الرئيسيةبحث

الرد على المنطقيين/11

الرد على المنطقيين



ابن سينا والعبيديون الاسماعيلية

واما الالهيات فكلام ارسطو واصحابه فيها قليل جدا ومع قلته فكثير منه بل اكثره خطأ ولكن ابن سينا اخذ ما ذكروه وضم اليه امورا اخر من اصول المتكلمين واخذ يقول ما ذكره على بعض الفاظ الشرع وكان هو واهل بيته من الملاحدة الباطنية اتباع الحاكم وعيرة من العبيديين الاسماعيلية وأولئك كانوا يستعملون التأويل الباطن في جميع امور الشريعة علميها وعمليها حتى تأولوا الصلوات الخمس وصيام شهر رمضان وحج البيت لكن كانوا يأمرون بالشريعة لعوامهم فانهم كانوا يتظاهرون بالتشيع

وكانت الرافضة الاثناعشرية تدعى ان الامامة بعد جعفر في ابنه موسى بن جعفر فادعى هؤلاء انها في ابنه إسمعيل بن جعفر وانتقلت الى ابنه محمد بن إسمعيل وادعوا ان ميمون القداح بن محمد هذا وسموا محمد هذا هو الامام المخفى وإنما كان ميمون هذا يعرف بالانتساب الى باهلة وقد ذكر غير واحد من اهل المعرفة أنه كان يهوديا وكان من أبناء المجوس كما ذكر ذلك القاضي ابو بكر ابن الطيب في كتاب كشف اسرارهم وهتك أستارهم وغيره من علماء المسلمين

وأما قرامطة البحرين ابو سعيد بن الجنابى واصحابه فأولئك كانوا يتظاهرون بالكفر الصريح ولهذا قتلوا الحجاج والقوهم في بئر زمزم واخذوا الحجر الاسود وبقى عندهم مدة، بخلاف العبيديين فانهم كانوا يتظاهرون بالاسلام ويقولون إنهم شيعة فالظاهر عنهم الرفض لكن كان باطنهم الالحاد والزندقة كما قال ابو حامد الغزالي في كتاب المستظهري ظاهرهم الرفض وباطنهم الكفر المحض وهذا الذي قاله ابو حامد فيهم هو متفق عليه بين علماء المسلمين وكانوا يأمرون عامتهم بالعبادات وهم على درجات مرتبة عندهم كلما ارتفع درجة عبروا الشريعة عنده فاذا انتهى اسقطوا عنه الشرع

وكان ابن صباح من أتباعهم احنا عن المستنصر الذي جرى في ايامه فتنه البساسيرى وهو الذي احدث السكين واصحاب الالموت من اتباعه والذين كانوا بالشام كسنان ونحوه هم من اتباع اولئك وباطنهم مركب من مذهب المجوس والفلاسفة واخذوا عن المجوس الاصلين النور والظلمة واخذوا عن الفلاسفة العقل والنفس وعبروا هم عن ذلك بالسابق والتالي

فلما دخل معهم المتفلسفة كابن سينا وأمثاله تبين لهم ان ما يدعونه على الرسول من التأويلات مما يعلم بطلان كثير منها بالضرورة والفيلسوف من حيث هو فيلسوف ليس له غرض فيما يعلم أنه باطل فسلكوا مسلكا بين مسلك هؤلاء الملاحدة وبين دين المسلمين فالشرائع الظاهرة أقروها ولم يتأولوها لكن قد يقولون إن بعضها يسقط عن الخاصة ودخل معهم في هذا طائفة من متصوفة الفلاسفة كابن عربي وابن سبعين وغيرهما وأما العلميات فتأولوا بعضها كاللوح قالوا هو النفس الكلية والقلم هو العقل الفعال وربما قالوا عن الكوكب والشمس والقمر التي رآها إبراهيم إنها النفس والعقل الفعال والعقل الاول وتأولوا الملئكة ونحو ذلك

وأما صفات الرب ومعاد الابدان وغير ذلك فمذهب محققيهم كابن سينا وأمثاله أنها لا تتأول وأن ما دلت عليه ليس ثابتا في نفس الامر ولا يستفاد منها علم قالوا بل المراد منها خطاب الجمهور بما يخيل اليهم ما يعتقدونه في امر الايمان بالله واليوم الاخر لينتفعوا بذلك الاعتقاد وإن كان باطلا لا حقيقة له في نفس الامر فان هذا غايته ان الانبياء كذبوا لمصلحة الجمهور وهم يرون مثل ذلك من تمام حكمتهم وهم يعظمون شرائع الانبياء العملية وأما العلمية فعندهم العلم في ذلك بما يقوله الفلاسفة وأما الانبياء فلا يستفاد من جهتهم علم بذلك

ثم منهم من يقول النبي أعظم من الفيلسوف فيقولون النبي كان في الباطن على مذهب هؤلاء الفلاسفة لكن خاصته التخييل وإن كان كذبا في الحقيقة لمصلحة الجمهور ومنهم من يقول بل الفيلسوف أعظم من النبى والنبي قد لا يكون عارفا في الباطن بما يجوز على الله وما لا يجوز وحقيقة الامر في المعاد لكن هو حاذق في وضع الشرائع العملية

وكثير من ملاحدة المتصوفة كابن عربي وابن سبعين والقونوي والتلمساني وغيرهم يوافقونهم في أصولهم لكن يغيرون العبارات فيعبرون بالعبارات الاسلامية عما هو قولهم وفي الكتب المضنون بها على غير اهلها وغيرها من كتب مصنفيها قطعة من هذا وبسبب ذلك وقع ابن عربي وامثاله من ملاحدة المتصوفة مع هؤلاء ولهذا كثر كلام علماء المسلمين في مصنفيها ومن الناس من ينكر ان تكون من كلام ابي حامد لما رأى ما فيها من المصائب العظيمة وآخرون يقولون بل رجع عن ذلك وختم له بالاشتغال بالبخاري ومسلم كما قد ذكر ذلك في سيرته

وهؤلاء المتفلسفة ومتصوفوهم كابن سبعين وأتباعه يجوزون ان يكون الرجل يهوديا او نصرانيا او مشركا يعبد الاوثان فليس الاسلام عندهم واجبا ولا التهود والتنصر والشرك محرما لكن قد يرجحون شريعة الاسلام على غيرها وإذا جاء المريد الى شيخ من شيوخهم وقال اريد ان اسلك على يديك يقول له على دين المسلمين أو اليهود أو النصارى فاذا قال له المريد اليهود والنصارى أما هم كفار يقول لا ولكن المسلمون خير منهم وهذا من جنس جهال التتر أول ما أسلموا فان الاسلام عندهم خير من غيره وإن كان غيره جائزا لا يوالون عليه ويعادون عليه

