الرئيسيةبحث

العقد الفريد/الجزء الرابع/17

فقال جرير في ذلك يذكر يوم ذي طُلوح: ولمّا لَقِيتا خيلَ أبجرَ يَدّعي بدَعْوى لُجيم غير مِيل العوَاتِقِ صبَرنا وكان الصبر منّا سَجِيّةً بأسيافنا تحت الظِّلال الخَوافق فلما رَأوا أن لا هوادةَ عِنْدنا دَعَوْا بعد كَربٍ يا عَمِيرَ بن طارق يوم الحائر وهو يوم مَلْهَم. لبني يربوع على بكر وذلك أن أبا مُليلِ عبد الله بن الحارث بن عاصم بن حُميد وعَلْقمة أخاه انطلقا يطلبان إبلاً لهما حتى وردا مَلهم من أرض اليمامة. فخرج عليهما نَفر من بني يَشْكر فقتلوا علقمة وأخذوا أبا مليل. فكان عندَهم ما شاء الله ثم خلّوا سبيلَه وأخذوا عليه عهداً وميثاقاً أن لا يُخبر بأمر أخيه أحداً. فأتى قومَه فسألوه عن أمر أخيه فلم يخبرهم. فقال وَبَرة بن حمزة: هذا رجل قد أخذ عليه عَهد وميثاق. فخرجوا يَقُصّون أثرَه ورئيسُهم شِهاب بن عبد القيس حتى وردوا مَلْهم. فلما رآهم أهل مَلْهم تحصنوا. فحرقت بنو يَربوع بعضَ زرعهم وَعقروا بعضَ نَخلهم. فلما رأى ذلك القوم نزلوا إليهم فقاتلوهم فهُزمت بنو يشكر وقُتل عمرو بن صابر صَبْراً ضَربوا عُنقه وقَتل عُتَيبة بن الحارث بن شهاب مُثَلّم بن عبيد بن عمرو رجلاً آخر منهم وقتل مالكُ بن نويرة حُمرانَ بن عبد الله وقال: طَلبنا بيوم مثل يومك عَلْقمَا لَعمري لمَن يَسعى بها كان أَكرَما قَتلنا بجَنْب اَلعِرْض عمرَو بن صابر وحُمْران أَقْصدناهما والمُثلَّما يوم القحقح وهو يوم مالة. لبني يربوع على بني بكر أغارت بنو أبي ربيعة بن ذُهل بن شَيبان على بني يربوع ورئيسهم المَجَبَّةُ ابن أبي ربيعة بن ذُهل فأخذوا إبلاً لعاصم بن قُرط أحد بن عُبيد وانطلقوا. فطلبهم بنو يربوع فناوشوهم فكانت الدائرة على بني أبي ربيعة. وقَتل المِنْهالُ بن عِصْمة المَجَبّة بن أبن ربيعة. فقال في ذلك ابن نِمْران الرّياحيّ: وإذا لقيتَ القومَ فاطعَن فيهم يومَ اللِّقاء كطَعنة المِنْهالِ تَرك المَجَبَّةَ للضِّباع مُنكَّساً والقومُ بين سَوافلٍ وعَوالي يوم رأس العين لبني يربوع على بكر أغارت طوائفُ من بني يربوع على بني أبي رَبيعة برأس العَيْن فاطردوا النَعم. فاتبعهم مُعاوية بنِ فِراس في بني أبي ربيعة فأدركوهم فقُتل معاويةُ ابن فِرَاس وفاتوا بالإبل. وقال سحُيم في ذلك: همُ قَتلوا المَجَبَّة وابنَ تَيم تَنوح عليهما سُود اللَّيالي وهُم قَتلوا عَميد بني فِراس برأس العَين في الحِجَج الخَوالي وذاد يومَ طِخْفة عن حِماهم ذِيادَ غَرائبِ الإبل النَهال يوم العظالي لبني يربوع على بكر قال أبو عُبيدة: وهو يوم أعشاش ويوم الأفاقة ويوم الإياد ويوم مُليحة. قال: وكانت بكر بن وائل تحت يدِ كسرى وفارس وكانوا يُجيرونهم ويُجهزونهم فأقبلوا من عند عامل عَين التَمر في ثلاثمائة فارس مُتساندين يتوقعون انحدار بني يربوع في الحَزن وكانوا يَشْتُون خُفافاً فإذا انقَطع الشتاء انحدروا إلى الحَزْن. قال: فاحتمل بنو عُتيبَة وبنو عُبيد وبنو زُبيد من بني سَليط من أول الحيّ حتى أَسْهلوا ببطن مُليحة فطَلعت بنو زُبيد في الحَزن حتى حَلّوا الحُدَيقة والأفاقة وحلت بنو عُتيبة وبنو عُبيد بعَين بروضة الثّمَد. قال: وأقبل الجيشُ حتى نزلوا هَضْبة الخَصيّ ثم بَعثوا رئيسَهم. فصادفوا غلاماً شاباً من بني عُبيد يقال له: قُرط بن أَضبط فعرفه بِسْطام وقد كان عرف عامة غلمان بني ثَعلبة حين أسره عُتيبة - قال: وقال سَلِيط: بل هو المُطَوًح بن قِرواش - فقال له بسطام: أخبرني ما ذاك السواد الذي أرى بالحُديقة قال: همٍ بنو زُبيد. قال: أفيهم أَسِيد بن حِنَاءة قال: نعم كم هُم قال: خمسون بيتاً قال: فأين بنو عتيبة وأين بنو أَزْنم قال: نَزَلوا رَوْضة الثمَد. قال: فأين سائر الناس قال: هم مُحتجزون بخُفاف. قال: فمن هُناك من بني عاصم قال: الأحيمر وقَعنب: ومَعْدان ابنا عِصْمة. قال: فمن فيهم من بني الحارث بن عاصم قال: حُصَين