليه ولا تقوم على قَبره فاركب دوابّك والحق بالكوفة. قال: ففعل ومات أبو بكرة بالغد عند صلاة الظهر فصلّى عليه أنس بن مالك. وقدم شريح على زياد من الكوفة فقضى بالبَصرة وكان زياد يُجلسه إلى جَنبه ويقول له: إن حكمتُ بشيء ترى غيرَه أقربَ إلى الحق منه فأعْلمنيه. فكان زياد يَحكم فلا يَرُدّ شريحٌ عليه. فيقول زيادٌ لشريح: ما ترى فيقول: هذا الحكم حتى أتاه رجل من الأنصار فقال: إ نّي قدمت البَصرة والخطط موجودة فأردت أن أختطّ لي فقال لي بنو عَمي وقد اختطّوا ونزلوا: أين تخرُج عنا أقم مَعنا واختطّ عندنا فوسّعوا لي فاتخذت فيهم داراً وتزوّجت ثمّ نزع الشيطان بيننا فقالوا لي: اخرُج عنا. فقال زياد: ليس ذلك لكم مَنعتموه أن يَختط والخِطط موجودة وفي أيديكم فضل فأعطيتموه حتى إذا ضاقت الخُطط أخرجتموه وأردتم الإضرار به لا تخرج من منزلك. فقال شريح: يا مُستعير القدر ارددها. قال زياد: يا مستعير القدر أحبسْها ولا تَرْددها. فقال محمد بن سيرين: القضاء بما قال شُريح وقولُ زياد حَسن. وقال زياد: ما غَلبني أميرُ المُؤمنين مُعاوية إلا في واحدة طلبتُ رجلاً فلجأ إليه وتحرم به فكتبتُ إليه: إن هذا فساد لعَملي إذا طلبتُ أحداً لجأ إليك فتحرّم بك. فكتب إلي: إنه لا ينبغي لنا أن نَسوس الناسَ بسياسة واحدة فيكونَ مَقامُنا مقامَ رجل واحد ولكن تكون أنت للشدة والغِلْطة وأكون أنا للرأفة والرحمة فيستريح الناس فيما بيننا. ولما عَزل عمر بن الخطّاب رضي الله عنه زياداً عن كتابة أبي موسى قال له: أعن عجز أم خِيانة قال له: أعن عجز أم خِيانة لا عَن واحدة منهما ولكنّى كرهتُ أن أحمل على العامّة فضلَ عقلك. وكتب الحسنُ بن علي رضي الله عنه إلى زياد في رجل من أهل شِيعته عرض له زياد وحال بينه وبين جميع ما يَملكه وكان عنوان كتابه: من الحَسن بن عليّ إلى زياد. فغضب زيادٌ إذ قَدّم نفسه عليه ولم يَنسبه إلى أبي سفيان فكتب إِليه: من زياد بن أبي سُفيان إلى حسن: أما بعد فإنكَ كتبتَ إليّ فاسق لا يأويه إلا الفُساق وايم الله لأطلبنّه ولو بين جِلدك ولحمك فإِن احبّ لحمٍ إلىّ أن آكلهُ لحمٌ أنتَ منه. فكتب الحسنُ إلى معاوية يشتكي زياداً وادرج كتاب زياد في داخل كتابه. فلما قرأه معاوية أكثر التعجُّب من زياد وكتب إِليه: أما بعد. فإنّ لك رأيين أحدهُما من أبي سفيان والآخر من سُمية فأما الذي من أبى سفيان فحَزم وعَزم وأما الذي من سمية فكما يكون رأيُ مثلها وإنّ الحسن بن علي كتب إلىّ يذكر أنك عرضْت لرجل من أصحابه وقد حجزناه عنك ونُظراءَه فليس لك على واحد منهم سَبيل ولا عليه حكم. وعجبتُ منك حين كتبتَ إلى الحسن لا تَنْسُبه إلى أبيه أفإلى أمه وكلْته