الرئيسيةبحث

العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية/27

صورة فتيا قدمت في مجلس تقى الدين رضي الله عنه

فأجاب في المجلس بهذا الجواب وهو تقدير القدر

السؤال

أيا علماء الدين ذمي دينكم ** تحير دلوه بأوضح حجتي

إذا ما قضى ربي بكفري بزعمكم ** ولم يرضه مني فما وجه حيلتي

دعاني وسد الباب عني فهل إلى ** دخولي سبيل بينوا لي قضيتي

قضى بضلالي ثم قال ارض بالقضا ** فما أنا راض بالذي فيه شقوتي

فإن كنت بالمقضي يا قوم راضيا ** فربي لا يرضى بشؤم شكيتي

فهل لي رضا ما ليس يرضاه سيدي ** فقد حرت دلوني على كشف حيرتي

إذا شاء ربي الكفر مني مشيئة ** فهل أنا عاص في اتباع المشيئة

وهل لي اختيار أن أخالف حكمه ** فبالله فاشفوا بالبراهين علتي

الجواب

الحمد لله رب العالمين

سؤالك يا هذا سؤال معاند ** تخاصم رب العرش باري البرية

وهذا سؤال خاصم الملأ العلا ** قديما به إبليس أصل البلية

ومن يك خصما للمهيمن يرجعن ** على أم رأس هاويا في الحفيرة

ويدعى خصوم الله يوم معادهم ** إلى النار طرا معشر القدرية

سواء نفوه أو سعوا ليخاصموا ** به الله أو ماروا به للشريعة

وأصل ضلال الخلق من كل فرقة ** هو الخوض في فعل الإله بعلة

فإنهمو لم يفهموا حكمة له ** فصاروا على نوع من الجاهلية

وإن مبادي الشر في كل أمة ** ذوي ملة قدسية نبوية

بخوضهم في ذلك صار شركهم ** وجاء دروس البينات بفترة

فإن جميع الكون أوجب فعله ** مشيئة رب الخلق باري الخليقة

وذات إله الخلق واجبة بما ** لها من صفات واجبات قديمة

مشيئته مع علمه ثم قدرة ** لوازم ذات الله قاضي القضية

فقولك لم قد شاء مثل سؤال من ** يقول فلم قد كان في الأزلية

وذاك سؤال يبطل العقل وجهه ** وتحريمه قد جاء في كل شرعة

وفي الكون تخصيص كثير يدل من ** له نوع عقل أنه بإرادة

وإصداره عن واحد بعد واحد ** أو القول بالتجويز رمية حيرة

ولاريب في تعليق كل مسبب بما قبله من علة موجبية

بل الشأن في الأسباب أسباب ما ترى ** ومصدرها عن حكم محض المشيئة

وقولك لم شاء الإله هو الذي ** أزل عقول الخلق في قعر حفرة

فإن المجوس القائلين بخالق ** لنفع ورب مبدع للمضرة

سؤالهم عن علة الشر أوقعت ** رؤوسهم في شبهة المثنوية

وإن ملاحيد الفلاسفة الأولى ** يقولون بالفعل القديم بعلة

بغوا علة للكون بعد انعدامه ** فلم يجدوا ذاكم فضلوا بضلة

وإن مبادي الشر في كل أمة ** ذوي ملة ميمونة نبوية

بخوضهمو في ذاكم صار شركهم ** وجاء دروس البينات بفترة

ويكفيك نقضا أن ما قد سألته ** من العذر مردود لدى كل فطرة

فأنت تعيب الطاعنين جميعهم ** عليك وترميهم بكل مذمة

وتنحل من والاك صفو مودة ** وتبغض من ناواك من كل فرقة

وحالهم في كل قول وفعلة ** كحالك يا هذا بأرجح حجة

وهبك كففت اللوم عن كل كافر ** وكل غوي خارج عن محجة

فيلزمك الإعراض عن كل ظالم ** على الناس في نفس ومال وحرمة

ولا تغضبن يوما على سافك دما ** ولا سارق مالا لصاحب فاقة

ولا شاتم عرضا مصونا وإن علا ** ولا ناكح فرجا على وجه غية

ولا قاطع للناس نهج سبيلهم ** ولا مفسد في الأرض في كل وجهة

ولا شاهد بالزور إفكا وفرية ** ولا قاذف للمحصنات بريبة

ولا مهلك للحرث والنسل عامدا ** ولا حاكم للعالمين برشوة

وكف لسان اللوم عن كل مفسد ** ولا تأخذن ذا جرمة بعقوبة

وسهل سبيل الكاذبين تعمدا ** على ربهم من كل جاء بفرية

وإن قصدوا إضلال من تستجيبهم ** بروم فساد النوع ثم الرياسة

وجادل عن الملعون فرعون إذ طغى ** فأغرق في اليم انتقاما بعصية

وكل كفور مشرك بإلهه ** وآخر طاغ كافر بنبوة

كعاد ونمروذ وقوم لصالح ** وقوم لنوح ثم أصحاب الايكة

وخاصم لموسى ثم سائر من أتى ** من الأنبياء محييا للشريعة

على كونهم إذ جاهدوا الناس إذ بغوا ** ونالوا من العاصي بلوغ العقوبة

وإلا فكل الخلق في كل لفظة ** ولحظة عين أو تحرك شعرة

وبطشة كف أو تخطي قديمة ** وكل حراك بل بكل سكينة

همو تحت أقدار الإله وحكمه ** كما أنت فيما قد أتيت بحجة

وهبك رفعت اللوم عن كل فاعل ** فعال ردي طردا لهذي المقيسة

فهل يمكنن رفع الملام جميعه ** عن الناس طرا عند كل قبيحة

وترك عقوبات الذين قد اعتدوا ** وترك الورى الإنصاف بين الرعية

فلا تضمنن نفس ومال بمثله ** ولا تعقبن عاد بمثل الجريمة

وهل في عقول الناس أو في طباعهم ** قبول لقول النذل ما وجه حيلتي

ويكفيك نفضا ما بجسم ابن آدم ** صبي ومجنون وكل بهيمة

من الألم المقضي في غير حيلة ** وفيما يشاء الله أكمل حكمة

إذا كان في هذا له حكمة فما ** يظن بخلق الفعل ثم العقوبة

وكيف ومن هذا عذاب مخلد ** عن الفعل فعل العبد عبد الطبيعة

كآكل سم أوجب الموت أكله ** وكل بتقدير لرب البرية

فكفرك يا هذا كسم أكلته ** وتعذيب نار مثل جرعة غصة

ألست ترى في هذه الدار من جنى ** يعاقب إما بالقضا أو بشرعة

ولا عذر للجاني بتقدير خالق ** كذلك في الأخرى بلا مثنوية

وتقدير رب الخلق للذنب موجب ** كتقدير عقبى الذنب إلا بتوبة

ومن كان من جنس المتاب لرفعه ** عواقب أفعال العباد الخبيثة

كجبرية تمحى الذنوب ودعوة ** تجاب من الجاني ورب شفاعة

وقول حليف الشعر إني مقدر ** علي كقول الذيب هذي طبيعتي

وتقديره للفعل يجلب نقمة ** كتقديره الآثار طرا بعلة

فهل ينفعن عذر الملوم لأنه ** كذا طبعه أم هل يقال لعثرة

أم الذنب والتعذيب أوكد للذي ** طبيعته فعل الشرور الشنيعة

فإن كنت ترجو أن تجاب بما عسى ** ينجيك من نار الإله العظيمة

فدونك رب الخلق فاقصده ضارعا ** مريدا بأن يهديك نحو الحقيقة

وذلل قياد النفس للحق واسمعن ** ولا تعرضن عن فكرة مستقيمة

وما بان من حق فلا تتركنه ** ولا تعص من يدعو لأقوم ريعة

ودع دين ذا العادات لا تتبعنه ** وعج عن سبيل الأمة الغضبية

ومن ضل عن حق فلا تقفونه ** وزن ما عليه الناس بالمعدلية

هنالك تبدو طالعات من الهدى ** تبشر من قد جاء بالحنفية

بملة إبراهيم ذاك إمامنا ** ودين رسول الله خير البرية

فلا يقبل الرحمن دينا سوى الذي ** به جاءت الرسل الكرام السجية

وقد جاء هذا الحاشر الخاتم الذي ** حوى كل خير في عموم الرسالة

وأخبر عن رب العباد بأن من ** عدا عنه في الأخرى بأقبح جينة

فهذي دلالات العباد لحائل ** وأما هداه فهو فعل الربوبة

وفقد الهدى عند الورى لا يقيل من ** عدا عنه بل يجزى بلا وجه حجة

وحجة محتج بتقدير ربه ** يريد عذابا كاحتجاج مريضة

وأما رضانا بالقضاء فإنما ** أمرنا بأن نرضى بمثل المصيبة

كسقم وفقر ثم ذل وغربة ** وما كان من سوء بدون جريمة

فأما الأفاعيل التي كرهت لنا ** فلا ترتضى مسخوطة لمشيئة

وقد قال قوم من أولي العلم لا رضا ** بفعل المعاصي والذنوب الكريهة

وقال فريق ترتضى لقضائه ** لها وما فيها فيلقى بسخطه

كما أنها للرب خلق وأنها ** لمخلوقةليست كفعل الغريزة

فنرضى من الوجه الذي هي خلقه ** ونسخط من وجه اكتساب بحيلة

ومعصية العبد المكلف تركه ** لما أمر المولى وإن بمشيئة

فان إله الخلق حق مقاله ** بأن العباد في جحيم وجنة

كما أنهم في هذه الدار هكذا ** بل البهم في الآلام أيضا ونعمة

وحكمته العليا اقتضت ما اقتضت من ال ** فروق بعلم ثم أيد ورحمة

يسوق أولى التعذيب للسبب الذي ** يقدره نحو العذاب بعزة

ويهدي أولي التنعيم نحو نعيمهم ** بأعمال صدق في رجاء وخشية

وأمر إله الخلق تبيين ما به ** يسوق أولي التنعيم نحو السعادة

فمن كان من أهل السعادة أثرت ** أوامره فيه بتيسير صنعة

ومن كان من أهل الشقاوة لم ينل ** بأمر ولا نهي بتقدير شقوة

ولا مخرج للعبد عما به قضى ** ولكنه شاء بخلق الإرادة

ومن أعجب الأشياء خلق مشيئة ** بها صار مختار الهدى والضلالة

فقولك هل أختار تركا لحكمة ** كقولك هل أختار ترك المشيئة

وأختار أن لا أختار فعل ضلالة ** ولو نلت هذا الترك فزت بتوبة

وذا ممكن لكنه متوقف ** على من يشاء الله من ذي المشيئة

فدونك فافهم ما به قد أجبت من ** معان إذا إنحلت بفهم غريزة

أشارت إلى أصل تشير إلى الهدى ** ولله رب الخلق أكمل مدحه

وصلى إله الخلق جل جلاله ** على المصطفى المختار خير البرية

تمت بحمد الله وعونه وهي مائة وأربع وثمانون بيتا بل هي مائة وخمسة أبيات الحمد لله رب العالمين

قال القاضي ابو بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد البزار سمعت المظفر هنا بن ابراهيم النسفي يقول سمعت أبا القاسم عبد الواحد بن عبد السلام بن الواثق يقول سمعت بعض الصالحين يقول رؤى بعض الصالحين في المنام فقيل له ما فعل الله بك قال غفر لي

قيل من وجدت أكثر أهل الجنة قال أصحاب الشافعي

فقيل فأين أصحاب أحمد بن حنبل

قال سألتني عن أكثر أهل الجنة ما سألتني عن أعلى أهل الجنة أصحاب أحمد أعلى أهل الجنة وأصحاب الشافعي أكثر أهل الجنة

مراثى العلماء والشعراء لشيخ الإسلام ابن تيمية بسم الله الرحمن الرحيم

قال الشيخ الفقيه أمين الدين عبد الوهاب بن سلار الشافعي رضي الله عنه يرثي الشيخ تقي الدين الإمام أحمد بن تيمية

كل حي له الممات ورود ** ليس في الدنيا لمرء خلود

كل خل مفارق لخليل ** كل وصل إلى إنفصال يعود

ليس يبقى إلا إله البرايا ** دائم الملك والبقا لا يبيد

عين سحى بمدمع ليس يرقأ ** وسهادا دائما وأجفان جووا

يا لجرح بمهجتي ليس يبرا ** أو يجودوا بطيفهم أو يعودوا

هل لما بي من مسعد أو معين ** عز صبري وفرط حزني يزيد

ويك نفسي تعاملي باصطبار ** فالذي قد قضى بهذا مريد

قد رزئنا إمام علم ودين ** عدم المثل في الزمان فريد

يا لحزن عليه عم البرايا ** يا لنار بقلبي لها وقود

كان شيخ الإسلام عقلا ونقلا ** سنن البدع عنده مردود

كان في العلم والشجاعة فذا ** وهو في الزهد والعفاف يسود

كان بالعرف آمرا لا للحظ ** وعن النكر للعباد يذود

كان لله ذاكرا كل وقت ** وعن اللهو والضلال بعيد

مات لله صابرا وسط سجن ** يوم الاثنين سره مشهود

وتولاه الأبرار غسلا ودفنا ** أبيض الوجه في الثرى ملحود

حين وافى على الرءوس مسجى ** والبرايا من كل حي وفود

صحت من فرط ما بدا لي مه ** لا لك في جنة الخلود خلود

يا لها من رزية طاش فيها ** كل لب وتقشعر الجلود

يا ابن تيمية عليك سلامي ** كل وقت يمضي ووقت يعود

يا ابن عبد الحليم حلمك يسمو ** يا ابن عبد السلام سلمك جود

يا إمام العلوم من للفتاوي ** ولحل الأشكال حبرا تفيد

ولفهم الكتاب والنقل بحر ** في معانيها مصيب شديد

يا بشوشا لكل من رام نفعا ** إن من نال من جناك سعيد

كل وقت مضى لديك سماعا ** ذاك عند التحقيق علم جديد

ليت شعري أيامنا باجتماع ** بك هل تبدو لنا أو تعود

طبت تربا وقدست منك روح ** ومنحت النعيم مهما تريد

والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم

وجدت بخط والدي يقول

أنشد الشيخ الإمام العالم مسند الشأم بهاء الدين القاسم بن محمود ابن عساكر أبقاه الله تعالى لنفسه في شيخ الإسلام تقي الدين أحمد ابن تيمية هذين البيتين في يوم الأربعاء سابع رجب عام عشرين وسبعمائة بمنزله بدمشق

تقي الدين أضحى بحر علم ** يجيب السائلين بلا قنوط

أحاط بكل علم فيه نفع ** فقل ما شئت في البحر المحيط

وأيضا وجدت بخطه في ابن تيمية يقول

أنشدنا الشيخ صلاح الدين القواس من لفظه ونظمه في شوال سنة ست وسبعمائة ببعلبك بمسجد الحنابلة

قالوا ابن تيمية في السجن قلت لهم ** لا يعجزنكم الأفكار بالقلق

مات الموفق والقاضي الإمام أبو ** يعلى ومات أبو الخطاب والخرقي

ولابن حنبل الصديق نور هدى ** حتى القيامة مثل البدر في الغسق

وفضله بين أهل الفضل مشتهر ** وإصبعاه من الزنديق في الحدق

تم والحمد لله وحده بسم الله الرحمن الرحيم

وجدت بخط الشيخ سعيد الذهلي يقول

أنشدنا الشيخ الإمام العالم الفاضل الكامل أوحد دهره وفريد عصره إمام المحققين وقدوة أئمة المحدثين تقي الدين أبو الثناء محمود بن علي بن محمود بن مقبل بن سليمان بن داود الدقوقي المحدث سامحه الله تعالى لنفسه

يرثي الشيخ الإمام العلامة والبحر الفهامة حجة الإسلام وقدوة الأنام تقي الملة والحق والدين أحمد بن الشيخ الإمام شهاب الدين عبد الحليم بن الشيخ الإمام العلامة مجد الدين عبد السلام بن تيمية الحراني قدس الله روحه ونور ضريحه في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة ولم ير الشيخ رحمه الله