ابن عبد اللهّ. فقال بِسطام لقومه: أَطيعوني تَقْبضوا على هذا الحيّ من بني زُبيد وتُصبحوا سالمين غانمين. قالوا: وما يُغني عنا زُبيد لا يَردون رِحْلتنا. قال: إن السلامة إحدى الغَنيمتين. فقال له مفْروق: انتفخ سَحْرك يا أبا الصَهباء. وقال له هانئ: أَجُبْناً! فقال لهم: ويلكم إن أَسيداً لم يُظِله بيت قطُّ شاتياً ولا قائِظاً إنما بيته القفر فإذا أحسَ بكم أحال على الشقراء فَركض حتى يُشرف على مليحة فينادي: يا ليربوع فتركب فيلقاكم طَعن يُنسيكم الغنيمة ولا يبصر أحدُكم مصرعَ صاحبه وقد جَبّنْتُموني وأنا أتابعكم وقد أَخبرتُكم ما أنتم لاقون غداً. فقالوا: نَلتقط بني زُبيد ثم نَلتقط بني عُبيد وبني عُتيبة كما تلتقط الكَمْأة ونبعث فارسين فيكونان بطريقِ أَسيد فيحولان بينه وبين يَرْبوع ففعلوا. فلما أحسّ بهم أَسيد رَكِب الشّقراء ثم خرج نحو بني يَربوع. فابتدره الفارسان فطعن أحدَهما فألقى نفسه في شِق فأخطاه ثم كَر راجعاً حتى أشرف على مُليحة فنادى: يا صباحاه ياليربوع غُشِيتم. فتلاحقت الخَيلُ حتى توافوا بالعُظَالي فاقتتلوِا فكانت الدائرة على بنى بكر قُتل منهم: مَفروق بن عمرو فدُفن بثَنيّة يقال لها ثِنية مَفْروق والمقاعس الشَيباني وزُهير بن الحزوَر الشَيباني وعمور بن الحَزَور الشيباني والهَيْش بن المِقعاس وعُمير بن الوَدّاك والضريس. وأمّا بِسْطام فألح عليه فارسان من بني يَربوع وكان دارعاً على ذات النُّسوع وكانتا إذا أَجدَت لم يتعلّق بها شيء من خيلهم وإذا أَوعثت كادوا يَلْحقونها فلما رأى ثِقل دِرْعة وَضعها بين يديه على القَربُوس وكَرِه أن يَرْمي بها وخاف أن يُلحق في الوَعث فلم يزل ديدَنُه وديدنُ طالبيه حتى حَمِيت الشمسُ وخاف اللِّحاق فمرّ بو جار ضَبُع فرمى الدِّرع فيه فمدَّ بعضها بعضاً حتى غابت في الوِجار. فلمّا خفف عن الفرس نَشِطت ففاتت الطَّلب وكان أخر مَن أتى قومَه وكان قد رَجع إلى دِرعه لمَّا رجع عنه القومُ فأخذها. فقال العوَّام بن شَوْذب الشيباني في بِسْطام وأصحابه: إنْ يك في يوم الغَبِيط مَلامَة فيومُ العُظالي كان أَخزَى وأَلْوما أناخُوا يريدون الصَّباح فصَبَّحوا وكانوا على الغازين دَعْوة أَشْأَما فررتُم ولم تُلووا على مُجْحِريكم لو الحارث الحَرّاب يدْعى لأَقْدَما ولو أنّ بِسْطاماً أُطيع لأمره لأدّى إلى الأحياء بالحِنْو مَغْنما وأَيقن أنَّ الخيلَ إنْ تَلْتبس به يَعُد غانماً أو يَملأ البيت مأتما ولو أنها عُصفورة لحسبها مُسوَّمة تدعو عُبَيْداً وأَزْنَما أبَى لك قَيد بالغِبِيط لقاءهم ويومُ العُظالي إن فخرِتَ مُكلَّما فأفلتَ بسطام جَريضاً بنَفسه وغادَر في كَرْشاء لَدْناً مُقوَّما وفاظ أسيراً هانئ وكأنّما مَفارِقُ مَفْروقِ تَغشَّين عَنْدَما قال: ثم إن هانئاً فَدَى نفسَه وأَسرى قومِه فقال العوًّام في ذلك: إنِّ الفَتى هانئاً لاقَى يشكّته ولم يَخم عن قِتال القوم إذ نَزَلا ثمت سارَع في الأَسْرى فَفكَّهُم حامِىَ الذّمار حقيق بالذي فَعلا يوم الغبيط لبني يربوع على بني بكر قال أبو عُبيدة: يقال لهذا اليوم: يوم الغبيط ويوم الثَّعالب. والثعالب: أسماء قبائل اجتمعت فيه ويقال له يوم صَحْراء فَلْج وقال أبو عُبيدة: حدَّثني سَليط بن سَعْد وزَبَّان الصُّبيري وجَهْم بن حسان السَلِيطيّ قالوا: غزا بِسْطام بن قَيس ومَفْروق بن عَمرو والحارث بن شَريك وهو الحَوفْزان بلادَ بني تميم - وهذا اليومُ قبلَ يوم العُظالي - فأغاروا على بني ثَعلبة بن يَرْبوع وثعلبة بن سَعد بن ضبة وثعلبة بن عديّ بن فزارة وثعلبة بن سعد بن ذُبيان. فلذلك قيل له يوم الثَّعالب وكان هؤلاء جميعاً مُتجاورين بصَحراء فَلج فاقتتلوا فانهزمت الثعالبُ فأصابوا فيهم واستاقوا إبلاً من نَعمهم. ولم يَشهد عُتيبةُ بن الحارث بن شهاب هذه الوَقْعَة لأنه كان نازلاً يومئذ في بني مالك بن حَنظلة ثم امتَرُّوا على بني مالك وهم بين