لا أم لك وكتب زياد إلى معاوية: إنّ عبدَ الله بن عبَّاسُ يُفسد الناسَ عليّ فإن أذنتَ لي أن أتوعّده فعلتُ. فكتب إليه: إن أبا الفضل وأبا سُفيان كانا في الجاهلية في مِسْلاخ واحد وذلك حِلْف لا يَحلُّه سوءُ رأيك. واستأذن زيادٌ معاويةَ في الحجّ فأذِن له. وبَلغ ذلك أبا بكرة فأقبل حتى دخل على زياد وقد أجلسِ له بَنيه فسلم عليهم ولم يُسلّم على زياد. ثم قال: يا بني أخي إن أباكم رَكب أمراً عظيماً في الإسلام بادعائه إلى أبي سفيان فوالله ما علمتُ سُميةَ بغتْ قط وقد استأذن أميرَ المؤمنين في الحجّ وهو مارٌّ بالمدينة لا محالة وبها أم حَبيبة بنت أبي سفيان زَوجُ النبيّ صلى الله عليه و سلم ولا بُدّ له من الاستئذان عليها فإِن أذنت له فَقَعد منها مَقْعد الأخ من أخته فقد انتهك من رسول الله صلى الله عليه و سلم حرمة عظيمة وإن لم تأذن له فهو عارُ الأبد ثم خرج. فقال له زياد: جَزاك الله خيراً من أخ فما تَدع النصيحةَ على حال. وكتب إلى معاوية يَستقيله فأقاله. وكتب زيادٌ إلى مُعاوية: إني قد أخذتُ العِراق بيميني وبقيتْ شمالي فارغة وهو يعرّض له بالحجاز. فبلغ ذلك عبدَ الله بن عمر رضي الله عنهما فقال: اللهم أكفِنا شماله. فعرضت له قرحة في شماله فقَتلته. ولما بلغ عبدَ الله ابن عمر موتُ زياد قال: اذهب إليك ابنَ سُمية لا يداً رفعت من حرام ولا دنيا تملّيت. قال زياد لعَجلان حاجبه: كيف تأذن للناس قال: على البيوتات ثم على الأنساب ثم على. الآداب. قال: فمن تُؤخِّر قال: من لا يَعبأ الله بهم. قال: ومن هم قال: الذين يَلبسون كُسوة الشتاء في الصيف! وكسوة الصيف في الشتاء. وقال زياد لحاجبه: ولّيتك حِجابتي وعَزَلْتك عن أربع: هذا المُنادي إلى الله في الصلاح والفلاح لا تَعُوجنّه عنّى ولا سُلطان لك عليه وطارق الليل لا تَحْجبه فشرُّ ما جاء به ولو كان خيراً ما جاء في تلك الساعة ورسول صاحب الثغر فإنه إن أبطأ ساعةً أفسد عملَ سنة وصاحب الطعام فإنّ الطعام إذا أعيد تَسْخينه فَسد. وقال عَجلان حاجبُ زياد: صار لي في يوم واحد مائةُ ألف دينار وألف سيف. قيل له: وكيف ذلك قال: أعطىِ زيادٌ ألفَ رجل مائتى ألف دينار وسيفاً فأعطاني كل رجل منهم نصفَ عطائه وسيفه. أخبار الحجاجِ دخل المُغيرة بن شُعبة على زوجته فارعة فوجدها تتخلِّل حين انفلتت من صلاة الغداة فقال لها: إن كنتِ تتخللين من طَعام البارحة فإنك لقذرة وإن كان من طَعام اليوم إنك لنَهمة كنتِ فبِنْت. قالت: والله ما فَرحنا إذ كنّا ولا أَسِفنا إذ بِنّا وما هو بشيء مما ظننتَ ولكنّى استكت فأردت أن أتخلّل للسواك. فندم المغيرة على ما بَدر منه فخرج أسفاً فلقي يوسف بن أبي عَقيل