وهذا أيضا اكثر اعتقاد علماء النصارى أو كثير من اليهود يرون دين المسلمين واليهود والنصارى بمنزلة المذاهب في دين المسليمن فيجوز للرجل عندهم ان ينتقل من هذه الملة الى تلك إما لرجحانها عنده في الدين وإما لمصلحة دنياه كما ينتقل الانسان من مذهب بعض ائمة المسلمين الى مذهب إمام آخر كما ينتقل من مذهب مالك إلى الشافعي ومن مذهب ابي حنيفة الى مذهب احمد ونحو ذلك

أرسطو ومشركو اليونان

واما ارسطو واصحابه فكانوا مشركين يعبدون الاصنام والكواكب وهكذا كان دين اليونان والروم قبل ظهور دين المسيح فيهم وكان ارسطو قبل المسيح بنحو ثلثمائة سنة وكان وزير الاسكندر بن فيلبس المقدوني الذي تؤرخ له اليهود والنصارى التأريخ الرومي وكان قد ذهب الى ارض الفرس واستولى عليها

وطائفة من الناس تظن انه كان وزير الاسكندر ذي القرنين المذكور في القران وهذا جهل فان ذا القرنين كان مقدما على ارسطو بمدة عظيمة وكان مسلما يعبد الله وحده لم يكن مشركا بخلاف المقدوني وذو القرنين بلغ اقصى المشرق والمغرب وبنى سد يأجوج ومأجوج كما ذكر الله في كتابه والمقدوني لم يصل لا الى هذا ولا الى هذا ولا وصل الى السد

واخر ملوكهم كان بطلميوس صاحب المجسطي وبعده صاروا نصارى وكانت اليونان والروم مشركين كما ذكر يعبدون الشمس والقمر والكواكب ويبنون لها هياكل في الارض ويصورون لها اصناما يجعلون لها طلاسم من جنس شرك النمرود بن كنعان وقومه الذين بعث اليهم ابراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه

وبقايا هذا الشرك في بلاد الشرق في بلاد الخطا والترك يصنعون الاصنام على صورة النمرود ويكون الصنم كبيرا جدا ويعلقون السبح في اعناقهم ويسبحون باسم النمرود ويشتمون ابراهيم الخليل

وكان من النفر القادمين الى دمشق سنة تسع وتسعين وستمائة بعض هؤلاء وهو يجمع بين أن يصلي الصلوات الخمس وبين ان يسبح باسم نمرود وهذا ايضا مذهب كثير من هؤلاء المتفلسفة وعلمائهم وعبادهم يصلون الصلوات الخمس ويعبدون الشمس والقمر او غيرهما من الكواكب ومن هؤلاء طوائف موجودون في الشام ومصر والعراق وغير ذلك

وسبب ذلك انه يحصل لهم احيانا من جنس ما يظهر للمشركين الذين كانو يعبدون الكواكب والاصنام فأنه كانت من الشياطين تدخل في الصنم وتكلم عابديه فتخبرهم بأمور مكاشفة لهم وتأمرهم بأمور يطلبون منهم قضاء حوائجهم

قال الله تعالى ان يدعون من دونه الا انثا وان يدعون الا شيطنا مريدا قال ابن عباس كان في كل صنم شيطان يترااى للسدنة فيكلمهم وقال ابي بن كعب مع كل صنم جنية

ولهذا لما ارسل النبي ﷺ - خالد بن الوليد الى العزى وكانت العزى عند عرفات خرجت منها عجوز ناشرة شعرها وقال النبي ﷺ - هذه شيطانة العزى وقد يئست العزى ان تعبد بأرض العرب وكان خالد يقول يا عزى كفرانك لا سبحانك اني رايت الله قد اهانك وأما اللات فكانت عند الطائف ومناة الثالثة الاخرى كانت حذو قديد بالساحل

فان المدائن التي للمشركين بأرض الحجاز كانت ثالاثة مكة والمدينة والطائف وكان لكل أهل مدينة طاغوت من هذه الثلاثة ولهذا خصصها سبحانه بالذكر في قوله آفرءيتم اللت والعزى ومنوة الثالثة الاخرى آلكم الذكر وله الانثى تلك اذا قسمة ضيزى أي قسمة جائرة أن هي الا اسماء سميتموها انتم واباؤكم ما انزل الله بها من سلطن النجم فانهم كانوا يجعلون لله أولادا إناثا وشركاء إناثا فقال الكم الذكر وله الانثى تلك اذا قسمة ضيزى

اصل الشرك من تعظيم القبور وعبادة الكواكب

والشرك في بني آدم أكثره عن أصلين

أولهما تعظيم قبور الصالحين وتصوير تماثيلهم للتبرك بها وهذا اول الاسباب التي بها ابتدع الادميون الشرك وهو شرك قوم نوح قال ابن عباس كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الاسلام وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ - ان نوحا اول رسول بعث الى اهل الارض ولهذا لم يذكر الله في القرآن قبله رسولا فان الشرك إنما ظهر في زمانه

وقد ذكر البخاري في صحيحه عن ابن عباس وذكره اهل التفسير والسير من غير واحد من السلف في قوله تعالى وقالوا لا تذرن الهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا نوح أن هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم وأن هذه الاصنام صارت الى العرب وذكر ابن عباس قبائل العرب التي كانت فيهم مثل هذه الاصنام

والسبب الثاني عبادة الكواكب فكانوا يصنعون للاصنام طلاسم للكواكب ويتحرون الوقت المناسب لصنعة ذلك الطلسم ويصنعونه من مادة تناسب ما يرونه من طبيعة ذلك الكوكب ويتكلمون عليها بالشرك والكفر فتأتى الشياطين فتكلمهم وتقضى بعض حوائجهم ويسمونها روحانية الكواكب وهي الشيطان او الشيطانة التي تضلهم

والكتاب الذي صنفه بعض الناس وسماه السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم فان هذا كان شرك الكلدانيين والكشدانيين وهم الذين بعث إليهم الخليل صلوات الله عليه وهذا أعظم انواع السحر ولهذا قال النبي ﷺ - في الحديث الذي رواه ابو داود وغيره من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد

ولهذا صنف تنكلوشاه البابلي كتابه في درجات الفلك وكذلك شرك الهند وسحرهم من هذا مثل كتاب طمطم الهندي وكذلك ابو معشر البلغي له كتاب سماه مصحف القمر وكذلك ثابت بن قرة الحراني صاحب الزيج

