الرئيسيةبحث

وصايا الملوك وصية عمرو بن الحارث

وحدّثني علي بن محمد، عن جده الدعبل بن علي، أن عمرو بن الحارث وصى ابنه الحارث الخطّار الذي كانت تسميه العرب الحارث الأعرج قال: وكان عمرو بن الحارث كاهناً، يخبر بالكوائن، وينذر منها، فأنشأ يقول: " من البسيط "

يا حارِ إنِّي أرى دُنيايَ صائِرةً منِّي إليكَ وقد قامَتْ على ساقِ
غداً ستجتازُها دُونِيْ وتَملِكُهَا إنْ يأذنِ اللهُ لي فيها بتفراقِ
ما يقتِنيْ المُلكَ إلاَّ من تبوَّأهُ عندَ النَّوائِبِ مِنْ ماضٍ ومن باقِ
والنَّاسُ سرحُ رِباعٍ والمُلوكُ لهُمْ ما بينَ راعٍ وحفَّاظٍ وسوَّاقِ
ولا يحُوطُ ولا يرعَى الأنامَ سوى من في ذُرَى المجدِ عالٍ في العُلى راقِ
ماضِي العزيمةِ ذي حَزْمٍ وذي فِطنٍ مُوفٍ لدى العقدِ من عهدٍ وميثاقِ
تفِيضُ كالبحرِ ذي الأمواجِ راحتُهُ بنائِلٍ مُستهِلِّ السَّيبِ دفَّاقِ
فإنْ ألمَّتْ عوانٌ للحُرُوبِ وقى مِنها الَّذي لا يقيهِ دافِعٌ واقِ
بذابلٍ من قنا الخطِّيِّ يقدمُهُ وصارمٍ كشُعاعِ الشَّمس برَّاقِ
هيَ الوصِيَّةُ فاحفظهَا كما حُفِظَتْ لِلمُلكِ عن كُلِّ فَتَّاقٍ ورتَّاقِ

قال محمد بن علي: قال الدعبل بن علي: فيقال: إن الحارث الأعرج حفظ الوصية، وعمل بها، وثبت عليها، وملك بعد أبيه عمرو بن الحارث ما كان يملك من البلاد وقبائل العرب، وهو الذي ذكره النابغة في شعره الذي مدح فيه ابنه عمرو بن هند حيث يقول:

عليَّ لعمروٍ نِعمةٌ بعدَ نعمةٍ لوالدِهِ ليستْ بذاتِ عقاربِ
حلفتُ يميناً غيرَ ذِي مثنويَّةٍ ولا عِلمَ إلاّ حُسنُ ظنٍّ بغائبِ
لئِن كانَ بالقبرينِ قبرٍ بجلِّقٍٍ وقبرٍ بصيداءَ الَّذي عندَ حاربِ
وما الحارثُ الجفنيُّ سيِّدُ قومهِ لملتمسٍ بالجمعِ أرضَ المُحاربِ
على عارفاتٍ للطِّعَانِ عوابسٍ بهِنَّ كُلُومٌ بينَ دامٍ وجالبِ
إذا استنزِلُوا عنهُنَّ للموتِ أرقلُوا إلى الموتِ إرقالَ الجمالِ المصاعبِ
ولا عيبَ فيهمْ غيرَ أنَّ سُيُوفهُمْ بِهنَّ فُلُولٌ من قراعِ الكتائِبِ

ويقال: إن القبرين الذين ذكرهما النابغة، أحدهما قبر جفنة بن مارية، والآخر قبر الحارث الأكبر بن ثعلبة بن جفنة. وأما قبر عمرو بن الحارث ففي خلان من أرض الشام، وقد ذكره النابغة في شعره حيث يقول:

وآب مصلوه بغير جليَّةٍ وغودر في خلان حزمٌ ونائلُ

وحدّثني علي بن محمد، عن جده الدعبل بن علي، أن الحارث الأعرج بن عمرو بن الحارث الأكبر وصَّى ابنه أبا منذر واسمه عمرو المحرق بن هند. وهند بنة عوف الشيباني، أمها البرصاء بنة مرّة فقال: " من البسيط "

يا عمرُو دُونَكَ أرضَ الشَّام دُونكهَا يا عمروُ إنَّ لها شأناً من الشَّانِ
يا عمرُو فيها لكَ المُلكُ الَّذي ملكتْ أولادُ جفنةَ من أولادِ غسَّانِ
ا تكذبنَّ فخيرُ القولِ أصدقُهُ والمرءُ يكذِبُ في سرِّ وإعلانِ
ما مِثلُ مُلكِكَ مُلكٌ حازَهُ ملِكٌ من نسلِ حميرَ أو من نسلِ كهلانِ
إلاَّ التَّبابِعةُ الغُرُّ الَّذين لهُمْ كانتْ تدِينُ مُلوكُ الإنسِ والجَانِ
أبناءُ قيصرَ قدْ كانتْ تدينُ لهُمْ وكانَ دانٍ لهُم كِسرى بنُ ساسانِ
إنَّ المُلوكَ رُعاةُ النَّاسِ حينَ لهُمْ ما كانَ في الأرضِ من عِزٍّ وسُلطانِ
كُنْ خيرَ راع إذا استرعاكَ ربُّهمُ إياهُمُ ولنا كُنْ خَيرَ ما ثانِ
كم أُوصِكَ اليومَ إلاَّ بالَّذي حَفِظتْ عن الأوائلِ من أبناءِ قحطانِ

قال علي بن محمد: قال الدعبل بن علي: فيقال: إن عمرو المحرِّق وهو ابن هند بنة عوف الشيباني حفظ وصية أبيه، وثبت عليها، وعمل بها، وملك ما ملكت آباؤه من البلاد وقبائل العرب،ويقال: إنه سمي محرِّقاً على وقت كبر سنه، وذلك أن أخاً له يقال له " أسعد " ، وكان مسترضعاً في تميم، فخرج إليهم عمرو بن هند، فقتل من تميم مقتلة عظيمة، ثم أخذ منهم مائة رجل أحياء، فضرجهم في النار، وحرقهم، فلذلك سمي محرّقاً. وقد ذكر ذلك ابن غالب التميمي في شعره حيث يقول:

أينَ الَّذين بنارِ عمروٍ حُرِّقوا بلْ أينَ أسعدُ فيهمُ المُستَرضَعُ

وقد ذكر ذلك الأعشى في شعره حيث يقول:

أبناء قوم قُتِّلوا يوم القُصيبَةِ من أوارهْ
والعود يُعصر ماؤه ولكلِّ عيدانٍ عُصارهْ

وقد ذكر ذلك الطرماح في شعره الذي يقول فيه: " من البسيط "

ودارمٌ قد قذفنا منهُمُ مائةً في جَاحم النَّار إذ ينزُون في الخُددِ
ينُزون بالمُشتَوى منها ويوقدها عمروٌ، ولولا شحومُ القومِ لم تقدِ

وحدّثني علي بن محمد، عن جده الدعبل بن علي، أن عمرو المحرق وصّى ابنه الأيهم فقال:

إنَّ الشَّآمَ وما حوتْ لِيَ أرضُهَا لَكَ بعدَ يومِيْ كُلُّها يا أيهمُ
قدْ سستُها وملكتُهَا ليَ حِقبةً وكذاكَ تملكُهَا ومُلكُكَ يعظُمُ
فإذا ملكتَ وصرتَ صاحِب أمرِهَا بعديْ فَحُطهَا بالّتي هيَ أقومُ
أحسِنْ إلى من كانَ فيها مُحسِناً واعدلْ فمهما تستطِعْ فتقدَّمِ
منْ نائلٍ وسماحَةٍ تعلُو بِهَا لبنيْ أبيكَ سناؤُهَا المُتعظِّمُ
والجارُ والمولَى فلا تخذُلهُمَا فكِلاهُمَا لكَ صَاحبٌ لا يُسلَمُ
وعلى العَشيرةِ كُنْ عطُوفاً إنَّها لبنيْ أبيكَ صناعَةُ لا تُهزمُ
هاتا وصاتِي إنني أوصيكها فاعمَلْ بِها دُونَ الورى يا أيهمُ

قال علي بن محمد: قال الدعبل بن علي: فيقال: إن الأيهم بن عمرو المحرِّق حفظ هذه الوصية، وعمل بها، وثبت عليها، وملك ما كان يملك أبوه عمرو المحرق،والأيهم الذي يقول فيه النابغة، يوم قال له عمرو بن الحارث المحرق: امدح لي يا أخا ذبيان هذا الغلام، فقال: " من السريع "

هذا غُلامٌ حسنُ وجهُهُ مُستقبلُ الخيرِ سريعُ التَّمامْ
للحارِثِ الأكبرِ والحارثُ ال أعرجِ والأصغرِ خيرِ الأنامْ
ثُمَّ لهندٍ ولِهندٍ إلى جَدَّاتِ صِدقٍ وجُدودٍ كِرامْ
خمسةْ آباؤُهُمْ وهمُ هُمْ خيرُ مَنْ يشربُ صوبَ الغمامْ

وحدّثني علي بن محمد، عن جده الدعبل بن علي، أن الأيهم بن عمرو المحرق وصى ابنه جبلة بن الأيهم بن عمرو المحرق بن الحارث الخطار وهو الأعرج بن عمرو بن الحارث الأكبر بن ثعلبة بن جفنة بن ثعلبه بن عمرو بن عامر بن حارثة الأحساب بن امرئ القيس بن ثعلبه بن مازن بن الأزد، فقال له: يا بني إنك لمالك الشام بعدي، وإنك لصاحب أمرها دون ولدي، وإنك لفي أوان التعطيل لهذا الأمر الذي أوتيناه دون غيرنا، فإذا رأيت ذلك فانظر لنفسك ما يزينها والتمس لقومك ما يصونهم.