فقال له: هل لك إلى شيء أدعوك إليه قال: وما ذاك قال: إني نزلتُ الساعةَ عن سيِّدة نساء ثَقيف فتزوّجها فإنها تُنجب لك فتزوّجها فولدتْ له الحجاج. ومما رواه عبدُ الله بن مُسلم بن قُتيبة قال: إنّ الحجَّاج بن يوسف كان يُعلّم الصِّبيان بالطائف واسمه كُليب وأبوه يوسف معلّم أيضاً. وفي ذلك يقول مالك بن الرَّيب: فماذا عسى الحجَّاجُ يَبلغ جُهده إذا نحن جاوزنا حفيرَ زيادٍ فلولا بنو مَروان كان ابنُ يوسف كما كان عبداً من عَبيد إياد زمانَ هو العَبد المُقرّ بذُلّة يروح صبيانَ القُرى ويُغادي ثم لحق الحجاجُ بن يوسف برَوْح بن زِنباع وزير عبد الملك بن مَروان فكان في عديد شُرطته إلى أن شكا عبدُ الملك بن مروان ما رأى من انحلال عسكره وأنّ الناسَ لا يَرحلون برَحيله ولا ينزلون بنزوله. فقال رَوْح بن زنْباع: يا أمير المؤمنين إنّ في شُرطتي رجلاً لو قلّده أميرُ المؤمنين أمر عَسكره لأرحلهم برَحيله وأنزلهم بنزوله يقال له الحجّاج بن يوسف. قال: فإِنّا قد قَلدناه ذلك. فكان لا يقدر أحدٌ أن يتخلّف عن الرّحيل والنزول إلا أعوانَ رَوْح بن زنباع. فوقف عليهم يوماً وقد رحل الناسُ وهم على طَعام يأكلون فقال لهم: ما مَنعكم أن تَرْحلوا برحيل أمير المؤمنين فقالوا له: انزل يا بن اللّخناء فكُلْ معنا. فقال: هيهات! ذهب ما هنالك. ثم أمر بهم فجُلدوا بالسّياط وطوفهم في العسكر. وأمر بفَساطيط رَوْح بن زنباع فأحرقت بالنار. فدخل روحُ بن زنباع على عبد الملك بن مروان باكياً. فقال له: مالك فقال: يا أمير المؤمنين الحجّاج بن يوسف الذي كان في عديد شُرطتي ضَرب عَبيدي وأحرق فَساطيطي. قال: عليّ به. فلما دخل عليه قال: ما حملك على ما فعلتَ قال: ما أنا فعلتُه يا أمير المؤمنين قال: ومَن فعله قال: أنت والله فعلته إنما يدي يدُك وسَوطي سوطُك وما على أمير المؤمنين أن يُخْلف على رَوْح بن زنباع للفُسطاط فُسطاطين وللغُلام غلامين ولا يَكْسرني فيما قَدّمني له. فأخْلف لرَوْح بن زنْباع ما ذَهب له وتقدّم الحجاجُ في منزلته. وكان ذلك أولَ ما عرف من كفايته. قال أبو الحسن المدائني: كانت أم الحجاج الفارعة بنت هبّار قال: وكان الحجّاج بن يوسف يَضع في كُل يوم ألف خِوان في رمضان وفي سائر الأيام خَمسَمائة خوان على كل خِوان عشرةَ أنفس وعشرة ألوان وسَمكة مَشويّة طريّة وأرزة بسكر وكان يُحمل في مِحفّة ويُدار به على موائده يتفقّدها فإِذا رأى أرزة ليس عليها سُكر وسعى الخباز ليجيء بسُكرها فأبطأ حتى أكلت الأرزة بلا سُكر أمر به فضرُب مائتي سوط. فكانوا بعد ذلك لا يَمشون إلا متأبطي خرائط السكر. قال: وكان يوسف بن عمر والي العراق في أيام هشام بن عبد الملك