الرئيسيةبحث

البداية والنهاية/الجزء الثالث/باب الأمر بابلاغ الرسالة


باب الأمر بابلاغ الرسالة


إلى الخاص والعام، وأمره له بالصبر والاحتمال، والإعراض عن الجاهلين المعاندين المكذبين بعد قيام الحجة عليهم، وإرسال الرسول الأعظم إليهم، وذكر ما لقي من الأذية منهم، هو وأصحابه رضي الله عنهم.

قال الله تعالى: { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } [الشعراء: 214-220] .

وقال تعالى: { وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ } [الزخرف: 44] .

وقال تعالى: { إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ } [القصص: 88] .

أي: أن الذي فرض عليك وأوجب عليك بتبليغ القرآن: لرادك إلى دار الآخرة، وهي المعاد، فيسألك عن ذلك.

كما قال تعالى: { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [الحجر: 92-93] والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جدا.

وقد تقصينا الكلام على ذلك في كتابنا التفسير، وبسطنا من القول في ذلك عند قوله تعالى في سورة الشعراء: { وأنذر عشيرتك الأقربين }.

وأوردنا أحاديث جمَّة في ذلك، فمن ذلك: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما أنزل الله { وأنذر عشيرتك الأقربين } أتى النبي ﷺ الصفا، فصعد عليه، ثم نادى:«يا صباحاه»، فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه، وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله ﷺ: «يا بني عبد المطلب يا بني فهر يا بني كعب أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟».

قالوا: نعم!

قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد».

فقال أبو لهب - لعنه الله -: تبا لك سائر اليوم أما دعوتنا إلا لهذا؟

وأنزل الله عز وجل: { تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ } [المسد: 1] .

وأخرجاه من حديث الأعمش به نحوه.

وقال أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، وحدثنا زائدة، حدثنا عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة.

قال: لما نزلت هذه الآية { وأنذر عشيرتك الأقربين } دعا رسول الله ﷺ قريشا فعمَّ وخصَّ. فقال: «يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فإني والله لا أملك لكم من الله شيئا، إلا أن لكم رحما سأبلها ببلائها».

ورواه مسلم من حديث عبد الملك بن عمير، وأخرجاه في (الصحيحين) من حديث الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة، وله طرق أخر عن أبي هريرة في مسند أحمد وغيره..

وقال أحمد أيضا: حدثنا وكيع بن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما نزل { وأنذر عشيرتك الأقربين }.

قام رسول الله ﷺ فقال: «يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، يا بني عبد المطلب لا أملك لكم من الله شيئا، سلوني من مالي ما شئتم» ورواه مسلم أيضا.

وقال الحافظ أبو بكر البيهقي (في الدلائل): أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال: فحدثني من سمع عبد الله بن الحارث بن نوفل - واستكتمني اسمه - عن ابن عباس، عن علي بن أبي طالب.

قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [الشعراء: 214-215] .

قال رسول الله ﷺ: «عرفت أني إن بادأت بها قومي رأيت منهم ما أكره، فصمت، فجاءني جبريل عليه السلام فقال لي: يا محمد إن لم تفعل ما أمرك به ربك عذبك بالنار».

قال علي: فدعاني فقال: «يا علي إن الله قد أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين فعرفت أني إن بادأتهم بذلك رأيت منهم ما أكره فصمتّ عن ذلك ثم جاءني جبريل عليه السلام فقال: يا محمد: إن لم تفعل ما أمرت به عذبك ربك فاصنع لنا يا علي شاة على صاع من طعام، وأعدَّ لنا عس لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب» ففعلت.

فاجتمعوا له يومئذٍ وهم أربعون رجلا يزيدون رجلا، أو ينقصون فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب الكافر الخبيث.

فقدَّمت إليهم تلك الجفنة، فأخذ رسول الله ﷺ منها حذية فشقها بأسنانه، ثم رمى بها في نواحيها وقال: «كلوا بسم الله».

فأكل القوم حتى نهلوا عنه ما نرى إلا آثار أصابعهم، والله إن كان الرجل ليأكل مثلها.