صحراء فَلج وبين الغَبِيط فاكتسحوا إبلَهم. فركبتْ عليهم بنو مالك فيهم عتيبة بن الحارث بن شِهاب ومعه فَرسان من بني يَربوع تَأثّفهُم - أي صاروا لهم مثل الأثافي للرَماد - وتألّف إليهم الأحيمر بن عَبد الله والأسيد بن حِنَّاءةَ وأبو مَرْحب وجَزْء ابن سعد الرِّياحي وهو رئيس بني يَربوع وربيع والحلَيس وعُمارة بنو عُتيبة ابن الحارث ومَعْدان وعِصْمة ابنا قعنب ومالك بن نُويرة والمِنْهال بن عِصْمة أحد بني رِياح بن يَربوع وهو الذي يقول فيه مُتمَم بن نويرة في شعره الذي يَرثي فيه مالكاً أخاه: لقد غَيّب المنهالُ تحت لِوائه فتى غير مِبْطان العَشِيِّة أَرْوعَا فأدركوهم بغَبيط المَدَرة فقاتلوهم حتى هَزَموهم وأدركوا ما كانوا استاقوا من أموالهم. وألحّ عُتيبة وأَسيد والأحيمر على بسطام. فلحقه عُتيبة فقال: أَسْتَأَسِرْ لي يا أبا الصَهباء. فقال: ومَن أنت قال: أنا عُتيبة وأنا خيرٌ لك من الفَلاة والعَطش. فأسره عُتيبة ونادى القومُ بِجَادَا أخا بسطام: كُرَّ على أخيك وهم يرجون أنْ يأْسروه. فناداه بِسْطام: إن كَرَرت فأنا حَنيف وكان بِسْطام نَصْرانيَّاً فلحق بِجَاد بقومه. فلم يزل بسطام عند عُتيبة حتى فادى نَفْسه. قال أبو عُبيدة: فزعم أبو عمرو بن العلاء أنه فَدى نَفسَه بِأربعمائة بَعير وثلاثين فرساً - ولم يكن عَرِبيُ عكاظي أعلى. فداءً منه - على أنْ جَزَ ناصيته وعاهده أنْ لا يَغْزو بني شِهاب أبداً. فقال عُتيبة بن الحارث بني شِهاب: أبْلغ سَرِاة بني شَيْبان مالُكةً أَنَي أبأتُ بعبد الله بِسْطاما قاظ الشَرَبَّة في قَيْد وسِلْسلة صوت الحديد يُغنِّيه إذا قاما يوم مخطط لبني يربوع على بكر قال أبو عُبيدة غزا بِسْطام بن قيس والحَوْفزان وهو الحارث مُتساندين يقودان بكر بن وائل حتى وَردوا على بني يَرْبوع بالفِردَوْس وهو بَطْن لإياد وبينه وبين مُخطّط ليلة وقد نذرتْ بهم ينو يَربوع فالتقوا بالمُخطّط فاقتتلوا. فانهزمت بكرُ بن وائل وهَربَ الحَوفزان وبِسطام ففاتا رَكْضاً. وقُتل شريكُ ابن الحوفزان قَتله شِهابُ بن الحارث أخو عُتيبة وأسر الأحيمرُ بن عبد الله ابن الضُّريس الشَيباني. فقال في ذلك مالكُ بن نويرة ولم يَشهد هذا اليوم: إلا أكُن لاقيتُ يومَ مخطّط فقد خبَر الرُّكبان ما أَتودّدُ بأفناء حَيّ مِن قبائل مالك وعَمرو بن يَربوع أقاموا فأَخْلدوا فقال الرئيسُ الحَوفزان تَبَينوا بني الحِصْن قد شارفتُم ثم حَردوا فما فَتِئوا حتى رَأَوْنا كأنّنا مع الصُبح آذي من البَحر مُزيد بمَلْمومة شَهْباء يُبرق جالُها ترى الشمس فيها حين دَارتْ تَوَقد فما برحوا حتَى عَلَتْهم كتائب إذا طُعنت فرسانُها لا تُعَرد صَريعٌ عليه الطير ُيَحْجِل فوقَه وآخرُ مَكبُول اليَدين مُقَيد وكان لهم في أَهْلهم ونسائهم مبيت ولم يَدْرُوا بما يحدث الغَد وقد كان لابن الحَوفزان لو انتهى شَريكٌ وبِسطام عن الشر مَقْعد يوم جدود غزا الحوفزان وهو الحارث بن شريك فأغار على مَن بالقاعة من بني سَعد بن زَيد مناة فأخذ نَعَماً كثيراً وسَبى فيهنّ الزَّرقاء من بني ربيع بن الحارث فأعجب بها وأعجبت به وكانت خَرقاء فلم يتَمالك أن وَقع بها. فلما انتهى إلى جَدود مَنعتهمّ بنو يربوع بن حَنظلة أن يَرِدُوا الماء ورئيسُهم عُتيبة ابن الحارث بن شهاب فقاتلوهم. فلم يكن لبني بكر بهم يد فصالحوهم على أن يُعطوا بني يربوع بعضَ غنائمهم على أن يُخلوهم يَردوا الماء فقَبِلوا ذلك وأجازوهم. فبلغ ذلك بني سَعد فقال قيسُ بن عاصم في ذلك: جَزَى الله يَرْبوعاً بأسوأ سَعْيها إذا ذُكرت في النّائبات أمورُها ويوم حَدُود قد فَضَحتم أباكمُ وسالمتُم والخيلُ تَدْمى نُحورُها فأجابه مالك: ولما أتى الصريخ بني سعد رَكب قيسُ بن عاصم في إثر القوم حتى أدْركهم بالأشْيمَينْ فألحّ قيسٌ على الحَوْفزان وقد حمل الزرقاء. وكان الحَوْفزان قد خرج في طَليعة فلقيه قيس بنُ عاصم فسأله: مَن هو