قف بالربوع الهامدات وعدد ** واذر الدموع الجامدات وبدد

واحبس مطيك في المنازل ساعة ** واسأل ولا تك في سؤالك معتد

واقطع علائقك التي هي فتنة ** واتبع سبيل أولي الهداية تهتد

ودع صباك ودع أباطيل المنى ** واهجر دنيات الأمور وسدد

واقنع من الدنيا القليل ولازم الفعل الجميل وسر بسير مجرد

وتوخ فعل الخير واصحب أهله ** متحببا متجنبا أهل الدد

لا تعتبن مفارقا يبكي على ** أحبابه وارحمه إن لم تسعد

ودع المروع بالبعاد وعذله ** فالعذل أمضى من فعال مهند

ماذا الوقوف عن السرى وصحابنا ** ساروا وصاروا بالعراء القدخد

لا اخضر بعدهم العقيق ولا شدت ** ورق الحمائم فوق برقد تهمد

أما أنا فلأبكين فإن ونى ** دمعي سفكت حشاشة القلب الصدي

أين المعين على الخطوب إذا عرت ** أين المساعد عند فقد المسعد

أو ما درى من كنت تعرف قد مضى ** لسبيله في ضنك لحد مؤصد

اين المحامي عن شريعة أحمد ** أين المحقق نهج مذهب أحمد

مات الإمام العالم الحبر الذي ** بهداه عالم كل قوم يهتدي

من لليهود وللنصارى بعده ** يرميهم بمقاله المتسدد

سل عنه ديان اليهود أما غدا ** متلفعا بصغاره المتهود

نشأت على فعل التقى أطواره ** فعنت له التقوى وأعطت عن يدي

ورث الزهادة كابرا عن كابر ** والعلم إرثا سيدا عن سيد

قف إن مررت بقاسيون على ثرى ** فيه ضريح العالم المتفرد

واعجب لقبر ضم بحرا زاخرا ** بالفضل يقذف بالعلا والسؤدد

بشر يبشر بالغنى من جاءه ** يسر يسر فؤاد عان مزهد

كانت به أرض الشآم أمينة ** من مبطل متهول متلدد

لو تستطيع بنات نعش أن ترى ** يوما يسير بنعش ميت ملحد

كانت تسير بنعشه وتحطه ** فوق السماك وفوق فرق الفرقد

مات الذي جمع العلوم إلى التقى ** والفضل والورع الصحيح الجيد

شيخ الأنام تقي الدين محمد ** وجمال مذهب ذي الفضائل أحمد

ودعت قلبي يوم جاء نعيه ** فتقاعدي يا عين بي أو أنجدي

سقت العهاد عراص قبر حله ** جسد حوى خلقا وحسن تودد

يا مبلغ العذال فرط صبابتي ** وتعلقي يوم النوى وتسهدي

ما بعد رزئك في الزمان رزية ** تصمي المقاتل بالفراق ولا تدي

بددت شمل الملحدين جميعهم ** وجمعت شمل ذوي التقى المتبدد

يا من ترى أقواله مبيضة ** في كل ذي قول ووجه أسود

يا كالىء الإسلام من أعدائه ** وسمام كل أخي نفاق ملحد

يا واحد الدنيا الذي بعلومه ** يمتاز في الإسلام كل موحد

يا حامل الأعباء عن مستنصر ** يا كاشف الغماء عن مستنجد

يا طارد الشبهات عن متردد ** يا دافع الفاقات عن مسترفد

قرت عيون مجاوريك وقد غنوا ** بجوار قبرك عن وثير المرقد

فكأنما تلك اللحود حدائق ** تزهو بنرجس زهرها الغض الندي

يا خاتم العلماء صح بموتك ال ** خبر الذي يرويه كل مجود

اليوم قبض العلم قولا واحدا ** من غير ما منع وغير تردد

لو لم يكن ختم الأئمة أحمد ** بشرت أهل الخافقين بأحمد

خوض الكرائه لم يزل من دأبه ** فبه الفوارس في المضايق تهتدي

شيخ إذا أبصرته في محفل ** تقذى برؤيته عيون الحسد

ذو المنقبات الغر والشيم التي ** يفنى الزمان وذكره لم ينفذ

يا من يروم له عديلا في الورى ** قد رمت كالعنقاء ما لم يوجد

كم بين رئبال الفلاة وثعلب ** كم بين شعواء البزاة وجدجد

أرح المطى ولا تكن كمحاول ** صيد النجوم من المياه الركد

قد كان شمسا للصحاب منيرة ** بضيائها في كل قطر نهتدي

واليوم أدركها الكسوف فأظلمت ** طرق الهدى للسالك المتردد

لهفي على تلك الشمائل والندى ** والجود والهدى القويم الأرشد

هجم الحمام فلا مفر لهارب ** والموت في الدنيا لنا بالمرصد

مات الصديق ومات من عاديته ** وتموت أنت كمثله وكأن قد

وإذا مضى أقران عمرك فانتظر ** في يومك الناعي وإلا في غد

لكن لنا عن كل خل سلوة ** بمصاب سيدنا النبي محمد

صلى عليه الله ما هجر الكرى ** جفن التقى القانت المتهجد

تمت والحمد لله وعدتها ستة وخمسون بيتا بسم الله الرحمن الرحيم

وأيضا للدقوقي رحمه الله تعالى

ما كفء هذا الرزء جفن تسجم ** أبدا ولا قلب يذوب ويألم

رزء أصم جميع أسماع الورى ** سبق الحدوث به القضاء المبرم

رزء يجل عن البكاء لأنه ** لا رزء منه في البرية أعظم

يتضاءل اللسن الفصيح لذكره ** ويجل قدرا في النفوس ويعظم

رزء له هوت النجوم وكورت ** شمس الضحى والصبح ليل معتم

من عظم موقعه وفادح خطبه ** لم يدر قس ما البيان وأكثم

لكنما تجري الأمور بكل ما ** يقضي به رب السماء ويحكم

والأمر أعظم أن يقوم ببعضه ** دمع يصوب ولم يخالطه دم

ذا الخطب أعظم أن يداوى بالأسى ** هذا المصاب أجل مما تعلم

كل يدافع حتفه عن أنفه ** حتى يفاجئه الحمام المؤلم

أعي الأنام فما له من ملجأ ** يؤويهم عند الخطوب ويعصم

والموت ورد للجميع وكلهم ** في ماء ذاك الورد حتما يقدم

من أخطأته يد الحوادث في الصبا ** لا بد تدركه إذا هو يهرم

سيان في حكم القضاء مؤجل ** في نفسه ومعجل يتقدم

أأخي لا تبعد فليس بخالد ** أحد ولا حي عليها يسلم

لا تعذل الباكي على أحبابه ** واعذره وارحمه لعلك ترحم

للخطب يدخر الصديق ولا أرى ** في الناس يوم البين خلا يرحم

لا تحسبوا ورق الحمام سواجعا ** يوم الرحيل ولا المطايا تدرم

هذي تحن فتشتكي ألم السرى ** والورق تذكر إلفها فترنم

ما حاربت أيدي الردى في مأزق ** إلا غدت أقرانه تتخرم

من ذا يطيق مع الفراق تجلدا ** قل لي وقد مات الإمام الأعظم

أودى فريد الدهر أوحد عصره ** ومضى التقى العارف المتوسم

شيخ يسود بجده بحده ** وسواه في هذين صفر معدم

شيخ كأن الله أودع سره ** فيه فما تلقاه إلا يعلم

اليوم أكشف عن غوامض سره ** اليوم منه يفسر المستعجم

قد كان يؤثر من أتاه بقوته ** ويظل طول نهاره لا يطعم

ويجود بالموجود منه ويرشد ال ** جنف العصي بهديه ويقوم

ظهرت له شيم التقى فكأنه ** بطهارة الأثواب نسكا محرم

وإذا تقاعست الرجال فإنه ** يوم النزاع العالم المتقدم

من ذا يرى للمشكلات يحلها ** والواقعات ومن به يستعصم

وعلى النصارى الملحدين إذا أتوا ** من ذا يرد ومن يجيب ويفهم

يشتاقه الإرسال في إسناده ** والنسخ والمنسوخ ثم المحكم

وبكته عنعنة الحديث وطرقه ** وبيان ما يحوي عليه المعجم

هذا الذي للدين منه معلل ** ومنوع ومجنس ومعلم

هذا الإمام الحجة الحير الذي ** تنفى به شبه الشكوك وتحسم

فضل وزهد لا يعد وعفة ** وديانة ورزانة وتحلم

لك يا ابن مجد الدين طود باذخ ** في الفضل ممنوع الجوانب أبهم

أقسمت ما وصف امرؤ بصيانة ** في نفسه إلا وصونك أعظم

أبدى مصلاك البكاء وحسبه ** يبكي عليك وحقه يتندم

أسفا على ما فاته من ورده ** والليل ساج والخلائق نوم

حسدوه إذ وجدوه أعلم منهم ** ورأوه أفضلهم وإن كانوا عموا

عقلوه إذ عقلوه ليث كباشهم ** والليث يعقل من سطاه ويلجم

تبكي عليه جوامع ومجامع ** ومناقب ومراتب تتهدم

وزكت خلائقه الشراف وكرمت ** منه المعارش وهو منها أكرم

جمعت له أشتات كل فضيلة ** تروي مدائح شاردات حوم

ملأت فضائله البلاد ففضله ** كالشمس نور ضيائها لا يكتم

ولقد دعوت الشعر يوم نعيه ** فأبى علي فلم أطق أتكلم

أنى يجيب ومن لوازم حقه ** أن لا يجيب وفكره متقسم

وأخذت أكتب ما أقول وأدمعي ** بين السطور كعقد در ينظم

نفد المداد فساعدته مدامعي ** فعصى علي فساعد الدمع الدم

حال المداد عن السواد كأنه ** دمع المحاجم صب فيه العندم

جادت ضريحا بالشآم غمامة ** تسقي ثراه على المدى وتدوم

وسقى قبورا جاورته من الرضى ** تحت التراب سحاب عفو مثجم

طوبى لمن امسى مجاور تربه ** من أجلها الجار المجاور يكرم

أمسى وتحت الأرض عرس إذ نوى ** فيها وفوق الأرض فينا مأتم

هذا وأملاك السماء تحفه ** في كل يوم لا تمل وتسأم

يا أرض صرت به كروضة جنة ** لنزيلها في كل يوم موسم

لسواه تشقيق الجيوب وإنما ** شق الجيوب عليه مما يلزم

سعدت به أرض أقام برمسها ** ميتا وهذا الميت حي مكرم

نقلت الى جنات عدن روحه ** والحور والولدان فيها تخدم

جثمانه تحت العراء وروحه ** في مقعد الصدق الرضى تتنعم

لو كان للقبر المحيط بجسمه ** يوما لسان ناطق يتكلم

لسمعت بشراه بمن وافى إلى ** عرصاته من خير ضيف يقدم

هو في جوار الله أشرف منزل ** والله ارأف بالعباد وأرحم

تبكي له السبع الطواف وسعيه ** والحجر والبيت العتيق وزمزم

وتعطل المحراب من متهجد ** بالذكر في اسحاره يترنم

والخلق إن نسبوا إليه كواحد ** في أمة وهو الفريد الأعلم

أضحت سطور الفضل يصعب فهمها ** كالخط أصعبه الغريب المبهم

فأبان مشكلها وأوضح رمزها ** فغدت بتنقيط الفضائل تعجم

إن كان قد أمسى رهين مود أ ** زلخ الجوانب جدره متهدم

فلرب عان قد أعان وأكمه ** هدى فأرشده ولا يتبرم

وضريحه كالمسك ينشق عرفه ** من كان من حنق عليه يسلم

إن كان هذا الرزء يعظم ذكره ** شرفا وينجد في البلاد ويتهم

فالصبر أكبر ملبس يختاره ** حر بصير بالعواقب مسلم

وعلى النبي من الإله صلاته ** ما سارت الأظعان سوقا ترزم

قال الشيخ أبو بكر بن أحمد الدريبي رحمه الله

كان على النسخة التي نقلت منها نسختي هذه ما صورته

نقلتها من خط مؤلفها الشيخ الإمام العلامة أوحد عصره وفريد دهره أبي الثناء محمود بن علي بن محمود الدقوقي البغدادي قدس الله روحه

وقال أيضا شاهدت على الأصل المنقول عنه ما صورته

سمع على الولد السعيد أبو الخير سعيد بن عبد الله الذهلي الحريري جميع هذه القصيدة الموسومة بمرثاة الشيخ العالم الرباني تقي الدين أحمد بن تيمية الجراني بقراءة الشيخ الإمام الأوحد الفاضل المحقق الكامل جمال الدين أبي أحمد يوسف بن محمد بن مسعود بن محمد السامري وذلك يوم الثلاثاء سادس عشر ربيع الأول سنة ثلاثين وسبعمائة

وكتب ناظمها محمود بن علي بن محمود الدقوقي حامدا ومصليا

توفي ناظم هذه المرثاة الشيخ تقي الدين الدقوقي يوم الاثنين العشرين من المحرم سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة ودفن يوم الثلاثاء بمقبرة الإمام أحمد وحملت جنازته على الرءوس رحمه الله

وللدقوقي أيضا رحمه الله تعالى

مضى عالم الدنيا الذي عز فقده ** وأضرم نارا في الجوائح بعده

فدمعي طليق فوق خدي مسلسل ** أكفكفه حينا وجفني يرده

ويرجو التلاقي والفراق يصده ** وما حيلة الراجي إذا خاب قصده

مضى الطاهر الأثواب ذو العلم والحجى ** ولم يتدنس قط بالاثم برده

مضى الزاهد الندب ابن تيمية الذي ** أقر له بالعلم والفضل ضده

بكته بلاد الشأم طرا وأهلها ** وجامعها وانماع للحزن صلده

يحن إليه في النهار صيامه ** ويشتاقه في ظلمة الليل ورده

ويبكي له نوع الكلام وجنسه ** ويندبه فصل الخطاب وجده

حمى نفسه الدنيا وعف تكرما ** ولما يصعر للدنيات خده

ولم يجتمع زوجان من شهواتها ** لديه وبين الناس قد صح زهده

ويؤثر عن فقر وفيه قناعة ** ويعجبه من كل شيء أشده

عليم بمنسوخ الحديث وحكمه ** وناسخه فخر الزمان ومجده

قؤول فعول طيب الجسم طاهر ** إمام له من كل علم أسده

فما قال في دنياه هجرا ولا هوى ** ولا زاغ عن حق تبين رشده

علوم كنشر المسك من كل سيرة ** يشيد دين المصطفى ويجده

فلله ما ضم التراب وما حوى ** من الفضل فليفخر على الأرض لحده

فيا نعشه ماذا حملت من امرىء ** جميع الورى فيه وفوقك فرده

وكان لنا بحرا من العلم زاخرا ** فما باله لم يصف مذ غاب ورده

وما مات من تبقى التصانيف بعده ** مخلدة والعلم والفضل ولده

وخلف آثارا حسانا حميدة ** إذا عددت زادت على ما نعده

ولست مطيقا شرح ذاك مفصلا ** ولكن على الإجمال يعكس طرده

لقد فارق الأصحاب منه مصاحبا ** يراعي وداد الخل إن خان أوده

قضى نحبه والله راض بفعله ** ولله فيما قد قضى فيه حمده

يدل تراب القبر من جاء زائرا ** إليه بطيب فيه يعبق نده

ولا تحسبوا ما فاح عطر حنوطه ** ولكنه حسن الثناء ومجده

وكان لأهل العلم تاجا مكللا ** يحوطهم من مبطل خيف حقده

وما كان إلا التبر عند امتحانه ** يبين لعين الحاذق النقد نقده

وكان يقول الحق والحق حلوه ** مرير لهذا كان يكره رده

وفي الحق لم تأخذه لومة لائم ** ولا خاف من غمر تشدد حرده

وما كان إلا السيف غارت يد العلا ** عليه فردته كما غار غمده

ولم تلهه الدنيا وزخرفها الذي ** يروق لمن لم يؤنس الدهر رشده

لقد فقدت منه المحاسن زينها ** ولما يفارق علمه الجم وجده

وخضبت الأقلام بعد مدادها ** عليه دما قد فاض بالطرس مده

فللدهر ما ضم الثرى من محقق ** ويا لك من عض تثلم حده

وكان إماما يستضاء بنوره ** وبحرا من الأفضال قد غيض عده

وكنت أرجى أن أراه ونلتقي ** ولكن قضاء الله من ذا يرده

ترى الموت مألوف الطباع وربما ** يعلل بالمألوف من لا يوده

فآه على تفريق شمل مجمع ** وحر فؤاد بان مذ بان برده

إلا أنها نفس وللنفس حرة ** وقلب وقد يشجى ويضنيه وجده

ولست بناس عهد خل تغيبت ** محاسنه والخل يحفظ عهده

وما عذر دمع لا يجيش بدمعه ** غداة نأى عنه الصديق ورفده

يروم الأماني والمنايا تصده ** وما حيلة الراجي إذا حار قصده

عليك أبا العباس فاضت مدامعي ** وقلبي لبعدي عنك أجج وقده

على مثلك الآن المراثى مباحة ** وإن غاض دمعي فالدماء تمده

شددت عرى الإسلام شدة عارف ** قوي على الأعداء لم يأل جهده

تركت لهم دنياهم ترك عالم ** علا قدره عند الإله ومجده

وكنت لمجموع الطوائف مقتدى ** وعقدا لهذا الدين أبرم عقده

وكنت ربيعا للمريد وعصمة ** فمذ صرت تحت الأرض صوح ورده

جمعت علوم الأولين مع التقى ** إلى الورع الشافي الذي شاع حمده

وكنت تقي الدين معنى وصورة ** قؤولا وخير القول عندك جده

رحلت وخلفت القلوب جريحة ** تذوب وجيش الصبر قد قل جنده

عليك سلام الله حيا وميتا ** مدى ما بدى نجم وأشرق سعده

تمت وهي اثنان وخمسون بيتا

تقي الدين لما مت أضحت ** لك الدنيا تصيح بانتحاب

وكنت البحر فوق الأرض تمشي ** فعاد البحر من تحت التراب

للإمام المحدث الفقيه الفاضل تقي الدين أبي عبد الله محمد بن سليمان بن عبد الله بن سالم الجعبري مرثاة في شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية رحمة الله عليه

جل رزئي وقل مني إصطباري ** يا لقومي من قاصم الأعمار

من معيني على نوائب دهري ** وملماته ومن أنصاري

قد سقتني الأيام جرعة صبر ** عز صبري لها وبان إصطباري

فدموعي مثل الغمام إنسجاما ** ونواحي في الليل مثل القماري

يا عذولي أقصر فإنك خلو ** من شجوني فلا احترقت بناري

طاب كأس المنون صرفا أدرها ** لا كؤوسا ممزوجة من عقار

لست أبغي الحياة بعد ولكن ** بغيتي أن أموت في الأبرار

بعد سبع من المئين وعشري ** ن خريفا من هجرة المختار

مع ثمان للعقد عشرون إ ذا ** ك يوم الاثنين بعد نصف النهار

مدفن الحبر محرز العلم حقا ** ترجمان الكتاب والآثار

أحمد أحمد المناقب والوص ** ف ابن تيمية الكريم النجار

التقي النقي ذي المجد والس ** ود والمكرمات والإيثار

إن يكن جسمه تغيب في التر ** ب فمعناه نشره كالعرار

كان قطبا وعالما وإماما ** وشيخا لوحده بالفخار

جابرا لليتيم برا رحيما ** علمه مشرق على الأمصار

لم أجد بعده على الدهر ** معينا سوى عيون جواري

فنهاري من فقده مثل ليلي ** بعد ليل بوصله كالنهار

يا ابن تيمية ويا أوحد العص ** ر ويا سيدا غريب الدار

كنت كالكهف ملجأ لمخيف ** من ضلال وناصرا باقتدار

إن دعوت البكاء بعدك والصبر أجاب البكا وولى اصطباري

فرجائي إن ينقطع من وصال ** سوف يبقى حزني مدى الأعمار

كنت حبا للمتقين إماما ** فالق ما قد وعدت من ستار

غافر الذنب قابل التوب ذي الطو ** ل العزيز المهيمن الغفار

وعلى نفسك الزكية مني ** يا منائي ومنتهى أو طاري

كل وقت تحية وسلام ** ما ضاءت كواكب الأسحار

تمت والحمد لله وحده

للشيخ قاسم بن عبد الرحمن بن نصر المقرىء في الشيخ تقي الدين ابن تيمية يرثيه

عظم المصاب وزادت الأفكار ** وجرت بحكم فراقك الأقدار

يا أوحدا في حلمه وعلومه ** خلت البقاع وقلت النصار

أعلى تقي الدين يحسن صبرنا ** ولمثله تتهتك الأستار

تجري لعظم فراقنا عبراتنا ** أسفا عليه كأنها أخطار

لهفي على بحر العلوم وغوصه ** يحوي الجواهر باهر زخار

ينثال منه إلى القلوب جواهر ** والدر من فيه السني نثار

وله بتفسير الكتاب غرائب ** جليت له وكذلك الأخبار

حبر لبيب أوحد في عصرنا ** سل ما تشا له به أخبار

غلب الملوك مهابة وشجاعة ** ليث يهاب لقاءه الكفار

ما كان إلا شامة في شامنا ** وعليه من تقوى الإله شعار

وله من الله الكريم عناية ** وله من الصبر الجميل دثار

ما كان إلا درة مكنونة ** لا يعتريه تدنس وغبار

لا يلوين إلى الحطام تعففا ** وعليه من تقوى الإله وقار

ما كان إلا حبر أمة أحمد ** شخصت لعظم مصابه الأبصار

ومجاهد في الله حق جهاده ** بحر الندى ونواله مدرار

وله الزهادة والعبادة منهج ** وبسنة الهادي له استبصار

حاز العلوم أصولها وفروعها ** وبكل ما يروى له آثار

يلوى عن الدنيا وما يعنى بها ** وزواه عنها الواحد القهار

لما اقتناه هداه منهاج الهدى ** وعطاء ربك وافر مكثار

نزل القضاء به فآنس رحمة ** من ربه لا تدفع الأقدار

بكت السماء عليه يوم فراقه ** أسفا وجاء الغيث والأمطار

وبكى الشآم ومدنه وبقاعه ** لما قضى وكذلك الأمصار

أو ما نظرت إليه فوق سريره ** حفت به من ربه الأنوار

والناس من باك عليه بحرة ** ودموعهم فوق الخدود غزار

وهم ألوف ليس يحصى جمعهم ** إلا إله غافر ستار

نزلوا به كالبدر في إشراقه ** فتباشرت بقدومه الأقطار

عبد الحليم وجده سعدوا به ** وأخوه عبد الله والأبرار

ولمثل هذا سارعوا أهل التقى ** فازوا بما فازت به الأخيار

الله يكرمه بأفضل رحمة ** في جنة من تحتها الأنهار

أكوابها موضوعة وقبابها ** مرفوعة حفت بها الأنور

وكؤوسها قد أدهقت وقصورها ** قد أشرقت من فوقها الأستار

وصحافها من فضة ولباسهم ** من سندس وطعامهم أطيار

والحور في تلك الخيام ببهجة ** لكنهن على المدى أبكار

عربا لأصحاب اليمين فليتنا ** منهم إذا صرنا إلى ما صاروا

وعلى الأرائك ينظرون نعيمهم ** وعليهم كأس الرحيق تدار

ووجوههم مثل الصباح إذ بدا ** للناظرين كأنهم أقمار

ويمتعون بنظرة قدسية ** من ربهم سبحانه الجبار

في عمر عيسى والجمال كيوسف ** وبطول آدم كلهم أبرار

ثم الصلاة على النبي محمد ** فهو الرسول المصطفى المختار

هادي الورى وإمامهم وشفيعهم ** أنصاره الأملاك والأنصار

صلى عليه الله ما اهتز الثرى ** فرحا إذا ما جادت الأمطار

تمت وهي أحد وأربعون بيتا

من قصائد الشيخ مجير الدين أحمد بن الحسن بن محمد الخياط الجوخي الدمشقي مرثية في الشيخ رحمه الله تعالى

خشعت لهيبة نعشك الأبصار ** لما عليه تبدت الأنوار

وبه الملائكة الكرام تطوفت ** زمرا وحفت حوله الأبرار

فكساه رب العرش نورا ساطعا ** فكأنما غشي النهار نهار

ولأمة الإسلام حول سريره ** سام إلى رب السماء جؤار

ولهم دموع من خشوع نفوسهم ** ودموعها فوق الخدود غزار

وسروا به فوق الإران وتحته ** منهم يمين أنامل ويسار

ولرحمة الرحمن ظل سجسج ** يغشاهم وسكينة ووقار

فلكم عيون من تموج مائها ** حزنا تأجج في الجوانح نار

كان الممات زفاف عرس حياته ** وبه النفوس مع الدموع تثار

إن كان من أهل وجيران نأى ** فله دنا من ذي الجلال جوار

أو كان عن دارالفناء رحيله ** فلديه في دار البقاء ديار

أو كان أزعج عن ذرى أوطانه ** فله بخلد في الجنان قرار

ما كان إلا مزن علم روضت ** منه بصيب قطره الأقطار

كالغيث أقلع بعد سح عيمه ** وتخلفت من بعده الآثار

ما كان إلا طود علم باذخ ** من دون وزن حصاته القنطار

ما كان إلا بحر جود كفه ** تياره بنواله زخار

ما كان إلا ديمة معروضها ** بهباته لعفاته مدرار

ما كان إلا البدر عند كماله ** وافاه من نقص التمام سرار

ما كان إلا خير أمة أحمد ** في العصر لم تسمح به الأعصار

حبر وبحر للمكارم والتقى ** والجود والإحسان فيه بحار

ولكم لأحمد في المحامد رتبة ** من طولها تتقاصر الأفكار

وله مناقب ما لحصر صفاتها ** عد ولا حد ولا مقدار

وله الشعور بكل علم نافع ** عقلا ونقلا في الأنام شعار

وله التزهد والتعبد والتقى ** ما بين أرباب الدثور دثار

وله إذا فخر الفخور بزينة ال ** دنيا بتشعيب الحياة فخار

ولأشرف الأشياء علم نافع ** لا درهم يغني ولا دينار

إن أظلمت سبل النهى لسكونه ** فلذكره في الخافقين منار

ولقد علا الإسلام جل مصابه ** لكنها لا تدفع الأقدار

لو كان في الدنيا يدوم مخلدا ** بشر لخلد أحمد المختار

ولكل حي خلع ثوب حياته ** علما بأن ثوب الحياة معار

فيم النجاة وكل حي ميت ** إلا الإله الواحد القهار

ولقد أسفت على فراقي أحمدا ** إذ ليس لي قضيت به الأوطار

لو كان يفدى هان عند فدائه ال ** أموال والأولاد والأعمار

قد كان مغناطيس أفئدة الورى ** أنسا ولكن في القليل نفار

ما كنت أحسب أن يوم وفاته ** يبدو المصون وتهتك الأستار

بكرالنساء من الستور ثواكلا ** ومن الخدور النهد الأبكار

والناس أمثال الجراد لهم على ال ** تابوت منه تهافت ودوار

فكأنه يعسوب نحل نحوه ** حيا وميتا للنفوس مطار

ملأت محاسنه البلاد ونوهت ** بحديث معجز فضله الأمصار

وجرى بأفواه الأنام ثناؤه ** فلأرض روضة ذكره معطار

يفنى الزمان وينقضي وبأحمد ** وحديثه تتحدث السمار

فأحله الرحمن دار أمانه ** ليزول من خوف عليه حذار

وحباه ظلا صافيا في جنة ** فيحاء تجري تحتها الأنهار

تمت وهي ثلاثة وأربعون بيتا

وله أيضا يرثى شيخ الإسلام رضي الله عنه

لمصاب البر التقي الإمام ** كل دمع من الورى في انسجام

والبواكي لهم عليه نواح ** كفقيدات صادحات الحمام

مات يوم الاثنين والسر فيه ** غير خاف على ذوي الأفهام

موتة عظم المهيمن فيها ** قدره في عموم جمع الأنام

حفه الناس أجمعون رجالا ** ونساء سعيا على الأقدام

ومشوا تحت نعشه وهو من فو ** ق رؤس الأعيان والحكام

يسبلون الدموع من خشية الل ** ه وحزنا كمسبلات الغمام

وضجيج العباد سرا وجهرا ** كدوي في سامق الجو سام

يا له مكفهر يوم عبوس ** عاث في غارب السهى والسنام

كم به عاين الهلاك قوي ** ذو نشاط لفرط كظ الزحام

يا لها رزية كان فيها ** يوم بؤس في طوله فوق عام

جل فيه المصاب حتى لقد ر ** ق تعبيره على الأوهام

كان شيخ الإسلام في العلم والزهد وحل مشكلات الكلام

فقد الناس منه بحرا عليما ** هديه كالأئمة الأعلام

منه حب الكتاب والسنة المثلى جرى في عروقه والعظام

بلغ الأوج من سماء المعالي ** وتسامى علما على كل سامي

وطوى ذكره البلاد انتشارا ** فهو حتى المعاد في الناس نامي

كان جبر الكسير إن هاضه الدهر وعون العاني وحطم الحطام

كان حب الدنيا إليه بغيضا ** فوق بغض الصحيح ثوب السقام

كان لا يرهب الملوك ولا ير ** غب فيما لهم من الأنعام

كان وترا في الفضل فذا وكل الناس جاءوا بشفعهم والتؤام

كان سمحا بمثله الدهر ضنا ** في ليالي الزمان والأيام

كان سطرا في جبهة الدر يقرا ** في البرايا وشامة في الشآم

كان نفعا لكل من خاف ضرا ** في سبيلي حلاله والحرام

لم يكن ذا تأنق في متاع ** ولباس ومشرب وطعام

كان يخشى داء ويرجو دواء ** وشفاء لكل داء عقام

كان في الله ذا انتقام ولا يو ** جد يوما لنفسه ذا انتقام

كان برا يهدى به ذو ضلال ** كان بحرا يروى به كل ظام

كان كالليث بالنوائب فتكا ** كان كالغيث بالمواهب هام

في يديه وصدره كل بحر ** زاخر بالنوال والعلم طام

أي ندب شهم شجاع جواد ** أروع ما جد سري همام

قام لما تذبذب النا ** س وتبدى لما نبا كل حام

كم له في حنادس الخطب والخل ** ق نيام حتى الضحى من قيام

وجميع الأنام من شدة الخو ** ف نيام من الردى في منام

وبنو فارس قد افترسوا النا ** س افتراس الأسود سرع السوام

ودمشق الشآم بعد انبساط ** من ضواحي رستاقها في في انضمام

إذ غزانا علج العلوج قزان ** وغزانا من فارس بالطغام

فأعاد العزيز منا ذليلا ** ذا صغار ينقاد كالأنعام

فنضاه الجبار جل ثناه ** في وجوه العدى كحد الحسام

فحمانا بالله من كل طاغ ** لا برمح وصارم وسهام

يا له حين فر كل كمي ** من حماة الإسلام عنا محامي

يا ابن تيمية عليك خصوصا ** وعموما تحيتي وسلامي

يا سليل العلا عليك القوافي ** قد بكت في الطروس بالأقلام

يا فقيد المثال علما وحلما ** وقريب المرمى بعيد المرام

يا بطيء الأحجام إن عز خطب ** وسريع القيام والإقدام

يا محلى وكاسيا كل فضل ** ومعرى من كل عار وذام

كف طرفي إن لذ من بعد مرآ ** ك لأجفانه لذيذ المنام

وبودي بفقد شخصك لو حا ** م على أيكتي حمام حمامي

ولعمري يا من له في فؤادي ** لحد ذكر دوامه بدوامي

إن حللت الثرى فروحك حلت ** ياابن عبد السلام دار السلام

فسقى تربة حواك ثراها ** كل مزن بوابل ورهام

وإذا سحت السواري بسح ** والغوادي جدناك بالدمع دام

تمت بحمد الله وعونه وعددها اثنان وخمسون بيتا والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم

للإمام نجم الدين إسحق بن ألمى التركي يجيب صدر الدين ابن الوكيل في قصيدة هجا بها شيخ الإسلام أحمد بن تيمية وزعم أنه لما خرج من دمشق في محنته الأولى مطرت السماء

من مبلغ عني الخبيث مقالة ** كالسيف أقصم ظهره بفرنده

أزعمت إذ غاب الإمام همى الغما ** م كذبت بل بكت السماء لفقده

أو ما ترى شمس الضحى في مأتم ** والجو قد لبس الحداد لبعده

فليدخلن لأرض مصر إمامنا ** بسكينة حفت به من عنده

وليرجعن إلى دمشق مؤيدا ** حقا كما عاد الحسام لغمده

وترى بعينك ما يسوؤك من علا ** يفنى الزمان ولا نفاد لمجده

أظللت من حمق به متشبها ** أين الثعالب في الثرى من أسده

مخضتكما أيدى الزمان فكنت كالز ** بد الجفاء وكان خالص زبده

فاستر معايبك التي سارت بها الر ** كبان في غور الوجود ونجده

فكفاك مقتا أن تكون محاربا ** لولي رب العالمين وعبده

تمت وهي عشرة أبيات

تب إلى الله أيها الإنسان ** فلمن تاب روضة وجنان

ولمن تاب في القيامة فوز ** ونعيم وقاصرات حسان

تب إلى الله من جميع المعاصي ** فلمن تاب عنده غفران

للشيخ محيى الدين أحمد بن الحسن الخياط الجوخي الدمشقي يرثي شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه أيضا

بمصرعك الناعي أصم وأسمعا ** وصم الصفا من صدمة الحزن صدعا

فكم مقلة جفت جمودا من الأسى ** وكم مهجة سالت مع الدمع أدمعا

وكم ثاكل بالنوح والندب رجعت ** وكم فاضل بالنظم والنثر سجعا

ولم يبق ذو علم وزهد من الورى ** لفقدك إلا كاسف البال موجعا

تنكرت الدنيا على كل عارف ** رأى منك مأهول المنازل بلقعا

جعلت لمن أخلى مضيفا ومربعا ** فؤادي وأجفاني مضيفا ومربعا

فيا أحمد المحمود قد كنت للهدى ** منارا وللشرع الحنيفي مشرعا

وللدين والدنيا ضياء وبهجة ** إذا لاح وجه الخطب أسود أسفعا

رمينا برزء منك لم تستطع له ** يداي شديد الأيد والكيد مدفعا

رحلت عن الأوطان رحلة نازح ** إليهن لم تزمع مدى الدهر مرجعا

لقد كنت عن شر بطيئا ووانيا ** وفي طلب الخيرات عجلان مسرعا

وللحكم طودا راسخا باذخ الذرى ** وللجود والإحسان والعلم منبعا

وركنا لدين الله حين تهدمت ** قواعده منه وهى وتضعضعا

وروض علاء ناضرا عاد ممعرا ** وصوح منه كل ما كان ممرعا

ومجمع شمل شتت الشمل فقده ** وأنواع أشتات النوائب جمعا

وحبرا حوى حيزومه وبنانه ** بحار الندى والجود والعلم أجمعا

سرى ذكره في الأرض شرقا ومغربا ** سرى نشر عرف المندل الرطب ضوعا

وحازت مساعيه الكواكب عدة ** مع القطر إذ فاتت رمالا ويرمعا

فيا موته ما كان في القلب أوجعا ** ويا يومه ما كان في العين أفظعا

ويالك من خطب جليل وحادث ** عدمنا به الشهم الجواد السميدعا

ومن يوم بؤس عابس الوجه كالح ** سبانا هماما يؤمن الروع أروعا

مطيعا لرب العرش لم يعص أمره ** ومنه له في العصر لم نر أطوعا

منيبا إليه قائما بحدوده ** إلى حين ولى مذ نشا وترعرعا

هزبرا ومقداما على العرف كله ** مليكا لمنع المنكرات ممنعا

شجاع جلال في جدال بحوثه ** يعيد جبانا كل من كان أشجعا

يصول بسيف العلم في معرك النهى ** وأرماح شرع الجهل أقبلن شرعا

وفي عصره كم من إزالة بدعة ** ومنكر فعل قد أجاد وأبدعا

وما كان إلا الشمس في ليل باطل ** يرينا بنور منه للحق مطلعا

فكم من ظلام الظلم زحزح غيهبا ** بساطع نور العدل من حين شعشعا

وكم من كرامات له ومناقب ** يضيق بها وسع الزمان توسعا

وكم من طريق في المباحث مبهم ** بإيضاحه أضحى لسارية مهيعا

وكم سامها النقصان والخفض حاسد ** وخص كمالا زائدا وترفعا

تولي عن الدنيا حميدا ولم يكن ** لزخرفها المذموم يبدي تطلعا

وعاش إلى أن مات لم يعط نفسه ** بتأميل ما في دار دنياه مطمعا

إمام عليم خاشع متواضع ** لهيبته تغضى النواظر خشعا

سحاب علوم روض الأرض فضله ** وألبسها برد البيان الموسعا

ونضر منها بالفضائل أوجها ** وتوجها تاج المعالي المرصعا

وخلفها من بعد صيب صوبه ** عليها رياضا للعقول وأقلعا

كذا المزن أنى جاد بالوابل الثرى ** وروى صداها حق أن يتقشعا

فلله مفقود فقدناه نافع ** لنا منه غير الله لم نر أنفعا

شغفنا به في الله حبا فلم يدع ** هواه لغير الله في القلب موضعا

عليك أبا العباس أحمد لم يزل ** فؤادي بتذكار الفؤاد مروعا

إلى أن يريني الله وجهك سافرا ** بنضرته يوم المعاد مبرقعا

تمت وهي ثلاثة وأربعون بيتا

مرثية للشيخ برهان الدين أبي إسحاق ابراهيم بن الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الكريم التبريزي يرثي شيخ الإسلام وهي ثالثة ثلاث مرات عدد أبياتها ثمانون بيتا

لفقد الفتى التيمي تجري المدامع ** وتصدع بالنوح الحمام الصوادع

فتغرق جفنا قد تقرح بالبكا ** وتضرم نيرانا حوتها الأضالع

وبالماء يطفى كل نار ونارنا ** مؤججها بين الضلوع المدامع

وأما الحمام الصادحات فإنها ** حمام حمام للقلوب صوادع

على ماجد جلت مآثره التي ** لها في قلوب العارفين مواقع

علوم وأخلاق كرام وسؤدد ** وجود ومجد باذخ وتواضع

وزهد وإيثار وتقوى وعفة ** وتلك سجايا حازها وهويافع

هو الحبر أما المشكلات فحلها ** يسير لديه وهو في الحل بارع

وأما عقود الدين فهي وثيقة ** لديه وعنها بالرماح ينازع

إمام بكته أرضه وسماؤه ** بكاء حزين حزنه متتابع

وما لهما لا يبكيان لفقد من ** عن الله لم يقطعه في الكون قاطع

وحق لمن كانت جوامعهم له ** جوامع يبكوا فقده والجوامع

ولو بكت الدنيا وما كان حقها ** فواحدها قد كان والشمل جامع

وقد أصبحت ثكلى تعزى بفقده ** ومن بعده هالت عليها الفجائع

ولولا ابتغاء الأجر كان اصطبارنا ال ** جميل قبيحا إنما الصبر نافع

ومنبره لولا غزارة وعظه ** عليه قديما حرقته المدامع

وما زال في حق ابن تيمية الفتى ال ** إمام تقي الدين أحمد ضائع

أما كان شمسا في المطالع يجتلى ** فعادت عليه فاختبته المطالع

وشامة حد الشام قد كان علمه الش ** ريف على الخد المكرم طابع

ونجم هدى للسالكين إذا سروا ** وبدر منير في الدياجي طالع

قد غاب غاب البدر عنه ولم يشم ** لشائمه برق على الشام لامع

ولا افتر ثغر الشام من فرط حزنه ** على من عليه مدمع العين هامع

وبدر الدجى إن غاب لم تشرق الدنا ** ولو أشرقت فيها النجوم الطوالع

ومن مودعات الله كان استرده ** ولا بد يوما أن ترد الودائع

ولكن به عاشت نفوس ومتعت ** قلوب وأبصار ولذت مسامع

أجاب لداعي ربه مسرعا كما ** أجابوه أهل الاحتباء وسارعوا

دعاه إليه ربه فأجابه ** ومن يدعه المولى إليه يسارع

وأصبح جارا للذي عز جاره ** كما كان يمضي ليله وهو راكع

تبارك من حلاه بالزهد والتقى ** ورصع ذاك الحلى من التواضع

وملكه قلبا منيرا وكيف لا ** فيه من السر المصون ودائع

وتوجه تاجا من الزهد والتقى ** لمعناه تيجان الملوك خواضع

ومالي إذا بالغت في وصف سيد ** حوى كل فضل في الأنام منازع

وما أنا وحدي واصف بعض وصفه ** فكم فيه وصاف وبالحق صادع

ومن بابه قد خصه الله دون من ** سواه وفضل الله ذي العرش واسع

إذا قيل قد قال ابن تيمية الفتى ** مقالا فكل للذي قال سامع

ونور الهدى والعلم والزهد والتقى ** عليه على رغم الحواسد ساطع

وما ذاك إلا أنه لنبيه ** نبي الهدى في كل شيء متابع

وفي الله لم تأخذه لومة لائم ** وليس له في نصرة الحق وازع

له راعدا مثل الهلال إذا بدا ** تشير إليه حيث كان الأصابع

وإن كان في تقوى سواه منازع ** فما في تقى هذا التقي منازع

إمام عظيم عالم ومعلم ** صبور شكور للمهيمن طائع

وآتاه ذو العرش المجيد مواهبا ** وليس لما يعطيه ذو العرش مانع

أما كان في دفعات غازان جائلا ** بعزمة ليث لم ترعه الوقائع

يقول لجيش المسلمين ألا ابشروا ** بنصر على الأعداء والنصر واقع

فأصبح جيش المسلمين مؤيدا ** وغازان لاقى حتفه وهو راجع

تصانيفه في كل علم بديعة ** وفيها لأهل الابتداع بدائع

ولم يبتغ شيئا سوى وجه ربه ** وفي زخرف الدنيا عدته المطامع

فيا فوز من يحوى تصانيفه ولا ** يزال لها في كل وقت يطالع

علوما لمن يبغي النجاة اعتنى بها ** وللناس في تلك العلوم منافع

وذو الفضل يؤتيه المهيمن فضله ** ولا حاصد إلا لما هو زارع

فيا ثلمة في الدين لم يرج سدها ** وخرقا عظيما ماله الدهر راقع

فإن انتقاص الأرض من علمائها ** سيوف حداد للظهور قواطع

ويا محنة أربت على كل محنة ** وقارعة غابت لديها القوارع

فكم شت شملا بينه بعد جمعه ** وليس لما قد فرق البين جامع

كما فاق في الآفاق بالعلم والتقى ** وشاع له في الناس ما هو شائع

كذلك لم يسمع بمثل جنازةال ** إمام تقي الدين أحمد سامع

مشيعها ضاق الفضا بازدحامهم ** ورصت بمن صلى عليه الجوامع

وزف على الأعناق فوق سريره ** زفاف عروس نحو حب تسارع

وأودعه الأحباب عند وداعه ** لمن لم تخب يوما لديه الودائع

وعادوا من التوديع حرقى جوانح ** وغرقى جفون أغرقتها المدامع

وما زالت النسوان يبكين فقده ** إلى أن نضت من دمعهن البراقع

فلو أنه يفدى فدته نفائس ** النفوس ولكن القضا لا يدافع

هنيئا لرمس ضم بحر فضائل ** فطوبى لقوم جاوروه وضاجعوا

فلا بد من فضل عظيم ورحمة ** تحيى بها طول المقام المضاجع

وأني بتذكاري حلاوة عيشه ** مدى الدهر مااستمرت لدى قائع

وإني بتذكاريه صب مولع ** ولست لعذالي عليه أطاوع

ولولا التقى كان التصبر يتقى ** على رزئه لو أن صبرا يطاوع

وكيف يطيع الصبر في رزء سيد ** به لخطوب الدهر كنا ندافع

فإن شئتمو يا لأيمينا فإننا ** لكم نتناسى ذكره ونصانع

فهاتوا ولن تأتوا بحبر مؤيد ** يضارعه هيها المضارع

وإن عمكم عجز باظهار سيد ** يناؤته إن شئتم صلوا أو فقاطعوا

فقد وضحت أعذار كل من انتهى ** إلى السيد التيمي وخاب المنازع

ثمانون عاما قد كسرت بحبها ** ومن جيش تسعين طلعن طلائع

فلم أر في عمري الذي طال مثله ** وما أنا في رؤيا المماثل طامع

ثلاث مرار قد نظمت بهذه ** له ولي النظم الجموع مطاوع

فمن أجل ذا طالت وطابت لسامع ** وود من استجلى سناها يراجع

ومن حقه أنا يموت صبابة ** كما مات أحباب على الموت تابع

وإنا لنرجو أن نقوم بحقه ** إلى حين يأتي حيننا وننازع

عسى الله في الجنات يجمعنا به ** فكل امرىء منا بذلك طامع

فلا أوحشت منه مواضعه التي ** به أهلت واليوم هن بلاقع

وكان بها يتلو القران مفسرا ** غوامضه حتى تنير المواضع

ولا برحت تهمي سحائب رحمة ** عليه كما تهمي عليه المدامع

تمت والحمد لله وحده

للشيخ شمس الدين الذهبي مرثية في الشيخ رحمه الله

يا موت خذ من أردت أو فدع ** محوت رسم العلوم والورع

أخذت شيخ الإسلام وانفصمت ** عرى التقى واشتفى أولو البدع

غيبت بحرا مفسرا جبلا ** حبرا تقيا مجانب الشبع

فإن يحدث فمسلم ثقة ** وإن يناظر فصاحب اللمع

وإن يخض نحو سييوبه يفه ** بكل معنى في الفن مخترع

وصار عالي الإسناد حافظة ** كشعبة أو سعيد الضبعي

والفقه فيه فكان مجتهدا ** وذا جهاد عار من الجزع

وجوده الحاتمي مشتهر ** وزهده القادري في الطبع

أسكنه الله في الجنان ولا ** زال علينا في أجمل الخلع

مع مالك والإمام أحمد والنع ** مان والشافعي والنخعي

مضى ابن تيمية وموعده ** مع خصمه يوم نفخة الفزع

تمت وعدتها أحد عشر بيتا

للشيخ زين الدين عمر بن حسام الدين أقش الشبلي يرثي الشيخ تقي الدين رضي الله عنه

هل بعد بعدك طرف دمعه راق ** أم هل لداءأخي الأحزان من راق

بعدت عنا فللأحشاء نار جوى ** تشب فيها بإزعاج وإحراق

إنا إلى الله من خطب غدا مثلا ** عم الأنام بأوجال وإشفاق

كدنا من الحزن أن نقضي عليك أسى ** برزت لنا من فوق أعناق

لما خرجت بيوم الدفن في أمم ** كأنه كان يوم الكشف عن ساق

وقلت مات إمام المسلمين فيا ** عين اذرفي إن رعيتي حفظ ميثاق

لهفي على ناصر للدين وهو إلى الغايات من كل فضل خير سباق

حوى فنون النهى صدقا بلا كذب ** وحاز علم الورى في طيب أخلاق

لهفي على حجة الإسلام كان له ** مناقب حازها في حسن أعراق

بحار علم حوى في صدره وغدا ** ببحر جود لوافي المال نفاق

يزداد حزني عليه كل آونة ** وليس يطفي لهيبي فيض آماق

غاضت بحار علوم الدين يوم ثوى ** ذاك الإمام بلحد تحت أطباق

نسعى إلى الدفن مشيا فوق أرجلنا ** وقل لو كان مشيا فوق أحداق

يا جامع الفضل قد جف الكتاب بما ** قد كان من بسظ آجال وأرزاق

والموت بعدك لا يبقى على أحد ** لم يبق إلا الإله الدائم الباقي

تمت وهي خمسة عشر بيتا

وقال بعضهم في شيخ الإسلام تقي الدين قدس الله روحه

الحمد لله حمدا دائما أبدا ** مباركا طيبا يستغرق العددا

ثم الصلاة على الهادي وعترته ** وصحبه وذويه الصفوة السعدا

قد أنجز الله للأبرار ما وعدوا ** من رفع نازلة مست إمام هدى

وأصلح الله ذات البين وانفرجت ** شدائد فككت أهوالها الزردا

وأغمد الله سيفا كان مشتهرا ** وأطفأ الله جمرا كان قد وقدا

وألف الله ما بين القلوب على الت ** قوى وعرفها طرق الهدى وهدى

فأصبح الناس في صفو بلا كدر ** من بعدما كان كل عيشه نكدا

وعدا على الله حقا نصر ناصره ** عليه به القرآن قد شهدا

ولم تكن محنة بل منحة جمعت ** لطفا خفيا ولطفا للعيون بدا

فيها بصائر للمستبصرين بها ** تنبي لمن غاب عنها من لها شهدا

فداوموا شكر نعما كالحيا وكفت ** على الورى وكفت كل الأنام ردى

فيا لها نعمة قد عمت سلامة من ** بالروح يفدى وقلت أن تكون فدا

فهو الإمام الذي ما زال عند ذوي ال ** أحكام في سائر الأحكام مجتهدا

إن قيل من هو فاطرب عند ذاك وقل ** نجل ابن تيمية فاشدد به عضدا

أو قيل من ولد من هذا الكريم فقل ** من ولد مجد علا أكرم به ولدا

مولى له في جلاد أو مجادلة ** لواء نصر وتوفيق قد انعقدا

تهاب مجلسه العالي الملوك ومن ** يخشى سطاه ومن لم يرهب الأسدا

من أجل تعظيمه للحق لو وقف الليث الهصور لديه راح مرتعدا

وكونه ترك الدنيا وزينتها ** زهدا ولا سبدا أبقى ولا لبدا

تصغي المسامع ليتا عند منطقه ** كأنما السمع بالألفاظ قد عقدا

تذكر الله ذكراه ورؤيته ** تذكار واجد ما قد كان قد فقدا

ترى ازدحاما على أبوابه أبدا ** إما لكسب علوم أو لنيل جدى

لم يدع يوما على من خاض في دمه ** بغيا ولا لام ذا لوم ولا حقدا

وربما استغفر الله العظيم لمن ** عمدا عليه اعتدى أو قتله اعتمدا

كذا يكون فتى الفتيان لا رجل ** يكون كالنمر الضاري إذا حردا

هذي المكارم لا قعبان من لبن ** لا يكفيان لبعض الجائعين غدا

له صفات كنشر الروض تالدة ** غب العماد عليك الريح مفتقدا

أو كالنجوم التي تهدى أخا سفر ** ليلا إذا ظل في الظلماء منفردا

عليه ألباب أرباب التقى عكفت ** ومجتني الشهد لم يعكف عليه سدى

من للمسائل إن أعيت غوامضها ** يحل مشكلها المستصعب العقدا

ومن إذا رص بالسادات مجلسه ** يكون في صدره صدرا إذا قعدا

يكاد يسلب ألباب الرجال بما ** يرويه مما يزيد المهتدين هدى

من العلوم التي عن ربه صدرت ** ومن حديث عن المختار قد وردا

وعن صحابته والتابعين وعن ** أئمة ساد من عنهم روى سندا

أم من يشنف أسماع الأنام بما ** يربو على الدر منثورا ومنتضدا

سوى الإمام تقي الدين أحمد تا ** ج العارفين وقاه الله كل ردى

ومن يحدث عن بحر فلا حرج ** عليه بل هو مأثوم إذا اقتصدا

وكم بمصر وبالشام الشريف فتى ** لكن بمجموع هذا الحبر ما وجدا

كفاه آية تأييد سعاية من ** سعى ولم يستطع يؤذي له جسدا

لكنه حين حاز السبق من صغر ** وفاق كل كبير فاق وانفردا

وحاز علما لدنيا ومنقبة ** تفتتت منه أكباد العدى حسدا

فأجمعوا كيدهم يبغون فتنته ** فما أعان عليه ربه أحدا

ولم يطق حاسد في الأرض قاطبة ** بأن يمد بمكروه إليه يدا

وكان سيفا على الأضداد مشتهرا ** فحاولوا أن يكون السيف منغمدا

ومن يصد سنا شمس إذا طلعت ** أو يحجب البدر إن شق الدجى وبدا

ونور ربك لا يطفى وإن حرص السخب اللئيم على الإطفاء واجتهدا

وقد درى كل ذي خبر بأن له ** من فيض بحر عطايا ربه مددا

وقد علمتم به لما دعاه إلى ** مصر الذين علمتم ما بها وجدا

فاسترشد الله في الإصدار عن بلد ** نبا به واستخار الله ثم غدا

فاختار مسراه مولاه ووفقه ** فيه وهيا له من أمره رشدا

وسار والله يكلؤه ويحرسه ** وكيف لا وعليه كان معتمدا

والشمس ما حجبت بالغيم عن بلد ** إلا أنار سناها غيره بلدا

فالدر لو لزم الأصداف ما ارتفخ الباب وارتكب التيجان واقتعدا

لم يبق توديعه يوم الرحيل لذي ** صبر وذي جلد صبرا ولا جلدا

كأن حاديه يوم استقل به ** مسيره نحو مصر بالقلوب حدا

فاستعبرت أعين كادت لفرقته ** تبيض حزنا وأولاها البكى رمدا

هذا وكم قضى ظام إليه ولم ** يقضى له قبل وشك البين أن يردا

وما يضر فتى حالت منيته ** دون الأماني إذا ما عد في الشهدا

فحل مصر عزيزا عند مالكها ** وفي مهماته أضحى له عضدا

لتشرق الدولة الغرا به وإذا ** أضل جهل جهول بالعلوم هدى

ويأمر الناس بالتقوى ويخبرهم ** بسنة المصطفى فعلا ومعتقدا

وفي مجالسه اللاتي يحف بها ** ملائك الذكر تحصى من لها شهداء

يدعو لسيدنا السلطان ناصر د ** ين الله نجل فلاوون الفتى أبدا

بأن يدوم له في الملك أربعة ** عز ونصر وتأييد وكبت عدى

حتى يملكه الله العراق فيم ** حوا الشرك والرفض منها والذي مردا

وعاد من مصر نحو الشام في دعه ** مصالحا مصلحا ما كان قد فسدا

فحين وافى دمشق الشام محترزا ** من حل عقد وداد للورى عقدا

روى صدى مهج قد طالما ظمئت ** إليه شوقا وجلى للقلوب صدا

وجاءنا بعد يأس مثل عافية ** جاءت عليلا فلما لابسته هدى

ولاح شمس على روض وسح ندى ** والشمس عادتها في الروض رفع ندى

واخضر روض الأماني ثم فاح شذا ** بان لحمى وتغنى ورقه وشدا

وصفق النهر والأغصان قد رقصت ** مسرة بفتى من مصر قد وردا

وسر أهل التقي من كل طائفة ** أن عاد أكرم مما كان حين بدا

وأنجح الله في الدنيا مقاصده ** وسوف يؤتيه أجر الصابرين غدا

فادعوا له ولمن كان السفير له ** حتى ألم بكم من بعد ما بعدا

وحقق الله ما أملتموه له ** وصار كل بكل عيشة رغدا

فقل لقوم شقوا زال الشقاء إلى ** أعدائكم وبقيتم أنتم السعدا

عين أصابت ولكن عين عائنة ** ألا تروه رقاد الموت قد رقدا

والله ما خيب الله الدعاة له ** من كل عبد له يدعو إذا سجدا

لكن أجاب وأعطى فوق ما طلبوا ** فالحمد لله حمدا دائما أبدا

تمت بحمد الله وحسن توفيق

أنشد هذه القصيدة الشيخ الأجل شمس الدين أبو الثناء محمود بن خليفة بن محمد بن خلف المنبجي