حران دار الصابئة

فان حران كانت دار هؤلاء الصابئة وفيها ولد إبراهيم أو انتقل اليها من العراق على اختلاف القولين

وكان بها هيكل العلة الاولى هيكل العقل الاول هيكل النفس الكلية هيكل زحل هيكل المشتري هيكل المريخ هيكل الشمس وكذلك الزهرة وعطارد والقمر

وكان هذا دينهم قبل ظهور النصرانيه فيهم ثم ظهرت النصرانيه فيهم مع بقاء أولئك الصابئة المشركين حتى جاء الاسلام ولم يزل بها الصابئة والفلاسفة في دولة الاسلام الى آخر وقت ومنهم الصابئة الذين كانوا ببغداد وغيرها أطباء وكتابا وبعضهم لم يسلم

ولما قدم الفارابي حران في اثناء المائة الرابعة دخل عليهم وتعلم منهم وأخذ عنهم ما أخذ من المتفلسفة وكان ثابت بن قرة قد شرح كلام ارسطو في الالهيات وقد رايته وبينت بعض ما فيه من الفساد فان فيه ضلالا كثيرا

وكذلك كان دين اهل دمشق وغيرها قبل ظهور دين النصرانية وكانوا يصلون الىالقطب الشمالي ولهذا توجد في دمشق مساجد قديمة فيها قبله الى القطب الشمالي وتحت جامع دمشق معبد كبيرله قبلة الى القطب الشمالي كان لهؤلاء

فان الصابئة نوعان صابئة حنفاء موحدون وصابئة مشركون فالاولون هم الذين اثنى الله عليهم بقوله تعالى ان الذين أمنوا والذين هادوا والنصرى والصبئين من امن بالله واليوم الاخر وعمل صالحا فلهم اجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (البقرة) فأثنى على من آمن بالله واليوم الاخر وعمل صالحا من هذه الملل الاربع المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين

فهؤلاء كانوا يدينون بالتوراة قبل النسخ و التبديل و كذلك الذين دانوا بالانجيل قبل النسخ و التبديل و الصابئون الذين كانوا قبل هؤلاء كالمتبعين لملة ابراهيم امام الحنفاء صلى الله عليه وصلى الله على محمد وعلى ال محمد كما صلى على ابراهيم وعلى ال ابراهيم انه حميد مجيد قبل نزول التوراة والانجيل

وهذا بخلاف المجوس والمشركين فأنه ليس فيهم مؤمن فلهذا قال الله تعالى ان الذين امنوا والذين هادوا الصابئين والنصرى والمجوس والذين اشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة ان الله على كل شيء شهيد فذكر الملل الست هؤلاء واخبرانه يفصل بينهم يوم القيمة لم يذكر في الست من كان مؤمنا انما ذكر ذلك في الاربعة فقط

ثم ان الصابئين ابتدعوا الشرك فصاروا مشركين والفلاسفة المشركون من هؤلاء المشركين اما قدماء الفلاسفة الذين كانوا يعبدون الله وحده لا يشركون به شيئا ويؤمنون بأن الله محدث لهذا العالم ويقرون بمعاد الابدان فأولئك من الصابئة الحنفاء الذين اثنى الله عليهم

ثم المشركون من الصابئة كانوا يقرون بحدوث هذا العالم كما كان المشركون من العرب تقر بحدوثه وكذلك المشركون من الهند وقد ذكر اهل المقالات ان اول من ظهر عنه القول بقدمه من هؤلاء الفلاسفة المشركين هم ارسطو

قسطنطين اول ملك اظهر دين النصارى

وكان دين المسيح لما دخل فيه طائفة من أهل حران وفيهم هيلانة الحرانية الفندقانية فهولها ملك الروم أبو قسطنطين فتزوجها فولدت له قسطنطين فنصرت ابنها قسطنطين وهو الذي اظهر دين النصارى وبنى القسطنطينية وفي زمنه ابتدع النصارى هذه الامانة التي اتفقت عليها طوائفهم اليوم فانه اتفق عليها ثلثمائة وبضعة عشرة من علمائهم وعبادهم

قالوا وهو الذي ابتدع الصلوة الى الشرق وإلا فلم يصل قط أحد من انبيائهم وأتباعهم الى الشرق ولم يشرع الله مكانا يصلى اليه إلا الكعبة

والانبياء الخليل ومن قبله إنما كانوا يصلون الى الكعبة وموسى ﷺ - لم يكن يصلى الى بيت المقدس بل قالوا إنه كان ينصب قبة العهد الى العرب ويصلى إليها في التيه فلما فتح يوشع بيت المقدس بعد موت موسى نصب القبة على الصخرة فكانوا يصلون اليها فلما خرب بيت المقدس وذهبت القبة صارت اليهود يصلون الى الصخرة لانه موضع القبة والسامرة يصلون الى جبل هناك قالوا لانه كان عليه التابوت

ولما رأى علماء النصارى وعبادهم أن الروم واليونان مشركون واستصعبوا نقلهم الى التوحيد المحض وضعوا لهم دينا مركبا من دين الانبياء ودين المشركين فكان اولئك اليونان والروم يتخذون الاصنام المجسدة التي لها ظل فاتخذ النصارى الصور المرقومة في الحيطان والسقوف التي لا ظل لها وكان أولئك يسجدون للشمس والقمر فصارت النصارى يسجدون اليها وجعلوا السجود اليها بدلا من السجود لها

فضل محمد ﷺ - إمام التوحيد وأمته على من تقدم

ولهذا لما بعث الله خاتم المرسلين وافضل النبيين محمدا ﷺ - إمام التوحيد الذي بعث الله به الرسل قبلة وأظهره وخلصه من شوائب الشرك فظهر التوحيد بسببه ظهورا فضله الله به وفضل به امته على سائر من تقدم

الانبياء كلهم كانوا مسلمين

فان الانبياء جميعهم وأممهم كانوا مسلمين مؤمنين موحدين لم يكن قط دين يقبله الله غير الاسلام وهو عبادة الله وحده لا شريك له كما قال تعالى وسئل من ارسلنا من قبلك من رسلنا اجعلنا من دون الرحمن الهة يعبدون الزخرف وقال تعالى وما ارسلنا من قبلك من رسول الا نوحي اليه انه لا اله الا انا فاعبدون الانبياء وقال تعالى ولقد بعثنا في كل أمة رسولا ان اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت (النحل)