فقال: لا تَكاتُم اليوم أنا الحَوْفزان فمن أنت قال: أنا أبو عليّ ومَضى. ورجع الحوفزان إلى أصحابه فقال: لقيتُ رجلاً أزرق كأنّ لِحْيته ضرَيبة صُوف فقال: أنا أبو عليّ. فقالت عجوز من السّبي: بِأَبي أبو عليّ ومَن لنا بأبي عليّ فقال لها: ومن أبو عليّ قالت: قَيس بنُ عاصم. فقال لأصحابه: النَّجاء وأردف الزَّرقاء خلفه وهو على فرسه الزبِد وعَقد شَعرها إلى صَدره ونجا بها. وكانت فرسُ قيس إذا أوْعثت قَصرَّت وتَمطَّر عليها الزَّبد. فلما أجدَّت لحقت بحيث تكلّم الحوفزان. فقال قيس له: يا أبا حِمار أنا خير لك من الفلاة والعَطَش. قالت له الحوفزان: ما شاءت الزَّبِد. فلما رأى قيس أنِّ فرسه لا تَلحقه نادي الزرقاء فقال: مِيلي به يا جَعار. فلما سَمِعه الحوفزان دَفعها بِمرفقه وجَزَّ قُرونها بسيفه. فلما ألقاها عن عَجز فرسه. وخاف قيس ألاّ يَلحقَه فنَجله بالرُّمح في خُرابة وَركه فلم يُقْصِده وعرّج عنها. وردّ قيس الزرقاء إلى بنِي الرّبيعِ. فقال سَوَّار بن حَيّان اْلمِنقريّ: ونحن حَفرنا الحَوفزانَ بطَعْنةٍ تَمجّ نَجيعاً من دم الجَوف أشكلاَ قال أبو عُبيدة: التقت بنو مازن وبنو شَيبان على ماء يقال له سَفَوَان فزعمت بنو شَيبان أنه لهم وأرادوا أن يُجْلوا تميَماً عنه فاقتتلوا قتالاً شديداً فظهرتْ عليهم بنو تَميم وذادوهم حتى وردوا المُحْدَث وكانوا يَتواعدون بني مازن قبلَ ذلك فقال في ذلك وَدَّاك المازنِيّ: رُوَيْداً بني شَيْبان بعض وَعيدكم تُلاقوا غداً خَيْلي على سَفَوَانِ تُلاقُوا جِياداً تَحِيد عن الوَغَى إذا الخيلُ جالت في القَنا المُتداني عَليها الكمِاة الغُرُّ من آل مازنٍ ليوث طِعان كلَّ يوم طِعان تُلاقُوهمُ فَتعْرِفوا كيف صَيْرُهم على ما جَنت فِيهم يدُ الحَدَثان مَقاديم وصّالون في الرَّوْع خَطْوَهم بكُل رَقِيق الشَّفْرتين يَمانِي إذا استُنجدوا لم يَسألوا مَن دعاهم لأية حَرْب أم لأيّ مَكان يوم السلي قال أبو عُبيدة: كان من حديث يوم السليّ أن بني مازن أغارت على بني يَشكُر فأصابوا منهم وشدّ زاهرُ بن عبد الله بن مالك على تيْم بن ثَعلبة اليَشْكري فقتله فقال في ذلك: لله تَيم أيُّ رُمح طِرَادِ لاقَى الحِمَامَ وأي نَصْل جِلادِ ومِحَشّ حَرْب مُقدم متعرض للموت غَير مُعرد حَياد وقال حاجب بنَ ذُبْيان المازني: سَلي يَشْكُراً عني وأبناء وائل لَهازِمَها طُرَأ وجَمْعَ الأراقم ألم تَعلمي أنّا إذا الحربُ شمرت سِمَامُ على أعدائنا في الحَلاَقِم عتاةٌ قُراةٌ في الشِّتاء مَساعِرٌ حُماةُ كماةٌ كالليوث الضَراغم بأيديهُم سُمْرٌ من الخَطّ لَدْنةٌ وبيضٌ تُجَلَى عن فِراخ الجَماجم أولئك قوْمٌ إن فخرتُ بعزهم فخرتُ بعزّ في اللَهى والغَلاصم هُمُ أنزلوا يومَ السلي عزيزَها بسُمْر العَوالِي والسُيوف الصَوارم يوم نقا الحسن قال أبو عُبيدة: غزا بسطامُ بن مَسعود بن قيس بن خالد وقيسُ بن مسعود وهو ذو الجدَين وأخوه السليلُ بن قيس بن ضَبة بن أد ابن طابخة فأغار على ألف بعير لمالك بن المنتَفق فيها فَحْلُها قد فَقأ عينَه وفي الإبل مالكُ بن المُنتفق. فركب فرساً له ونجا رَكْضاً حتى إذا دنا من قومه نادى: يا صباحاه. فركبتْ بنو ضبة وتداعت بنو تميم فتلاحقوا بالنقا. فقال عاصمُ بن خَليفة لرجل من فُرسان قومه: أيهم رئيس القوم قال: حاميتهم صاحبُ الفرس الأدهم - يعني بِسْطاماً - فعلا عاصمٌ عليه بالرمح فعارضه حتى إذا كان بحذائه رَمى بالقوس وجمعَ يَديه في رُمحه فطَعنه فلم تخطئ صِماخَ أذنه حتى خرج الرمحُ من الناحية الأخرى وخَر على الألاءة - والألاءة: شجرة - فلما رأى ذلك بنو شَيبان خلُوا سبيل بن مَسعود أخا بِسطام في سِبعين من بني شَيبان. فقال ابنُ عَنَمة الضبي: وهو مجاور يومئذ في بني شَيبان يرثي بسطاماً وخاف أن يقتلوه فقال: لأمَ الأرْض ويلٌ ما أجنَتْ بحيثُ أضَرَ بالحَسَن السَّبيل يقسِّم مالَه فينا ويَدْعو أبا الصَّهباء