قال أنشدنا لنفسه جميع هذه القصائد الشيخ الإمام سعد الدين أبو محمد سعد الله بن نجيح في مدح شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه ورحمه وعفا عنه

أيها الماجد الذي فاق فخرا ** وسما رفعة على الأقران

يا إماما أقامه الله للعالم ** ين هاديا باللطف والإحسان

يا غريب المثال يا موضح الأش ** كال بالبينات والبرهان

يا تقي الدنى مع الدين يا من ** خص بالفضل واكتمال المعاني

لا تحل العواد إن أكثروا التر ** داد أو أقدموا بلا استئذان

أنت روح الوجود في عصرك الآ ** ن وقلب الورى وعين الزمان

والبرايا إذا اعتبرت جميعا ** منك أضحوا بمنزل الجثمان

وإذا الداء خامر الروح والقل ** ب تعدى الداء إلى الأبدان

فجدير بسائر الصحب إن هم ** أطنبوا في السؤال للرحمن

أن يديم ظلك الظليل عليهم ** سالما من طوارق الحدثان

بالنبي الهادي محمد المبعوث ** بالمعجزات والقرآن

وبأصحابه مع الآل والأزواج ** والتابعين بالإحسان

صلوات الإله تترى عليهم ** وعليه ما أشرق النيران

عدتها ثلاثة عشر بيتا

وله رحمه الله

يا من له فطنة فاقت ذوي الفطن ** يا ذا المناقب والأفضال والمنن

يا من أواليه في سرى وفي علني ** لا تلحني في انخذالي عن بني الزمن

ولا اغترابي عن الأهلين والوطن ** يا من لدين هواه بت معتقدا

ومن بديل هواه ظلت معتضدا ** كن لي عذيرا فلا نلت العدات غدا

ولا تلمني إذا أصبحت منفردا ** عن الوجود بلا خل ولا سكن عن

كم جهد مثلي أن يخفى تململه ** عن الوشاة وأن يخفى تحمله

إن نم دمعي بأسراري يحق له ** فبي من الوجد ما إن لو تحمله

رضوى لذاب جوى أو بذيل لفني ** لكن قلبي وإن ضاقت مسارحه

لما حوته من البلوى جوارحه ** به غريم غرام لا يباحه

ولي من الفكر ندمان أطارحه ** ما بي فأفهم ما أشكو ويفهمني

شغلت فيه به عمن سواه فما ** ألوى على صرف دهر جار أو رحما

ولا أبال أذاع السر أم كتما ** وكيف اصبح بالأغيار ملتئما

وبعض ما بي عن آباي يشغلني ** هذا ولو أضرمت في القلب نار غضى

ما ازددت إلا ابتهاجا بالهوى ورضا ** لكن جوهر صبري مذ غدا عرضا

أنشدت قول الفتى الجيلي متعضا ** به ومن مثل قول السيد الحسن

مخاطبا لجهول بات يؤلمه ** عذلا ويلحاه فيما ليس يعلمه

عني ملامك إني لست أفهمه ** ورب وقت وجودي فيه أسأمه

دع الأجانب بل روحي تزاحمني

وله فيه أيضا رحمه الله ورضي عنه

يا عالما جل عن ضد يضاهيه ** وفاق أقرانه فيما يعانيه

يا ذا الفضائل يا زين الأماثل يا ** مردى المماثل يا موهى مناويه

إيضاح فضلك لا يحتاج تكملة ** لكن مفصله عن ذاك مجزيه

يا من إذا رمت أن أحصي مناقبه ** نظما ونثرا وأنشيه وأرويه

حصرت لولا سجاياه تهذبني ** لما ظفرت بمعنى من معانيه

محرر المجد في مدحيك لخص لي ** هداية أرشدت إرشاد تنبيه

يا عمدة المقتدي حقا ومقنعة ** فيا يروم وكافيه ومغنيه

ويا نهاية طلاب الرعايا من ** وسيط علم وخبر أنت حاويه

يا غنية المبتغين الرشد مانحهم ** فتوح غيب أتى من عند باريه

أبديت تعجيز أهل النظم فاعترفوا ** بالمعجز عن كنه ما أصبحت تبديه

لله كم ميت علم أنت تنشره ** من بعد ما كادت الأيام تطويه

وكم حصون ضلال أنت هادمها ** قهرا وكم قول غاو أنت موهيه

بينت إفساد ما قد حللوه لهم ** تبيين تحريم لا تبيين تنزيه

من الدباثة حيث الجعل يبذله المسكين من كفه كيما يكافيه

وقمت بالحق في ذا العصر مجتهدا ** في نصره مبطلا دعوى أعاديه

يا حجة الله في هذا الزمان على ال ** وجود ما بين قاصيه ودانيه

يا من يراه إله العرش داعية ** إلى الهدى بلطيف من تأتيه

يا كاشف المشكلات المعضلات لنا ** بأبلج مستنير من فتاويه

يا من أبى مقولي إلا مدائحه ** ولو مدحت سواه كنت أعنيه

ومن حداني إلى أني أخاطبه ** بالمدح حتى كأني لا أناجيه

إلا مخافة ذي محل وذي حسد ** يلحى فيعرب عما فيه من فيه

وإن تعرض ذو ضغن تلوت له ** فذلكن الذي لمتنني فيه

وله أيضا يذكر ذل الخصوم رحمه الله

لئن نافقوه وهو في السجن وابتغوا ** رضاه وأبدو رقة وتوددا

فلا غرو إن ذل الخصوم لبأسه ** ولا عجب إن هاب سطوته العدا

فمن شيمة الغضب المهند أنه ** يخاف ويرجى مغمدا ومجردا

وله أيضا فيه يمدحه رحمه الله

أيا من مناقبه فاخره ** ويا من مواهبه غامره

ويا من سحائب إفضاله ** بآمال أمالها ماطره

ويا من له همة لم تزل ** بنجح مقاصده ظافره

ويا من عزائمه لا تني ** إلى درجات العلا سائره

ويا ليث حرب إذا ما سطا ** تذل له الأسد الكاسرة

ويا طور حلم إذا ما جنى ** عليه امرؤ ينثتي عاذره

وإن نال منه بسوء المقال ** وقبح الفعال غدا غافره

ويا بحر علم تكاد البحا ** ر تفيض بأمواجه الزاخره

ويا من أدلته بالنصو ** ص لأخصامه بدا قاهره

ويا من براهين أقواله ** كشمس الضحى إذ بدت سافره

ويا من عوارف عرفانه ** تفوق على الأنجم الزاهره

ويا من صوارم آرائه ** لأعناق أعدائه باتره

ويا قدوة يقتدي العارفون ** بنور هدايته الوافره

ويا من قصده بهدى الطالب ** ين يؤيد باطنه ظاهره

ويا داعي الخلق في عصره ** إلى الحق بالحجج الباهره

ويا من مكارم أخلاقه ** زكت بعناصره الطاهره

ويا من بدائع أوصافه ** تعين على مدحه شاعره

وماذا عسى يبلغ المادحو ** ن من القول بالفطن القاصره

ومجدك قد أعيا الواصف ** ين وصير آذانهم حائره

ولكن ذلك جهد المقل ** فكن بالقبول له جابره

أيا من دعائي ويا من ولائي ** وفائح أثنيتي العاطره

لعلياء حضرته دائما ** تردد واردة صادره

لعمرك إن كان حظي غدا ** من الله في داره الآخره

كما هو عندك في هذه ** فتلك إذا كرة خاسره

وله أيضا فيه يمدحه رحمه الله

الله نشكر مخلصين ونحمد ** وله نعظم دائما ونوحد

وبذيله الضافي نلوذ ونلتجي ** وإليه نسعى مخبتين ونحفد

وبه نصول ونستعين على العدى ** إذ لا سواه لنا إله نعبد

فله الثنا والمجد إذ هو أهله ** وله الجلالة والبقاء السرمد

مولى حيانا في فتور زماننا ** بفتى يثقف ديننا ويسدد

أعني تقي الدين أكمل سيد ** لدعائم الشرع الشريف يشيد

العالم الورع المحقق والذي ** من دون رتبته السهى والفرقد

من جاد بالنفس النفيسة منه في ** ذات الإله ولم يرعه تهدد

من لم يخف في الله لومة لائم ** كلا ولم يرجعه عنه مفند

حبر حباه الله جل جلاله ** بصفات مجد في علاه تخلد

هو بحر علم طود حلم راسخ ** في الحق لا وان ولا متردد

صدر لديه تحبب وتألف ** للمؤمنين ورأفة وتودد

وكذاك فيه على المنافق غلظة ** وتمنع وتصعب وتشدد

هو قائم لله يهدي خلقه ** أبدا إلى سبل النجاة ويرشد

فلذاك أصبح للبرية قدوة ** في العصر إذ هو فيه قطب مفرد

لك يا أبا العباس إذ عن فرقة ** من قبل قد كانت لحقك تجحد

ضاقت بهم سعة الفضا مذ عاينوا ** لك كل يوم رفعة تتجدد

وراوك ممتازا بخير مناقب ** ليست لغيرك في زمانك توجد

فعراهم الحسد المضل فأصبحوا ** ولديهم منه المقيم المقعد

إن يحسدوك فغير بدع منهم ** جم الفضائل لا محالة يحسد

راموا بلوغ مقامك العالي وما ** علموا بأنك في المعالي أوحد

فدعا بهم داعي قصورهم اخلدوا ** ومع الخوالف ما حييتم فاقعدوا

لما نأت عزماتهم عن شأوك السا ** مي وصدوا عن حماه أو بعدوا

هموا بأمر لم ينالوا منه ما ** طلبوا لقد ضلوا ولما يهتدوا

ورموك بالإفك الفظيع وأطنبوا ** بالقول فيما زوروا وتقلدوا

وبغوا عليك بما افتروه تعمدا ** وسجية الباغين أن يتعمدوا

لم يتركوا شيئا به يتوصلوا ** طمعا إلى ما قرروه وأكدوا

إلا نحوه وبالغوا في جهدهم ** لكن سعدت وإنهم لن يسعدوا

حتى إذا ما استيأسوا نيل ما ** كانوا جميعا حاولوا وتقصدوا

خافوا سطاك فأجمعوا آراءهم ** أن يودعوك السجن ثم يخلدوا

فأبى إلهك أن ينالوا منك ما ** راموا وهل يزكو لباغ مقصد

ما ذاك إلا حال يوسف حزته ** إرثا حباك به الكريم المرقد

فبلغت فيه من الرياضة فوق ما ** تختاره وصفا لديك المورد

ثم انقضت أيام خلوتك التي ** كمل العلاء بها وتم السؤدد

وبرزت كالإبريز فارق كيره ** فاحتار فيه الجهبذ المستنقد

وظهرت كالصبح المنير إذا بدا ** في الأفق فانقشع الظلام الأسود

وشهرت كالعضب المجرد مقسما ** في غير هام عداته لا يغمد

فهناك تعقد للجدال مجالس ** كانوا أرادوا أنها لا تعقد

فرأوا نكولا عن جدالك خيفة ** وتذبذبت آراؤهم وتفندوا

حتى إذا أمروا بذاك وأيقنوا ** أن الخميس ولا خلاف الموعد

حشدوا عليك جموعهم وتحزبوا ** وتواثبوا وتحفلوا وتجردوا

وحموا عصابتك الحضور وجادلوا ** إذا همو لك أفردوا

فنهضت معتصما بربك واثقا ** متوكلا تثني عليه وتحمد

وإليه أخلصت التوكل موقنا ** أن ليس يخذل من به يستنجد

ثم استخرت الله واستفتحته ** فيما تروم من الأمور وتقصد

فحباك منه عواطفا ولواطفا ** يفنى الزمان وذكرها لا ينفد

وأناك نصر الله والفتح الذي ** بهما جميعا كنت منه توعد

فوثبت وثبة ثائر لله لم ** يحفل يما حشدوا ولا ما جندوا

أبديت من كنز العلوم غوامضا ** مكنونة لولاك كانت تفقد

أسمعتهم منها لما لم يسمعوا ** وأتيتهم منها بما لم يعهدوا

أسندتها ورويتها نصا كما ** جاءت معنعنة فيا لك مسند

حصرت صدورهم عن استفهامها ** وتحيروا لسماعها وتبلدوا

وبدا لهم ما لم يكونوا يحسبوا ** مما يسوؤهمو ومما يكمد

فاسعد بها من محنة في طيها ** منح أقر لها الجحود الملحد

نلت الفخار بها وحزت مآثرا ** سر الصحاب بها وغم الحسد

وغدوت فيها كابن حنبل تاليا ** تقفوا جميل جماله وتجدد

أخمدت نار جهالة ما خلتها ** لولا جهادك واجتهادك تخمد

أرضيت ربك إذ أضفت كلامه ** حقا إليه وليس فيه تردد

وكذاك أثبت العلوم والاستوا ** من غير تكييف وحصر يوجد

ونزول خالقنا إلى أدنى سما ** ليلا كما صح الحديث المسند

وذكرت أسماء الإله ولم تزغ ** ميلا إلى ما حرفوه وألحدوا

ورويت أخبار الصفات وآيها ** مرا كما نقل الثقات وجودوا

ونصرت ملة أحمد الهادي وقد ** أيدت سنته فأنت مؤبد

وأقمت مذهب أحمد الثبت الصبو ** ر على الأذى فلك الهنا يا أحمد

أوضحت منهجه السوي وأنه ** مذ كان فهو المستقيم الأرشد

وأثرت محنته وقمت مقامه ** في العصر ترغم شانئيك وتكمد

فأحمد إلهك إنه لك ناصر ** وابشر فقدوتك النبي محمد

المصطفى الطهر الزكي المجتبى ** الهاشمي الأبطحي السيد

خير الورى وأجل من وطىء الثرى ** وأبر مبعوث به يسترشد

صلى عليه الله ما سجعت ضحى ** ورق على أعلا الغصون تغرد

وعلى صحابته الكرام وآله ** والتابعين لهديه وبه هدوا

والحمد الله العميم نواله ** والحمد أفضل ما يقال وأوكد

تمت والحمد لله وحده

وله أيضا يمدحه رحمه الله ورضي عنه

الحق حصحص لا عذر لمعتذر ** وقد تحققه من كان ذا بصر

وفاح عرف شذاه في الوجود فظ ** ل في الكون أرج من نشره العطر

ولاح لألاؤه في الأفق فانقشعت ** غياهب الإفك من خوف ومن حذر

وفر يدبر يمشي القهقرى وهنا ** له توابع تسعى منه في الأثر

مذبذبون لضعف العزم تحسبهم ** سفرا أصامهم جبن عن السفر

ضاقت بهم سعة الأقطار حين سما ** سمو قدر تقي الدين في البشر

وفاق أنداده في العصر قاطبة ** بالعلم والحلم والتفسير والنظر

وامتاز بالدرجات العاليات على ** شيوخ أشياخهم في سالف الدهر

كانوا يظنون أن العلم منحصر ** فيهم إلى أن أتاهم أحمد الأثر

ركن الشريعة محيي العدل ناصر دي ** ن الحق مستنصر بالآي والخبر

ففل بالنص والإجماع جمعهم ** فأصبحوا بعد ذاك الحصر في حصر

لا يهتدون إلى رشد وإنهمو ** لفي ضلال وفي غي وفي سعر

قد حملوا حسدا من عند أنفسهم ** له فهم منه في هم وفي فكر

تبا لهم ما الذي نالوا بسعيهم ** وما عسى بلغوا في ذاك من وطر

أيستطيعون أن يمحوا لما كتبت ** يد المهيمن بعد الذكر في الزبر

أم يقدرون على تبديل ما نفذت ** به نوافذ أمرالله من قدر

بل كلما أوقدوا للحرب نار غضى ** بالكيد منهم طفاها منزل السور

ورد كيدهم فيه وأرجعهم ** بالتعس والنكس والخذلان والدبر

واختاره للورى داع إلى سبل الخيرات والنفع نهاء عن الضرر

واختصه منه بالزلفى وثبته ** بالحزم والعزم والتأييد والظفر

وكم مناقب مجد قد حباه بها ** وزاده بسطة في العلم والعمر

وكم له في ذرى العلياء مرتبة ** منيفة نالها من بارىءالصور

وكم له من أياد في العطاء غدت ** تربى على العارض الهطال بالمطر

وهمة في المعالى غير دانية ** تزري إذا ابتديت بالصارم الذكر

وكم له من كرامات مبينة ** سناؤها كضياء الشمس والقمر

وحسبنا عود أهل العود معجزة ** ما مثلها عبرة تبقى لمعتبر

رؤوس كل ضلالات ومحدثة ** وبدعة نشأت في البدو والحضر

لما استقر لديهم علو همته ** وأن سيرته من أكمل السير

وأن دعوته للناس كلهم ** إلى الهدى باجتهاد غير محتصر

وأنه قائم لله منتصب ** في نصرة الدين لا يخشى من الخطر

خافوا سطاء فمذ حلوا بساحته ** وشاهدوا مخبرا يوفى على الخبر

وعاينوا وجهه الهادي وقابلهم ** منصور عزم برب العرش مقتدر

وجاءهم بأسانيد معنعنة ** عن الهداة الثقات القادة الغرر

وقام بالحجج المقبول شاهدها ** مميزا بين عرف القول والنكر

مبرهنا بدلالات منورة ** يهدى لعرفانها من كان ذا نظر

فأذعنوا عنوة للأمر حين رأوا ** نور الحقيقة باد غير مستتر

ولم يسعهم مماراة ولا جدل ** لكنهم سلموا تسليم منقهر

وهذه شيمة بين الورى عرفت ** فيمن يخالفه من سائر البشر

إذ قلما فاء منهم للهدى أحد ** حتى يرى فيه انواع من العبر

فالحمد لله كاليه وناصره ** ومجتبيه وواقيه من الغير

وأكمل الصلوات الزاكيات على ** رسوله المختار من مضر

محمد السيد الهادي وعترته ** وصحبه الأكرمين الأنجم الزهر

صلى الإله عليهم كلما سجعت ** حمائم الدوح بالألحان في السحر

تمت والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله

وله أيضا في تبيين عدم قيام الأصحاب مع الشيخ حين يعظم الخطب ويقع الحرب

سبرت خلال الأصفياء تدبرا ** وميزت أحوال الصحاب تأملا

فشاهدتهم في السلم من تلق منهم ** تجده محبا يدعى صحة الولا

وعند نزول الخطب حاولت أن أرى ** أخا ثقة إن أدبر الحرب أقبلا

فلم ألق إلا لائما متبرما ** ولم أر إلا شاتما متعقلا

فلما تحققت التخلف منهم ** شطبت عليهم شطبة الضب لا إلى

وله أيضا فيمن أبدى عذلا في حبه ومتابعته جهلا

سيان إن عذل الواشون أو عذروا ** لا خبر عندهمو ولا خبر

لاموا على حبه جهلا وما عقلوا ** وعنفوا فيه عدوانا وما شعروا

ولو رأوا حسنه الزاهي بأعينهم ** كما أراه أقلوا اللوم واقتصروا

ولو تجلت معانيه الحسان لهم ** وشاهدوها كما شاهدتها بهروا

لكنه مذ بدا لألاؤه غشيت ** أبصارهم فانثنوا منه وما نظروا

تمت والحمد لله وحده وصلى الله على محمد وآله

مرثاة أخرى لغيره

فقد الأنام فوائدا وفضائلا ** فقدوا من العلم الشريف جلائلا

في موت بحر العلم والحبر الذي ** سلك العلوم مذاهبا ودلائلا

أعني تقي الدين اوحد عصره ** قد كان حقا بالفضائل عاملا

قد أودع القبر الشريف علومه ** عجبا لوسع القبر بحرا سائلا

قد كان لا يحتاج طالب علمه ** كثر السؤال وليس يلقى سائلا

قد كان ركنا في المواعظ جملة ** بحرا عميقا إن أردت مسائلا

وإذا رآك يكون حقا باديا ** لك بالسلام مواردا ومسائلا

يا رب فارحمه وبل ثراه بالغي ** ث الكريم معاودا ومواصلا

يارب وافعل ذا بكل موادد ** ومجاور قبر الإمام مؤملا

يارب وارحمنا وكل مشيع ** صلي عليه أو أتاه مقبلا

من كان مسرورا به وبعلمه ** من بعده فالحزن أضحى عاجلا

زكى الإله ثراه فضلا منه في ** كل الزمان وزاد غيثا هاطلا

بعد السلام على النبي المصطفى ** أعلى البرية في المعاد منازلا

وعلى الصحابة والقرابة كلهم ** والتابعين أواخرا وأوائلا

وقال بعضهم في شيخ الإسلام رحمه الله ورضي عنه وجعل الجنة مأواه

دموعي على صحن الخدود تسيل ** وصبري قصير والغرام طويل

على فقد من قد كان للدين ناصحا ** وكافح أهل الشرك وهو فضيل

لفقد تقي الدين ضاقت مذاهبي ** وفي كبدي نار الفراق تجول

إمام كريم كان لله عابدا ** وفي زهده شرح هناك يطول

قد كان للإسلام كهفا ومسعدا ** إذا ما أصاب المسلمين نزول

وكان على حكم المهيمن صابرا ** وفي كل ما يلقى إليه حمول

بشرع رسول الله قد كان قائما ** وعن سنة الرحمن ليس يحول

وجاهد في الرحمن حق جهاده ** وكان له صبر عليه جميل

لقد بكت الدنيا حقيقا لفقده ** ويبكيه علم نافع وأصول

وفي أرض مصر يالها من عجائب ** لديه جرت وهو الصبور الحمول

إلا يوم الاثنين الذي كان قبضه ** ففيه عزاء المسلمين جزيل

وفي سجنه يتلو ثمانين ختمة ** قراءة ترتيل وقصد سبيل

وفي موته دقت بشائر رحمة ** أتاه من المولى رضا وقبول

وسار إلى رب قديم مهيمن ** عظيم كريم ليس ذاك قليل

عليه سلام الله ما لاح بارق ** وما سار غيث بالسماء هطول

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا نظمه الفقير إلى رحمة ربه ومغفرته بدر الدين حسن بن محمود النحوي المارداني في الشيخ الإمام العالم العامل الأوحد شيخ الإسلام وقدوة الأنام تقي الدين أحمد بن تيمية تغمده الله برحمته ورضي عنه