وفي الصحيحين عن النبي ﷺ - انه قال انا معشر الانبياء ديننا واحد وإن أولى الناس بابن مريم لأنا إنه ليس بيني وبينه نبي وقد أخبر الله في القرآن عن جميع الانبياء وأممهم من نوح الى الحواريين أنهم كانوا مسلمين مؤمنين كما قد بسط في موضع آخر

وقد قال تعالى شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي اوحينا اليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى ان اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه الشورى فأمر الرسل أن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه وهؤلاء الخمسة هم أولوا العزم وذكرهم الله في آيتين من كتابه هذه السورة وفي قوله واذ اخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وابراهيم وموسى وعيسى ابن مريم واخذنا منهم ميثاقا غليظا الاحزاب

وقال تعالى يايها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا انى بما تعملون عليم وان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاتقون فتقطعوا امرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون المؤمنون

وقال تعالى فاقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن اكثر الناس لا يعلمون منيبين اليه واتقوه واقيموا الصلوة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون الروم

وقال تعالى كان الناس امة واحدة فاختلفوا كما قال في يونس فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه الا الذين اوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين امنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه والله يهدى من يشاء الى صراط مستقيم (البقرة)

فالمرسلون صلوات الله عليهم أجمعين أولهم وأخرهم بعثوا بدين الاسلام وهو عبادة الله وحدة لا شريك له يعبد في كل وقت بما امر ان يعبد به في ذلك الوقت فالصلوة الى بيت المقدس كان لما امر الله به من دين الاسلام ثم لما نهى عنه وأمر بالصلوة الى الكعبة صارت الصلوة الى الكعبة من دين الاسلام دون الصلوة الى الصخرة

فتنوع شرائع الانبياء كتنوع الشريعة الواحدة ولهذا قال تعالى لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا المائدة فالشرعة الشريعة والمنهاج الطريق والسبيل فالشرعة كالباب الذي يدخل منه والمنهاج كالطريق الذي يسلك فيه والمقصود هو حقيقة الدين بان يعبد الله وحده لا شريك له وهذه الحقيقة الدينية التي اتفق عليها الرسل هي دين الله الذي لا يقبل من أحد غيره والشرك الذي حرمه على السن رسله ان يعبد مع الله غيره

ومن لم يعبد الله اصلا كفرعون ونحوه ممن قال الله فيهم ان الذي يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين المؤمن فهولاء معطلة وهم شر الكفار ومع هذا يكون لهم ما يعبدونه دون الله كما قال تعالى في قوم فرعون ويذرك والهتك (الأعراف) فقال غير واحد من السلف كان له آلهة يعبدها، ومن عبد مع الله إلها آخر فهو مشرك الشرك الاكبر الذي لا يغفره الله وإن كان مع ذلك يعتقد ان الله وحده خالق العالم وهذا كان شرك العرب كما أخبر الله عنهم في غير موضع من القرآن انهم كانوا يقولون إن الله خلق العالم ولكن كانوا يتخذون الالهة شفعاء يشفعون لهم يتقربون بهم الى الله كما قال تعالى لئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله الزمر ولقمان

وقال تعالى ويعبدن من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل اتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الارض يونس وقال تعالى والدين اتخذوا من دونه اولياء ما نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفى الزمر وبسط هذا له موضع آخر

والمقصود هنا ان الحوادث كان لها أسباب وإن كانت حركات الفلك من جملة الاسباب

فصل

القياس مع صحته لا يستفاد به علم بالموجودات

فصورة القياس لا يدفع صحتها لكن يبين أنه لا يستفاد به علم بالموجودات كما أن اشتراطهم للمقدمتين دون الزيادة والنقص شرط باطل فهو وإن حصل به يقين فلا يستفاد بخصوصه نفس مطلوب شئ من الموجودات بل ما يحصل به قد يحصل بدونه وقد يحصل بدونه ما لا يحصل به

فنقول إن صورة القياس إذا كانت مواده معلومة فلا ريب أنه يفيد اليقين وإذا قيل كل أ ب وكل ب ج وكانت المقدمتان معلومتين فلا ريب ان هذا التأليف يفيد العلم بأن كل أ ج وهذا لا نزاع فيه

فصورة القياس لا يتكلم على صحتها فان ذلك ظاهر سواء في ذلك الاقترانى المؤلف من الحمليات الذي هو قياس التداخل والاستثنائي المؤلف من الشرطيات المتصلة الذي هو التلازم والتقسيم

وكذلك ما ذكروه من أن الشكل الاول من الاقتران يفيد المطالب الاربعة النتائج الاربعة الموجبة والسالبة والجزئية والكلية وان الثاني يفيد السالبة الكلية والجزئية وأن الثالث يفيد الجزئية سالبة كانت أو موجبة

وفي التلازم استثناء عين المقدم ينتج عين التالي واستثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدم وهو قول نظار المسلمين وجود الملزوم يقتضي وجود اللازم وانتفاء اللازم يقتضى انتفاء الملزوم بل هذا مع اختصاره فانه يشمل جميع أنواع الادلة سواء سميت براهين او اقيسة او غير ذلك فان كل ما يستدل به على غيره فانه مستلزم له فيلزم من تحقق الملزوم الذي هو الدليل تحقق اللازم الذي هو المطلوب المدلول عليه ويلزم من انتفاء اللازم الذي هو المدلول عليه انتفاء الملزوم الذي هو الدليل

ولهذا كان من عرف ان المدعى باطل علم انه لا يقوم عليه دليل صحيح فانه يمتنع ان يقوم على الباطل دليل صحيح ومن عرف ان الدليل صحيح علم ان لازمه الذي هو المطلوب حق فانه يجب إذا كان الدليل حقا ان يكون المطلوب المدلول عليه حقا وإن تنوعت صور الادلة ومقدماتها وترتيبها

ولهذا كان الدليل الذي يصور بصورة القياس الاقترانى يصور ايضا بصورة الاستثنائي ويصور بصورة اخرى غيرما ذكروه من الالفاظ وترتيبها والمقصود هنا الكلام على ما ذكروه كما ذكرنا الكلام على الشرطي المتصل

والتقسيم قد يكون مانعا من الجمع والخلو كما يقال العدد إما شفع وإما وتر وهما في معنى النقيضين الذين لا يجتمعان ولا يرتفعان فقد يكون مانعا من الجمع دون الخلو كالضدين الذين لا يجتمعان وقد يرتفعان كما يقال هذا إما أسود وإما أحمر وقد يخلو منهما