إذ جَنح الأصيل كأنكِ لم تَرَيْه ولن نراه تَخب به عُذَافِرةٌ ذَمُول حَقِيبة رَحْلها بَدنٌ وسَرْج تُعَارِضها مُرببة دَءُول لكَ المِرْباع منها والصَّفَايا وحُكْمُك والنَشيطةُ والفُضول لقد ضَمِنت بنو زيد بن عمرو ولا يُوفِي ببسطام قَتِيل فخر على الآلاءة لم يوسد كأن جَبينه سيفٌ صَقِيل فإن تَجزع عليه بنو أبيه فقد فُجعوا وحل بهم جليل بمِطْعام إذا الأشوالُ راحت إلى الحَجَرات ليس لها فَصيل وقال شَمعلة بن الأخضر بن هُبيرة: ويم شقائق الحَسَنَيْن لاقتْ بنو شَيبان آجالاً قِصارا شَكَكْنا بالرِّماح وهُن زُور صِمَاخي كَبْشهم حتى استدارا وأَوْجزناه أسمرَ ذا كُعوب يُشبّه طولُه مَسداً مُغَارا وقال مُحرز بن المُكَعبر الضَّبي: أطلقت من شَيبان سبعينَ راكباً فآبوا جميعاً كلّهم ليس يَشْكُر إذا كنتَ في أَفْناء شَيبان مُنعِماً فجُزّ اللِّحى إنّ النّواصيَ تَكْفُر فلا شُكرَهم أَبغِي إذا كنتُ مُنعِماً ولا وُدَّهم في آخر الدَّهر أُضْمِر أيام بكر على تميم يوم الزُّويرين قال أبو عُبيدة: كانت بكر بن وائل تَنتجِع أرضَ تميم في الجاهليَّة تَرعى بها إذا أجدبوا. فإذا أرادوا الرُّجوع لم يَدعوا عورة يُصيبونها ولا شيئاً يَظفرون به إلا اكتسحوه. فقالت بنو تميم: امنعوا هؤلاء القوم من رَعْي أرضكم وما يأتون إليكِم. فَحُشدت تميم وحُشدت بكر واجتمعت فلم يتخلّف منهم إلاّ الحَوافزان ابن شريك في أناس من بني ذُهل بن شَيبان وكان غازياً. فقدّمتْ بكرُ عليهم عَمراً الأصمّ أبا مَفْروق - قال: وهو عمرو بن قيس بن مَسعود أبو عمرو ابن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان - فحسد سائرُ ربيعة الأصمّ على الرِّياسة فأتوه فقالوا: يا أبا مَفْروق إنا قد زَحفنا لتميم وزَحفوا لنا أكثرَ ما كنا وكانوا قطُّ. قالت: فما تريدون قالوا: نُريد أن نجعل كُل حيّ على حَياله ونَجعل عليهم رجلاً منهم فَنعْرفَ غناء كل قبيلة فإنه أشدُ لاجتهاد الناس. قال: والله إني لأبغض الخلافَ عليكم ولكن يأتي مَفْروق فينظر فيما قلتم. فلما جاء مَفروق شاوره أبوه - وذلك أول يوم ذُكر فيه مَفروق بن عمرو - فقال له مفروق: ليس هذا أرادوا وإنما أرادوا أن يَخْدعوك عن رأيك وحَسدوك على رِياستك والله لئن لقيتَ القومَ فظفرتَ لا يزال الفضلُ لنا بذلك أبداً ولئن ظُفِر بك لا تزال لنا رياسة نُعرف بها. فقال الأصم: يا قوم قد استشرتُ مَفروقاً فرأيتُه مخالِفاً لكم ولستُ مخالفاً رأيه وما أشار به. فأقبلتْ تميم بجمَلين مجللَين مقرونين مُقيَّدين وقالوا: لا نُولي حتى يُولّي هذان الجملان وهما الرُّوَيْران. فأَخبرت بكر بقولهم الأصم. وأنا زُوَيركم إن حَشُّوهما فحُشوني وإن عقروهما فاعقِروني. قال: والتقى القومُ فاقتتلوا قتالاً شديداً. قال: وأَسرت بنو تميم حَرَّاث بن مالك أخا مُرة بن هَمام فركَض به رجل منهم وقد أردَفه وأتبعه ابنُه قتادة بن حَرَّاث حتى لحق الفارسَ الذي أسر أباه فطَعنه فأراده عن فرسه واستنقذ أباه. ثم استحرّ بين الفريقين القتالُ فانهزمت بنو تميم فقُتل مِنهم مَقتلة عظيمة فممن قُتل قُتل منهم: أبو الرئيس النَّهشلي. وأخذت بكر الزّويرين أخذتهما بنو سَدوس بن شَيبان بن ذُهل بن ثعلبة فنحروا أحدَهما فأكلوه واقتحلوا الآخر وكان نَجِيباً فقال رجل من بني سَدوس: يا سَلْم إن تَسْألي عنّا فلا كُشُفٌ عنا اللِّقاء ولسنا بالمَقارِيفِ نحن الذين هَزَمْنا يوم صبَّحنا جيشَ الزُّوَيْرين في جَمع الأَحاليف ظلُوا وظَلْنا نَكُرّ الخيلَ وَسْطَهمُ بالشِّيب منّا وبالمُرْد الغَطاريف وقال الأغلب بن جُشَم العِجْليّ: فكر بالسيف الرُّمح انحطم كهِمَّةَ اللَيث إذا ما الليثُ هَمّ كانت تميمُ معشراً ذوي كَرَم مُخلِصة من الغَلاصم العظم قد نَفخوا لو يَنفُخون في فَحَمْ وصَبروا لو صبروا على أمَمْ إذ ركبتْ ضَبة أعجازَ النَّعم فلم تَدَع ساقاً لها ولا قَدَم يوم الشَّيِّطين