يَضع خمسمائة خِوان فكان طعام الحجّاج لأهل الشام خاصّة وطعام يُوسف بن عمر لمن حضره فكان عند الناس أحمد. العُتبيّ قال: دخل على الحجّاج سُليك بن سُلَكة فقال: أصلح الله الأمير أعِرْني سمعك واغضُض عنّي بصرك واكفُف عني غَربك فإِن سمعتَ خطأ أو زللا فدونَك والعُقوبة. فقال: قُل فقال: عَصى عاصٍ من عُرض العَشيرة فحُلّق على اسمي وهُدمت داري وحُرمت عطائي. قال: هيهات! أما سمعت قول الشاعر: جانيك من يَجني عليك وقد تَعدِي الصحاحَ مباركُ الجُربِ ولربّ مأخوذٍ بذنبِ عشيرةٍ ونَجا المُقارف صاحبُ الذنب قال: أصلح الله الأمير فإِني سمعت الله قال غير هذا. قال: وما ذاك قال: قال: " قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ . قال معاذ الله أن نأخُذ إلا مَنْ وجدْنا مَتاعَنا عِنده إنّا إذاً لظالمون ". فقال الحجاج: عليّ بزيد بن أبي مُسلم فأتي به فمثَل بين يديه فقال: افكُك لهذا عن اسمه واصكك له بعطائه وابنِ له منزلَه ومُر مُناديا ينادِ في الناس: صَدَق الله وكَذب الشاعر. أُتي الحجاجُ بامرأة عبد الرحمن بن الأشعث بعد دَير الجماجم فقال لَحرْسى: قُل لها: يا عدوة الله أين مالُ الله الذي جَعلته تحت ذَيلك فقال: يا عدوة الله أين مالُ الله الذي جعلته تحت استك فقال له: كذبتَ ما هكذا قلتُ أرسلها فخلى عنها. الأصمعي قال: ماتت رُفقة عَطَشاً بالشجِي - والشَّجِي: رَبو من الأرض في بطنَ فلج - فَشَجِيَ به الوادي فسُمِّى شج - فقال الحجاج: إني أراهم قد تضرَّعوا إذا نَزل بهم الموت فاحفروا في مكانهم فحفروا. فأمر الحجّاج رجلا يقال له عضيدة يحفر البئر فلما أنبطها حمل منها قِربتين إلى الحجاج بأواسط فلما قدم بهما عليه. قال: يا عديدة لقد تجاوزت مياهاً عذاباً أخسف أم أشلت لا واحدَ منهما ولكنْ نَبَطا بين الماءين. قال: وكيف يكون قَدره قال: مرّت بنا رًفقة فيها خمسة وعشرون جملاً فَرويت الإبل وأهلها. قال: أو لِلإبل حَفرتها إنما حفرتَها للناس! إن الإبل ضُمْر خُسْف ما جُشّمت تجشّمتْ. بعث عبدُ الملك بن مَروان الحجَّاج بن يوسف والياً على العراق وأَمره أن يَحْشر الناسَ إلى المهلَّب في حَرب الأزارقة. فلما أتى الكُوفة صَعِد المِنبَر مُتلثّماً متنكِّبا قوسَه فجلس واضعاً إِبهامه على فيه. فنظر محمدُ بن عُمير بن عُطارد التميمي فقال: لَعن الله هذا ولَعن مَن أرسله إلينا! أرسل غلاماً لا يستطيع أن يَنطق عِيَّاً! وأخذ حصاةً بيده لِيَحْصبه بها. فقال له جليسُه: لا تَعجل حتى ننظر ما يَصنع فقام الحجاج فكشف لِثامَه عن وجهه وقال: أنا ابنُ جلاَ وطَلاَّع الثَنايا متى أضع العِمامةَ تَعْرفوني صليبُ العُود مِن سَلَفْي نِزار كنَصل