ثم قال رسول الله ﷺ: «اسقهم يا علي»، فجئت بذلك القعب فشربوا منه حتى نهلوا منه جميعا وأيم الله إن كان الرجل ليشرب مثله فلما أراد رسول الله ﷺ أن يكلمهم بدره أبو لهب - لعنه الله - فقال: لهدَّ ما سحركم صاحبكم؟

فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله ﷺ.

فلما كان من الغد قال رسول الله ﷺ: «يا علي عد لنا مثل الذي كنت صنعت لنا بالأمس من الطعام والشراب، فإن هذا الرجل قد بدرني إلى ما سمعت قبل أن أكلم القوم» ففعلت ثم جمعتهم له.

فصنع رسول الله ﷺ كما صنع بالأمس فأكلوا حتى نهلوا عنه، ثم سقيتهم من ذلك القعب حتى نهلوا، وأيم الله إن كان الرجل ليأكل مثلها وليشرب مثلها.

ثم قال رسول الله ﷺ: «يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شابا من العرب جاء قومه بأفضل من ما جئتكم به، إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة».

هكذا رواه البيهقي، من طريق يونس بن بكير، عن ابن إسحاق عن شيخ أبهم اسمه، عن عبد الله بن الحارث به.

وقد رواه أبو جعفر بن جرير، عن محمد بن حميد الرازي، عن سلمة بن الفضل الأبرش، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الغفار أبو مريم بن القاسم، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، عن علي فذكر مثله.

وزاد بعد قوله: «وإني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي» وكذا وكذا.

قال: فأحجم القوم عنها جميعا، وقلت: ولأني لأحدثهم سنا وأرمصهم عينا، وأعظمهم بطنا، وأخمشهم ساقا، أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي فقال: «إن هذا أخي، وكذا وكذا فاسمعوا له وأطيعوا».

قال: فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع!

تفرد به عبد الغفار بن القاسم أبو مريم، وهو كذاب شيعي، اتهمه علي بن المديني وغيره بوضع الحديث، وضعَّفه الباقون.

ولكن روى ابن أبي حاتم في (تفسيره) عن أبيه، عن الحسين بن عيسى بن ميسرة الحارثي، عن عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث.

قال: قال علي: لما نزلت هذه الآية { وأنذر عشيرتك الأقربين }.

قال لي رسول الله ﷺ: إصنع لي رِجل شاة بصاع من طعام، وإناء لبنا، وأدع لي بني هاشم، فدعوتهم وإنهم يومئذٍ لأربعون غير رجل، أو أربعون ورجل فذكر القصة نحو ما تقدم إلى أن قال: وبدرهم رسول الله ﷺ الكلام.

فقال: «أيكم يقضي عني ديني ويكون خليفتي في أهلي؟».

قال: فسكتوا، وسكت العباس خشية أن يحيط ذلك بماله، قال: وسكتُ أنا لسن العباس.

ثم قالها مرة أخرى فسكت العباس، فلما رأيت ذلك قلت: أنا يا رسول الله، قال: أنت؟

قال: وإني يومئذٍ لأسوأهم هيئة، وإني لأعمش العينين، ضخم البطن؛ خمش الساقين.

وهذه الطريق فيها شاهد لما تقدم إلا أنه لم يذكر ابن عباس فيها فالله أعلم..

وقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عباد بن عبد الله الأسدي وربيعة بن ناجذ عن علي نحو ما تقدم - أو كالشاهد له - والله أعلم.

ومعنى قوله في هذا الحديث: «من يقضي عني ديني ويكون خليفتي في أهلي» يعني: إذا مت، وكأنه ﷺ خشي إذا قام بإبلاغ الرسالة إلى مشركي العرب أن يقتلوه، فاستوثق من يقوم بعده بما يصلح أهله، ويقضي عنه؛ وقد أمَّنه الله من ذلك في قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } [المائدة: 67] الآية.

والمقصود أن رسول الله ﷺ استمر يدعو إلى الله تعالى ليلا ونهارا، وسرا وجهارا، لا يصرفه عن ذلك صارف ولا يرده عن ذلك راد، ولا يصده عنه ذلك صاد، يتبع الناس في أنديتهم، ومجامعهم ومحافلهم وفي المواسم، ومواقف الحج.