لبكر على تميم قال أبو عُبيدة: لما ظَهر الإسلامُ قبل أن يُسلم أهلُ نجد والعراق سارت بكر بن وائل إلى السوِاد وقالت: نغير على تميم بالشيطين فإن في دِين ابن عبد المطلب إنه مَن قَتل نفساً قُتل بها. فنُغير هذا العام ثم نُسلم عليها. فارتحلوا مِن لَعلع بالذّراري والأموال فأتوا الشّيطين في أَربع وبينهما مسيرةً ثمان أميال فسَبقوا كُلّ خبر حتى صبَّحوهم وهم ولا يشعرون ورئيسُهمٍ يومئذ بشرُ بن مَسعود بن قيس بن خالد بن ذي الجَدّين فقَتلوا بني تميم قتلاً ذريعاً وأخذوا أموالَهم. واستحرّ القتلُ في بني العَنبر وبني ضَبَّة وبني يَربوع دون بني مالك بن حَنظلة. قال أبو عُبيدة: حَدَّثنا أو الحَمناء العَنبريّ قال: قُتل من بني تميم يوم الشَيطين ولعلع ستمُّائة رجل. قال: فوفد وفدُ بني تميم على النبي ﷺ فقالوا: ادع الله على بكر بن وائل. فأبى رسولُ الله ﷺ. فقال رُشيد بن رُمَيْض العنبريّ: وما كان بين الشَّيِّطين ولَعْلع لِنسْوتنا إلا مراجِعُ أربُع فجئْنا بجَمْع لم يرَ الناسُ مثلَه يكاد له ظَهْر الوريعة يَظْلَع بِأَرعن دَهْم تُنْشَد البلقُ وَسْطَه له عارضٌ فيه الأسنةُ تَلمع صَبحنا به سعداً وعَمراً ومالكاً فكان لهم يومٌ من الشرّ أشنع فخلّوا لنا صَحْن العِراق فإنّه حَمِىً منهم لا يستطاع مُمنع يوم صَعْفُوق لبكر على تميم أغارت بنو أبي ربيعة على بني سَليط بن يَرْبوع يوم صَعْفوق فأصابوا منهم أَسرى. فأتى طريفُ بن تميم العَنبري فروةَ بن مَسعود وهو يومئذ سيدُ بني أبي ربيعة ففدَى منهم أَسرى بني سَليط ورَهنهم ابنه. فأبطأ عليهم فقَتلوا ابنَه فقال: لا تَأْمننّ سُلَيمى أنْ أُفارقَها صرمى الظعائن بعد اليوم صَعْفوق يوم مبايض لبكر على تميم قال أبو عُبيدة: كانت الفُرسان إذا كانت أيامُ عُكاظ في الشهر الحرام وأَمن بعضهم بعضاً تقنّعوا كيلا يُعرفوا وكان طَريف بن تميم العَنْبري لا يتقنع كما يتَقنِّعون فوافى عُكاظَ وقد كشفت بكر بن وائل وكان طريفُ قد قتل شَراحيل الشَيباني أحد بني عمرو بن أبي ربيعة بن ذُهل بن شيبان. فقال حَصِيصه: أروني طريفاً. فأروه إياه. فجعل كُلّما مرّ به تأمَله ونَظر إليه ففَطِن طَريف فقال: مالك تنظر إليِّ فقال: أتوسّمك لأعرفك. فلله علي إن لَقِيتُك أن أقتلكَ أو تَقْتلني. فقال طريف في ذلك: أَوَ كُلما وردتْ عُكاظَ قَبيلةٌ بَعثوا إلي عريفَهم يتوسَّم فتوسموني إنّني أنا ذلكم شاكِي سلاحي في الحوادث مُعْلَم تحتي الأغر وفوق جِلْدي نَثْرةٌ زَغف تَردُ السيفَ وهو مُثَلّم حولي أُسَيِّدُ والهجيم ومازنٌ وإذا حللتُ فحولَ بيتيَ خَضَم قال: فمضى لذلك ما شاء الله. ثم إنّ بني عائذة حُلفاء بني أبي ربيعة بن ذهل بن أبي شيبان. وهم يزعمون أنهم من قريش وأن عائذة ابنُ لُؤي بن غالب - خرج منهم رجلان يَصِيدان فعَرض لهما رجل من بني شَيبان فذَعر عليهما صيدَهما فوثبا عليه فقتلاه. فثارت بنو مُرّة بن ذهل بن شَيبان يريدون قَتلهما. فأبت بنو أبي ربيعة عليهم ذلك. فقال هانئ بن مَسعود: يا بني أبي ربيعة إن إخوتَكم قد أرادوا ظُلمكم فانمازوا عنهم. قال: ففارقوهم وساروا حتى نَزلوا بمُبايض ماء - ومُبايض: عَلَم من وراء الدهناء - فأَبق عبدٌ لرجل من بني أبي ربيعة فسار إلى بلاد تَميم فأخبرهم أنّ حيَاً جديداً من بني بكر بن وائل نُزول على مُبايض وهم بنو أبي ربيعة أو الحيّ الجديد المُنتقى من قومه. فقال طَريف العَنبريّ: هؤلاء ثأرى يا آل تَميم إنما هم أَكَلة رأس. وأقبلَ في بني عمرو بن تميم وأقبل معه أبو الجَدْعاء أحد بني طُهيَّة وجاءَه فَدكيُّ بن أَعْبد المِنْقري في جَمْع من بني سعد بن زيد مَناة فنَذِرت بهم بنو أبي ربيعة فانحاز بهم هانئ بن مَسعود وهو رئيسهم إلى عَلَم مُبايض فأقاموا عليه. وشرَّقوا بالأموال والسرح وصَبّحتهم بنو تميم. فقال لهم طَريف: أطيعوني وافرغُوا من هؤلاء الأكلب يَصْفُ لكم ما وراءهم. فقال له أبو