وقد يكون مانعا من الخلو دون الجمع كعدم المشروط ووجود الشرط والمراد بالشرط هنا ما يلزم من عدمه عدم الحكم سواء عرف ذلك بالشرع او بالعقل مثل كون الطهارة شرطا في الصلوة والحيوة شرطا في العلم ليس المراد ما يسميه النحاة شرطا كالجملة الشرطية المعلقة بإن واخواتها فان هذا في المعنى سبب لوجود الجزاء ولفظ الشرط يقال على هذا وهذا بالاشتراك

ومن جعل لفظ الشرط ينقسم الى الثلاثة فقد غلط فانه قد يجتمع عدم المشروط ووجود الشرط إذ وجود الشرط لا يستلزم وجود المشروط ولكن لا يرتفعان جميعا فلا يرتفع وجود الشرط وعدم المشروط لانه حينئذ يعدم الشرط ويوجد المشروط وهذا لا يكون كما إذا قيل هذا غرق بغير ماء او صحت صلوته بغير وضوء او وجب رجمه بغير زناء فيقال هذا إما أن يكون في ماء وإما أن لا يغرق وإما أن يكون متطهرا وإما ان لا تصح صلوته وإما ان يكون زانيا وإما أن لا يجوز رجمه

وكذلك لو قيل ليس في الوجود واجب ولا ممكن ولا قديم ولا محدث فقيل لا بد في الوجود من واجب او ممكن او قديم او محدث فهذان لا يجتمعان ولا يرتفعان

وكذلك إذا قيل الوجود إما قائم بنفسه ك الجسم وإما قائم بغيره ك العرض فهذان لا يرتفعان وقد يجتمعان فكل ما لا يخلو الوجود عنهما مع إمكان اجتماعهما او لا يخلو بعض الانواع عنهما مع إمكان اجتماعهما فهو من هذا الباب كما إذا قيل الوارث بطريق الاصالة إما أن يرث بفرض وإما ان يرث بتعصيب وقد يجتمع في الشخص الواحد ان يكون ذا فرض وعصبة كالزوج إذا كان ابن عم او معتقا

فالشرطى المتصل هو من التلازم والمنفصل هو في الثاني كما في الضدين والنقيضين وهذه الصورة صورة التقسيم الذي هو الشرطي المنفصل هي أيضا تعود الى اللزوم فانه يلزم من وجود احد الضدين عدم الاخر ومن عدمه وجوده وهذه مانعة الجمع والخلو

فهذه الاشكال وإن تكثرت فجميعها يعود الى ان الدليل يستلزم المدلول ويمكن تصوير ذلك بصور متعددة مما ذكروه ومما لم يذكروه

فهم يقولون البرهان ينحصر في الاقترانى والاستثنائى فان الاقترانى ينحصر في أربعة اشكال والاستثناي ينحصر في الشرطى المتصل والشرطى المنفصل فيعود الى ستة أشكال وجمهورهم لا يذكرون الشكل الرابع من الاقترانيات لبعده عن الطبع وحصروها في أربعة بناء على حصرهم الدليل في مقدمتين تشتركان في حد أوسط ثم الاوسط إن كان محمولا في الصغرى موضوعا في الكبرى فهو الشكل الاول المنتج للمطالب الاربعة وإن كان موضوعا فيهما فهو الثاني المنتج للسلبيات وإن كان محمولا فيهما فهو الثالث المنتج للايجابيات وإن كان محمولا في الكبرى موضوعا في الصغرى عكس الاول فهو الرابع وهو أبعدها عن الطبع وأكثرهم لا يذكونه فيجعلون الاشكال خمسة هذه الثلاثة مع الاستثنائي الشرطى المتصل والشرطى المنفصل

فهذه الاشكال إذا قدر إفادتها فهى صورة من صور الادلة لا ينحصر تصوير الادلة في هذه الاشكال كما لا ينحصر تصوير الدليل في مقدمتين بل هذا الحصر خطأ في النفي والاثبات فقد يكون الدليل مقدمة وقد يكون مقدمات وهذه الاشكال تكثر تصوير الدليل على أشكال اخر غير هذه فللا تنحصر في خمسة أو سته وقد يؤتى بالدليل بدون هذه الاشكال جميعها وبدون المقدمتين إذا كان مقدمة واحدة

وإذا قالوا إن جميع ما يذكر من الادلة يرجع الى هذه الاشكال قيل لهم بل جميع الادلة يرجع الى ان الدليل مستلزم للمدلول وحينئذ فاما أن يكون الاعتبار بما ذكروه من صور الاشكال ولفظها أو بما ذكروه من المعنى فان كانت العبرة بالصورة لم يكن تخصيص صورة الدليل بخمسة أو ستة صوابا كما لم يكن تخصيصه بمقدمتين صوابا إذ كان يمكن تصويره بصور كثيرة متنوعة ليس فيها لفظ شرط لا متصل ولا منفصل ولا هو على صورة القياس الحملى كما ذكروه وإن كانت العبرة بالمعنى كان ذلك أدل عل فساد ما ذكروه فان المعنى هو ان يكون ما يستدل به مستلزما لما يستدل به عليه سواء كان مقدمة او مقدمتان او اكثر وسواء كان على الشكل والترتيب الذي ذكروه او غيره

والصواب في هذا الباب ان يقال ما ذكروه إذا كان صوابا فانه تطويل للطريق وتبعيد للمطلوب وعكس للمقصود فانهم زعموا انهم جعلوه آلة قانونية تمنع الذهن أن يزل في فكره وما ذكروه إذا كلفوا الناظر المستدل ان يلزمه في تصوراته وتصديقاته كان اقرب الى زلله في فكره وضلاله عن مطلوبه كما هو الواقع فلا تجد أحدا التزم وضع هؤلاء واصطلاحهم إلا كان أكثر خطأ واقل صوابا ممن لم يلتزم وضعهم وسلك الى المطلوب بفطرة الله التي فطر عباده عليها ولهذا لا يوجد أحد ممن حقق علما من العلوم كان ملتزما لوضعه

ولهذا يقال كثرة هذه الأشكال وشروط نتاجها تطويل قليل الفائدة كثير التعب فهو لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقي ولا سمين فينتقل فانه متى كانت المادة صحيحة أمكن تصويرها بالشكل الأول الفطري فبقية الأشكال لا يحتاج إليها وإنما تفيد بالرد إلى الشكل الأول إما بابطال النقيض الذي يتضمنه قياس الخلف وإما بالعكس المستوي أو عكس النقيض فان ثبوت أحد المتناقضين يستلزم نفي الآخر إداء روعي التناقض من كل وجه فهم يستدلون بصحة القضية على بطلان نقيضها وعلى ثبوت عكسها المستوي وعكس نقيضها بل تصور الذهن بصورة الدليل يشبه حساب الانسان لما معه من الرقيق والعقار