يدعو من لقيه من حر وعبد وضعيف وقوي، وغني وفقير، جميع الخلق في ذلك عنده شرع سواء.

وتسلط عليه وعلى من اتبعه من آحاد الناس من ضعفائهم الأشداء الأقوياء من مشركي قريش بالأذية القولية والفعلية.

وكان من أشدِّ الناس عليه: عمه أبو لهب - واسمه عبد العزى بن عبد المطلب - وامرأته أم جميل أروى بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان وخالفه في ذلك عمه أبو طالب بن عبد المطلب.

وكان رسول الله ﷺ أحب خلق الله إليه طبعا، وكان يحنو عليه ويحسن إليه ويدافع عنه ويحامي، ويخالف قومه في ذلك مع أنه على دينهم وعلى خلتهم، إلا أن الله تعالى قد امتحن قلبه بحبه حبا طبعيا لا شرعيا.

وكان استمراره على دين قومه من حكمة الله تعالى، ومما صنعه لرسوله من الحماية، إذ لو كان أسلم أبو طالب لما كان له عند مشركي قريش وجاهة ولا كلمة، ولا كانوا يهابونه ويحترمونه.

ولاجترؤا عليه، ولمدوا أيديهم وألسنتهم بالسوء إليه وربك يخلق ما يشاء ويختار.

وقد قسَّم خلقه أنواعا وأجناسا، فهذان العمان كافران: أبو طالب وأبو لهب.

ولكن هذا يكون في القيامة في ضحضاح من نار، وذلك في الدرك الأسفل من النار، وأنزل الله فيه سورة في كتابه تتلى على المنابر، وتقرأ في المواعظ والخطب، تتضمن أنه سيصلى نارا ذات لهب، وامرأته حمالة الحطب.

قال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه.

قال: أخبر رجل يقال له: ربيعة بن عباد من بني الديل - وكان جاهليا فأسلم - قال: رأيت رسول الله ﷺ في الجاهلية في سوق ذي المجاز، يمشي بين ظهراني الناس وهو يقول: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيء الوجه أحول ذو غديرتين يقول: إنه صابئ، كاذب يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه فقالوا: هذا عمه أبو لهب، ثم رواه هو والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد بنحوه..

وقال البيهقي أيضا: حدثنا أبو طاهر الفقيه، حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن القطان، حدثنا أبو الأزهر: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا محمد بن عمر، عن محمد بن المنكدر، عن ربيعة الديلي.

قال: رأيت رسول الله ﷺ بذي المجاز يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى الله، ووراءه رجل أحول تقد وجنتاه وهو يقول: أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم ودين آبائكم.

قلت: من هذا؟

قيل: هذا أبو لهب.

ثم رواه من طريق شعبة، عن الأشعث بن سليم، عن رجل من كنانة.

قال: رأيت رسول الله ﷺ بسوق ذي المجاز وهو يقول: «يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا» وإذا رجل خلفه يسفي عليه التراب، وإذا هو أبو جهل، وإذا هو يقول: يا أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم فإنما يريد أن تتركوا عبادة اللات والعزى.

كذا قال أبو جهل، والظاهر أنه أبو لهب، وسنذكر بقية ترجمته عند ذكر وفاته وذلك بعد وقعة بدر إن شاء الله تعالى.

وأما أبو طالب فكان في غاية الشفقة والحنو الطبيعي كما سيظهر من صنائعه، وسجاياه، واعتماده فيما يحامي به عن رسول الله ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم.

قال يونس بن بكير، عن طلحة بن يحيى، عن عبد الله بن موسى بن طلحة، أخبرني عقيل بن أبي طالب.

قال: جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: إن ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا ومسجدنا فانهه عنا.

فقال: يا عقيل انطلق فأتني بمحمد، فانطلقت إليه فاستخرجته من كنس - أو قال خنس - يقول: بيت صغير، فجاء به في الظهيرة في شدة الحر، فلما أتاهم قال: إن بني عمك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فانته عن أذاهم فحلّق رسول الله ﷺ ببصره إلى السماء.

