الرئيسيةبحث

إحياء علوم الدين/كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر/الباب الأول



الباب الأول
في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وفضيلته المذمة في إهماله وإضاعته


ويدل على ذلك بعد إجماع الأمة عليه وإشارات العقول السليمة إليه: الآيات والأخبار والآثار

أما الآيات: فقوله تعالى: "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون" ففي الآية بيان الإيجاب فإن قوله تعالى "ولتكن" أمر وظاهر الأمر الإيجاب، وفيها بيان أن الفلاح منوط به إذ حصر وقال: "وأولئك هم المفلحون" وفيها بيان أنهن فرض كفاية لا فرض عين وأنه إذا قام به أمة سقط أو جماعة سقط الحرج عن الآخرين، واختص الفلاح بالقائمين به المباشرين، وإن تقاعد عنه الخلق أجمعون عم الحرج كافة القادرين عليه لا محالة وقال تعالى "ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين" فلم يشهد لهم بالصلاح بمجرد الإيمان بالله واليوم الآخر حتى أضاف إليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقال تعالى: "والمؤمنون المؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة" فقد نعت المؤمنين بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، الذي هجر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خارج عن هؤلاء المؤمنين المنعوتين في هذه الآية، وقال تعالى: "لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون" وهذا غاية التشديد إذ علل استحقاقهم للعنة بتركهم النهي عن المنكر، وقال عز وجل "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر" وهذا يدل على فضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذ بين أنهم كانوا به خير أمة أخرجت للناس وقال تعالى: "فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون" فبين أنهم استفادوا النجاة بالنهي عن السوء ويدل ذلك على الوجوب أيضاً، وقال تعالى: "الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر" فقرن ذلك بالصلاة والزكاة في نعت الصالحين والمؤمنين وقال تعالى "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان" وهو أمر جزم ومعنى التعاون الحث عليه وتسهيل طرق الخير وسد سبل الشر والعدوان بحسب الإمكان وقال تعالى: "لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون" فبين أنهم أثموا بترك النهي وقال تعالى: "فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض" الآية فبين أنه أهلك جميعهم إلا قليلاً منهم كانوا ينهون عن الفساد وقال تعالى "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين" وذلك هو الأمر بالمعروف للوالدين والأقربين وقال تعالى: "لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً" وقال تعالى : "وإن طائفتنان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما" الآية والإصلاح نهي عن البغي وإعادة إلى الطاعة فإن لم يفعل فقد أمر الله تعالى بقتاله فقال "فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله" وذلك هو النهي عن المنكر.