السيفِ وضّاح الجَبَين أخو خَمْسين مجتمعٌ أشدِّي ونَجَّذني مداورة الشؤون أما والله إني لأحملُ الشرَّ بثِقْله وأحذوه بنَعله وأجزيه بمثله أما والله إني لأرى رؤسا قد أَينعت وحان قِطافها وكأني أرى الدماء تبق العمائم واللِّحى لترقرق هذا أوانً الشدِّ فاشتدّي زيمْ قد لفّها الليلُ بسواق حُطَمْ ليس براعي إبلٍ ولا غَنم ولا بجزَار على ظَهر وَصَمْ ألا إنّ أميرَ المؤمنين عبدَ الملك بن مروان كَبَّ كنانته فعجَم عيدانَها فوجدني أصلبهاعوداً. فوجّهني إليكم فإنكم طالما سَعيتم في الضَّلالة وسَننتم سُنن البَغي. أما والله لألحونَّكم لحوَ العصا ولأعصَبنّكم عصْب السِّلمة ولأقرعنَّكم قَرْع المَرْوة ولأضربنَّكم ضَرْب غَرائب الإبل. والله ما أخْلُق إلا فَريت ولا أعد إلا وفّيت. إني والله لا أغمز تَغمازَ التّين ولا يُقعقع لي بالشِّنان. إياي وهذه الزرافات والجماعات وقيل وقال وما يقول وفيم أنتم ونحو هذا. من وجدتُه بعد ثالثة من بعث المُهلَّب ضربت عنقه. ثم قال: يا غلام اقرأ عليهم كتابَ أمير المؤمنين فقرأ عليهم: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الملك بن مروان إلى مَن بالكوفة من المسلمين. سلامٌ عليكم. فلم يقُل أحد شيئاً. فقال الحجاج: اسكت يا غلام هذا أدب ابن نِهّية والله لأؤدّبنهم غير هذا الأدب أو ليستقيمُنّ. اقرأ يا غلام كتابَ أمير المؤمنين. فلما بلغ قولَه: سلام عليكم لم يبقَ أحد في المسجد إلا قال: وعلى أمير المؤمنين السلام. ثم نزل فأتاه عُمير بن ضابيء فقال: أيها الأمير إنّي شيخ كبير عليل وهذا ابني أقوَى على الغَزْو منّي. قال: أجيزُوا ابنَه عنه فإن الحدَثَُ أحبُّ إلينا من الشيخِ. فلما وَلّى الرجلً قال له عنبسةُ بن سَعيد. أيها الأمير هذا الذي رَكض عثمان برجله وهو مَقتول. فقال: رُدُّوا الشيخ فردُّوه فقال: أضربوا عُنقه. فقال فيه الشاعر. تجهَّزْ فإمّا أن تزور ابنَ ضابىء عُمَيراً وإمّا أن تَزور المهلَّبَا هما خُطَّتا خَسْفٍ نجاؤك منهما ركوبُك حَوْليا من الثَّلْج أَشهبا أريده دائم العُبوس طويلَ الجلوس سمينَ الأمانة أعجفَ الخِيانة لا يَحْنق في الحق على حُرّ أو حُرة يَهون عليه سؤال الأشراف في الشَفاعة. فقيل له: عليك بعبد الرحمن بن عُبيد التّميمي. فأرسل إليه فاستعمله: فقال له: لستُ أقبلها إلا أن تكفيَنِي عمالَك وولدَك وحاشيَتك. فقال الحجاج: يا غلام نادِ: مَن طَلب إليه منهم حاجةَ فقد برئتْ الذمةُ منه. قال الشعبيُّ: فوالله ما رأيتُ قطُّ صاحب شرطة مثلَه كان لا يَحبس إلا في دَيْن وكان إذا أتي برجل نَقب على قوم وَضع مِنْقبته في بَطنه حتى تَخرج من ظهره وكان إذا أُتي برِجل نَبّاش حَفر