الجدعاء رئيس بني حَنظلة وفدكيّ رئيسُ سعد بن زيد مناة: أُنُقاتل أكْلباً أحرزوا نفوسهم ونترك أموالهم ما هذا برأي وأبوا عليه. فقال هانئ لأصحابه: لا يُقاتل رجل منكم. ولحقت تميم بالنَّعم والبغال فأغاروا عليها. فلمّا ملئوا أيديهم منِ الغَنيمة قال هانئ بن مسعود ولقد دعوتُ طريف دعوةَ جاهل سَفَهاً وأنت بعَلم قد تَعلُم وأتيتُ حيَّاً في الحُروب محلَّهمَ والجيشُ باسم أبيهم يستقدم فوجدتُ قوماً يَمنعون ذِمارهم بُسْلاً إذا هاب الفوارسُ أَقْدموا وإذا دُعُوا أبني رَبيعة شَمَّروا بكتائب دون السَّماء تُلَمْلم حَشَدوا عليك وعَجلوا بِقراهمُ وحَمَوْا ذِمار أبيهم أنْ يُشْتموا سَلبوك دِرْعك والأغرّ كليهما وبنو أُسيّد أَسْلموك وخَضَّم يوم فيحان لبكر على تميم قال أبو عُبيدة: لما فَدى نفسه بسْطامُ بن قَيس من عُتيبة بن الحارث إذ أُسر يوم الغَبيط بأربعمائة بعير قال: قال: لأدركنّ عَقْل إبلي. فأغار بفيحان فأخذ الربيعَ بن عُتَيبة وأستاق مالَه. فلمّا سار يومين شُغل عن الربيع بالشراب وقد مال الربيع على قدِّه حتى لان ثم خَلعه وانحلّ منه ثم جال في مَتن ذات النُّسوع - فرس بِسطام - وهرب. فركبوا في إثره فلمّا يَئسوا منه ناداه بِسطام يا ربيع هُلمّ طليقاً فأبَى. قال: وأبوه في نادِي قومه يُحدثهم فجعل يقول في أثناء. حديثه: إيهاً يا ربيع أنجُ يا ربيعَ وكان معه رَئِيِّ. قال: وأقبل ربيع حتى انتهى إلى أدنى بني يَربوع فإذا هو براع فاستسقاه وضربت الفرس برأسها فماتت فسمى ذلك المكان إلى اليوم: هَبِير الفرس. فقال له أبوه عُتَيبة: أمّا إذ نجوت بنفسك فإني مخلف لك مالَك. يوم ذي قار الأول لبكر على تميم قال أبو عبيدة: فخرج عتَيبة في نحو خمسةَ عشر فارساً من بني يربوع فكمن في حِمى ذي قار حتى مَرت إبل بني الحُصين بالفَداوّية اسم ماء لهم فصاحوا بمن فيها من الحامية والرِّعاء ثم استاقوها. فأخلف للرِبيع ما ذهب له وقال: ألم تَرني أفأتُ على رَبيعٍ جِلاداً في مَباركها وخُورَا وأني قد تركتُ بني حُصين بذي قارٍ يَرِمُّون الأمورا يوم الحاجر بكر على تميم قال أبو عبيدة: خرج وائل بن صُريم اليَشكريّ من اليمامة فلقيه بنو أُسيِّد ابن عمرو بن تميم فأخذوه أسيراً فجعلوا يَغْمسونه في الركيَّة ويقولون: يأيها الماتحُ دَلْوى دُونكما حتى قتلوِه. فغزاهم أخوه باعث بن صُريم يوم حاجر فأخذ ثُمامة بنِ باعث ابن صُريم رجلاً سائلْ أسَيِّد هل ثأرتُ بوائل أم هل شَفيتُ النفسَ من بَلبالها إذ أرسلوني ماتحاً لدِلائهم فملأتُها عَلَقاً إلى أَسْبالها إنّ الذي سَمك السماء مكانَها والبدرَ ليلةَ نِصْفها وهِلالِها آليت أنقُف منهُم ذا لحْية أبداً فَتَنْظُر عينُه في مالِها وقال: سائل أسيّد هل ثأرتُ بوائل أم هل أتيتهمُ بأمرٍ مُبْرَم إذ أرسلوني ماتحاً لِدلائهم فملأتهنّ إلى العَراقي بالدمِ يوم الشِّقِيق لبكر على تميم قال أبو عُبيدة: أغار أَبجر بن جابر العِجلْي على بني مالك بن حَنظلة فسَبى سُلَيْمى بنت مِحْصَن فولدت له أَبجرِ. ففي ذلك يقول أبو النَجم: ولقد كررتُ على طُهية كَرَّةَ حتى طرقت نساءها بمَساء حرب البسوس وهي حرب بكر وتغلب ابني وائلٍ أبو المُنذر هشام بن محمد بن السائب قال: لم تَجتمع مَعد كلها إلاّ على ثلاثة رَهط من رؤساء العرب وهم: عامر وربيعة وكُليب. فالأول: عامر بن الظَّرب بن عمرِو بن بكر بن يَشكر بن الحارث وهو عَدْوان بن عمرو بن قيس بن عَيلان وهو النَاس بن مُضر. وعامر بن الظرب هو قائد معد يوم البَيداء حين تَمَذْحجت مَذْحج وسارت إلى تِهامه وهي أول وَقْعة كانت بين تهامة واليمن. والثاني: ربيعة بن الحارث بن مُرة بن زهير بن جُشم بن بكر بن حُبَيب ابن كعب وهو قائد معدّ يوم السُّلان وهو يوم كان بين أهل تهامة واليمن. والثالث: كُليب بن ربيعة وهو الذي يُقال فيه: أعزّ من كليب وائل. وقاد معدَاً كلها يوم خَزار ففصّ جُموع اليمن وهَزمهم. فاجتمعت عليه معدّ كُلها وجعلوا له قسمِ الملك وتاجَه وتحيّته وطاعته. فغَبر بذلك حيناً من دهره ثم دخله زهوٌ شديد وبغى على قومه لما هو فيه من عِزّة وانقياد معدّ له حتى بلغ من بَغيه أنه كان يَحمي مواقع السحاب فلا يُرعى حِماه ويُجير على الدَهر فلا تُحفر ذمّته ويقول: وَحش أرض كذا في جواري فلا يُهاج ولا تورد إبلُ أحدٍ مع إبله ولا توقد نار مع ناره حتى قالت العرب: أعزُّ من كليب وائل. وكانت بنو جُشم وبنو شَيبان في دار واحدة بتِهامة وكان كُليب بن وائل قد تزوّج جَليلة بنت مُرة بن ذُهل بن شَيبان وأخوها جَسّاس ابن مُرة. وكانت البَسوس بنت مُنقذ التميميّة خالةَ جساس بن مُرة وكانت نازلةً في بني شَيبان مجاورةً لجسّاس وكانت لها ناقة يقال لها سَراب ولها تقول العرب: أشأم من سَراب وأشأم من البَسوس فمرّت إبل لكُليب بسَراب ناقة البسوس وهي مَعقولة بفناء بيتها في جوار جَسَّاس بن مُرة. فلمّا رأت سرابُ الإبلَ نازعت عِقالَها حتى قطعتْه وتَبعت الإبل واختلطت بها حتى اْنتهت إلى كُليب وهو على الحَوض معه قوسٌ وكنانة. فلمّا رآها أنكرها فانتزع لها سهماً فخَرم ضَرعها فنفرت الناقة وهي تَرْغو. فلما رأتها البسوس قَذفت خِمارَها عن رأسها وصاحت: واذُلاّه! واجاراه! وخرجت. فأحمست جسّاساً. فركب فرساً له مُعْرَوريةً فأخذ آلته وتَبعه عمرو ابن الحارث بن ذُهل بن شَيبان على فرسه ومعه رمحه حتى دخلا على كليب الحِمَى فقال له: أيا أبا الماجدة عمدتَ إلى ناقة جارتي فعقرتها. فقال له: أتُراك ما نِعي إن أذُبّ عن حِماي فأحمسه الغضبُ فطَعنه جسَّاس فقَصم صُلبه وطعنه عمرو بن الحارث من خلفه فقطع بَطنه فوقع كُليب وهو يَفْحص برجله وقال لجساس: أغِثْنى بشربة من ماء. فقال: هيهات تجاوزت شبَيثَاً والأحَصّ. ففي ذلك يقول عمرو بن الأهْتم: وإنّ كُليباً كان يَظلم قومَه فأدركه مثلُ الذي تَريانِ فلما حَشاه الرمحَكفُّ اْبن عمّه تذكّر ظُلم الأهل أيّ أوان وقال لجسّاسٍ أَغِثْني بشرَبة وإلا فخَبِّر مَن رأيتَ مكاني فقال تجاوزتَ الأحصَّ وماءه وبَطن شُبيثٍ وهو غير دِفَان وقال نابغة بني جَعدة: أَبْلغ عِقالاً أنّ خُطة داحس بكَفَيك فاستأخر لها أو تَقَدّم كليب لعمري كان أكثَر ناصرأً وأيسرَ ذَنباً منك ضُرِّج بالدَّم رَمى ضَرْع ناب فاستمرّ بطَعْنة كحاشية البُرد اليَماني المُسهًم وقال لجسّاسً أغثْني بشَرْبةٍ تَداركْ بها مَنَّا عليّ وأَنعِم فقال تجاوزتَ الأحصّ وماءَه وبطن شُبيث وهو ذو مترسّم فلما قُتل كُليب ارتحلت بنو شيبان حتى نزلوا بماء يقال له النِهى. وتشمّر المُهلهل أخو كليب بكر وترك النِّساء والغَزل وحَرّم القِمار والشَراب وجَمع إليه قومَه فأرسل رجالاً منهم إلى بني شَيبان يُعذر إليهم فيما وَقع من الأمر. فأتوا مُرة بن ذهل بن شَيبان وهو في نادي قومه فقالوا له: إنكم أتيتم عظيماً بقَتلكم كُليباً بناب من الإبل فقطعتمِ الرحم وانتهكتمِ الحُرمة وإنا كرهنا العَجلة عليكم دون الإعذار إليكم. ونحن نعرض عليكمِ خِلالاً أربع لكم فيها مَخرج ولنا مَقنع. فقال مرة: وما هي قال له: تُحْي لنا كليباً أو تدفع إلينا جَساساً قاتلَه فنقتله به أو همّاماً فإنه كُفء له أو تُمكننا من نفسك فإنّ فيك وفاءَ منِ دمه فقال: أما إحيائي كُلَيباً فهذا ما لا يكون وأمّا جَسّاس فإنه غلام طَعن طعنةَ على عَجَل ثم ركب فرسَه فلا أدري أيّ البلاد أحتوى عليه وأمّا همّام فإنه أبو عَشرة وأخو عَشرة وعَمّ عشرة كُلهم فُرسان قومهم فلن يُسلموه لي فأدفعه إلَيكم يُقتل بجرَيرة غيره وأما أنا فهل هو إلاّ أنْ تَجول الخيلُ جولةً غداً فأكونَ أوّلَ قتيل بينها فما أتعجَّل من الموت ولكن لكم عندي خَصْلتان: أما إحداهما فهؤلاء بنيّ الباقون فعلِّقوا في عُنق أيّهم شِئتم نِسْعة فانطلقوا به إلى رِحالكم فأذبحوه ذَبْح الجَزور وإلا فأَلف ناقة سوداء المُقَل أقيمِ لكم بها كفيلاً من بني وائل.