وأما الأخبار: فمنها ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال في خطبة خطبها: أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية وتؤولونها على خلاف تأويلها "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم" وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول ?"ما من قوم عملوا بالمعاصي وفيهم من يقدر أن ينكر عليهم فلم يفعل إلا يوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده" وروى عن أبي ثعلبة الخشني: أنه سأل رسول الله ﷺ عن تفسر قوله تعالى "لا يضركم من ضل إذا اهتديتم" فقال: يا أبا ثعلبة مر بالمعروف وأنه عن المنكر فإذا رأيت شحا مطاعاً وهو متبعاً وديناً مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك ودع عنك العوام إن من ورائكم فتنا كقطع الليل المظلم للمتمسك فهيا بمثل الذي أنتم عليه أجر خمسين منكم" قيل: بل منهم يا رسول الله. قال: "لا بل منكم لأنكم تجدون على الخير أعواناً ولا يجدون عليه أعواناً" وسئل ابن مسعود رضي الله عنه عن تفسير هذه الآية فقال: إن هذا ليس زمانها إنها اليوم مقبولة، ولكن قد أوشك أن يأتي زمانها تأمرون بالمعروف فيصنع بكم كذا وكذا وتقولون فلا يقبل منكم فحينئذ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، و قال رسول الله ﷺ "لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم ثم يدعوا خياركم فلا يستجاب لهم" معناه تسقط مهابتهم من أعين الأشرار فلا يخافونهم. وقال ﷺ "يا أيها الناس إن الله يقول لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم" وقال ﷺ "ما أعمال البر عند الجهاد في سبيل الله إلا كنفثة في بحر لجي، وما جميع أعمال البر والجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا كنفثة في بحر لجي" وقال عيه أفضل الصلاة والسلام "إن الله تعالى ليسأل العبد ما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكره? فإذا لقن الله العبد حجته قال رب وثقت بك وفرقت من الناس" وقال رسول الله ﷺ "إياكم والجلوس على الطرقات، قالوا ما لنا بد إنما هي مجالسنا نتحدث فيها قال: فإذا أبيتم إلا ذلك فأعطوا الطريق حقها، قالوا: وما حق الطريق? قال: غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وقال ﷺ "كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر أو ذكراً لله تعالى" وقال ﷺ "إن الله لا يعذب الخاصة بذنوب العامة حتى يرى المنكر بين أظهرهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه" وروى أبو أمامة الباهلي عن النبي ﷺ أنه قال: "كيف أنتم إذا طغى نساؤكم وفسق شبانكم وتركتم جهادكم? قالوا: وإن ذلك لكائن يا رسول الله قال: نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه يا سول الله? كيف أنتم إذا لم تأمروا بمعروف ولم تنهوا عن منكر? قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله? قال نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه? كيف أنتم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً? قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله? قال نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه? قال كيف أنتم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف? قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله? قال نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون? يقول الله تعالى بي حلفت لأتيحن لهم فتنة يصير الحليم فيها حيران" وعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ "لا تقفن عند رجل يقتل مظلوماً فإن اللعنة تنزل على من حضره ولم يدفع عنه، ولا تقفن عند رجل يضرب مظلوماً فإن اللعنة تنزل على من حضره ولم يدفع عنه"، قال: وقال رسول الله ﷺ "لا ينبغي لامرئ شهد مقاماً فيه حق إلا تكلم به فإنه لن يقدم أجله ولن يحرمه رزقاً هو له" وهذا الحديث يدل على أنه لا يجوز دخول دور الظلمة والفسقة ولا حضور المواضع التي يشاهد المنكر فيها ولا يقدر على تغييره، فإنه قال: "اللعنة تنزل على من حضر" ولا يجوز له مشاهدة المنكر من غير حاجة اعتذاراً بأنه عاجز. ولهذا اختار جماعة من السلف العزلة لمشاهدتهم المنكرات في الأسواق والأعياد والمجامع وعجزهم عن التغيير، وهذا يقتضي لزوم الهجر للخلق. ولهذا يقال عمر ابن

عبد العزيز رحمه الله: ما ساح السواح وخلوا دورهم وأولادهم إلا بمثل ما نزل بنا حين رأوا الشر قد ظهر والخير قد اندرس، ورأوا أنه لا يقبل ممن تكلم، ورأوا الفتن ولم يأمنوا أن تعتريهم وأن ينزل العذاب بأولئك القوم فلا يسلمون منه؛ فرأوا أن مجاورة السباع وأكل البقول خير من مجاورة هؤلاء في نعيمهم ثم قرأ "ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين" قال: ففر قوم فلولا ما جعل الله جل ثناؤه في النبوة من السر لقلنا ما هم بأفضل من هؤلاء فيما بلغنا أن الملائكة عليهم السلام لتلقاهم وتصافحهم، والسحاب والسباع تمر بأحدهم فيناديها فتجيبه، ويسألها أين أمرت فتخبره? وليس بنبي. وقال أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله ﷺ "من حضر معصية فكرهها فكأنه غاب عنها، ومن غاب عنها فأحبها فكأنه حضرها" ومعنى الحديث أن يحضر لحاجة أو يتفق جريان ذلك يديه، فأما الحضور قصداً فممنوع بدليل الحديث الأول. وقال ابن مسعود رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ "ما بعث الله عز وجل نبياً إلا وله حوارى فيمكث النبي بين أظهرهم ما شاء الله تعالى يعمل فيهم بكتاب الله وبأمره حتى إذا قبض الله نبيه مكث الحواريون يعملون بكتاب الله وبأمره وبسنة نبيهم فإذا انقرضوا كان من بعدهم قوم يركبون رؤوس المنابر يقولون ما يعرفون ويعملون ما ينكرون فإذا رأيتم ذلك فحق على كل مؤمن جهادهم بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وليس وراء ذلك إسلاماً".