له قبراً ودَفنه فيه حيّاً وإذا أتي برجل قاتل بحديدة أو شَهر سلاحاً قَطع يَده فربما أقام أربعين يوماً لا يُؤتى إليه بأحد. فضمّ الحجاجُ إليه شرُطة البَصرة معِ شرُطة الكوفة. ولما قَدِم عبد الملك بنُ مروان المدينة نزل دارَ مروان فمرّ الحجّاجُ بخالد ابنِ يزيد بن معاوية وهو جالس في المسجد وعلى الحجّاج سيف محلَّى وهو يَخطِر مُتبختراً. في المسجد. فقال رجل من قُريش لخالد: من هذا التّختارة فقال بخ بخ! هذا عمرُو بن العاص! فسمعه الحجاجُ فمال إليه فقال: قلتَ: هذا عمرو بن العاص! والله ما سرّني أن العاص وَلدني ولا ولدتُه ولكن إن شئتَ أخبرتُك من أنا: أنا ابنُ الأشياخ من ثَقيف والعقائل من قُريش والذي ضَرب مائة بسيفه هذا كلهم يَشهدون على أبيك بالكفر وشُرب الخمر حتى أقرُّوا أنه خليفة. ثم ولّى وهو الأصمعي قال: بعث الحجاجُ إلى يحيى بن يَعْمرً فقال له: أنت الذي تقول إنّ الحسنَ بن على ابنُ رسول الله ﷺ والله لتأتينّي بالمخرج أو لأضربنّ عُنقك. فقالت له: فإن أتيت بالمخرِج فأنا آمن قال: نعم. قال له: اقرأ: " وتلْك حُجتنا آتيناها إبراهيمَ على قَوْمه نرْفع درجاتٍ مَن نَشاء " إلى قوله " ومِن ذُرّيته داودَ وسُليمانَ وأيوبَ ويُوسفَ ومُوسى وهاَرون وكذلك نَجْزي المُحْسنين. وزَكريّا ويَحيى وعِيسى " فمن أقربُ: عيسى إلى إبراهيم وإنما هو ابنه بنته أو الحسن إلى محمد قال الحجاج: فوالله لكأني ما قرأتُ هذه الآية قط وولاّه قضاءَ بلد. فلم يزل بها قاضياً حتىِ مات. قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: كان عبدُ الملك بنُ مَروان سِنان قُريش وسيفَها رأياً وحزماً وعابدَها قبل أن يُستخلفَ ورعاً وزُهداً فجلس يوماً في خاصّته فقَبض على لِحيته فشمَّها مليا ثم اجتر نَفسَه ونَفخ نفخةً أطالها ثم نَظر وُجوه القوم فقال: ما أطول يومَ المسألة عن ابن أمِ الحجّاج وأدحضَ المحتجّ على العليم بما طَوته الحُجب. أما إنّ تَمليكي له قرَن بي لوعةً يَحشّها التّذكار. كيف وقد علمتُ فتعاميتُ وسمعتُ فتصاممت وحَمله الكرامُ الكاتبون. والله لكأني إلفُ ذي الضِّغن على نَفْسي وقد نَعتِ الأيامُ بتصرّفها أنفساً حُق لها الوعيد بتصرّم الدُّول. وما أبقت الشًّبهة للباقي متعلَقاً وما هو إلا الغِلّ الكامن من النَّفس بحَوْبائها والغَيْظ المُندمل. اللهم أنت لي أوسع غيرَ مُنتصر ولا مُعتذر. يا كاتب بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عبد الملك بن مَروان إلى الحجَّاج بن يوسف: أما بعد. فقد أصبحتُ بأمرك بَرِماً يُقعدني الإشفاقُ ويُقيمني الرجاء وإذا عجزتُ في دار السعة وتوسًّط الملك وحين المَهل واجتماع الفكر أن