ألا أيها القلب الذي عدم الصبرا ** أفق طالما جرعت من لوعة صبرا

ويا عبرات الجفن أظهرت بالأسى ** لنا عبرا بالدمع أسطرها تقرا

أيأمن من خطب الليالي مخاطب ** وشيمتها في الناس أن تظهر الغدرا

وهل خالد في الدهر عمرو وخالد ** لعمرك لا يبقى ولو أمل العمرا

قضى ماجد ما مثله اليوم واحد ** وأبقى جميل الفعل من بعده ذكرا

دما لو بكته دمنة الربع والدما ** وأمطرت الشعرى العبور لها العبرا

أو أغبر وجه الأرض يوم مصابه ** لقل وجل الخطب من فقده قدرا

فتى ألف المعروف والجود عادة ** تعودها طفلا وكان بها أحرى

كأن لم يقل يوما مقالا فتنثني ** إلى قوله الأسماع طائعة قهرا

ولا ظهرت يين الأنام علومه ** ولا طرزت شاما ولا جملت مصرا

دعاني ظلال الصبر في صبر فقده ** فأرسل رسل الدمع من مقلتي تترى

سننت تقي الدين أحمد سنة ** وأوسعت في كسب العلا بالندى صدرا

أيا شافعي الوقت في ضبط نقله ** نثرت على الأيام من لفظك الدرا

قنعت وفي الدنيا زهدت ديانة ** وفارقتها واخترت ضرتها الأخرى

أفضت على الأيام بحر مكارم ** وعلم فأربحت المتاجر والأجرا

عجبت لقبر ضم جسمك تربه ** أيحوي الثرى في تربه الشمس والبحرا

نقلت من الدنيا إلى ظل روضة ** وحزت الذي أملت بالمقلة السهرا

وشاهدت في حسن الزيادة نضرة ** وألبست وشيا عند نظرتها نظرا

تدرعت أثواب المحامد والتقى ** كعرضك بيضا وابتدلت بها خضرا

لئن نقل الأعداء عنك ضلالة ** رواية نقل ما أحاطت بها خبرا

وإن أودعوك السجن منهم جهالة ** فقد زدت قدرا عندما نقصوا قدرا

فما يختفي إلا الجواهر في الورى ** ومن ظلم الأصداف يستخرج الدرا

أيا سائلي عن علمه وصفاته ** هو البحر فاعجب فيه من يصف البحرا

هو الغيث يثنى عنه كل لطيمة ** من الروض بل تزكو لأوصافه بشرا

سما حاتما جودا وفاخر عاصما ** ففاق لمن يقرى الضيوف ومن يقرا

أيا بطل يوم الجدال مجندل ** فوارس علم من فواضله قهرا

إذا قال في علياك أمعن قائل ** فما حاط من معشار ما نلته العشرا

وما ذا يقول المادحون بوصفه ** وقدرك فوق الشعر حل عن الشعرى

تفردت في علم وزهد وفطنة ** فضلت بها في الفضل بين الورى ذكرا

أعدت نهارالجهل ليلا مسودا ** وكافر ليل الكفر صيرته فجرا

نظمت على جيد الزمان قلائدا ** بفضلك نظما من علومك أو نثرا

لقد كنت في يوم الفخار وفي الوغى ** شجاعا يرد الليث عن سبله قهرا

سيوفك بيض مثل عرضك في الورى ** إذا اسود ليل النقع صيرتها حمرا

كأنك قد أفرغت في فرد قالب ** تلاشى فلم يصبر على قلبة أخرى

فجئت على الأيام فردا ومن رأى ** مثالك من كنز المكارم قد أثرى

فأقسم بالقرآن في العصر صادقا ** بأنك قد شرفت من دهرك العصرا

سقاك حيا ومن وابل الغيث سحرة ** وحيا ندى قد ضم من كفك البحرا

ونور نوار الربيع ربوعه ** وأطلع في أرجائه الزهر والزهرا

تمت بحمد الله وحسن توفيقه

وله أيضا فيه رحمه الله ورضي عنه آمين

أبى اليوم سر الكون أن يتكتما ** وصبغ مشيب الدمع أن يتكلما

وكل مصون من شجون ولوعة ** به تم فرط الحزن والدمع قد نما

قضى ومضى مولى سما كل ماجد ** فأوحش ربع المكرمات وأظلما

غمامة جود أقلعت بعد صوبها ** وبدر سعود غاب لما تتمما

وبحر علوم غاص زاخر يمه ** وركن معال قد وهى وتهدما

عيوني مصاب الخطب لما تحققت ** بها الدمع من جفني تعندم عندما

أيا فاضل العصر الذي في صفاته ** تأخر من في الفضل عنه تقدما

قضيت جميل الفعل أوحد ملة ** حمى الدين والإسلام عزما وسلما

ليهنك كم جندلت يوما مجادلا ** وكلمته باللفظ منه تكلما

نثرت على فرق الزمان جواهرا ** ودرا على جيد الليالي تنظما

بفضل صلاة مع صلاتك في الدجى ** وجودك والإحسان أربحت مغنما

سبقت الى الغايات في الفضل للورى ** على قدم مقدامها قد تقدما

مضى علم في الناس حبر معلم ** فأوحش من ربع المدارس معلما

فأصبح درس الفضل والعلم دارسا ** يود بأن يشكو الجوى وتكلما

فتى لو قلامات الأظافر قلما ** لكان شبيه مثله اليوم قلما

فلو أنصفته الباكيات لفقده ** بكته دما من فيض أجفانها الدما

متى صير المعراج للخلد في الدجى ** بأوراده لما تسلم سلما

فكم جادلت أقواله من معاند ** تقاصر عنه حين أقدم أحجما

وكم ردعت آراؤه من مخالف ** عن الدين بحثا حين سلم أسلما

لبست تقي الدين ثوب تقاوة ** من الفضل عن مولى سواك تحرما

تخيرت ما يبقى على كل هالك ** فأربحت من تلك التجارة مغنما

لقيت الذي قدمته من صنائع ** من الخير أو ما جدت منك تكرما

وفي الحشر تلقى كل نفس نفائسا ** وتجزى الذي في الناس أجرم أجرما

تأخرت عن نيل المناصب رفعة ** ومثلك في أيامنا ما تقدما

بنيت على الإسلام ركنا ومعصما ** يقبل منه المجد كفا ومعصما

أقمت قناة الدين منك بعزمة ** وأطفأت نار الشرك منك فأظلما

صبرت على حمل الأذى منك راضيا ** وأعرضت عن فعل الأعادي تكرما

شهرت على أهل البدائع في الورى ** صوارم شرك الكفر منها تصرما

وقفت على يوم الجلاد شجاعة ** بعزم يرد المشرفي مثلما

إذا بكت الأبطال خوف قبيلة ** ضحكت بثغر في الوغى قد تبسما

ولما تبدى نور نعشك لامعا ** تمنت بنات النعش أن تتحطما

وودت بأن تدنو الثريا إلى الثرى ** نثارا عليه رفعة وتعظما

نزلت على أهل المقابر رحمة ** وأنقذتهم من ظلمة الظلم والظما

سقى قبر الوسمي في كل سحرة ** سحائب رضوان به الروض وسما

ورف عليه الأقحوان مفلجا ** وأطلع فيه الروض نجما وأنجما

تمت والحمد لله رب العالمين

قصيدة للشيخ الإمام جمال الدين عبد الصمد بن ابراهيم بن الخليل بن ابراهيم بن الخليل الحنبلي يرثي شيخ الإسلام والمسلمين أبا العباس أحمد ابن تيمية قدس الله روحه وعدتها ثمانية وأربعون بيتا

عش ما تشاء فإن آخره الفنا ** الموت مالا بد عنه ولا غنى

والدهر إن يوما أعان فطالما ** بالسوء عان فعونه عين العنا

لا بد من يوم يؤمك حتفه ** حتما نأى الأجل المقدر أو دنا

للنفس سهم من سهام نوائب ** يرمي فيصمي من هناك ومن هنا

من غرة الأمل المديد فإنه ** غر لأن طعامه لن يسمنا

شمس الحياة تضيفت ومشيبه ** ضيف يجر من المنية ضيفنا

من حين أوجد كان نفس وجوده ** في الكون بالعدم المحقق مؤذنا

يا من يعد الدهر صاحب دهره ** ويعد فيه للإقامة موطنا

أو ما رأيت الموت كيف سطا بمن ** في الخلق عن محض العلوم تكونا

ندب مباح الصبر حظر بعده ** فلم استحال وكان شيئا ممكنا

بذ الأنام مع البذاذة فضله ** إذ لم يكن بسوى التقى متزينا

ترك الجميع على الجموع فلم يهب ** تلك الجموع ولا استراب ولا ونى

ولكم مقامات له في الحق لا ** بيض الظبا يخشى ولا سمر القنا

بالعرف يأمر ناهيا عن منكر ** متقربا وهو البعيد عن الخنا

ويخص أوقات الخصاصة بالندى ** فيعم عادا فقره أعلا الغنا

فبخير ما سنن وبالسنن اقتدى ** والشكر والذكر الجميلين اقتنى

ما جار عن نهج الصواب وما اعتدى ** وبغير تحصيل الفضائل ما اعتنى

إما تبارزه تجده مبرزا ** في اي علم شئت حبرا متقنا

وإذا تجاريه فما السيل انبرى ** إما جرى في بحثه متفننا

متزهدا متعبدا متهجدا ** متخشعا متورعا متدينا

في كل عصر سيد هو حجة ال ** باري على كل الخلائق في الدنا

ونرى أحق من استحق فحاز ذا ** من للإمامة لم يزل متعينا

شيخ الأنام وحجة الإسلام من ** أغناه نشر الذكر عن ذكر الكنى

أعني أبا العباس أحمد بن تق ** ي الدين حقا والعليم الممعنا

في الله ليس يخاف لومة لائم ** ويرى النوى فيه نهايات المنى

لما تحقق أن كل مخلف ** يفنى وإن كان النفيس المثمنا

لم يدخر قوتا لأجل غد ولا ** أبقى له إرثا سوى حسن الثنا

صدر حوى في صدره لكماله ** من كل علم معلوي معدنا

ظهرت ولايات الولاية بعده ** واسأل لتصبح بالحقائق موقنا

واسمع مقالة أحمد متوعدا ** أعداءه يوم الجنائز بيننا

فأحق ما يبكى عليه فقده ** أيموت هذا الحبر رزءا هينا

فيض النفوس يقل فيه فلا تلم ** وأعن عيونا فضن فيه أعينا

يا من أعاد أولي التشدق علمه ** خرسا وأنطق بالثناء الألسنا

يا دوحة الفضل التي في أصلها ** طيب وزاكي فرعها حلو الجنا

يا حبر بل يا بحر كم حيرت من ** حبر تصير ذا الفصاحة ألكنا

يا خاتم الفضلاء علمك معجز ** بهر الورى فصدرت عنه مؤمنا

إن كان ذا حفظا فوقتك ضيق ** عنه ولو كان الزمان له أنا

لكنه من فضل ما هو قاذف ** بالحق من نور الولاية والسنا

أسست بنيانا على تقوى ورضوان فلا سيما قد ارتفع البنا

غبرت يا من لا يشق غباره ** في أوجه الفضلاء قدما قبلنا

جاهدت في ذات المهيمن صابرا ** عند الأذى فأتت بشارات الهنا

إن الذين يجاهدون عدونا ** فينا سنهديهم إلينا سبلنا

الله قد أثنى على العلماء في ** نص الكتاب وأنت أولى من عنى

لا غرو إن كنت ابتليت بحاسد ** فالحر ممتحن بأولاد الزنا

أشكو إليك وأنت أصل شكايتي ** من فرط ضر في افتقادك مسنا

قد عبرت عبراتنا من حزننا ** وبما يجن من الجوى نطق الضنى

سقيا لتلك الروح من سحب الرضا ** وتبوأت جنات عدن مسكنا

لو كان فيها الموت يقبل فدية ** كان الأنام فدى وأولهم أنا

تمت بحمد الله وعونه وحسن توفيقه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين بسم الله الرحمن الرحيم

هذه القصيدة نظم الشيخ عبد الله بن خضر بن عبد الرحمن الرومي الأصل الدمشقي الحريري المعروف بالمتيم يرثي الشيخ تقي الدين ابن تيمية وهو احد أصحابه رضي الله عنه وأرضاه

لقد عذبوا قلبي بنار المحبة ** وذاب فؤادي من فراق الأحبة

وزاد غرامي في اشتياقي إلى الحمى ** وهيج بلبالي حنيني ولوعتي

فيا عظم أحزاني ووجدي عليهمو ** ويا طول أشواقي إليهم ووحشتي

فلم أنس أياما تقضت بقربهم ** ومن عيشتي لما تولوا تولت

ملأت النواحي من نواحي وكيف لا ** أنوح على قوم همو خير جيرتي

ومن عجبي أني أحن إليهم ** وقد سكنوا قلبي وروحي ومهجتي

ذكرت فلم أنسى زمان وصالهم ** أأنسى ليال بالعذيب تقضت

منازل أحبابي مواطن سادتي ** مطالع أقماري شروق أهلتي

معاهد أفراحي ديار سعادتي ** مواسم أرباحي أويقات لذتي

مضت وانقضت عني كأن لم أكن بها ** وما ذاك إلا من ترادف غفلة

أعلل روحي بالغوير وبانة ** وما شوقها إلا لسكان رامة

إذا لم يلح لي بارق من حماهمو ** فيا خيبة المسعى ويا طول شقوتي

وإن لم أقض العمر بين خيامهم ** فلا عشت في الدنيا ولا نلت منيتي

وإن لم أشاهد حسنهم في مشاهدي ** فقد فاتني سؤلي ومت بحسرتي

وإن لم أجد نور الهدى من خبائهم ** يضيء به قلبي فيا عظم حيرتي

لغير رضاهم ما تمنت مطامعي ** ولا لسواهم ما حلالي تلفتي

يقولون لي لم لا سلوت هواهمو ** فقلت دعوني ما بليتم بمحنتي

ولا ذقتمو ما ذاق قلبي من الجوى ** ولا مسكم ضري وناري وحرقتي

فهل لي جنان أن يهم بغيرهم ** وهل لي لسان أن يفوه بسلوتي

وحاشاي أن أسلو هواهم وحبهم ** يذكرني حفظ العهود القديمة

فهم سر أسراري ونور مناظري ** وروحي وريحاني وأنسى وبهجتي

وهم عين أعياني وقلبي وقالبي ** وهم منتهى قصدي ومشهد رؤيتي

وهم في معاينهم حياتي حقيقة ** وهم في مغانيهم أهيل مودتي

وهم في تجليهم شموس إذا بدوا ** وهم في تجنيهم رياضي ونزهتي

وهم أينما كانوا نهاية مقصدي ** وهم أينما حلوا مرادي وبغيتي

وهم نور أنواري وسر حقائقي ** وهم أنس تأنيسي ومأمن خيفتي

ترى يشتفي قلبي برؤيتهم على ** رياض الهنا يوما وتبرد غلتي

وتحيا بهم روحي حياة هنيئة ** مسرمدة التنعيم في روض جنة

إذا سمحوا لي نظرة من جمالهم ** فقد نلت من رضوانهم كل وصلة

عليهم سلام الله ما هبت الصبا ** وما ناحت الأطيار شوقا وحنت

وقد آن أن أبدي خفايا صبابتي ** وأظهر للعذال أصل رزيتي

وأبكي على من كان يجمع شملنا ** على طاعة الرحمن في كل لمحة

وأندب أحزاني بما قد أصابني ** وأنثر اشجاني بنظم قصيدتي

فقدت إماما كان أوحد عصره ** وقد فجعت فيه جميع البرية

فقدت إماما لم يزل متوكلا ** على الله لا يصغي إلى غير سنة

فقدت إماما كان بالعلم عاملا ** وكان حقيقا قامعا كل بدعة

أتى بكتاب الله والسنة التي ** علت وارتقت حقا على كل ملة

أتى بأحاديث الرسول وشرحها ** وعمن رواها بالمتون الصحيحة

أتى بعلوم العالمين جميعها ** بزهد وتأييد ودين وقوة

أتى بأصول الدين والفقه مجملا ** وفصلها تفصيل من غير شبهة

أتانا بأحوال الرسول حقيقة ** وسيرته تسمو على كل سيرة

أتانا بأحوال الصحابة كلهم ** والتابعين الملة المستقيمة

أتانا بأوصاف الأئمة كلها ** وصنف كتبا في صفات الأئمة

أتانا بوصف الصالحين وحالهم ** وما هم عليه من جميل العقيدة

وعلمنا شرع الرسول ودينه ** بأفصح ألفاظ وأصدق لهجة

وأعلمنا أن النجاة من الهوى ** تمسكنا بالسنة النبوية

وحذرنا من كل زيغ وبدعة ** وعن كل طاغ خارج عن محجة

وناظر أرباب العقائد كلهم ** وبين من قد ضل من كل فرقة

ورد على أهل الضلال جميعهم ** بأوضح برهان وأبلغ حجة

وبين تكذيب اليهود وخبثهم ** وما بدلوا في الملة الموسوية

وأخبرهم عن سر أسباب كفرهم ** فتعسا لهم من امة غضبية

وأظهر أيضا للنصارى ضلالهم ** وما أحدثوا في الملة العيسوية

وباحثهم حتى تبين أنهم ** سكارى حيارى بالطباع الخبيثة

ورد على كتب الفلاسفة الأولى ** بمنقول أحكام ومعقول حكمة

وقرر إثبات النبوات عندهم ** وجال عليهم كرة بعد كرة

ورد على جهم وجعد بن درهم ** وبشر المريس عمدة الجهمية

زنادقة كم أهلكوا من عوالم ** بسوء اعتقادات النفوس السقيمة

وجادل أهل الإعتزال جميعهم ** وسل عليهم سيفه بالأدلة

يقولون قول الله من بعض خلقه ** لقد كبكبوا في قعر نار حمية

وباحث أشياخ الروافض وانثنى ** يقاتلهم بالدرة العمرية

لأنهمو عادوا خواص محمد ** وسبوا فهم في الأصل شر الخليفة

بغوا وافتروا جهلا فهم أنجس الورى ** وأكذب خلق الله من كل فرقة

وهم خصماء الله تبا لدينهم ** وبعدا لهم من عصبة ثنوية

فكم أحدثوا في ديننا من ضلالة ** فلا مرحبا بالفرقة القدرية

ورد على قوم تربت نفوسهم ** على النفي والتعطيل من غير حجة

ورد على قوم وشتت شملهم ** وهم أهل تشبيه أتوا بكبيرة

ورد على أهل التناسخ عندما ** تجروا وخاضوا في أمور عظيمة

ومزقهم في كل واد لأنهم ** يقولون لا شيء سوى البرزخية

وقد أنكروا أمر المعاد بقولهم ** نفوس نأت عنا وفي الغير حلت

وجاهد أهل الاتحاد وردهم ** إلى أشرف المسرى وأهدى طريقة

وأنقذهم من ظلمة الجهل والعمى ** بنور وبرهان ودين النصيحة

ورد على أهل الحلول فإنهم ** يرون تجلي الحق في كل صورة

وقد زعموا أن التجلي مظاهر ** ولا سيما في صورة أمردية

فمن أجل هذا يرقصون ديانة ** وفي رقصهم جاءوا بكل قبيحة

يرون شهود المرد والرقص قربة ** فيا ويلهم من خزي يوم الفضيحة

ورد على أتباع إبليس عندما ** رآهم وقد مالوا إلى الجبرية

وكم قد طوى في علمه من طوائف ** حرورية منهم على حشوية

مطايا بنيات الطريق سرت بهم ** إلى أن أناخوا في عراص القطيعة

وفي بحر آراء العقائد أغرقوا ** رمتهم خيالات العقول السخيفة

وكم قد أراهم كلهم سبل الهدى ** وكم قد نهاهم مرة بعد مرة

فمن كان قطب الكون في حال عصره ** سواه ومن قد فاز بالبدلية

شجاع همام بارع في صفاته ** يروم مراما في المراقي العلية

تزهد في كل الوجود وغيره ** يدور على الدنيا بنفس دنية

يجود على المسكين في حال عسره ** بأطماره في حب باري البرية

ويلقى لمن يلقاه بالبشر والرضا ** بأوصافه الحسنى ونفس زكية

ويدعو لمن قد نال من ثلم عرضه ** ولم ينتقم ممن أتى بالأذية

يسارع في الخيرات سرا وجهرة ** ويلهو عن اللذات في كل طرفة

يجاهد في الله الكريم بجهده ** بصدق وإخلاص وعزم ونية

ويأمر بالمعروف حبا لربه ** وينهى عن الفحشاء نهيا بهمة

تقي نقي طاهر الذيل مذ نشا ** كريم السجايا ذو صفات حميدة

أليس الذي قد شاع في الكون ذكره ** وعم البرايا بالفتاوى العظيمة

فمن كان تاج العارفين لوقتنا ** وشيخ الهدى قل لي بغير حمية

هو الحبر والقطب الذي شاع ذكره ** وفاح شذاه كالعبير المفتت

إذا ما ذكرنا حاله وصفاته ** كأنا حللنا في نعيم وروضة

تهنأ أبا العباس بالقرب والرضا ** لقد نلت ما ترجو بكل مسرة

ألا يا تقي الدين يا فرد عصره ** بروقك قد لاحت كشمس مضيئة

وبانت لكل الناس أوصافك التي ** برزت بها مثل العيون الغزيرة

ظهرت بأنواع العلوم وجنسها ** وسارت بها الركبان في كل بلدة

فأظهرت ما قد كان للناس خافيا ** بكل معان والفنون الغريبة

وأوضحت إشكالا وبينت مبهما ** وأبديت أسرارا بنفس عليمة

وكم غصت في بحر المعارف غوصة ** ولججت فاستخرجت كل يتيمة

ظهرت بإحسان وحسن سماحة ** ودين وتوحيد وكل فضيلة

خرجت من السجن الذي كان ضيقا ** إلى دار فوز في رياض فسيحة

وقد نلت من مولاك ما كنت راجيا ** وأشهدك المعنى بعين قريرة

حملت على النعش الذي كان تحته ** مئين ألوفا في بكاء وضجة

وصلى عليك الحاضرون جميعهم ** بحسن اعتقاد فيك يا شيخ قدوة

وأما النساء المؤمنات فإنهن ** خرجن حيارى فوجة بعد فوجة

ومعهن أبكار تحجبن بالتقى ** ينحن بأكباد عليك حزينة

صبرت على الأحكام طوعا وطاعة ** وذقت من الآلام طعم البلية

وكنت حمولا للنوائب كلها ** صبورا على الأقدار في دار غربة

وأوسعت صدرا للمقادير عندما ** شهدت جمال الحب في كل خلوة

ولاحت لك الأنوار بالمشهد الذي ** تطوف به الأنوار في روض جنة

وعاينت موجودا تعالت صفاته ** وشاهدت محبوبا بعين البصيرة

فلا أوحش الرحمن منك ولا خلت ** ربوعك من تلك العلوم الجليلة

ولا أقفرت منك الطلول ولا نأت ** ديارك من تلك الصفات الجميلة

ولا سكنت يوم الوداع دموعنا ** ولااكتحلت فيك الجفون بغمضة

ولا احتجبت أسماعنا عنك ساعة ** ولا أيست منك العيون بنضرة

لقد كنت روحا للقلوب وراحة ** وقوتا وأنسا للنفوس النفيسة

تمسكت بالدين الحنيفي والهدى ** وبالعروة الوثقى وأصل الشريعة

ظهرت إلى الدنيا بأحسن مظهر ** ورحت إلى الأخرى بأكمل روحة

وودعتنا توديع من غير راجع ** وفارقتنا والدر غير بعيدة

شربت بكأس العارفين مدامة ** حقيقتها من سر عين الحقيقة

وجدت بكأس الفضل منك تكرما ** على تابعين السنة الأحمدية

فسبحان من أعطاك من فضل جوده ** لقد نلت قربا لا ينال بحيلة

لقد عشت محبوبا ومت مكرما ** عليك من الرحمن أزكى تحيني

وما برحت تعلوك أنوار أنسه ** وما زلت في عز وقرب ورفعة

ومأواك جنات النعيم مع الذي ** تفرد من بين الورى بالوسيلة

نبي الهدى خير الورى صاحب اللوا ** شفيع على الإطلاق في كل أمة

عليه صلاة الحق ثم سلامه ** على عدد الأنفاس في كل طرفة

وبعد فلله المحامد كلها ** على ما أرانا من وضوح المحجة

وها أنا يا ربي عبيد متيم ** عساك ترى حالي وتغفر زلتي

تمت وعدتها مائة وسبعة وعشرون بيتا والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وله أيضا رحمه الله يرثي شيخ الإسلام ابن تيمية مرة أخرى