فقال: «ترون هذه الشمس؟».

قالوا: نعم!

قال: «فما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تشتعلوا منه بشعلة».

فقال أبو طالب: والله ما كذب ابن أخي قط فارجعوا.

رواه البخاري في (التاريخ)، عن محمد بن العلاء، عن يونس بن بكير.

ورواه البيهقي عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار عنه به - وهذا لفظه -.

ثم روى البيهقي من طريق يونس، عن ابن إسحاق حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث.

أن قريشا حين قالت لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله ﷺ.

فقال له: يا ابن أخي إن قومك قد جاءوني وقالوا: كذا وكذا فابقِ علي، وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق أنا ولا أنت، فاكفف عن قومك ما يكرهون من قولك.

فظن رسول الله ﷺ أن قد بدا لعمه فيه، وأنه خاذله ومسلِّمه، وضعف عن القيام معه.

فقال رسول الله ﷺ: «يا عم لو وضعت الشمس في يميني والقمر في يساري ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك في طلبه».

ثم استعبر رسول الله ﷺ فبكى، فلما ولىّ قال له حين رأى ما بلغ الأمر برسول الله ﷺ: يا ابن أخي فأقبل عليه، فقال: امض على أمرك وافعل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدا. قال ابن إسحاق ثم قال أبو طالب في ذلك:

والله لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أوسَّد في التراب دفينا

فامضي لأمرك ما عليك غضاضة * أبشر وقرَّ بذاك منك عيونا

ودعوتني وعلمتُ أنك ناصحي * فلقد صدقت، وكنت قِدمُ أمينا

وعرضت دينا قد عرفت بأنه * من خير أديان البرية دينا

لولا الملامة أو حذاري سُبّة * لوجدتني سمحا بذاك مبينا

ثم قال البيهقي: وذكر ابن إسحاق لأبي طالب في ذلك أشعارا؛ وفي كل ذلك دلالة على أن الله تعالى عصمه بعمه مع خلافه إياه في دينه، وقد كان يعصمه حيث لا يكون عمه بما شاء لا معقب لحكمه.

وقال يونس بن بكير: حدثني محمد بن إسحاق قال: حدثني رجل من أهل مصر قديما منذ بضعا وأربعين سنة عن عكرمة، عن ابن عباس، في قصة طويلة جرت بين مشركي مكة وبين رسول الله ﷺ، فلما قام رسول الله ﷺ قال أبو جهل بن هشام: يا معشر قريش إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا، وشتم آبائنا وتسفيه أحلامنا، وسب آلهتنا وإني أعاهد الله لأجلس له غدا بحجرٍ، فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم.

فلما أصبح أبو جهل - لعنه الله - أخذ حجرا ثم جلس لرسول الله ﷺ ينتظره، وغدا رسول الله ﷺ كما كان يغدو، وكان قبلته الشام..

فكان إذا صلّى صلّى بين الركنين الأسود واليماني، وجعل الكعبة بينه وبين الشام.

فقام رسول الله ﷺ يصلي، وقد غدت قريش، فجلسوا في أنديتهم ينتظرون، فلما سجد رسول الله ﷺ احتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع منبهتا ممتقعا لونه مرعوبا قد يبست يداه على حجره، حتى قذف الحجر من يده، وقامت إليه رجال من قريش.

فقالوا له: ما بك يا أبا الحكم؟

فقال: قمت إليه لأفعل ما قلت لكم البارحة فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل، والله ما رأيت مثل هامته، ولا قصرته، ولا أنيابه لفحل قطّ فهمَّ أن يأكلني.

قال ابن إسحاق: فذكر لي أن رسول الله ﷺ قال: «ذلك جبريل، ولو دنا منه لأخذه».

وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو النضر الفقيه، حدثنا عثمان الدارمي، حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثنا الليث بن سعد، عن إسحاق بن عبد الله ابن أبي فروة، عن أبان بن صالح، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه عن عباس بن عبد المطلب.

قال: كنت يوما في المسجد فأقبل أبو جهل - لعنه الله - فقال: إن لله عليَّ إن رأيت محمدا ساجدا أن أطأ على رقبته، فخرجت على رسول الله ﷺ، حتى دخلت عليه فأخبرته بقول أبي جهل، فخرج غضبانا، حتى جاء المسجد فعجل أن يدخل من الباب، فاقتحم الحائط.

فقلت: هذا يوم شر، فاتزرت ثم اتبعته، فدخل رسول الله ﷺ فقرأ: { اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق } فلما بلغ شأن أبي جهل { كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى }.

فقال إنسان لأبي جهل: يا أبا الحكم هذا محمد؟

فقال أبو جهل: ألا ترون ما أرى؟ والله لقد سدَّ أفق السماء عليّ، فلما بلغ رسول الله ﷺ آخر السورة سجد.

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن عبد الكريم، عن عكرمة قال: قال ابن عباس: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «لو فعل لأخذته الملائكة عيانا»..

ورواه البخاري عن يحيى، عن عبد الرزاق به.

قال داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس.

قال: مر أبو جهل بالنبي ﷺ وهو يصلي.

فقال: ألم أنهك أن تصلي يا محمد؟ لقد علمت ما بها أحد أكثر ناديا مني.

فانتهره النبي ﷺ.

فقال جبريل: «فليدع ناديه سندع الزبانية» والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب.

رواه أحمد، والترمذي، وصححه النسائي من طريق داود به.

وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن يزيد أبو زيد، حدثنا فرات، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا عند الكعبة يصلي لأتيته حتى أطأ عنقه، قال: فقال: «لو فعل لأخذته الزبانية عيانا».

وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن الوليد بن العيزار، عن ابن عباس.

قال: قال أبو جهل: لئن عاد محمد يصلي عند المقام لأقتلنه.

فأنزل الله تعالى: { اقرأ باسم ربك الذي خلق } حتى بلغ من الآية { لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة خاطئة فليدع ناديه سندع الزبانية }.

فجاء النبي ﷺ يصلي فقيل ما يمنعك؟

قال: قد اسود ما بيني وبينه من الكتائب.

قال ابن عباس: والله لو تحرك لأخذته الملائكة والناس ينظرون إليه.

وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر، عن أبيه، عن نعيم بن أبي هند، عن أبي حازم، عن أبي هريرة.

قال: قال أبو جهل: هل يعفّر محمد وجهه بين أظهركم؟

قالوا: نعم!

قال: فقال: واللات والعزى لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه بالتراب.

فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي ليطأ على رقبته.

قال: فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه، قال: فقيل له مالك؟

قال: إن بيني وبينه خندقا من نار، وهولا وأجنحة. قال: فقال رسول الله ﷺ: «لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا».

قال: وأنزل الله تعالى - لا أدري في حديث أبي هريرة أم لا - { كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى } إلى آخر السورة.

وقد رواه أحمد، ومسلم، والنسائي، وابن أبي حاتم، والبيهقي من حديث معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي به.

وقال الإمام أحمد: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن مسعود.

قال: ما رأيت رسول الله ﷺ دعا على قريش غير يوم واحد، فإنه كان يصلي ورهط من قريش جلوس، وسلا جزور قريب منه.

فقالوا: من يأخذ هذا السلا فيلقيه على ظهره؟

فقال عقبة ابن أبي معيط: أنا.

فأخذه، فألقاه على ظهره، فلم يزل ساجدا حتى جاءت فاطمة، فأخذته عن ظهره، فقال رسول الله ﷺ: «اللهم عليك بهذا الملأ من قريش، اللهم عليك بعتبة بن ربيعة، اللهم عليك بشيبة بن ربيعة، اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، اللهم عليك بعقبة بن أبي معيط، اللهم عليك بأبي بن خلف - أو أمية بن خلف» شعبة الشاك.

قال عبد الله: فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر جميعا، ثم سحبوا إلى القليب غير أبي - أو أمية بن خلف - فإنه كان رجلا ضخما فتقطع.

وقد رواه البخاري في مواضع متعددة من (صحيحه) ومسلم من طرق عن أبي إسحاق به.