ألتمسالعُذرَ في أمرك فأنا لعمرُ اللهّ في دار الجَزاء وعَدَم السلطان واشتغال الحامّة والرُّكون إلى الذِّلة من نفسي والتوقّع لما طُويت عليْة الصحفُ أعجز. وقد كنتُ أشركتُك فيما طوقني الله عزَ وجل حملَه ولاثَ بحَقْويّ من أمانته في هذا الخلق المَرْعيّ فدُللتُ منك على الحزم والجِدّ في إماتة بِدعَة وإنعاش سُنّة فقعدتَ عن تلك ونهضتَ بما عاندَها حتى صِرْت حُجة الغائب والشاهدِ القائم وعُذّر اللاعنِ. فلعن الله أبا عَقيل وما نَجل فالأم والد وأخبث نَسل. فَلعمري ما ظَلمكم الزِّمان ولا قَعدت بكم المراتب. لقد ألْبسْتكم مَلبسكم وأقعدتكم على رَوابي خططكم وأحلّتكم أعلى مَنَعتكم فمن حافر وناقل وماتِح للقُلُب المُقْعَدة في الفيافي المتفيهقة ما تقدَّم فيكم الإسلام ولقد تأخّرتم وما الطائف منّا ببعيد يُجهل أهلهُ. ثم قمتَ بنفسك وطمحتَ بهمَتك. وسرّك انتضاءُ سَيفك فاستخرجك أميرُ المؤمنين من أعوان رَوْح ابن زِنباع وشُرطته وأنت على معاونته يومئذ مَحسود فهفا أميرُ المؤمنين والله يُصبح بالتوبة والغفران زلّته وكأني بك وكأنَ ما لو لم يكن لكان خيراً مما كان. كل ذلك مِن تجاسرك وتَحاملك على المُخالفة لرأي أمير المؤمنين. فصدعْتَ صفاتَنا وهَتكت حُجبنا وبَسطت يديك تحقِن بهما من كرائم ذوي الحقوق اللازمة والأرحام الواشجة في أوعية ثَقيف. فاستغفر الله لذَنْب ما له عُذر. فلئن استقال أميرُ المؤمنين فيك الرأيَ فقلد جالت البصيرةُ في ثَقيف بصالح النبيّ صلى الله عليه و سلم إذ ائتمنه على الصدقات وكان عبدَه فهرب بها عنه وما هو إلا اختبار الثّقة والتلطًّف لمواضع الكفاية فقعد به الرجاءُ كما قَعد بأمير المؤمنين فيما نصبك له. فكأنّ هذا أَلبس أميرَ المؤمنين ثوبَ العزاء ونهض بعُذره إلى استنشاق نَسيم الرّوْح. فاعتزِلْ عمل أمير المُؤمنين واظعن عنه باللَّعنة اللازمة والعُقوبة الناهكة إن شاء الله إذ استحكم لأمير المُؤمنين ما يُحاول من رَأيه والسلام. ودعا عبدُ الملك مولى يقال له نُباتة له لسان وفَضْل رأي فناوله الكتابَ ثم قال له: يا نُباتة العَجلَ ثم العجلَ حتى تأتَي العراق فضَع هذا الكتاب في يد الحجاج وترقّب ما يكون منه فإن اجبَل عند قراءته واستيعاب ما فيه فاقْلعه عن عمله وانقلع معه حتى تأتي به وهَدِّن الناسَ حتى يأتيهم أمري بما تَصفني به في حين انقلاعك من حُبِّي لهم السلامة. وإن هَشَّ للجواب ولم تَكْتنفه أربة الحَيرة فخُذ منه ما يُجيب به وأفْرِزه على عمله ثم اعجَل عليّ بجوابه. قال نُباتة: فخرجتُ قاصداً إلى العراق فضمّتني الصّحارى والفيافي واحتواني القُرّ وأخذ مِنّي السفرُ حتى وصلتُ. فلما وردتُه أدخلت عليه في