لله عيشا تقضى بالثنيات ** مع جيرة لذ لي فيهم صباباتي

ما كان أهنا زماني في ربوعهمو ** والسعد يسعى بما فيها إراداتي

والكأس تجلى بأنواع السرور وفي ** قرب الأحبة تبدو لي سعاداتي

إذا تجلوا على قلبي بحسبهم ** كأنني في نعيم وسط روضاتي

قد كنت في قربهم والوصل مقترني ** لم يخطر الصد والهجران في ذاتي

واليوم أصبحت ابكي بعد بعدهم ** لما تناءوا نأت عني مسراتي

وغاب مذ غاب عن عيني جمالهمو ** راحي وروحي وريحاني وراحاتي

ولا صفا بعدهم عيشي بمنهلة ** ومذ تولوا تولى طيب لذاتي

يا سادة ملكوا قلبي بلطفهم ** ما ضرهم لو أعادوا لي أويقاتي

همو مرادي وهم سمعي وهم بصري ** وهم نعيمي وروضاتي وجناتي

وهم حياتي وهم أنسي وهم شرفي ** وذكرهم لم يزل في القلب جلواتي

لهفي على زمن ولي وما ظفرت ** روحي بما ترتجى يوم الأثيلات

لما سروا وفؤادي في هوادجهم ** ناديت من حرقي يا عظم لوعاتي

ما كنت أعلم قربي في محبتهم ** حتى رمتني الى الأبعاد راياتي

فاندب على ما مضى من عيشنا وصفا ** وابك على ما قد جرى يا قلبي العاتي

واذكر مصارع قوم كيف قد شربوا ** بعد الزلال بكاسات المنيات

فأصبحوا في الثرى تبلى وجوههم ** تحت التراب فيا عظم المصيبات

أأنت من بعدهم تسري كسيرهم ** إما بدار هوان أو بجنات

أقول ما قاله العبد المنيب وقد ** أودى به السجن في بر وطاعات

أنا الذليل أنا المسكين ذو شجن ** أنا الفقير الى رب السموات

أنا الكسير أنا المحتاج يا أملي ** جدلي بفضلك واعف عن خطياتي

أنا الغريب فلا أهل ولا وطن ** أنا الوحيد فكن لي في ملماتي

أنا العبيد الذي ما زلت مفتقرا ** إليك يا سيدي في كل حالاتي

ما لي سواك وما لي عنك منصرف ** ذكراك في القلب قرآني وآياتي

أنت القدير على جبري بوصلك لي ** أنت العليم بأسراري الخفيات

أدعوك يا سيدي يا مشتكى حزني ** يا جابري يا مغيثي في مهماتي

فانظر الى عبرتي وارحم صبا جسدي ** يا راحم الخير يا باري البريات

ما زال مفتقرا في باب سيده ** ما زال مبتليا بالإمتحانات

ما زال يتبع آثار الرسول على الن ** هج القويم بأعلام الدلالات

يهدي لسنته يفتي بشرعته ** يرعى لحرمته في كل ساعات

قطب الزمان وتاج الناس كلهمو ** روح المعاني حوى كل العبادات

حبر الوجود فريد في معارفه ** أفنى بسيف الهدى أهل الضلالات

حوى من المصطفى علما ومعرفة ** وجاءه منه إمداد النوالات

ما جاء سائل إلا ويمنحه ** إما بجود وإما بالمداراة

ماذا أقول وقولي فيه منحصر ** في وصف أخلاقه كلت عباراتي

في علمه ما علمنا من يناسبه ** إلا أئتمنا أهل العنايات

في زهده ما سمعنا من يشاكله ** إلا رجال مضوا أهل الكرامات

في جوده ما وجدنا من يماثله ** غير البرامك كانوا في سعادات

يجود وهو فقير إن ذا عجب ** هو الذي ما سمعنا في الحكايات

تلوح شمس المعالي في شمائله ** وفي صفا وجهه نور الهدايات

بحر المعارف تاهوا في بدايته ** أهل المعاني وأرباب النهايات

قطب الحقائق حاروا في فضائله ** أهل التصوف أصحاب الرياضات

أعجوبة الدهر فرد في فضائله ** علامة الوقت في الماضي وفي الآتي

والهف قلبي على من كان يجمعنا ** على فنون المعاني والإشارات

فارقت من كان يرويني برؤيته ** إذ اتبدى بدى سر العبادات

يروي الأحاديث عن سكان كاظمة ** فيطرب الكون من طيب الروايات

ويطنب الذكر في إحسان حسنهم ** فيرقص القلب شوقا نحو سادات

أفضى الى الله والجنات مسكنه ** عليه من ربه أزكى تحيات

ثم الصلاة على خير الأنام ومن ** قد خصه الله من بين البريات

اختاره ليلة الاسرى لحضرته ** حتى تجلى له رب السموات

فهو الشفيع الذي ترجى شفاعته ** عند الشدائد في يوم المجازاة

عليه مني سلام الله ما همعت ** سحب وجادت بالزيادات

والحمد لله حمدا لا إنقطاع له ** أرجو به من إلهي محو زلاتي

تمت وعدتها خمسة وخمسون بيتا

وسئل الناظم لهذه القصيدة عن عمره فقال نحو التسعين ومولدي ببلاد الروم وتوفي يوم الأربعاء سادس شعبان سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة ودفن بباب الصغير رحمه الله تعالى ورضي عنه

مرثية في الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله نظمها رجل اسمه جمال الدين محمود بن الأمير الحلبي وأرسلها من حلب المحروسة

يا دموعي سحى كسحب الغمام ** هاطلات على الخدود سجام

لفراق الشيخ الإمام المفدى ** ابن تيمية ونجل الكرام

زاهد عابد تقي نقي ** فهمه لا يقاس بالأفهام

ابن تيمية يتيمة دهز ** ما له من مساوم ومسامي

فجعت فيه كل أهل البرايا ** جمعها للعلوم والأحكام

أوحد في العلوم والفضل والزهد ** لا يرأى في ملة الإسلام

بحر علم يغوص كل لبيب ** في معانيه حار كل الأنام

فاق بالعلم والفضائل بالخلق ** فأضحى إمام كل إمام

إن يكن غاب شخصه وتوارى ** ومضت روحه لدار السلام

فمناقبه والفضائل تبقى ** في ممر الدهور والأعوام

سيد قد علا بعلم وحلم ** فعداه لديه كالأنعام

كم رموه الحساد بالكيد والبغي وهو لا ينثني عن الأقدام

طالب الحق لا يخاف لحيف ** وهو يحمي عن ذروة الإسلام

لا يخاف الملوك أيضا ولا الخلق ولا العبيد مع اللوام

كم ملوك أتى بجزم وعزم ** وهو في الله مسرع الاقدام

ولغازان إذ أتاه بقلب ** ما أسود الغابات مع ضرغام

فتلقاه بالبشاشة والرح ** ب والعطايا والعز والاكرام

أخذ العهد منه للناس جمي ** عا بأمان لكل أهل الشآم

نفس صادق تقبله الل ** ه فأطاعه كل تلك الأنام

وحماهم في الحمى بخشوع ** وخضوع للواحد العلام

قل لمن رام للفخار ويبغى ** رتبة قد علت بحد الحسام

هو في رتبة النبيين فاعلم ** هكذا أخبر النبي التهامي

فقدته الدنى مع الدين والعل ** م كل الزهاد والأيتام

كم فتاوي أتته مع كل شخص ** أعجزت كل عالم صمصام

حلها كالنسيم في الحال وجلى ** لصداها من علة الأسقام

كان بحرا للناس من غاص فيه ** فاز بالدر منه لا بالحطام

أوحد الخلق في التفاسير طرا ** والأحاديث والعلوم التمام

شيخ كل الإسلام في الزهد والنس ** ك والعبادات والتقى والصيام

كان شمس الضحى ونيل البرايا ** وإمام العلوم والاحتشام

صدره للعلوم والقلب للرب ** ويداه للبذل والأنعام

ولديه أهل العلوم تداعت ** إذ هوت حوله في الازدحام

تبتغي من جنى معانيه نطقا ** يستضىء منه في دياجي الظلام

فيروي قلوبهم بعلوم ** فتراهم سكرى بغير مدام

كلما رمت سلوة عن هواه ** قادني الشوق نحوه بزمام

لا تلمني على المديح ودعني ** فهو شيخي وبغيتي وغرامي

خجل البدر من سناه فأضحى ** يعتريه النقصان عند التمام

كل من مات في هواه بوجد ** ما عليه في حتفه من ملام

استمع يا عذول بالله وافهم ** لمعانيه في جميع نظامي

قد تساوى في الحق كل وزير ** عنده مع رذالة الأعوام

فضله شاع بين كل البرايا ** بعلوم شبه البحار الطوامي

كان بدرا يضىء في الناس بالعلم ** وإماما فيا له من إمام

حسدوه عند الوفاة على الخلق فلم يخل منهمو في الحمام

نقلته أيدي المنية بالحق ** بجنان الخلود والدمع دامي

يا لها ساعة لقي الله فيها ** حاز فيها المنى ونيل المرام

فهو في جنة النعيم مفدى ** بين حور كلؤلؤ في الخيام

قدس الله روحه مع أخيه ** ما أضاء الصباح بالإبتسام

يا نسيم الصبا بالله بلغ ** لحبيبي تحيتي وسلامي

وتعرض على المحبين ذكرى ** وشجوني وشقوتي وسقامي

ثم صف ما أكابد الآن فيه ** من همومي ولوعتي وهيامي

وتقول العبيد محمود أضحى ** بدموع وعبرة كالغمام

تمت والحمد لله وحده وهي إحدى وخمسون بيتا

للشيخ علاء الدين أبي الحسن علي بن محمد بن سليمان بن حمائل ابن غانم المقدسي رحمه الله يرثي شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية رضي الله عنه

أي حبر مضى وأي إمام ** فجعت فيه ملة الإسلام

بحر جود علم قد غاض من بع ** د ما فاض نداه وعم بالأنعام

زاهد عابد تنزه في دنيا ** ه عن كل ما بها من حطام

كان كنزا لكل طالب علم ** ولمن خاف أن يرى في حرام

ولعاف قد جاء يشكو من الفق ** رلديه ينال كل مرام

حاز علما ما له من مساو ** فيه من عالم ولا من مسام

ولم يكن في الدنيا له من نظير ** في البرايا في الفضل والأحكام

كان في علمه وحيدا فريدا ** لم ينالوا ما نال في الأحلام

عالم في زمانه فاق بالعل ** م جميع الأئمة والأعلام

كل من في دمشق ناح عليه ** ببكاء من شدة الآلام

حملوه على الرقاب الى القب ** بر وكادوا أن يهلكوا بالزحام

ما يرى عند يومه عند ما سا ** ر على النعش نحو دار السلام

فجع الناس فيه في الغرب والشر ** ق وأضحوا في الحزن كالأيتام

كل من في الوجود فيه مصاب ** فيعزي به جميع الأنام

أعظم الله أجرهم فيه إذ صا ** ر على الرغم في الثرى والرغام

صار جار الإله رب السموا ** ت الرحيم المهيمن العلام

كان وقت الحروب بالطعن والضر ** ب سريع القدوم والإقدام

لا يهاب الهول العظيم بقو ** ل الحق في نقضه وفي الابرام

تابع سنة الرسول عليه ** من إله السماء أزكى سلام

قائم في نصر الشريعة بالعل ** م وبالفضل منه كل قيام

كم بنور العلم أخرج قوما ** من ضلال ومن عظيم ظلام

نال ما نال من شريف مقال ** بعلوم شتى وعظم مقام

طبق الأرض بالفتاوي اللواتي ** هي منقذات الورى من الآثام

حسدوه إذ ماله من نظير ** من بني دهره الكبار الكرام

خصه بالكمال من كل علم ** ربنا ذو الجلال والإكرام

لو يفدى بالروح كنا جميعا ** قد فديناه من هجوم الحمام

قدس الله روحه وسقى قب ** را حواه هاطلات الغمام

ورضى عنه ربنا وترضا ** ه وملاه بالنعيم النامي

فلقد كان نادرا في بني الده ** ر وحسنا في أوجه الأيام

تمت والحمد لله رب العالمين وعدتها ثلاثون بيتا

قصيدة من القصائد التي رثي بها شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية

وهي لرجل جندي بالديار المصرية يقال له بدر الدين محمد بن عز الدين أندمن المغيثي رجل فاضل له محفوظات متنوعة وفيه ديانة وصلابة في دينه أرسلها وذكر أنه عرضها على الإمام أبي حيان

خطب دنا فبكى له الإسلام ** وبكت لعظم بكائه الأيام

وبكت له بعبرتها السماء فأمطرت ** في غير فصل تسمح الأعوام

وبكت له الأرض الجليلة بعد ما ** أضحى عليها وحشة وقتام

وتزلزلت كل القلوب لفقده ** وتواترت من بعده الآلام

ولمؤمنين الجن حزن شامل ** ونياحه نطقت بها الأحلام

وتفجع الدين القويم لفقده ** وبقى غريبا يبتلى ويضام

مذ مات ناصره الذي أوصافه ** أبدا تكون على سواه حرام

لتقي دين الله وصف باهر ** وخصائص خضعت لها الأفهام

ومواهب من ذي الجلال تمده ** فيتم فخر شامخ ومقام

وغدا تقي الدين أحمد ماله ** حد فتحمل فقده الأجسام

العالم الحبر الإمام ومن غدا ** في راحتيه من العلوم زمام

ذو المنصب الأعلى الذي نصبت له ** في الأرض في أقطارها الأعلام

بحر العلوم وكنز كل فضيلة ** في الدهر فرد في الزمان إمام

حبر تخيره الإله لدينه ** ختم لأعلام الهدى وختام

فوفى بأحكام الكتاب فكم له ** في نصر توحيد الإله قيام

والسنة البيضاء أحيا ميتها ** فغدت عليها حرمة وحجام

وأمات من بدع الضلال عوائد ** لا يستطيع لدفعها الصمصام

أس الفضائل والذي لا تهتدي ** لفنونه وعلومه الأوهام

وأناله رب السموات العلا ** في العلم سبقا ما إليه مرام

ونفوذه في العلم قول محمد ** صلى عليه الخالق العلام

إن المنزه ربنا سبحانه ** يقضي بما تأتي به الأحكام

ببدى لكم في كل قرن قادم ** للدين من تهدى به الأقوام

فلئن تأخر في القرون لثامن ** فلقد تقدم في العلوم أمام

فاق القرون سوى الثلاث فإنها ** خير القرون يزينهن تمام

وسوى ابن حنبل إنه علم الهدى ** حبر إمام صابر قوام

لكن أحمد مثل أحمد قد حوى ** علما وزهدا في العلوم تؤام

حدث بلا حرج وقل عن زهده ** ما شئت لا رد ولا آثام

هجر المطاعم والملابس والدنى ** ولعزمه في تركها إحزام

نزر المآكل والمنام ولا يرى ** لبني الدنى في قلبه إعظام

وتراه يصمت لالعى دائما ** إلا لعلم يقتنى ويرام

وإذا تكلم لا يراجع هيبة ** وسكينة وكلامه إبرام

ألقى عليه مهابة من ربه ** فخطابه الإجلال والإكرام

وإذا دنا فترى الرجال ذليلة ** فكأنها في نفسها احجام

بشر يعظم بالقلوب وقدوة ** أبدا يعظم وهو بعد غلام

منن يخص بها المهيمين من يشا ** من خلقه والجاهلون نيام

وجفا العباد لشغله بحبيبه ** فوداده للأقربين سلام

وله مقام في الوصول لربه ** ومقامه نطقت بها الأقتام

وله فتوح من غيوب إلهه ** وتحزن وتمسكن وكلام

وتصوف وتقشف وتعفف ** وقراءة وعبادة وصيام

وعناية وحماية ووقاية ** وصيانة وأمانة ومقام

وله كرامات سمت وتعددت ** ولها على مر الدهور دوام

من رد عن أرض الشآم بعزمه ** من صد وجه الكفر وهو حسام

من رد غازان الهمام بحسرة ** من خلص الأسرى وهم أيتام

من قام بالفتح المبين مؤيدا ** في كسروان وهم طغاة عظام

من جد في بدع الضلال وحزبه ** وأذلهم بعد الرضاع فطام

من صار في سنن الرسول ونصرها ** حتى استقر لأمرهن نظام

من قام في خذل الصليب ودينه ** لما تداعوا للباس وقاموا

فوهوا وردوا خائبين بذلة ** وعليهم فوق الوجوه ظلام

فالأمر بالمعروف يفقد بعده ** والفاعلون النكر ليس يلاموا

فكأن أشراط القيامة قد دنت ** وانحل من سرج الزمان حزام

فالعلم فينا ليس يقبض سرعة ** كلا ولا يأتي حماه حمام

لكن بقبض الراسخين ذهابه ** وزواله وبقى رعاع طغام

لله مما لاقى تقي الدين من ** محن تتابعه وهن ضخام

ومكاره حفت بكل شديدة ** ومواقف زلت بها الأقدام

ومكائد نصبت له وحبائل ** قصدا إليه فردها الأقدام

فحكى ابن حنبل في فنون بلائه ** بجنان ثبت ليس فيه ذؤام

وبسجنه وبحصره ونكاله ** حتى رثى العذال واللوام

فأراد رب العرش جل جلاله ** للقائه مذ حانه الإعدام

وأتاه آتي الموت يخطب نفسه ** فأجابه طوعا له القمقام

فخلت مرابعه وأوحش ربعه ** وتقوضت عند الرحيل خيام

وتفجعت كل القلوب بفقده ** وغدا عليها ذلة وسقام

ومضت جنازته الشريفة بعدما ** سد المسالك صارخ حام

وأتت روايات الشآم بجمعها ** خبرا صحيحا ليس فيه اثام

أن الأولى شهدوا الصلاة وشيعوا ** والله لا تحصيهم الأقلام

فعليه افضل رحمة تهدى له ** ومن الآله تحية وسلام

ما دامت الأفلاك في دوراتها ** أو ناح من فوق الغصون حمام

تمت وعدتها ستة وستون بيتا مرثاة للشيخ قاسم بن عبد الرحمن المقري في الشيخ تقي الدين رضي الله عنه

عز التبصر والزمان رماني ** بسهامه وترادفت أحزاني

أصبحت مكتئبا لفقد أحبة ** جبلت جبلتهم على الإحسان

لا صبر لي عنهم وكيف تصبري ** عن سادة رحلوا من الأوطان

إن أوحشوا نظري فقلبي موطن ** وعمارة الأوطان بالسكان

خلت الديار فأصبحوا في بلقع ** يا وحشتاه لفرقة الإخوان

لما سمعت بأن أحمد قد قضى ** نحبا على التوحيد والإيمان

ولقاء رب لا مرد لحكمه ** سبحانه من قادر منان

عظمت مصيبتنا لسيد عصرنا ** في شرح سيد أحمد ببيان

والعلم حاز أصوله وفروعه ** وغرائب التفسير للقرآن

ويناظر الفقهاء في أقوالهم ** ويجيبهم بالثبت والتبيان

غلب الملوك بثبته وجنانه ** وشجاعة بعث إلى غازان

أفديه من بطل يلاقي عصبة ** منهم بلا عون ولا أعوان

من ذا يقوم مقامه في عصرنا ** إذ ما مضى في سالف الأزمان

وله الزهادة والعبادة منهج ** وكذا يكون العالم الرباني

سارت ركائبه إلى دار الجزا ** متمسكا بمواعد الرحمن

أو ما نظرت إليه فوق سريره ** حفت به الأنوار بالإمكان

والناس من حول الجنازة أحدقوا ** كل يجود بعبرة الثكلان

وهمو الوف ليس يحصى جمعهم ** إلا إله عم بالغفران

نزلوا به كالبدر في إشراقه ** فتباشرت بقدومه القمران

عبد الحليم أبوه سيد عصره ** وأخوه عبد الله حبر ثان

المجد حاز المجد في عصر مضى ** في الجرح والتعديل والبرهان

ولمثل هذا سارعوا أهل التقى ** فازوا بأرفع رتبة وأمان

في جنة أنوارها قد أشرقت ** وقطوفها للطائفين دوان

أكوابها موضوعة وقبابها ** من لؤلؤ مرفوعة البنيان

والنور يغشى أهلها وهمو على ** تلك الأسرة في رضى وأمان

ولباسهم من سندس وخيامهم ** قد ألبسوا من أحسن التيجان

ولأهلها ما يشتهون وشغلهم ** بالله لا بالحور والغلمان

منهم تقي الدين فاز بزهده ** وبصبره في طاعة الرحمن

ثم الصلاة على النبي محمد ** خير الأنام ومعدن الإحسان

هاد وأول شافع ومشفع ** وله الوسيلة مظهر الإيمان

ما حن مشتاق إلى وادي منى ** وتطوفوا بالبيت والأركان

تمت والحمد لله رب العالمين وعدتها إحدى وثلاثون بيتا

مرثاة للشيخ برهان الدين ابراهيم بن الشيخ شهاب الدين أحمد أبن عبد الكريم العجمي يرثي الشيخ تقي الدين بن تيمية في جمادي الآخرة سنة خمس وثلاثين وسبعمائة ومولده في أوائل سنة سبع وتسعين وستمائة وتوفي في رمضان سنة خمس وثلاثين وسبعمائة