والصواب أمية بن خلف فإنه الذي قتل يوم بدر، وأخوه أُبي إنما قتل يوم أحد كما سيأتي بيانه - والسلا: هو الذي يخرج مع ولد الناقة، كالمشيمة لولد المرأة.

وفي بعض ألفاظ (الصحيح): أنهم لما فعلوا ذلك استضحكوا، حتى جعل بعضهم يميل على بعض، أي: يميل هذا على هذا من شدة الضحك لعنهم الله.

وفيه: أن فاطمة لما ألقته عنه، أقبلت عليهم، فسبتهم، وأنه ﷺ لما فرغ من صلاته رفع يديه يدعو عليهم، فلما رأوا ذلك سكن عنهم الضحك، وخافوا دعوته، وأنه ﷺ دعا على الملأ منهم جملة وعين في دعائه سبعة.

وقع في أكثر الروايات تسمية ستة منهم وهم: عتبة، وأخوه شيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، وأبو جهل بن هشام، وعقبة بن أبي معيط، وأمية بن خلف.

قال أبو إسحاق: ونسيت السابع.

قلت: هو عمارة بن الوليد وقع تسميته في (صحيح البخاري).

البداية والنهاية - الجزء الثالث
باب كيفية بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم | عمره صلى الله عليه وسلم وقت بعثته وتاريخها | فصل حزن النبي صلى الله عليه وسلم عندما فترعنه الوحي | فصل في منع الجان ومردة الشياطين من استراق السمع حين أنزل القرآن | فصل في كيفية إتيان الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم | فصل ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه | فصل تتابع الوحي إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام | فصل أول من أسلم من متقدمي الإسلام والصحابة وغيرهم | إسلام حمزة بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم | ذكر إسلام أبي ذر رضي الله عنه | ذكر إسلام ضماد | باب الأمر بابلاغ الرسالة | قصة الأراشي | فصل أشد ما صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم | فصل تأليب الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه | فصل في مبالغتهم في الأذية لآحاد المسلمين المستضعفين | فصل اعتراض المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم | فصل تعذيب قريش للمسلمين لاتباعهم النبي عليه الصلاة والسلام | باب مجادلة النبي صلى الله عليه وسلم الكفار وإقامة الحجة الدامغة عليهم | باب هجرة أصحاب رسول الله من مكة إلى أرض الحبشة | فصل كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي | فصل ذكر مخالفة قبائل قريش بني هاشم وعبد المطلب في نصر رسول الله | المستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم وما ظهر فيهم | عزم الصديق على الهجرة إلى الحبشة | فصل تعليق على القصص | فصل ذكر عداوة قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتنفير أحياء العرب والقادمين إلى مكة | قصة أعشى بن قيس | قصة مصارعة ركانة وكيف أراه صلى الله عليه وسلم الشجرة التي دعاها فأقبلت | فصل دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على قريش حين استعصت عليه | فصل قصة فارس والروم | فصل الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس | فصل نزول فرضية الصلاة صبيحة الإسراء | فصل في انشقاق القمر في زمان النبي صلى الله عليه وسلم | فصل في وفاة أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم | فصل موت خديجة بنت خويلد | فصل في تزويجه صلى الله عليه وسلم بعد خديجة رضي الله عنها بعائشة بنت الصديق وسودة بنت زمعة رضي الله عنهما | فصل اجتراء قريش على رسول الله بعد وفاة عمه أبي طالب | فصل في ذهابه صلى الله عليه وسلم إلى أهل الطائف يدعوهم إلى دين الله | فصل سماع الجن لقراءة رسول الله عليه الصلاة والسلام | فصل في عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه الكريمة على أحياء العرب | فصل قدوم وفد الأنصار لمبايعة رسول الله عليه الصلاة والسلام | حديث سويد بن صامت الأنصاري | إسلام إياس بن معاذ | باب بدء إسلام الأنصار رضي الله عنهم | قصة بيعة العقبة الثانية | فصل إظهار الأنصار إسلامهم بعد بيعة العقبة الثانية | فصل يتضمن أسماء من شهد بيعة العقبة الثانية ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان | باب الهجرة من مكة إلى المدينة | فصل في سبب هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة | باب هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة من مكة إلى المدينة ومعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه | قصة أم معبد الخزاعية | فصل في دخوله عليه السلام المدينة وأين استقر منزله بها | فصل تشريف المدينة بهجرته عليه السلام | وقائع السنة الأولى من الهجرة | فصل تأسيس مسجد قباء | فصل في إسلام عبد الله بن سلام | فصل خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ | ذكر خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ | فصل في بناء مسجده الشريف ومقامه بدار أبي أيوب | تنبيه على فضل هذا المسجد الشريف | فصل بناء الحجرات لرسول الله حول مسجده الشريف | فصل فيما أصاب المهاجرين من حمى المدينة | فصل في عقده عليه السلام الألفة بين المهاجرين والأنصار بالكتاب | دستور المدينة | فصل في مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار | فصل في موت أبي أمامة أسعد بن زرارة | فصل في ميلاد عبد الله بن الزبير في شوال سنة الهجرة | فصل بناؤه صلى الله عليه وسلم بعائشة | فصل الزيادة في صلاة الحضر في السنة الأولى من الهجرة | فصل في الأذان ومشروعيته | فصل في سرية حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه | فصل في سرية عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب | فصل في سرية سعد بن أبي وقاص إلى الخرار | فصل ميلاد عبد الله بن الزبير وهو أول مولود ولد في الإسلام | من توفي في السنة الأولى من الصحابة | ذكر ما وقع في السنة الثانية من الهجرة | كتاب المغازي | فصل كفر بعض المنافقين من الأوس والخزرج بعد إسلامهم | فصل في إسلام بعض أحبار يهود نفاقا | أول المغازي وهي غزوة الأبواء أو غزوة ودان | سرية عبيدة بن الحارث | فصل في سرية حمزة بن عبد المطلب | غزوة بواط من ناحية رضوى | غزوة العشيرة | غزوة بدر الأولى | باب سرية عبد الله بن جحش | فصل في تحويل القبلة في سنة ثنتين من الهجرة قبل وقعة بدر | فصل في فريضة شهر رمضان سنة ثنتين قبل وقعة بدر | غزوة بدر العظمى يوم الفرقان يوم التقى الجمعان | مقتل أبي البختري بن هشام | فصل في مقتل أمية بن خلف | مقتل أبي جهل لعنه الله | ردُّه عليه السلام عين قتادة | فصل قصة أخرى شبيهة بها | طرح رؤوس الكفر في بئر يوم بدر | فصل اختلاف الصحابة في الأسارى على قولين | فصل عدد القتلى والأسرى من المشركين يوم بدر سبعون | فصل اختلاف الصحابة يوم بدر في المغانم لمن تكون | فصل رجوع النبي عليه السلام من بدر إلى المدينة | مقتل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط لعنهما الله | ذكر فرح النجاشي بوقعة بدر رضي الله عنه | وصول خبر مصاب أهل بدر إلى أهاليهم بمكة | بعث قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فداء أسراهم | فصل نزول سورة الأنفال في بدر | فصل تسمية من شهد بدرا من المسلمين | أسماء أهل بدر مرتبة على حروف المعجم وأوله حرف الألف | حرف الباء | حرف التاء | حرف الثاء | حرف الجيم | حرف الحاء | حرف الخاء | حرف الذال | حرف الراء | حرف الزاي | حرف السين | حرف الشين | حرف الصاد | حرف الضاد | حرف الطاء | حرف الظاء | حرف العين | حرف الغين | حرف الفاء | حرف القاف | حرف الكاف | حرف الميم | حرف النون | حرف الهاء | حرف الواو | حرف الياء | باب الكنى | فصل عدد الذين شهدوا بدرا ثلثمائة وأربعة عشر رجلا | فصل في فضل من شهد بدرا من المسلمين | قدوم زينب بنت الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة | ما قيل من الأشعار في بدر العظمى | فصل رثاء المشركين قتلاهم يوم بدر | غزوة بني سليم في سنة ثنتين من الهجرة | فصل في غزوة السويق | فصل في دخول علي بن أبي طالب على زوجته فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم | فصل جمل من الحوادث سنة ثنتين من الهجرة