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: كان أهل قربه يعملون بالمعاصي وكان فيهم أربعة نفر ينكرون ما يعملون، فقام أحدهم فقال: إنكم تعملون كذا وكذا فجعل ينهاهم ويخبرهم بقيح ما يصنعون فجعلوا يردون عليه ولا يرعون عن أعمالهم فسبهم فسبوه وقاتلهم فغلبوه فاعتزل ثم قال اللهم إني قد نهيتهم فلم يطيعوني وسببتهم فسبوني وقاتلتهم فغلبوني ثم ذهب ثم قام الآخر فنهاهم فلم يطيعوه فسبهم فسبوه فاعتزل ثم قال اللهم إني قد نهيتهم فلم يطيعوني وسببتهم فسبوني ولو قاتلتهم لغلبوني. ثم ذهب ثم قام الثالث فنهاهم فلم يطيعوه فاعتزل ثم قال اللهم إني قد نهيتهم فلم يطيعوني ولو سببتهم لسبوني ولو قاتلتهم لغلبوني. ثم ذهب ثم قام الرابع فقال اللهم إني لو نهيتهم لعصوني ولو سببتهم لسبوني ولو قاتلتهم لغلبوني ثم ذهب قال ابن مسعود رضي الله عنه كان الرابع أدناهم منزلة وقيل فيكم مثله، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: قيل يا رسول الله أتهلك القرية وفيها الصالحون? قال: "نعم" قيل بم يا رسول الله قال: "بتهاونهم وسكوتهم على معاصي الله تعالى" وقال جابر بن عبد الله قال رسول الله ﷺ "أوحى الله تبارك وتعالى إلى ملك من الملائكة أن أقلب مدينة كذا وكذا على أهلها فقال يا رب إن فيهم عبدك فلاناً لم يعصك طرفة عين قال اقلبها عليه وعليهم فإن وجهه لم يتمعر في ساعة قط" وقالت عائشة رضي الله عنها قال رسول الله ﷺ "عذب أهل قرية فيها ثمانية عشر ألفاً عملهم عمل الأنبياء قالوا يا رسول الله كيف قال لم يكونوا يغضبون الله ولا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر" وعن عروة عن أبيه قال قال موسى ﷺ يا رب أي عبادك أحب إليك قال الذي يتسرع إلى هواي كما يتسرع النسر إلى هواه والذي يكلف بعبادي الصالحين كما يكلف الصبي بالثدي والذي يغضب إذا أتيت محارمي كما يغضب النمر لنفسه فإن النمر إذا غضب لنفسه لم يبال قل الناس أم كثروا وهذا يدل على فضيلة الحسبة مع شدة الخوف وقال أبو ذر الغفاري: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: يا رسول الله ومن هم? قال "الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والمحبون في الله والمبغضون في الله" ثم قال: "والذي نفسي بيده إن العبد منهم ليكون في الغرفة فوق الغرفات فوق غرف الشهداء للغرفة منها ثلثمائة ألف باب منها الياقوت والزمرد الأخضر على كل باب نور وإن الرجل منهم ليزوج بثلثمائة ألف حوراء قاصرات الطرف عين كلما التفت إلى واحدة منهن ذكرت له مقاماً أمر فيه بمعروف ونهى فيه عن منكر" وقال أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قلت: يا رسول الله أي الشهداء أكرم على الله عز وجل? قال: "رجل قام إلى وال جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله فإن لم يقتله فإن القلم لا يجري عليه بعد ذلك وإن عاش ما عاش" وقال الحسن البصري رحمه الله: قال رسول الله ﷺ "أفضل شهداء أمتي رجل قام إلى إمام جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله على ذلك فذلك الشهيد منزلته في الجنة بين حمزة وجعفر" وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بئس القوم قوم لا يأمرون بالقسط وبئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر".