ال علي بن محمد: قال الدعبل بن علي: فيقال: إن جبلة بن الأيهم لم يزل ملكاً مطاعاً في قومه غسان، يحبى إليه خراج الشام وتطيعه قبائل العرب فيها. فبعث رسول الله ﷺ تسليماً وجبلة بن الأيهم ملك الشام. فتوفي رسول الله ﷺ فجلس أبو بكر، وأقام في الخلافة ما أقام وجبلة بن الأيهم ملك الشام. فلما كان في زمان عمر بن الخطاب أسلم جبلة بن الأيهم، وقدم المدينة في خمسمئة فارس من قومه أصحاب التيجان، وسار منها حتى دخل مكة حاجّاً. ويقال: إنه كان يطوف ذات يوم من أيام الحج عليه إزار وشي ورداء وشي، فوطئ إزاره رجل من فزارة، قال: فلطمه جبلة بن الأيهم لطمة هشّم بها أنفه، فقال: فأقبل الفزاري ودمه يسيل على صدره، حتى وقف على عمر بن الخطاب، فقال: يا أمير المؤمنين أنصفني من هذا الملك الجبار جبلة بن الأيهم الجفني، لطمني لطمة، فتركني على هذه الحالة، قال: فدعا عمر بن الخطاب بجبلة بن الأيهم، فقال له: علام لطمت هذا الرجل؟ فقال له جبلة بن الأيهم: وطئ إزاري، فقال عمر بن الخطاب: أما أنت فقد أقررت، فإما تعطيه لطمة بلطمته، وإما أن ترضيه من مالك، فقال جبلة بن الأيهم: لا أفعل شيئاً مما ذكرت يا أمير المؤمنين، وهم جبلة بن الأيهم أن يثير الفتنة بينه وبين عمر بن الخطاب. قال: فدخل إليه الناس فكلموه، وسكنوا بعض ما كان به من الغضب، وناشدوه بالله ألا يجعلها فتنة، فأجابهم جبلة بن الأيهم إلى ذلك. فلما كان في بعض من الليل مضى إلى الشام جبلة بن الأيهم فيمن معه، ودخل في النصرانية، ومضى حتى دخل بلد الروم على هرقل بن قيصر مغضباً حنقاً عاتباً على عمر بن الخطاب.

وهذا مختصر من خبر جبلة بن الأيهم، والشرح يطول في ذلك. ويقال: إنه ندم على ما كان من تركه الإسلام ودخوله في النصرانية. وقال في ذلك شعراً، يقول فيه:

تنصَّرتُ للإشفاقِ مِن عارِ لطمةٍ وما كانَ فيها لو تصبَّرتُ من ضررْ
تحمَّلِني منها لجاجٌ ونخوةٌ فبعتُ لها العينَ الصحيحةَ بالعورْ
فياليتَ لي بالشَّامِ أدنى معيشةٍ أجاورُ قومِي داني السَّمعِ والبصرْ
وياليتْ أُمِّيْ لم تلدنيْ وليتنِيْ رجعتُ إلى القولِ الَّذِي قالَ لي عُمرْ
وياليتني أرعى المخاضَ بعُقرةٍ وكُنتُ أَسيراً في ربيعةَ أو مُضرْ

قال علي بن محمد: قال الدعبل بن علي: ولقد كان لجبلة بن الأيهم عند دخوله في النصرانية أخبار وأحاديث، يطول شرحها، وهو الذي يقول فيه حسان بن ثابت الأنصاري لما وصل به بره من أرض الروم حيث يقول:

إنَّ ابن جفنةَ من بقيَّة معشرٍ لم تغذُهُم آباؤهُمْ باللُّومِ
لم ينسنيْ بالشَّامِ إذ هُو ربُّها كلَّا ولا مُتنصِّراً بالرُّومِ
يُعطِي الجزيلَ ولا يراهُ عندهُ إلاّ كبعضِ عطيَّةِ المذمُومِ
جالَستُهُ يوماً فقرَّبَ مجلِسيْ وسعى عليَّ براحةِ الخرطُومِ