والفطرة تصور القياس الصحيح من غير تعليم والناس بفطرهم يتكلمون بالأنواع الثلاثة التداخل والتلازم والتقسيم كما يتكلمون بالحساب ونحوه والمنطقيون قد يسلمون ذلك، ويقولون إن المقدمتين لا بد منها لا أكثر ولا اقل ويقولون اكثر الناس يحذفون احدى المقدمتين لظهورها اختصارا ويسمون هذا قياس الضمير وإن احتجاج المطلوب إلى مقدمات جعلوا القياس معنى أقيسة متعددة بناء على قولهم إنه لابد في القياس من مقدمتين ويسمونه القياس المركب ويقسمونه الى موصول وهو ما لا يذكر فيه إلا نتيجة واحدة والى مفصول وهو ما يذكر فيه عقب كل مقدمتين نتيجة فالاول كقولك هذا نبيذ وكل نبيذ مسكر وكل مسكر خمر وكل خمر حرام فهذا حرام والثاني كقولك هذا نبيذ وكل نبيذ مسكر فهذا مسكر ثم تقول وكل مسكر خمر وكل خمر حرام فكل مسكر حرام ثم تقول هذا مسكر وكل مسكر حرام فهذا حرام

وهذا كله مما غلطوا فيه والصواب الذي عليه جماهير النظار من المسلمين وغيرهم أن الدليل قد يتوقف على مقدمة تارة وقد يتوقف على مقدمتين تارة وعلى ثلاث تارة وعلى أكثر من تلك فما كان من المقدمات معلوما لم يحتج ان يستدل عليه وإنما يستدل على المجهول والمطلوب المجهول يعلم بدليله ودليله ما استلزمه وكل ملزوم فانه يصح الاستدلال به على لازمه وحينئذ فاذا كان المطلوب ملزوم يعلم لزومه له استدل عليه به وكفى ذلك وإن لم يكن المستدل يعلم إلا ملزوم ملزومه احتاج الى مقدمتين وإن لم يعلم إلا ملزوم ملزوم ملزومه احتجاج الى ثلاث وهلم جرا

بيان ان حصول العلم لا يتوقف على القياس المنطقي

وإذا كان كذلك فنقول لا ننكر أن القياس يحصل به علم إذا كانت مواده يقينية لكن نحن نبين ان العلم الحاصل به لا يحتاج فيه الى القياس المنطقي بل يحصل بدون ذلك فلا يكون شئ من العلم متوقفا على هذا القياس

ونبين ان المواد اليقينية التي ذكروها لا يحصل بها علم بالامور الموجودة فلا يحصل بها مقصود تزكو به النفوس

بل ولا علم بالحقائق الموجودة في الخارج على ما هي عليه إلا من جنس ما يحصل ب قياس التمثيل فلا يمكن قط ان يحصل بالقياس الشمولى المنطقي الذي يسمونه البرهاني علم إلا وذلك يحصل ب قياس التمثيل الذي يستضعفونه فان ذلك القياس لا بد فيه من قضية كلية والعلم بكون الكلية كلية لا يمكن الجزم به إلا مع الجزم بتماثل أفراده في القدر المشترك وهذا يحصل ب قياس التمثيل

وكلا القياسين ينتفع به إذا تلقت بعض مقدماته الكلية عن خبر المعصوم إذا استعملت في الالهيات بطريق الاولى كما جاء به القران واما بدون هذين فلا ينفع في الالهيات ولا ينفع ايضا في الطبيعيات منفعة علمية برهانية وإنما يفيد قضايا عادية قد تنحرف فتكون من باب الاغلب

وأما الرياضي المجرد عن المادة كالحساب والهندسة فهذا حق في نفسه لكن ليس له معلوم في الخارج وإنما هو تقدير عدد ومقدار في النفس لكن ذلك يطابق أي معدود ومقدر واقعه في الخارج والبرهان لا يقوم إلا على ما في النفس لا يقوم على ما في الخارج واكثر ما تعبوا في الهندسة ليتوصلوا بذلك الى علم الهيئة كصفة الافلاك والكواكب ومقادير ذلك وحركاته وهذا بعضه معلوم بالبرهان وأكثره غير معلوم بالبرهان وبينهم فيه من الاختلاف ما يطول وصفه فصار المعلوم ببراهينهم من الرياضي وغيره امر لا تزكو به النفوس ولا يعلم به الامور الموجودة إلا كما يعلم ب قياس الثمثيل

وهذا يظهر بالكلام في مادة القياس فنقول هم لا ريب عندهم انه لا بد في كل قياس من قضية كلية ولا قياس في جميع الاشكال لا عن سالبتين ولا عن جزئيتين ولا عن صغرى سالبة مع كبرى جزئية لكن قد يكون عن صغرى جزئية مع كبرى سالبة كلية والمقصود انه لا بد في القياس في جميع صوره من قضية كلية وفي أكثر القياس لا بد من موجبة كلية بل النتيجة الكلية لا تكون إلا عن موجبة كلية والسالبة الكلية لا تفيد حكما كليا إلا مع موجبه كلية

بيان أصناف اليقينيات عندهم التي ليس فيها قضية كلية

فاذا كان لا بد في كل قياس من قضية كلية فنقول المواد اليقينيات قد حصروها في الاصناف المعروفة عندهم

أحدها الحسيات ومعلوم ان الحس لا يدرك امرا كليا عاما أصلا فليس في الحسيات المجردة قضية كلية عامة تصلح ان تكون مقدمة في البرهان اليقيني وإذا مثلوا ذلك ب ان النار تحرق ونحو ذلك لم يكن لهم علم بعموم هذه القضية وإنما معهم التجربة والعادة التي هي من جنس قياس التمثيل لما يعلمونه من الحكم الكلى لا فرق بينه وبين قياس الشمول وقياس التمثيل وإن علم ذلك بواسطة اشتمال النار على قوة محرقة فالعلم بأن كل نار لا بد فيها من هذه القوة هو ايضا حكم كلى

وإن قيل إن الصورة النارية لا بد ان تشتمل على هذه القوة وأن ما لا قوة فيه ليس بنار فهذا الكلام إذا قيل إنه صحيح قيل إنه لا يفيد الجزم بأن كل ما فيه هذه القوة تحرق كل ما لاقاه وإن كان هو الغالب فهذا يشترك فيه قياس والتمثيل والشمول والعادة والاستقراء الناقص ومعلوم ان كل من قال إن كل نار تحرق كل ما لاقته فقد أخطأ فانه لا بد من كون المحل قابلا للاحراق إذ قد علم انها لا تحرق كل شئ كما لا تحرق السمندل والياقوت وكما لا تحرق الاجسام المطلية بأمور مصبوغة وأما خرق العادة فمقام آخر