جدي بانسجام الدمع يا مقلة العاني ** إلى أن تروي الأرض من فيض أجفاني

وذق يا فؤادي كل يوم وليلة ** مرارة أشواق ولوعة أشجان

إلى أن أرى وجه ابن تيمية الذي ** به الله من أهل الضلالة نجاني

ومن لي بأن ألقاه والموت قد أتى ** فغيبه في الترب عن كل إنسان

فيا وحشة الدنيا لأنوار وجهه ** ويا لهف إخوان عليه وجيران

يحق العين لا ترجى لقاءه ** إلى الحشر أن تنهل بدمعها القاني

لقد عم أهل الأرض رزء مصابه ** ولم ينج فيهم منه قاص ولا داني

لقد كانت الدنيا به ذات بهجة ** ونور وإشراق وروح وريحان

وما كان إلا آية في زمانه ** وفي كل علم حاز ليس له ثان

إمام هدى يدعو إلى دين ربه ** دعاء نصوح مشفق غير خوان

فمذهبه ما جاء عن خير مرسل ** وأصحابه والتابعين بأحسان

أتى بعلوم حيرت كل واصف ** على أنه يهدي بها كل حيران

فكم مبطل وافاه يبغي جداله ** فأنصفه في البحث من غير عدوان

ويكشف عنه شبهة بعد شبهة ** إلى أن يبين الحق أحسن تبيان

فيصبح عن تلك المقالة معرضا ** ولو كان من أحبار سوء ورهبان

يغار على الإسلام من كل بدعة ** وما زال منها هادما كل بنيان

وفي الله لم تأخذه لومة لائم ** ولم يخش مخلوقا من الإنس والجان

ولم ينتقم في الدهر يوما لنفسه ** ولكنه يؤذى فيعفو عن الجاني

وأما سخاء الكف فالبحر دونه ** ولم يك في بذل العطايا بمنان

ولو وزنوا أهل الشجاعة كلهم ** به رجح الشجعان في كل ميزان

فمن جاهد الأعداء في الدين ليلة ** ومن سل سيف العزم في وجه غازان

ومن قال للناس اثتبوا يوم شقحب ** فإن الأعادي في انهزام وخذلان

فمن خشي الرحمن بالغيب واتقى ** إله البرايا خانه كل سلطان

وما ضره إن طال في السجن مكثه ** إذا كان في نسك وطاعة رحمن

منيبا إلى مولاه يقطع وقته ** بنقل أحاديث وتفسير قرآن

ولم يك مشغوفا بحب رياسة ** ولا شد بغلات ولا حسن غلمان

وما كان مشغولا بجاه ومنصب ** ولا رفع بنيان ولا غرس بستان

ولكن بعلم نافع وعبادة ** وزهد وإخلاص وصبر وإيمان

وفي موته قد كان للناس عبرة ** لما شاهدوا من غير زور وبهتان

إذ انتشروا مثل الجراد وكاد أن ** تزيغ عقول من رجال ونسوان

وسار على أعناقهم نحو قبره ** يجاور مولى ذا امتنان وغفران

إلى الذهب الباقي دعاه إلهه ** فذاك له خير من الخزف الفاني

دعاه إلى جنات عدن وطيبها ** ومتعه فيها بحور وولدان

فنسأل رب العرش يجمع شملنا ** به في جنان الخلد من بعد حرمان

ويجبرنا بعد انكسار قلوبنا ** ويروي برؤيا وجهه كل ظمآن

تمت ولله الحمد وهي خمسة وثلاثون بيتا

للشيخ الإمام المحدث الفاضل الأديب البارع صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق البغدادي الحنبلي مدرس المدرسة البشيرية ببغداد

يقول قال العبد الفقير عبد المؤمن بن عبد الحق حين بلغه وفاة الشيخ الإمام العالم بقية العلماء المجتهدين تقى الدين أحمد بن تيمية الحراني رحمه الله ورضي عنه وبوأه الجنة بمنه وكرمه آمين

طبت مثوى يا خاتم العلماء ** في مقام الزلفة مع الأتقياء

أولياء الرحمن والسادة الغر الهداة الأئمة الصلحاء

ويح للموت كم طوى بك من علم غزير وفطنة وذكاء

وبيان يشفي القلوب من الغ ** ي ويجلو عنها صدى الغماء

أين تلك العلوم والمنطق الصا ** ئب عند السؤال والإفتاء

أين ذاك الخلق الجميل وحس ** ن البشر للزائرين عند اللقاء

رمدت مقلة الفضائل مذ مت وقرت عيون أهل الشقاء

حين لا عالم يرد الذي قا ** لوا وما نمقوه للإغواء

من ضلال أهل فلسفة اليو ** نان والاعتزال والإرجاء

وذوي الرفض من يدينون بالطعن على الصالحين والإزراء

من لحل الشكوك بعدك والمردو ** د من شبهة وقول هراء

من لتبيين مشكل قصرت عنه عقول لما به من خفاء

من لقمع الخصم المجادل في الدين عنادا من ملة عوجاء

من ترى للغريب بعدك يلقاه بوجه طلق وفضل حياء

ضاع من بعدك الغريب فما يلقى معينا له على اللأواء

أيما عالم نعاه لنا النا ** عي وحبر قد صين في الغبراء

أي حبر قد غيضته المنايا ** في رجا حفرة من الأرجاء

أعلم الناس كلهم بكتا ** ب الله جل اسمه بغير مراء

بمعانيه والعلوم التي فيه وأدرى بالسنة الغراء

من أحاديث سيد الرسل يرويه كبار الأئمة النبلاء

من صحيح ومن سقيم وأخبا ** ر الرواة الثقات والضعفاء

وبآثار صحبه وفتاو ** ي من أتى بعدهم من العلماء

وبإجماعهم وما اختلفوا فيه من الحكم سادة الفقهاء

حاله إن نظرت فيه تجد ** مثل أحوال سادة الأولياء

قانع النفس بالدنى من العيش غنيا يعد في الفقراء

مؤثر بالذي لديه لعافيه على نفسه بغير رياء

ورع طاهر ونسك وإخبا ** ت وشكر في شدة ورخاء

والتقى والعفاف والزهد في الدنيا حلاه والصبر عند البلاء

لم يزل جاهدا يجاهد في الله قبيل الضلال والأهواء

بجنان ثبت وجأش قوي ** وفؤاد راس لدى الهيجاء

يزع الخصم بالجواب عن الشك ** ويدلي بالحجة البيضاء

صابرا نفسه إلى أن قضى الل ** ه بما قد قضى على الأنبياء

وقد أضمروا له السوء قوم ** للذي حملوا من البغضاء

حسدا منهم لما خصه الل ** ه به من ملابس الفضلاء

فاستحلوا منه الذي حرم الل ** ه لما أضمروا من الشحناء

5 حرفوا قوله كما حرف الق ** وم نصوص القرآن للإغواء

ورموه بكل قول شنيع ** بين الكذب ظاهر الإفتراء

أعجزوا عنه مرة بعد أخرى ** فاستعانوا عليه بالإغراء

هل يباري الغضب الصقيل كهام ** صدىء في ضرابه ومضاء

أم تجارى الحمير في حلبة السب ** ق جوادا مضمر الأحشاء

لم ينالوا منه الذي أملوه ** بل رمى الله جمعهم بالفناء

يا تقي الدين الذي صدقت في ** ه وحقت مخايل الآباء

عند تلقيبه كذلك قد كن ** ت وسميت أحسن الأسماء

ياابن تيمية لقد فزت في الدن ** يا بذكر باق وحسن ثناء

وكذا أنت يعلم الله في الأخ ** رى مع الصالحين والشهداء

بوئت روحك الشريفة في الجن ** ة أعلا منازل السعداء

وسقى قبرك الرضا وأتا ** ك الروح في كل بكرة وعشاء

وتوالت عليك من نعم الل ** ه ورضوانه صنوف العطاء

آخرها وعدتها ثمانية وأربعون بيتا

للشيخ زين الدين بن الشيخ حسام الدين أقش الشبلي يرثي الشيخ تقي الدين بن تيمية رضي الله عنه

لو كان يقنعني عليك بكائي ** لجرت سوابق عبرتي بدماء

وكنت في يوم انتقالك للبلى ** صخرا لزدت على بكي الخنساء

لكن اصبر عنك نفسي كاتما ** للحزن خوف شماتة الأعداء

أترى علمت وأنت أفضل عالم ** ما عندنا من لوعة وبلاء

أسفي على تلك الديانة والتقى ** والجود آذن قربه بتناء

أسفي عليك نفى الكرى عن ناظري ** من فرط أحزاني وفرط عنائي

أسفي عليك وما التأسف نافع ** صبا عليك مقلقل الأحشا

غاضت بحار العلم بعدك والورى ** في غفلة يا سيد العلماء

بأبي وحيدا مات منفردا عن ال ** أحباب كان بقية الصلحاء

بحر العلوم حوى الفضائل كلها ** وسما سمو كواكب الجوزاء

متفردا في كل علم دونه ** لعلو رتبته ذرى العلياء

بالفضل قد شهدت له أعداؤه ** وبه سما فضلا على النظراء

شيخ العلوم وتابع السلف الذي ** تبعوا الرسول بشدة ورخاء

وإمام أهل الأرض والمبدى لهم ** سنن الهدى عن صحة الأنباء

ذو الصالحات وذو الشجاعة والتقى ** والجود والبركات والآلاء

من كان لا يثني لطالب جوده ** حتى يبلغه لكل رجاء

يجفو المضاجع راكعا أو ساجدا ** أو ذاكرا لله في الظلماء

كالصبر في حنك العدو مذاقه ** وألذ من شهد إلى الجلساء

المانح البحر الإمام العالم ** الحبر الهمام وحجة الفقهاء

الواهب المال الجزيل وغامر الضيف النزيل بوافر النعماء

المحسن الكافي السؤال وحاسم الداءالعضال وكاشف الغماء

صدر المدارس والمجالس أحمد المح ** مود في عود وفي إبداء

وإذا المسائل في الفتاوي أفحمت ** أهل العلوم وحجبت بخفاء

وأتت تقي الدين أظهر ما اختفى ** منها وأبداه لعين الرائي

فترى سهاها في الخفاء بكشفه ** كالشمس مشرقة بصحو سماء

ويرى البصير الحق فيما قاله ** والحق لا يخفى علىالبصراء

سجنوه خشية أن يرى متبذلا ** صونا فنال منازل الشهداء

للمؤمنين له وعند عدوهم ** ذاك الكسير وعزة الخلفاء

في المحدثين أتى بفضل باهر ** ومناقب أربت على القدماء

أي خاشع أي شاكر أي ذاكر ** لله في الإصباح والإمساء

أي زاهد أي حامد أي باذل ** للمسلمين نصائح النصحاء

خير الصفات صفاته وثناؤه ** بالجود بين الناس خير ثناء

ويظل يسأل جوده عن سائل ** ذي فاقة ليبره بعطاء

وتراه يشرق وجهه متهللا ** للسائلين له شروق ذكاء

بادي التبسم عند بدل نواله ** لطفا إلى الفقراء والضعفاء

أربى على فضل البرامكة الأولى ** وطوت مكارمه حديث الطائي

من جاء يسأله ويشاهد عنده ** بذل الملوك وعيشة الفقراء

يربي على سح السحائب جوده ** وكذا تكون مواهب الكرماء

والجود يرفع أهله بين الورى ** أبدا ويهوى البخل بالبخلاء

وله إذا اصطدم القتال شجاعة ** قامت بنصر الدين في الهيجاء

سل عنه غازانا وسل أمراءه ** لما أتوا بطلائع الأسراء

والمغل قد ملكوا البلاد وأهلها ** كم فك من عان بغير عناء

5 وكذا بشحقب التنار قد اقبلوا ** كالطم في أمم بغيرمراء

والمسلمون على النزول قد اجمعوا ** والمغل عنهم نظرة للرائي

من حرض السلطان والأمرا على ** ترك النزول سواه عند مساء

قال اثبتوا فلكم دليل النصر قد ** وافى فكان النصر عند لقاء

وأتى جبال الكسروان فأذنت ** بدمارها من بعد طول بقاء

وله بكل مدينة ذكر أتى ** كالمسك فهو معطر الأرجاء

سير له نظمتها سارت بها الر ** كبان دون قصائد الشعراء

وإذا إمام المسلمين وشيخهم ** ولى وعز على عزاه عزائي

أدعو إله العرش يجمع بيننا ** في جنة الفردوس فهو رجائي

وعليه من رب السماء تحية ** تبقى له أبدا بغير فناء

تمت وهي اثنان وخمسون بيتا وله أخرى على قافية القاف نحو خمسة عشر بيتا تقدم ذكرها قال الشيخ المؤلف رحمه الله وقد رثى الشيخ رضي الله عنه بقصائد كثيرة غير هذه وفيما ذكرنا كفاية

والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

بسم الله الرحمن الرحيم

مرثاة في شيخ الإسلام العالم الرباني أحمد بن تيمية الحراني للشيخ شمس الدين الحنبلي من أهل الصالحية ومولده قريبا من سنة إحدى وسبعمائة بسفح قاسيون

خطب جسيم هائل جلل ** قد عزمته العزا وابيضت المقل

والوقت قبض فلا صبر ولا جلد ** أتى وصرف الليالي سابق عجل

والأمر يعظم والأفكار حائرة ** وقد أحاطت بنا الأهوال والوجل

كأنما الشمس في جو السما كسفت ** وضوؤها بائن عنها ومنفصل

والجو في مأتم كالليل منظره ** كأن جنح الدجى في الليل منسبل

فدمعتي بدمي يا سعد قد مزجت ** كأنما في فؤادي النار تشتعل

أمسى وأصبح والأحزان تكمدني ** وحسرتي بدوام الدهر تتصل

قد زادني أسفي واشتد بي جزعي ** أيقنت أن حياتي حثها الأجل

وارحمتا لقلوب قطرت أسفا ** لقد عراها مصاب حادث جلل

وساءها فقد من كان الأنيس لها ** وخاب عند رجاها القصد والأمل

يا باكيا بطول الليل متحبا ** لا يعتريه على طول البكا ملل

زد في البكاء بدمع هاطل همل ** عسى بدمعك حر الوجه ينغسل

واعلم بأن السما والأرض باكية ** على ابن تيمية والسهل والجبل

هذا الإمام التقي السيد الألمعي الب ** ارع اللوذعي الجامع الوجل

حبر إمام تقي زاهد ورع ** ليث همام حصور أوحد بطل

العلم والحلم والآداب شيمته ** واللطف والجود والإحسان مكتمل

ماذا يقول فصيح في مناقبه ** والزهد منهجه والعلم والعمل

لقد حبى الله أيام الزمان به ** علومه أبحر والخلق تنتهل

قد كان كالشمس للدنيا إذا طلعت ** واليوم لا عوض عنه ولا بدل

نال الهداية في مبدا هدايته ** وفي نهايته الإرشاد والجمل

5 قد كان معتصما بالله منتصرا ** وواثقا مكتفي بالله متكل

لله در أبي العباس من رجل ** ما إن يرى في البرايا مثله رجل

تالله لا عاذل بالعذل يعدلني ** عنه وحاشاى أن يلهيني العذل

يا سيد العصر كم خلفت من كبد ** حرى عليك وعين دمعها هطل

ليبكين عليك العلم من أسف ** ليبكين عليك الفقه والجدل

ليبكينك أقوام إذا وفدوا ** من البلاد بعلم أمره شكل

لتبكينك دار كنت تسكنها ** وتشتكي فقدك الأسحار والأصل

فازوا بعلمك أقوام وقد سعدوا ** إذعن جناب حماك الرحب ما عدلوا

وشاع ذكرك في الدنيا بأجمعها ** فأنت في الناس مضروب بك المثل

دانت لعلمك أهل الأرض قاطبة ** فأنت مفتي الورى في كل ما جهلوا

شبهت علمك بالبحرالمحيط كما ال ** بحر المحيط بكل الأرض مشتمل

وإن تكن في مجال الدرس كنت به ** ليثا تصول ومن ألفاظك الأسل

تروي الخلاف وتأتي بالأصول وعن ** أهل الحديث بما قالوا وما نقلوا

وذكر علمك في الآفاق منتشر ** على ممر الليالي ليس ينفصل

كم قد أتتك فتاوى لا عداد لها ** أجبت أربابها عن كل ما سألوا

وكم أجبت النصارى عن مسائلهم ** بمخرقات علوم عنك تنتقل

وكم قمعت فدتك النفس من بدع ** وكنت فيها بأمر الله تستطل

وكم تواضعت عن علم ومعرفة ** تقى وقدرك بالجوزاءمنتعل

لقد رويت من الآثار أوضحها ** كما روتها الثقات السادة الأول

من ذا يضاهيك فيما قد خصصت به ** وبحر علمك منه العارض الهطل

قد كنت أعجوبة في الدهر مدهشة ** وكان درسك فيه العقل ينذهل

وكان يومك يوما آمنا عجبا ** والناس للنعش بالهامات قد حملوا

والخلق لا يهتدوا من عظم ما ازدحموا ** فكم دموع تراها وهي تنهمل

يا رحمة نزلت في الأرض وانتشرت ** على جميع الذي في تربه نزلوا

سقت ثراك الغوادي صيب وابلها ** كما ضريحك من تحت الثرى خضل

كما حبيت بدار الخلد منزلة ** حللتها وعليك الحلى والحلل

وتاجك النور والنعلان من ذهب ** وهكذا عن فتى شيبان قد نقلوا

قل للذي سره موت الإمام لقد ** يكفيك جهلك يا من غره الأمل

أما علمت بأن الموت ما سلمت ** منه ملوك بني الدنيا ولا الرسل

أين الملوك وأبناء الملوك لقد ** صالت عليهم صروف الدهر فارتحلوا

وعن قليل ترى الدنيا وقد رحلت ** فليس يغني ولايات ولا دول

وليس يغني الفتى يوم اللقا ندم ** إذ أثقلت ظهره الأوزار والزلل

وإنما المتقى ترجى النجاة له ** لأنه خائف من ربه وجل

ولم يزل في قيام الدين مجتهدا ** وإن خلا في الدياجي فهو مبتهل

قل للأولى كتبوا علياه واجتهدوا ** إن الذي علموا بعض الذي جهلوا

والله لست بمحص مدحه أبدا ** ولو أتيت بما ضاقت به السبل

وعليه مني سلام الله ما صدحت ** ورق على فنن في نوحها زجل

تمت وهي سبعة وخمسون بيتا

بهامش الأصل كذا وجدت في الأصل لم تعز هذه القصيدة

يا قوم توبوا إلى الرحمن وابتهلوا ** فقد قضى رجل ما مثله رجل

يا قوم واستغفروا الرحمن خالقنا ** قد غار بحر علوم موجه العمل

روى صحاح أحاديث مجمعة ** وعنه أخبار رسل الله تنتقل

والعلم والحلم والزهد المكين ومن ** ما في مقالاته ريب ولا زلل

كم بدعة قد محاها ثم أبطلها ** وكم أزاح لنا من منكر عملوا

كم قام في أمر دين الله مجتهدا ** ولم يكن عنده في أمره ملل

كم نار شر طفاها وهو مبتسم ** لم يعرأين ولا خوف ولا وجل

كم أظهر الحق لما قل ناصره ** وكم أبان لهم أمرا له جهلوا

كم طوق الناس في أعناقهم مننا ** ما ليس يحمله سهل ولا جبل

قد كان ذا مورد عذب لقاصده ** والناس تصدر منه ثم ترتحل

من قبله جا إلى غازان مبتسما ** على الجواد وكل الخلق قد نزلوا

حتى إذا جاءه والخلق تنظره ** قام الجميع ولم يأخذهمو كسل

فقال جهرا له والخلق تسمعه ** هل أنت محمود بالإسلام متصل

وقال له الشام يا محمود دار تقى ** ومعقل الأنبياء عنها فارتحلوا

يكفيكم ما رأيتم من جنازته ** ونعشه فوق روس الخلق ينتفل

إن كان فوق رءوس حملوه فقد ** أولاهم نعما ما ليس تنحمل

قد كنت أرجوه لي ذخرا وآمله ** وأرتجيه إذا ضاقت به الحيل

قد كان ذا رجل للناس كلهم ** يا أيها الناس كفوا قد قضى الأجل

تمت وهي ثمانية عشر بيتا

بسم الله الرحمن الرحيم

من أصغر العباد عبد الله بن حامد إلى الشيخ الإمام العالم العامل قدوة الأفاضل والأماثل مجمل المجالس والمحافل المحامي عن دين الله والذاب عن سنة رسول الله والمعتصم بحبل الله الشيخ المبجل المكرم أبي عبد الله أسبغ الله عليه نعمه وأيد بإصابة الصواب لسانه وقلمه وجمع له بين السعادتين ورفع درجته في الدارين بمنه ورحمته

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أما بعد فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ثم وافاني كتابك وأنا إليك بالأشواق ولم أزل مسائلا ومستخبرا الصادر والوارد عن الأنباء طاب مسموعها وسر ما يسر منها

وما تأخر كتابي عنك هذه المدة مللا ولا خللا بالمودة ولا تهاونا بحقوق الإخاء حاشى لله أن يشوب الأخوة في الله جفاء

ولا أزال أتعلل بعد وفاة الشيخ الإمام إمام الدنيا رضي الله عنه بالإسترواح إلى أخبار تلامذته واخوانه وأقاربه وعشيرته والخصيصين به لما في نفسي من المحبة الضرورية التي لا يدفعها شيء على الخصوص لما اطلعت على مباحثه واستدلالاته التي تزلزل أركان المبطلين ولا يثبت في ميادينها سفسطة المتفلسفين ولا يقف في حلباتها أقدام المبتدعين من المتكلمين