يوم ما يَحْضُره فيه المَلأ وعليّ شحوبُ مُضْنَى وقد توسّط خدمَه من نواحي وتدثّر بِمطْرَف خَزّ أدكن ولاثَ به الناسُ من بني قائمٍ وقاعد. فلما نظر إليَّ وكان لي عارفاً قعد ثم تبسّم تبسّم الوَجِل ثم قال: أهلاً بك يا نُباتة أهلا بمولى أمير المُؤمنين لقد أثرّ فيك سفرُك وأعرف أميرَ المؤمنين بك ضنيناً فليتَ شعرِي ما دَهِمَك أو دَهِمَني عنده. قال: فسلّمتُ وقعدتً. فسأل: ما حالُ أميرِ المُؤمنين وخوَله فلما هَدأ أخرجت له الكتاب فناولتُه إياه. فأخذه منّي مُسرعاً ويدُه تُرْعَد ثم نظر في وُجوه الناس فما شعرتُ إلا وأنا معه ليس معنا ثالث وصار كُلُّ من يُطيف به من خَدمه تَلْقاه جانباً لا يسمعون منّا الصوت. ففكّ الكتابَ فقرأه وجعلَ يتثاءب وُيردد تثاؤبه ويسير العرقُ على جَبينه وصُدْغيه على شدّة البرد من تحت قَلَنْسوته من شدّة الفَرق وعلى رأسه عِمامةُ خزّ خضراء وجعل يَشخص إليّ ببصر ساعةً كالمتوهِّم ثم يعود إلى قراءة الكتابَ ويُلاحظني النظرِ كالمُتفهم إلا أنه واجم ثم يعاود الكتابَ وإنّي لأقول: ما أراه يُثبت حروفه من شدّة اضطراب يده حتى استقصى قراءته. ثم مالت يدُه حتى وقع الكتابُ على الفراش ورَجع إليه ذهنُه فمسح العرق عن جَبينه ثم قال متمثّلا: وإذا المنيَّةُ أنشبت أظفارَها ألفيتَ كُلّ تَميمةٍ لا تَنْفَعُ ثم قال: قَبُح والله منّا الحسنُ يا نُباتة وتَواكلتنا عند أمير المؤمنين الألسن. وما هذا إلا سانح فكْرة نَمَّقها مُرصِد يَكْلَب بقِصَّتنا مع حُسن رأي أمير المؤمنين فينا. يا غلام. فتبادر الغِلمان الصَّيحةَ فملئ علينا منهم المجلس حتى دَفأتني منهم الأنفاس. قال: الدّواةَ والقرطاس. فأتي بالدواة والقرطاس فكتب بيده: وما رَفع القلم إلا مُستمدّاً حتى سَطَّر مثل خدِّ الفرس. فلما فَرغِ قال لي: يا نُباتة هل علمتَ ما جئت به فنُسمعك ما كتبنا فقلت: لا. قال: إذا حَسْبك منَّا مثلُه. ثم ناولني الجوابَ وأمر لي بجائزة فأجزل وجَرد لي كِساء ودَعا لي بطَعام فأكَلتُ ثم قال نَكِلك إلى ما أمرت به من عَجلة أو تَوانٍ وإنّي لأحب مُقارنتك والأنس برُؤيتك. فقلتُ: كان معي قُفْلٌ مفتاحُه عندك وفمتاح قُفلك عندي فأُحدثت لك العافية بأمرين: فأقفلتَ المَكروه وفتحت العافية وما ساءني ذلك وما أحب أن أزيدك بياناً وحسبُك من استعجالي القيام. ثمٍ نهضتُ وقام مُودِّعاً لي فالتزمني وقال: بأبي أنت وأمي رُبّ لَفظة مَسْموعة ومحتقر نافعِ فكُن كما أظُن. فخرجتُ مُستقبلاً وَجهي حتى وردتُ أميرَ المؤمنين فوجدتُه مُنصرفاً من صلاة العصر فلما رآني قال: ما احتواك المضجَع يا نُباتة! قفلتُ: مَن خاف من وجه الصَّباح أدْلج فسلّمت وانتبذتُ عنه.