ولا أعلم في القضايا الحسية كلية لا يمكن نقضها مع ان القضية الكلية ليست حسية وإنما القضية الحسية ان هذه النار تحرق فان الحس لا يدرك إلا شيئا خاصا وأما الحكم العقلي فيقولون إن النفس عند رؤيتها هذه المعينات تستعد لان تفيض عليها قضية كلي بالعموم ومعلوم ان هذا من جنس قياس التمثيل ولا يوثق بعمومه إن لم يعلم أن الحكم العام لازم للقدر للمشترك وهذا إذا علم علم في جميع المعينات فلم يكن العلم بالمعينات موقوفا على هذا، مع انه ليس من القضايا العاديات قضية كلية لا يمكن نقضها باتفاق العقلاء بل والفلاسفة يجوزون خرق العادات لكن يذكرون أن لها أسبابا فلكية او قوى نفسانية أو أسبابا طبيعية فهذه الثلاثة هي أسباب خرق العادات عندهم والى ذلك ينسبون معجزات الانبياء وكرامات الاولياء والسحر وغير ذلك وقد بسطنا الكلام على ذلك في مسئلة معجزات الانبياء هل هي قوى نفسانية ام لا وبينا فساد قولهم هذا حتى عند جماهير أساطين الفلاسفة بالادلة الصحيحة بما ليس هذا موضعه وهي المعروفة ب مسئلة الصفدية

والثاني الوجديات الباطنة كادراك كل احد جوعه وعطشه وحبه وبغضه وألمه ولذته وهذه كلها جزئيات وإنما يعلم الانسان حال غيره والقضية الكلية ب قياس التمثيل بل هذه لا يشترك الناس في إدراك كل جزئي منها كما قد يشتركون في إدراك بعض الحسيات المنفصلة كالشمس والقمر ففيها من الخصوص في المدرك والمدرك ما ليس في الحسيات المنفصلة وإن اشتركوا في نوعها فهى تشبه العاديات

زعمهم تساوي النفوس سبب ضلالهم في معرفة النبوات

ولم يقيموا حجة على وجوب تساوي النفوس في هذه الاحوال بل ولا على النفس الناطقة أنها مستوية الافراد وهذا من أسباب ضلالهم في معرفة النبوات فانهم عرفوا كثيرا من الاحكام التي تشترك فيها النفوس عادة وإن جاز أنخرامها

ثم بلغهم أمور أخرى خارجة عن قياسهم فأرادوا إجراء تلك على ذلك القياس فرأوا ان لبعض النفوس قوة حدسية وانه قد يكون لها تأثير في بعض الامور وقد يتخيل اليها ما تعلمه كما يتخيل الى النائم ما يراه فظنوا ان جميع ما يحصل للنفوس من الوحي ونزول الملائكة وسمع كلام الله هو من هذا الباب وجعلوا خاصة النبوة هي هذه الثلاث فمن وجدت فيه كان نبيا وقالوا النبوة مكتسبة وصار فضلاؤهم تتعرض لان يصيروا انبياء كما جرى للسهرودي المقتول ولابن سبعين وغيرهم

وابن عربي لما علم انه لا يمكن دعوى النبوة ادعى ختم الولاية وادعى ان خاتم الاولياء اكمل في العلم بالله من خاتم الانبياء وانه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به الى النبي وكان سبب هذا اعتقاد قول هؤلاء المتفلسفة الملاحدة ان النبي يأخذ عن جبريل الذي هو خيال في نفسه وذلك الخيال يأخذ عن العقل قال فالنبي يأخذ عن هذا الخيال وانا اخذ عن العقل الذي يأخذ منه الخيال

وضموا هذا الى ان جميع الحوادث انما تحدث عن حركة الفلك وهو من افسد اصولهم التي ضلوا بها

والثالث المجريات وهي كلها جزئية فان التجربة انما تقع على امور معينة وكذلك المتواترات فان المتواترات انما هو ما علم بالحس من مسموع او مرئي فالمسموع قول معين والمرئي جسم معين او لون معين او عمل معين او امر ما معين

واما الحدسيات ان جعلت يقينية فهي نظير المجريات اذا الفرق بينهما لا يعود الى العموم والخصوص وانما يعود الى ان المجريات تتعلق بما هو من افعال المجربين والحدسيات تكون عن افعالهم وبعض الناس يسمى الكل تجربيات

لا تستعمل القضايا الكلية في شيء من الموجودات

فلم يبق معهم الا الاوليات التي هي البديهيات العقلية والاوليات الكلية انما هي قضايا مطلقة في الاعداد والمقادير ونحوها مثل قولهم الواحد نصف الاثنين

والاشياء المساوية لشيء واحد متساوية ونحو ذلك وهذه مقدرات في الذهن ليست في الخارج كلية

فقد تبين ان القضايا الكلية البرهانية التي يجب القطع بكليتها التي يستعملونها في قياسهم لا تستعمل في شيء من الامور الموجودة المعينة وانما تستعمل في مقدرات ذهنية فاذا لا يمكنهم معرفة الامور الموجودة المعينة بالقياس البرهاني وهذا هو المطلوب

لا دليل لهم على حصر اقسام الوجود في المقولات العشر

ولهذا لم يكن لهم علم بحصر اقسام الوجود بل أرسطو لما حصر أجناس الموجودات من المقولات العشر الجوهر والكم والكيف والاين ومتى والوضع وأن يفعل وان ينفعل والملك وقد مجعها بعضهم في بيتين فقال

زيد الطويل الاسود ابن مالك ... في داره بالامس كان يتكى

في يده سيف نضاه فانتضى ... فهذه عشر مقولات سوى

لما حصرهم المعلم الاول في الجوهر والاعراض التسعة اتفقوا على انه لا سبيل الى معرفة صحة هذا الحصر حتى جعل بعضهم اجناس الاعراض ثلاثة وقيل غير ذلك

لا دليل لهم على حصر الموجودات في الجواهر الخمسة

وكذلك لما قسموا الجوهر الى خمسة اقسام العقل والنفس والمادة والصورة والجسم وجعلوا الجسم قسمين فلكيا وعنصريا و العنصري الاركان التي هي الاستقصاآت والمولدات الحيوان والنبات والمعدن كان هذا التقسيم مع فساده في الاثبات ليس حصر الموجودات فيه معلوما فانه لا دليل لهم على حصر الاجسام في الفلكيات والعنصريات وهم معترفون بامكان وجود اجسام وراء الافلاك فلا يمكن الحصر فيما ذكر حتى يعلم انتفاء ذلك وهم لا يعلمون انتفاءه فكيف وقد قامت الادلة على ثبوت اعيان قائمة بأنفسها فوق الافلاك كما قد بسط في موضعه

وهم منازعون في واجب الوجود هل هو داخل في مقولة الجوهر فأرسطو والقدماء كانوا يجعلونه من مقولة الجوهر وابن سينا امتنع من ذلك لكن ارسطو واتباعه لم يكونوا يقولون واجب الوجود انما يقولون العلة الاولى والمبدا وليس في كلام ارسطو تقسيم الموجودات الى واجب بنفسه وممكن بنفسه مع كونه قديما ازليا بل كان الممكن عندهم الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون الا محدثا وانما قسمه هذه القسمة متأخروهم من الملاحدة الذين انتسبوا الى الاسلام كابن سينا وامثاله وجعلوا هذا عوضا عن تقسيم المتكلمين الموجود الى قديم وحادث وسلكوا طريقة وركبوها من كلام المتكلمين ومن كلام سلفهم مثل استدلال اولئك بالتركيب على الحدوث فاستدل هو بالتركيب على الامكان

الكلام على قول الخليل عليه السلام هذا ربي

واولئك زعموا ان قول ابراهيم لا احب الآفلين (الأنعام) المراد به المتحركين لان الحركة حادثة والحادث لا يقوم الا بحادث فهي سمة الحدوث فاستدل بالحدوث على حدوث المتحرك والمعنى لا احب المحدثين الذين تقوم بهم الحوادث

فقال هؤلاء بل الافول الذي هو الحركة دليل على ان المتحرك ممكن وان كان قديما ازليا قالوا و الافول هوى في حظيرة الامكان وقوله لا احب الافلين أي الممكنين وان كان الممكن قديما

وكان قدماء المتكلمين يمثلون الدليل العقلي بقولهم كل متغير محدث والعالم متغير فهو محدث فجاء الرازي في محصله فجعل يمثل ذلك بقوله كل متغير ممكن والعالم متغير فهو ممكن

وابراهيم ﷺ - لم يرد هذا ولا هذا كما قد بسط في غير هذا الموضع وبين ان كل واحد من الاستدلال بالحركة على الحدوث او الامكان دليل باطل كما يقول ذلك اكثر العقلاء من اتباع الانبياء واهل الكلام واساطين الفلاسفة

ولكن كان قومه يعبدون الكواكب مع اعترافهم بوجود رب العالمين وكانوا مشركين يتخذ احدهم له كوكبا يعبده ويطلب حوائجه منه كما تقدم الاشارة اليه ولهذا قال الخليل عليه السلام افرء يتم ما كنتم تعبدون انتم واباؤكم الاقدمون فانهم عدو لي الا رب العالمين الشعراء

وقال تعالى ايضا قد كانت لكم اسوة حسنة في ابراهيم والذين معه اذ قالوا لقومهم انا برءؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا و بينكم العداوة والبغضاء ابدا حتى تؤمنوا بالله وحده الا قول ابراهيم لا بيه لاستغفرن لك وما املك لك من الله من شيء الممتحنة فأمر سبحانه بالتأسي بابراهيم والذين معه في قولهم لقومهم انا برآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله

وكذلك ذكر الله عنه في سورة الصافات انه قال لقومه فما ظنكم برب العالمين الصفت وقال لهم اتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون الصفت

فالقوم لم يكونوا جاحدين لرب العالمين ولا كان قوله هذا ربي (الأنعام) هذا الذي هو خلق السموات والارض على أي وجه قاله سواء قاله الزاما لقومه او تقديرا او غير ذلك ولا قال احد قط من الادميين ان كوكبا من الكواكب او ان الشمس والقمر ابدعت السموات كلها

ولا يقول هذا عاقل بل عباد الشمس والقمر والكواكب يعبدونها كما يعبد عباد الاصنام للاصنام وكما يعبد عباد الانبياء والصالحين لهم ولتماثيلهم وكما يعبدون اخرون الملائكة واخرون يعبدون الجن لما يرجون بعبادتها من جلب منفعة او دفع مضرة لا لاعتقادهم انها خلقت العالم

بل قد يجعلونها شفعاء ووسائط بينهم وبين رب العالمين كما قال تعالى ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل ااتنبتون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الارض يونس وقال تعالى والذين اتخذوا من دونه اولياء ما نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفى الزمر وقال تعالى وانذر به الذين يخافون ان يحشروا الى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع (الأنعام) وقال تعالى ان تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع (الأنعام) وقال تعالى الله الذي خلق السموات والارض وما بينهما في ستة ايام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع السجدة

والشفاعة التي اخبرت بها الرسل هي ان يأذن الله للشفيع فيشفع فيكون الامر كله لله كما قال تعالى من ذا الذي يشفع عنده الا باذنه (البقرة) وقال لا يشفعون الا لمن ارتضى الانبياء وهذا بخلاف ما اتخذه المشركون من الشفعاء

واما الفلاسفة القائلون بقدم العالم فالشفاعة عندهم ان يفيض على المستشفع من الشفيع ما يقصده من غير قصد الشفيع ولا سؤال منه كما ينعكس شعاع الشمس من المرآة على الحائط وقد ذكر ذلك ابن سينا ومن تلقى عنه كصاحب الكتب المضنون بها على غير اهلها ومن اخذ عنه

وهذا الشرك اعظم من شرك مشركي العرب والنصارى ونحوهم فان اولئك كانوا يقولون صانع العلم فاعل مختار وان الشافع يستله ويدعوه لكن يثبتون شفاعة بغير اذنه وشفاعة لما ليس له شفاعة ويعبدون الشافع ويسألونه من دون الله ويصورون على تمثاله صورة يعبدونها وكانت الشياطين تدخل في تلك الاصنام وتكلمهم وتتراأي للسدنة احيانا كما يوجد نظير ذلك في هذا الزمان مواضع كثيرة

بقية الكلام على الجواهر الخمسة

وايضا فدعواهم ان الجوهر جنس تحته اربعة وهي العقل والنفس والمادة والصورة والخامس هو الجسم اذا حقق الامر عليهم كان ما يثبتونه من العقليات إنما هو موجود في الذهن والعقل بمنزلة الكليات لا وجود لها في الخارج وقداعترف بهذا من ينصرهم ويعظمهم كابن حزم وغيره


الرد على المنطقيين
1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19