وكنت قبل وقوفي على مباحث إمام الدنيا رحمه الله قد طالعت مصنفات المتقدمين ووقفت على مقالات المتأخرين من أهل الفلسفة ونظار أهل الإسلام فرأيت منها الزخارف والأباطيل والشكوكات التي يأنف المسلم الضعيف في الإسلام أن يخطرها بباله فضلا عن القوي في الدين فكان يتعب قلبي ويحزنني ما يصير إليه الأعاظم من المقالات السخيفة والآراء الضعيفة التي لا يعتقد جوازها آحاد العامة

وكنت أفتش على السنة المحضة في مصنفات المتكلمين من أصحاب الامام أحمد رحمه الله على الخصوص لاشتهارهم بالتمسك بمنصوصات إمامهم في أصول العقائد فلا أجد عندهم ما يكفي

وكنت أراهم يتناقضون إذ يؤصلون أصولا ؟ يلز فيها ضد ما يعتقدونه ويعتقدون خلاف مقتضى أدلتهم فاذا جمعت بين أقاويل المعتزلة والأشعرية وحنابلة بغداد وكرامية خراسان أرى أن إجماع هؤلاء المتكلمين في المسألة الواحدة على ما يخالف الدليل العقلي والنقلي فيسؤني ذلك وأظل أحزن حزنا لا يعلم كنهه إلا الله حتى قاسيت من مكابدة هذه الأمور شيئا عظيما لا أستطيع شرح أيسره

وكنت ألتجىء إلى الله سبحانه وتعالى وأتضرع إليه وأهرب إلى ظواهر النصوص وألقى المعقولات المتباينة والتأويلات المصنوعة لنبو الفطرة عن قبولها

ثم قد تشبثت فطرتي بالحق الصريح في أمهات المسائل غير متجاسرة على التصريح بالمجاهرة قولا وتصميما للعقد عليه حيث لا أراه مأثورا عن الأئمة وقدماء السلف إلى أن قدر الله سبحانه وقوع مصنف الشيخ الامام إمام الدنيا رحمه الله في يدي قبيل واقعته الأخيرة بقليل فوجدت ما بهرني من موافقة فطرتي لما فيه وعزوا الحق إلى أئمة السنة وسلف الأمة مع مطابقة المعقول والمنقول فبهت لذلك سرورا بالحق وفرحا بوجود الضالة التي ليس لفقدها عوض فصارت محبة هذا الرجل رحمه الله محبة ضرورية يقصر عن شرح أقلها العبارة ولو أطنبت

ولما عزمت على المهاجرة الى لقيه وصلني خبر اعتقاله وأصابني لذلك المقيم المقعد

ولما حججت سنة ثمان وعشرين وسبعمائة صممت العزم على السفر إلى دمشق لأتوصل إلى ملاقاته ببذل مهما أمكن من النفس والمال للتفريج عنه فوافاني خبر وفاته رحمه الله تعالى مع الرجوع إلى العراق قبيل وصول الكوفة فوجدت عليه ما لا يجده الأخ على شقيقه واستغفر الله بل ولا الوالد الثاكل على ولده وما دخل على قلبي من الحزن لموت أحد من الولد والأقارب والأخوان كما وجدته عليه رحمه الله تعالى ولا تخيلته قط في نفسي ولا تمثلته في قلبي إلا ويتجدد لي حزن قديمه كأنه محدثه ووالله ما كتبتها إلا وأدمعي تتساقط عند ذكره أسفا على فراقه وعدم ملاقاته فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وما شرحت هذه النبذة من محبة الشيخ رحمة الله تعالى عليه إلا ليتحقق بعدي عن الملك الموهوم

لكن لما سبق الوعد الكريم منكم بانفاذ فهرست مصنفات الشيخ رضي الله عنه وتأخر ذلك عني اعتقدت أن الاضراب عن ذلك نوع تقية أو لعذر لا يسعني السؤال عنه فسكت عن الطلب خشية أن يلحق أحدا ضرر والعياذ بالله بسببي لما كان قد اشتهر من تلك الأحوال فإن أنعمتم بشيء من مصنفات الشيخ رحمه الله تعالى كانت لكم الحسنة عند الله تعالى علينا بذلك فما أشبه كلام هذا الرجل بالتبر الخالص المصفى وقد يقع في كلام غيره من الغش والشبه المدلس بالتبر ما لا يخفى على طالب الحق لحرص وعدم هوى

ولا أزال أتعجب من المنتسبين إلى حب الانصاف في البحث المزرين على أهل التقليد المعقولات التي يزعمون أن مستندهم الأعظم الصريح منها كيف يباينون ما أوضحه من الحق وكشف عن قناعه وقد كان الواجب على الطلبة شد الرحال إليه من الآفاق ليرو العجب

وما أشبه حال المباينين له من المنتسبين إلى العلم الطالبين للحق الصريح الذي أعياهم وجدانه بحال قوم ذبحهم العطش والظمأ في بعض المفازات فحين أشرفوا على التلف لمع لهم شط كالفرات أو دجلة أو كالنيل فعند معاينتهم لذلك اعتقدوه سرابا لا شرابا فتولوا عنه مدبرين فتقطعت أعناقهم عطشا وظمأ فالحكم لله العلي الكبير وما أرسلنا الكتب المقابلة من إحدى الطرفين ففيه تعسف وتمهدون العذر في الأطناب فهذا الذي ذكرته من حالي مع الشيخ كالقطر من بحر وإن أنعمتم بالسلام على أصحاب الشيخ وأقاربه كبيرهم وصغيرهم كان ذلك مضافا إلى سابق إنعامكم

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأنتم في أمان الله ورعايته والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما

قال الشيخ الإمام زين الدين أبو حفص عمر بن المظفر بن عمر ابن محمد بن أبي الفوارس بن علي بن الوردي الشافعي رضي الله عنه يرثي شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية رضي الله عنه

عتا في عرضه قوم سلاط ** لهم من نثر جوهره التقاط

تقي الدين أحمد خير حبر ** خروق المعضلات به تخاط

توفى وهو مسجون فريد ** وليس له إلى الدنيا إنبساط

ولو حضروه حين قضى لألفوا ** ملائكة النعيم به أحاطوا

قضى نحبا وليس له قرين ** ولا لنظيره لف القماط

فتى في علمه أضحى فريدا ** وحل المشكلات به يناط

وكان إلى التقى يدعو البرايا ** وينهى فرقة فسقوا ولاطوا

وكان يخاف إبليس سطاه ** بوعظ للقلوب هو السياط

فيا لله ما قد ضم لحد ** ويا لله ما غطى البلاط

همو حسدوه لما لم ينالوا ** مناقبه فقد فسقوا وشاطوا

وكانوا عن طرائقه كسالى ** ولكن في أذاه لهم نشاط

وحبس الدر في الأصداف فخر ** وعند الشيخ بالسجن اغتباط

بآل الهاشمي له اقتداء ** فقد ذاقوا المنون ولم يواطوا

بنو تيمية كانوا فبانوا ** نجوم العلم أدركها انهباط

ولكن يا ندامة حابسيه ** فشك الشرك كان به يماط

ويا فرح اليهود بما فعلتم ** فإن الضد يعجبه الخباط

ألم يك فيكمو رجل رشيد ** يرى سجن الإمام فيستشاط

إمام لا ولاية كان يرجو ** ولا وقف عليه ولا رباط

ولا جاراكمو في كسب مال ** ولم يعهد له بكم إختلاط

ففيم سجنتموه وغضتموه ** أما لجزا أذيته اشتراط

وسجن الشيخ لا يرضاه مثلي ** ففيه لقدر مثلكم انحطاط

أما والله لولا كتم سري ** وخوف الشر لانحل الرباط

وكنت أقول ما عندي ولكن ** بأهل العلم ما حسن اشتطاط

فما أحد إلى الإنصاف يدعو ** وكل في هواه له انخراط

سيظهر قصدكم يا حابسيه ** ونيتكم إذا نصب الصراط

فها هو مات عنكم واسترحتم ** فعاطوا ما أردتم أن تعاطوا

وحلوا واعقدوا من غير رد ** عليكم وانطوى ذاك البساط

تمت والحمد لله رب العالمين

مرثية في الشيخ تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية قدس الله روحه

لما نعى الشيخ الإمام المتقي ** نجل رئيس فاضل حبر تقي

فاضت محاجر مقلتي يا حسرتي ** لفراقه فرقا وزاد تقلقي

زفرات أشواقي أكاد لحرها ** تنقض مني مهجتي بتحرقي

وتركت من بعد التقى بلوعة ** ومدامعي من بعده لا ترتقي

متهتك الأستار ولهان الحشى ** أبكي الديار عليه حتى نلتقي

حزني عليه مدى الزمان تأسفا ** يا مقلتي سحي دما وترقرقي

يا قلب ذب أسفا عليه وحسرة ** فقليل ما لاقيت شيب مفرقي

يا مهجتي ذوبي عليه صبابة ** وتقطعي لفراقه وتمزقي

يا مقلتي سحي بدمع هاطل ** متحدر سح السحاب المطبق

يا ليتني يوم الفراق حضرته ** حتى أجدد ما مضى من موثقي

وأودع الوجه المليح بنظرة ** يحيا بها قلب الكئيب المشفق

ما كان أهنا عيشنا بحياته ** يا ليت يوم فراقه لم يخلق

لو كان يفدى ما بخلت بمهجتي ** في حقه ولكنت أول من يقي

يا أهله لا تجزعوا لفراقه ** ولأجل كأس من حمام قد سقي

فله جنان الخلد يسكنها غدا ** وعلى مناصبها العلية يرتقي

هو شيخنا ورئيسنا وإمامنا ** لله در الطاهر الحبر التقي

إن قلت طود العلم فهو حقيقة ** فاسمع بهذا القول فيه وحقق

يفتي بجمع مذاهب عن أربع ** لكنه في الفضل آخر من بقي

هو في القراءة أوحد في عصره ** هو في الأصول مفيدنا والمنطقي

شيخ الطريقة والحقيقة عارف ** ورث الإمامة والعلوم فحقق

متصدق متفضل متطول ** لله ما أجزاه من متصدق

قد كان فينا وابلا نحيا به ** وثناؤه فينا كمسك معبق

قد كان فينا جنة أنهارها ** تجري لنا من علمه المتدفق

قد كان فينا سيدا من سيد ** فاقطع بهذا القول فيه وصدق

يا قبره يهنيك ما قد حزته ** من زاهد بر زكي متقي

قد صرت روضة جنة بحلوله ** فلك الفخار بسيد وموفق

فالله يرحمه ويجبر كسره ** ويغيثنا من فضله المغدودق

واجبر بعفوك ناظما لقريضها ** حسنا أعنه تفضلا وتصدق

ثم الصلاة على النبي محمد ** خير الأنام ومن لعرشك يرتقي

والحق به الآل الكرام وصحبه ** بكرامة فلأنت أكرم ملحق

تمت والحمد لله رب العالمين

مرثية في شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية من نظم الشيخ شهاب الدين أحمد بن فضل الله رحمهما الله تعالى ورضي عنهما

أهكذا في الدياجي يحجب القمر ** ويحبس النور حتى يذهب المطر

أهكذا تمنع الشمس المنيرة عن ** منافع الأرض أحيانا فتستتر

أهكذا الدهر ليلا كله ابدا ** فليس يعرف في أوقاته سحر

أهكذا السيف لا تمضي مضاربه ** والسيف في الفتك ما في عزمه خور

أهكذا القوس ترمى بالعراء وما ** تصمي الرمايا وما في باعها قصر

أهكذا يترك البحر الخضم ولا ** يلوى عليه وفي أصدافه الدرر

أهكذا بتقي الدين قد عبثت ** أيدي العدى وتعدى نحوه الضرر

الى ابن تيمية ترمى سهام أذى ** من الأنام ويدمى الناب والظفر

بد السوابق ممتد العبادة لا ** يناله ملل فيها ولا ضجر

ولم يكن مثله بعد الصحابة في ** علم عظيم وزهد ما له خطر

طريقه كان يمشي قبل مشيته ** بها أبو بكر الصديق أو عمر

فرد المذاهب في أقوال أربعة ** جاءوا على أثر السباق وابتدروا

لما بنوا قبله عليا مذاهبهم ** بنى وعمر منها مثل ما عمروا

مثل الأئمة قد أحيا زمانهم ** كأنه كان فيهم وهو منتظر

إن يرفعوهم جميعا رفع مبتدأ ** فحقه الرفع أيضا إنه خبر

أمثله بينكم يلقى بمضيعة ** حتى يطيح له عمدا دم هدر

يكون وهو أماني لغيركم ** تنوبه منكمو الأحداث والغير

والله لو أنه في غير أرضكم ** لكان منكم على ابوابه زمر

مثل ابن تيمية ينسى بمجلسه ** حتى يموت ولم يكحل به بصر

مثل ابن تيمية ترضى حواسده ** بحبسه أو لكم في حبسه عذر

مثل ابن تيمية في السجن معتقل ** والسجن كالغمد وهو الصارم الذكر

مثل ابن تيمية يرمى بكل أذى ** وليس يجلى قذى منه ولا نظر

مثل ابن تيمية تذوى خمائله ** وليس يلقط من أفنانه الزهر

مثل ابن تيمية شمس تغيب سدى ** وما تروق بها الآصال والبكر

مثل ابن تيمية يمضي وما عبقت ** بمسكه العطر الأردان والطرر

مثل ابن تيمية يمضي وما نهلت ** له سيوف ولا خطية سمر

ولا تجاري له خيل مسومة ** وجوه فرسانها الأوضاح والغرر

ولا تحف به الأبطال دائرة ** كأنهم أنجم في وسطها قمر

ولا تعبس حرب في مواقفه ** يوما ويضحك في أرجائها الظفر

حتى يقوم هذا الدين من ميل ** ويستقيم على منهاجه البشر

بل هكذا السلف الأبرار ما برحوا ** يبلى اصطبارهم جهدا وهم صبروا

تأس بالأنبياء الطهر كم بلغت ** فيهم مضرة أقوام وكم هجروا

في يوسف في دخول السجن منقبة ** لمن يكابد ما يلقى ويصطبر

ما أهملوا أبدا بل أمهلوا لمدى ** والله يعقب تأييدا وينتصر

أيذهب المنهل الصافي وما نقعت ** به الظماة وتبقى الحمأة الكدر

مضى حميدا ولم يعلق به وضر ** وكلهم وضر في الناس أو وذر

طود من الحلم لا يرقى له فنن ** كأنما الطود من أحجاره حجر

بحر من العلم قد فاضت بقيته ** فغاضت الأبحر العظمى وما شعروا

يا ليت شعري هل في الحاسدين له ** نظيره في جميع القوم إن ذكروا

هل فيهم لحديث المصطفى أحد ** يميز النقد أو يروي له خبر

هل فيهم من يضم البحث في نظر ** أو مثله من يضم البحث والنظر

هلا جمعتم له من قومكم ملأ ** كفعل فرعون مع موسى ليعتذروا

قولوا لهم فال هذا فابحثوا معه ** قدامنا وانظروا الجهال إن قدروا

يلقى الأباطيل أسحار لها دهش ** فليقف الحق ما قالوا وما سحروا

فليتهم مثل ذاك الرهط من ملأ ** حتى يكون لكم في شأنهم عبر

وليتهم أذعنوا للحق مثلهم ** فآمنوا كلهم من بعد ما كفروا

يا طالما نفروا عنه مجانبة ** وليتهم نفعوا في الضيم أو نفروا

هل فيهمو صادع للحق مقوله ** أو خائض للوغي والحرب تستعر

رمى الى نحر غازان مواجهة ** سهامه من دعاء عونه القدر

بتل راهط والأعداء قد غلبوا ** على الشآم وطار الشر والشرر

وشق في المرج والأسياف مصلته ** طوائف كلها أو بعضها التتر

هذا وأعداؤه في الدور أشجعهم ** مثل النساء بظل الباب مستتر

وبعدها كسروان والجبال وقد ** أقام أطوادها والطود منفطر

واستحصد القوم بالأسياف جهدهم ** فطالما بطلوا طغوا وما بطروا

قالوا قبرناه قلنا إن ذا عجب ** حقا وللكوكب الدري قد قبروا

وليس يذهب معنى منه متقد ** وإنما تذهب الأجسام والصور

لم يبكه ندما من لا يصب دما ** يجري به وبما يهمي وتنهمر

لهفي عليك أبا العباس كم كرم ** لما قضيت قضى من عمره العمر

سقى ثراك من الوسمى صيبه ** وزار معناك قطر كله قطر

ولا يزال له برق يغازله ** حلو المراشف في أجفانه حور

لفقد مثلك يا من ماله مثل ** تأسى المحاريب والآيات والسور

يا وارثا من علوم الأنبياء نهى ** أورثت قلبي نارا وقدها الفكر

يا واحدا لست أستثني به أحدا ** من الأنام ولا أبقى ولا أذر

يا عالما بنقول الفقه أجمعها ** أعنك تحفظ زلات كما ذكروا

يا قامع البدع اللاتي تحببها ** أهل الزمان وأهل البدو والحضر

ومرشد الفرقة الضلال نهجهم ** إلى الطريق فما حاروا ولا سهروا

ألم تكن للنصارى واليهود معا ** مجادلا وهم في البحث قد حضروا

وكم فتى جاهل غر أبنت له ** رشد المقال فزال الجهل والضرر

ما أنكروا منك إلا أنهم جهلوا ** عظيم قدرك لكن ساعد القدر

قالوا بأنك قد أخطأت مسألة ** وقد يكون فهلا منك تغتفر

غلطت في الدهر أو أخطأت واحدة ** أما أجدت إصابات فتعتذر

ومن يكون على التحقيق مجتهدا ** له الثواب على الحالين لا الوزر

ألم تكن أحاديث النبي إذا ** سئلت تعرف ما تأتي وما تذر

حاشاك ما شبه فيها وما شبه ** كلاهما منك لا يبقى له أثر

عليك في البحث أن تبدي غوامضه ** وما عليك إذا لم تفهم البقر

قدمت لله ما قدمت من عمل ** وما عليك بهم ذموك أو شكروا

هل كان مثلك من يخفى عليه هدى ** ومن سمائك تبدو الأنجم الزهر

وكيف تحذر من شئ تزل به ** أنت التقي فماذا الخوف والحذر

تمت والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

وقال الشيخ الصالح العابد محمد أبو الطاهر البعلي الحنبلي يمدح شيخ الإسلام والمسلمين الإمام أحمد بن تيمية رحمه الله ورضي عنه

يا ابن تيمية يا أنصح العلما ** يا من لأسرار دين الله قد فهما

يا آية ظهرت في الكون باهرة ** لا زلت في سلك دين الله منتظما

وكنت واسطة في عقده ابدا ** تزيل منه الأذى والفحش والسقما

جمعت منه الذي قد كان فرقه ** قوم رأوه هدى منه وكان عمى

وكنت أحرص خلق الله كلهم ** على التآلف تعطي الفضل والنعما

ولست خبا لئيما باخلا شرها ** لكن تقيا نقيا سيد الكرما

تعفو عن الجاهل الجاني وترحمه ** وتكثر العدل والانصاف للخصما

ما زلت تغضب في ذات الإله ولم ** تكن لنفسك يا ذا الحلم منتقما

فأنت حبر هدى أحيا الإله به ** من دينه سننا أماته الغشما

في رأس سبع مئين كنت قد وجبت ** لك الإمامة يا خلاصة العلما

وكل شئ به جل الورى هلكوا ** فشيخنا ذي التقى من شره سلما

وكل وصف كمال في نظائره ** له خصائصه لا تقتضي العدما

كان المبرز في كل العلوم وقد ** أضحت له في ذرى اسنامها علما

وكان حاوي صفات الخير اجمعها ** قد جل في كل حالات التقى قدما

لما أراد عداه دحضه دحضوا ** وزاده الله عزا دائما وسما

أضحت عوائده تبدي فوائده ** على موائده في حضرة الحكما

فهو التقي به أهل التقى الفوا ** وأبعد الله عنه المجرم الزنما

وهو المحك الذي بان العباد به ** إما كراما وإما خيبا لؤما

فإن أردت تعايير العباد به ** عرض بذكراه مدحا وانظر السيما

ترى الغوى حزينا ثم منقبضا ** وتنظر المتقي قد سر مبتسما

فحبه نعمة فاز السعيد بها ** وبغضه نقمة بها الشقي وسما

فالحمد لله أهل الحمد خالقنا ** كم قد افاض علينا في الورى نعما

عافي القلوب من الأسقام أجمعها ** وعم بالجود من وفى ومن ظلما

كم أفرجت كربة عنا بمنته ** وكم أعان وكم عفى وكم رحما

لا ترتجي غيره في رفع نازلة ** يبقى الهدى عنك والاحسان منصرما

ولا تكن بسواه عنه مشتغلا ** لكي تنال التقى والفوز والكرما

وكن محبا له ساع بطاعته ** فالسعي في غير هذا يورث الندما

(تمت بحمد الله وعونه وحسن وتوفيقه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا

وقع الفراغ التام من نسخ الكتاب المستطاب من أوله إلى صفحة 115 بيد أبي عبد الله محمد بن حسن رحمه الله سلمه ربه

ومن صفحة 116 إلى آخره بيد أبي اسمعيل يوسف حسين بن محمد حسن رحمه الله الصابر الحنيف السني المحمدي

رواح يوم الاثنين 12 شوال سنة 1312 هجرية على صاحبها أتمي الصلاة وأزكى التحية

ستبقى خطوطي في الدفاتر برهة ** وأنملتي تحت التراب رميم)

العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية
(مقدمة) | مصنفات الشيخ رحمه الله | (مبحث) | بحث ثان جرى | موقف من مواقف الشيخ في إبطال أهل الطر الدجالين | محنة الشيخ وقيام المبتدعين عليه لتأليفه الحموية | محنة الشيخ بدمشق | إحضار الشيخ بمجلس نائب السلطنة ومناقشته في العقيدة | فصل | كتاب السلطان بإرسال الشيخ إلى مصر | إرسال الشيخ كتابا من سجنه إلى دمشق | إخراج ابن مهنا الشيخ من الجب | كتاب الشيخ إلى والدته وإلى غيرها | كتاب آخر للشيخ بعثه من مصر إلى دمشق | شكوى الصوفية الشيخ إلى السلطان وأمره بحبسه | كتاب الشيخ شرف الدين إلى أخيه بدر الدين | إحضار الشيخ من سجن الإسكندرية إلى القاهرة | حلم الشيخ وعفوه عمن ظلمه | كتاب الشيخ إلى أقاربه بدمشق | قيام جماعة من الغوغاء على الشيخ بجامع مصر وضربه وقيام أهل الحسينية وغيرهم انتصارا للشيخ ثم صفحه هو عمن آذوه | ترجمة الشيخ عماد الدين ابن شيخ الحزاميين | فصل | سجن الشيخ بسبب فتياه في الطلاق | الكلام على شد الرحال إلى القبور | انتصار علماء بغداد للشيخ في مسألة شد الرحال للقبور | وفاة الشيخ رحمه الله بالقلعة وما كتب بها قبل موته | ما كتبه العلماء في وفاة الشيخ | صورة فتيا قدمت في مجلس تقى الدين رضي الله عنه