وأما الآثار: فقد قال أبو الدرداء رضي الله عنه: لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو لبسطن الله عليكم سلطاناً ظالماً لا يجل كبيركم ولا يرحم صغيركم ويدعوا عليه خياركم فلا يستجاب لهم وتستنصرون فلا تنصرون وتستغفرون فلا يغفر لكم. وسئل حذيفة رضي الله عنه عن ميت الأحياء فقال: الذي لا ينكر المنكر بيده ولا بلسانه ولا بقلبه. وقال مالك بن دينار: كان حبر من أحبار بني إسرائيل يغشى الرجال والنساء منزله يعظهم ويذكرهم بأيام الله عز وجل فرأى بعض بنيه يوماً وقد غمر بعض النساء فقال: مهلاً يا بني مهلاً، وسقط من سريره فانقطع نخاعه وأسقطت امرأته وقتل بنوه في الجيش، فأوحى الله تعالى إلى نبي زمانه: أن أخبر فلاناً الحبر أني لا أخرج من صلبك صديقاً أبداً أما كان من غضبك لي إلا أن قلت: مهلاً يا بني مهلاً. وقال حذيفة: يأتي على الناس زمان لأن تكون فيهم جيفة حمار أحب إليهم من مؤمن يأمرهم وينهاهم وأوحى الله تعالى إلى يوشع بن نون عليه السلام إني مهلك من قومك أربعين ألفاً من خيارهم وستين ألفاً من شرارهم فقال: يا رب هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار، قال: إنهم لم يغضبوا لغضبي ووالوهم وشاربوهم. وقال بلال بن يعد: إن المعصية إذا أخفيت لم تضر إلا صابها فإذا أعلنت ولم تغير أضرت بالعامة، وقال كعب الأحبار لأبي مسلم الخولاني: كيف منزلتك من قومك? قال: حسنة. قال كعب: إن التوراة لتقول غير ذلك? قال: وما تقول? قال: تقول إن الرجل إذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ساءت منزلته عند قومه، فقال: صدقت التوراة وكذب أبو مسلم. وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يأتي العمال ثم قعد عنهم فقيل له: لو أتيتهم فلعلهم يجدون في أنفسهم، فقال: أرهب إن تكلمت أن يروا أن الذي بي غير الذي بي، وإن سكت رهبت أن آثم. وهذا يدل على أن من عجز عن الأمر بالمعروف فعليه أن يبعد عن ذلك الموضع ويستتر عنه حتى لا يجري بمشهد منه. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أول ما تغلبون عليه من الجهاد الجهاد بأيديكم، ثم الجهاد بألسنتكم، ثم الجهاد بقلوبكم؛ فإذا لم يعرف القلب المعروف ولم ينكر المنكر نكس فجعل أعلاه أسفله. وقال سهل بن عبد الله رحمه الله: أيما عبد عمل في شيء من دينه بما أمر به أو نهى عنه وتعلق به عند فساد الأمور وتنكرها وتشوش الزمان فهو ممن قد قام لله في زمانه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. معناه أنه إذا لم يقدر إلا على نفسه فقام بها وأنكر أحوال الغير بقلبه فقد جاء بما هو الغاية في حقه. وقيل للفضيل: ألا تأمر وتنهي? فقال: إن قوماً أمروا ونهوا فكفروا وذلك أنهم لم يصبروا على ما أصيبوا وقيل للثوري. ألا تأمر بالمعروف وتنهى? فقال: إن قوماً أمروا ونهوا فكفروا وذلك أنهم لم يصبروا على ما أصيبوا وقيل للثوري. ألا تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر? فقال إذا انبثق البحر فمن يقدر أن يسكره. فقد ظهر بهذه الأدلة أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب وأن فرضه لا يسقط مع القدرة إلا بقيام قائم به. فلنذكر الآن شروطه وشروط وجوبه: