الرئيسيةبحث

وصايا الملوك وصية أدد بن مالك

وحدّثني علي بن محمد، عن جده الدعبل بن علي، أن أدد بن مالك بن زيد بن كهلان وهو أبو مذحج أقبل على بنيه عند حضور الوفاة فقال: " من البسيط "

إنَّ الَّذي عرفَ الدُّنيَا وجرَّبَها من قبلِ أنَ تعرِفُوهَا ويحكُم أُددُ
أفنى لياليهُ الَّلاتي سلفنَ ولم تُسعِفهُ من بعدِها أيَّامُهُ الجُددُ
بنيَّ إنِّي حلبتُ الدَّهرَ أشطُرهُ فما عدانِيَ مِنهُ الشَّريُ والشَّهدُ
وقد صحِبتُ رجالاً كُنتُ آملهمْ يُخلَّدوا لِيْ فما عاشُوا وما خلُدُوا
بنيَّ إن مِثلَ أمسِ اليوم سالِمَني فليسَ يُؤمِنني ممَّا أخافُ غدُ
بنيَّ لا تبدؤُوا قوماً بمظلمةٍ وفي عداوةِ من عاداكُمُ اجتهدُوا
لا تحسُدُوا النَّاسَ ما أُوتُوا وما رُزِقُوا مِنَ الثَّراءِ فحَظُّ الحاسِدِ الحسدُ
صُونُوا العشيرةَ وارعَوا حقَّ جارِكُمُ فالجارُ أقربُ من تُسدَى إليه يدُ
شُبُّوا لطارقِكُم ناراً يدومُ لها نُورٌ به يهتدي ذا الطَّارقُ القَصَدُ
فإنَّ أكرَم نار الحَيِّ ما ظهرتْ على الفجاجِ وباتتْ ليلهَا تقدُ
وصَّيتُكُمْ فاحفظُوا عنِّي الوصاةَ ولا تبغُوا سِوَاها ففِيْ إسماعِهَا الرَّشدُ

قال علي بن محمد: قال الدعبل بن علي: فيقال: إن مذحج بن أدد بن مالك بن زيد بن كهلان حفظ هذه الوصية، وثبت عليها، وعمل بها، وكذلك بنوه من بعده. وإلى اليوم تتبارى مذحج حيث كانت في استعمال ما وصَّاهم به أبوهم أدد بن مالك من الإيجاب للعشيرة، وإسداء الجميل إلى الجار، والحفظ والمراعاة له، وترك البدو بالظلم والعدوان، والاجتهاد في العداوة لمن عاداهم، والصبر على ما يبتلون به من الفتنة، والإكرام للضيف،تقول العرب إذا رأت ناراً عظيمة: ترى ناراً كأنها لأحد مذحج. وفي ذلك يقول قائلها: " من الرمل "

تعظُمُ النَّارُ إذا النَّارُ التَّي شبَّها عبسُ النَّدى أو صعصعةْ
لِقُدورٍ كالرُّبَى راسيةٍ وجِفانٍ كالجوابِي مُترعةْ
تَصدُرُ العالةُ والأضيافُ في كُلِّ يومٍ وهي عنها مُشبَعَةْ
أيُّها السَّاعِي على آثارِنَا نحن من لست بساعيّ معه
نحنُ أودٌ حِينَ تصطكُّ القنا والعوالي لِلعوالي مُشرَعَةْ

ويقال: إن هذا الشعر لصلاءة بن عمرو المذحجي، وهو الذي يعرف بالأفوه الأودي. وتصديق قوله:

تعظُمُ النَّارُ إذ النَّارُ الَّتِي شبَّها عَبسُ النَّدى أو صعصعهْ

وقول القطامي:

ألا إنَّما نيرانُ قيس إذا استوتْ لطارقِهِم ليلاً كنارِ الحُباحِبِ

وما زالت العرب تنسب قيساً إلى مثل ما نسبها إليه قائل هذا البيت من خفوض نيرانهم وخبوها عند بدو نيران غيرها. وقد ذكر ذلك حسان بن ثابت الأنصاري حيث يقول:

تراها كأمثالِ العقائقِ بينَنَا تألقنَ أو توقدن نارَ الحُباحِبِ

وفيما شرحناه من أخبار مذحج وأحاديثهم كفاية عما تركناه وملنا عنه إلى الاختصار.

وحدّثني علي بن محمد، عن جده الدعبل بن علي، أن طيء بن الغوث بن مالك بن أدد - ومالك اسم مذحج - عُمِّر عمراً طويلاً، زاد على نيّف وأربعمئة سنة. ويقال: إنه أقبل على بنيه وهو يقول:

عُمراً وجاوزتُ المئينَ الأربعا وسُلبتُ أسبابَ الشَّبيبةِ أجمعا
ولحِقتُ أيَّامَ الجديسِ وحابها طسماً سنيناً ما حللنا لعلعا
والصَّعبُ ذو القرنينِ كُنتُ لِجَدِّهِ جَدَّاً وكانَ أبُوهُ ذِكرى مُرضَعَا
ولقِيتُ لُقمانَ بن عادٍ حاملاً بقوارعِ الأحقافِ نَسراً ميفعاً
ولقد شَهِدّتُ من الزَّمانِ عجائباً ما شاءَ بيَّنها لهُ أو يسمعا
فليأتِنِي مُستخبِراً فأنا الَّذي أفنَت لياليهِ القُرُونُ التُّبَّعا
أُمماً متى أحصيتُهَا وعَدَدّتُهَا ألفيتُها أُمماً لعَمرُكَ أربعَا
ما إن أُسائِلُ عن صديقٍ مِنهُمُ إلا وقبلُ سألتُ عمَّنْ ودَّعا
أبنيَّ هل تجِدُون ليْ من مهيعٍ غير الرَّدى فأسيرَ ذاكَ المهيعا
لا، هلْ وماذا يأملُ اليفنُ الَّذي يُمسِي ويُصبِحُ كالحنية خروعا
ثغمت نميمته بياضاً بعدما كانت له تحكي الظلام الأفرعا
عُوا ما أقولُ لكُمْ وأُوصِيكُم بهِ إنَّ الوصِيَّة يحتويها من وَعَى
كُونُوا لجارِكُمُ وللضَّيفِ الَّذي يُمسِي بساحتكُمْ جِنابَاً مُمرِعا
وإذا أتاكُمْ صالحٌ من قومكُمْ فاسعَوا إليه من معينْ معامعا
لا تُقبِلُوا هجماً كغِزلان الشَّرى من ترد المرتعا
عِزُّ العشيرةِ في جماعتِها الَّتِي لمّا تَجِد فيها الأعاديْ مطمعا