الرئيسيةبحث

أشعار النساء/أخبار ليلى مع الحجاج بن يوسف


أخبار ليلى مع الحجاج بن يوسف


أخبار ليلى مع الحجَّاج بن يوسف وذلك في آخر عمرها حدثني أبو عبد الله الحكيمي. قال: حدثني يحيى بن يموت بن المزرع قال: حدثنا رفيع بن سلمة. قال: حدثني أبو عبيدة، قال: دخلت ليلى الأخيلية على الحجاج فأنشدته:

فنعم فتى الدنيا لئنْ كانَ فاجراً وفوق الفتى إن كان ليسَ بفاجرِ فتىً هو أحيا من فتاةٍ حييّة وأشجعُ من ليْثٍ بخفانَ خادرِ فتىً فيه فتيانيَّةٌ أريحيَّةٌ بقيَّة أعرابيَّةٍ من مُهاجر

فقال فتى من جلساء الحجاج: والله أيها الأمير ما كان في توبة عشير ما تقول ليلى. فقالت ليلى: والله أيها الأمير لو رأى ذلك توبة لتمنى أن لا تبقى في داره بكر إلا حملت منه. وأخبرني عبد الله بن يحيى قال: حدثني محمد بن جعفر، قال: حدثنا ابن أبي سعد، قال: حدثني أبي الحسن الموصلي عن سلمه بن أيوب بن مسلمة الهمذاني فقال: كان جدي عند الحجاج فذكر أن امرأة قد دخلت عليه فسلمت فرد عليها، وقال: من أنت؟ قالت: أنا ليلى. قال: صاحبة توبة بن حمير؟ قالت: نعم. قال: فماذا قلت فيه لله أبوك؟ قالت: قلت:

فإنْ تكنِ القتلى بواءً فإنَّكم فتىً ما قتلتُم آل عوفِ بن عامرِ

وذكر منها أبياتاً فقال لها أسماء بن خارجة الفزاري: أيتها المرأة إنك لتصفين لهذا الرجل بشيء ما تعرفه به العرب. قال: فقالت: أيها الرجل: هل رأيت توبة؟ قال: لا. قالت: أصلح الله الأمير، فوالله لو رأى توبة لود أن كل عاتق في بيته حامل من توبة. قال: فكأنما فقئ في وجه أسماء حب الرمان. فقال له الحجاج: وما كان لك ولها. حدثني محمد بن أحمد الكاتب، قال حدثنا أحمد بن يحيى النحوي عن عبد الله بن أحمد المكي عن عبد الله بن مشهور، قال: دخلت ليلى الأخيلية على الحجاج فقال لها: أنشديني ما قلت في توبة فأنشدته:

كأنّ فتى الفتيان توبةَ لم ينخْ قلائِصَ يفْحصْنَ الحصى بالكراكرِ ولمْ يبْنِ أبراداً رقاقاً لفتيةٍ كرامٍ ويرحلْ قبْلَ فيءِ الهواجرِ

فقال لها الحجاج: هل كان بينك وبينه سوء؟ قالت لا والله إلا أنه أرسل رسولاً مرة، فقال: إذا أتيت حاضر بني عبادة - يعني ابن عقيل - فناد فيه:

عفا الله عنها هل أبيتنَّ ليلةً من الدهر لا يسري إليّ خيالها فظننت أنه جنح لبعض الأمر فناديت:

وعنْه عفا رَبي وأصْلحَ بالهُ فعزَّ علينا حاجةٌ لا ينالها

وحدثني محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن أبي خثيمة قال: أخبرنا علي بن المغيرة الأثرم عن أشياخه، قال أحمد: وأخبرنا عبد الله بن أبي كريم عن أبي عمرو الشيباني أن ليلى الأخيلية قدمت على الحجاج بن يوسف وعنده وجوه أصحابه وأشرافهم إذ أقبلت جارية فأشارت إلى الحجاج وأشار إليها بيده، فذهبت فما تلبث أن جاءت امرأة من أجمل النساء وأكمله وأتمه خلقاً وأحسنه محاورة، فلما دنت منه سلمت عليه وقالت: أتأذن أيها الأمير؟ قال: نعم. فأنشأت تقول:

أحجَّاج إن اللَّهَ أعطاكَ غايةً يقصر عنْها منْ أرادَ مداها أحجَّاج لا يفْللْ سِلاحك إنَّما المنايا بكف اللَّه حيث يراها

حتى أتت على آخرها. فقال الحجاج لمن عنده: أتدرون من هذه؟ قالوا: ما نعرفها ولكنا ما رأينا قط امرأة أطلق لساناً منها، ولا أجمل وجهاً، ولا أحسن لفظاً فمن هي أصلح الله الأمير؟؟ قال: هذه ليلى الأخيلية صاحبة توبة بن الحمير العقيلي التي يقول فيها:

فلو أنَّ ليلى الأخيلية سلمَت عليّ وفوقي ترْبَةٌ وصَفائحُ لَسَلمْتُ تسليم البشاشَةِ أو زَقا إليها صدىً من جانبِ القبر صائحُ

ثم قال: يا ليلى أنشدينا بعض ما قال توبة فيك، فأنشدته:

نأتْكَ بليلى دارها لا تزورها وشطَّتٌ نواها واستمرَّ مريرها وكنت إذا ما زرْت ليلى تَبَرْقَعَت فقد رابني منها الغداة سُفورها

حتى فرغت من القصيدة. فقال لها: يا ليلى وماذا رابه من سفورك؟ قالت: اصلح الله الأمير! لم يرني قط إلا متبرقعة فأرسل إلي رسولاً إنه ملم بنا، وفطن الحي لرسوله، فأخذوا له واستعدوا وكمنوا، ففطنت لذلك من أمرهم، فلما جاء ألقيت برقعي وسفرت، فلما رأى ذلك أنكره، فلم يزد على أن سلم وانصرف. فقال الحجاج لله درك يا ليلى فهل كان بينكما ريبة قط؟ قالت: لا والذي أسأله أن يصلحك إلا أنه مرة قال قولاً، فضننت أنه خضع لبعض الأمر فقلت:

وذي حاجةٍ قلنا له لا تبح بها فليس إليها ما حييت سبيل لنا صاحبٌ لا ينبغي أن نخونه وأنت لأخرى صاحبٌ وخليل تخالكَ تهوى غيرها فكأنما لها من تَظنّيها عليك دليلُ

فما كلمني بعد ذلك بشيء حتى فرق بيني وبينه الموت. قال: فما كان حديثكما بعد ذلك؟ قالت: لم يلبث أن قال لصاحب له: إذا أتيت الحاضر من بني عبادة فقل بأعلى صوتك:

عفا الله عنها هل أبيتنَّ ليلةً من الدهر لا يسري إليَّ خيالها

فلما سمعت الصوت خرجت فقلت:

وعنه عفا ربي وأصلح حاله فعز علينا حاجةٌ لا ينالها

ثم لم يلبث أن قتل. قال: فأنشدينا بعض مراثيك إياه. فأنشدته قصيداً كثيراً، فكان مما أنشدته قصيدتها التي تقول فيها:

كأنّ فتى الفتيان توبةَ لم يُنخ قلائص يفحصن الحصى بالكراكر

فلما أتمتها قال رجل من القوم: والله ما أظنه بلغ عشر ما وصفتيه به. فنظرت إليه ليلى، وقالت: أصلح الله الأمير، إن هذا المتكلم لو رأى توبة لسره - ألا يكون في داره عذراء إلا وهي حبلى من توبة. فقال الحجاج: هذا والله الجواب الحاضر، وقد كنت غنياً عنه. ثم قال: لها ما حاجتك؟ قالت: حاجتي أن تحملني إلى قتيبة والي خراسان على البريد. فحملها فاستظرفها قتيبة ووصلها ثم رجعت فماتت بساوة فقبرها بها. أخبرني محمد بن أبي الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوي قال: روى أن ليلى الأخيلية قدمت إلى الحجاج فأنشدته:

إذا وردَ الحجاج أرضاً مريضة تَتَّبع أقصى دائها فشفاها شفاها من الداء العضال الذي بها غلامٌ إذا هز القناةَ ثناها

قال: أتقولين غلام؟ قولي همام. ثم قال لها: أي نسائي أحب إليك أن أنزلك عندها؟ قالت: ومن نساؤك أيها الأمير؟ قال: أم الجلاس بنت سعيد بن العاصر الأموية، وهند بنت أسماء بن خارجة الفزارية، وهند بنت المهلب بن أبي صفرة العتكية. قالت: القيسية أحب إلي، فلما كان الغد دخلت عليه فقال: يا غلام أعطها خمسمائة. فقالت أيها الأمير اجعلها أدماً. فقال قائل: إنما أمر لك بشاء. فقالت: الأمير أكرم من ذلك. فجعلها ابناً إناثاً استحياء، وإنما كان أمر لها بشاء أولاً. الأدم: البيض من الإبل وهي أكرمها. أخبرني علي بن عبد الرحمن عن علي بن يحيى الأطروش بن إسحاق عن أيوب بن عباءة، قال: حدثني الهيثم بن عدي، قال: دخلت ليلى الأخيلية على الحجاج فقال لأصحابه: ألا أخجلتها لكم؟ قالوا: بلى. قال: يا ليلى. قالت: لبيك أيها الأمير. قال: أكنت تحبين توبة بن الحمير؟ قالت نعم أيها الأمير وأنت لو رأيته لأحببته. وحدثني أحمد بن محمد الجوهري، قال: حدثنا العنزي، حدثنا أبو السائب بن سلم بن جنادة، قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف بن معمرالتيمي، قال: حدثنا خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد، قال: أخبرني أبي، قال: جاءتنا ليلى الأخيلية فقالت: إني أريد أن أمدح الحجاج. فأدخلناها إليه، فقالت:

لقد وجد الحجاج أرضاً مريضةً فطبّق أعلى دائها فشفاها تتبّعها الداء العضال الذي بها غلامٌ إذا هز القناة سقاها فقال الحجاج: يا خيلية اجعليني هماماً، لا تجعليني غلاماً.

ثم قال: على من أنزلك من نسائي؟ قالت اذكر لي نساءك. قال: عندي بنت سعيد بن عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، وعندي أم سلمة بنت عبد الرحمن بن سهيل بن عمرو، وعندي بنت المهلب بن أبي صفرة، وعندي بنت أسماء بنت خارجة الفزاري، فاخترت بنت أسماء بن خارجة، لقرابتها منها، فنزلت عليها. وحدثني محمد بن أحمد الوزيري قال: حدثنا محمد بن العباس، قال: حدثنا الخليل بن أسد النوشجاني، حدثني حفص بن عمر العمري عن الهيثم بن عدي، قال: أخبرنا أبو يعقوب الثقفي عن عبد الملك بن عمير، قال: حدثني محمد بن الحجاج بن يوسف، قال: بينا الأمير جالس - يعني الحجاج - إذ استأذنت ليلى، فقال الحجاج: ومن ليلى؟ فقيل: الأخيلية قال: صاحبة توبة، أدخلها. فدخلت امرأة طوالة، دعجاء العين، حسنة المشية، حسنة الثغر إلى الفوه ما هي، فسلمت فرحب بها الحجاج، فدنت فقال الحجاج: وراءك، ضع لها وسادة يا غلام، فجلست، فقال: ما أعملك إلينا؟ قالت السلام على الأمير، والقضاء لحقه، والتعرض لمعروفه. قال: كيف خلفت أهلك؟ قالت: تركتهم في حالة خصب وأمن ودعة. أما الخصب ففي الأموال والكلأ، وأما الأمن فقد آمنهم الله بك، وأما الدعة فقد خامرهم من خوفهم ما اصلح بينهم. ثم قالت: ألا أنشدك أيها الأمير؟ قال: إذا شئت. فقالت:

أحجاج لا يُفْلَلْ سلاحك إنما المنايا بكف الله حيث يراها إذا هبط الحجاج أرضاً مريضةً تتبَّع أقصى دائها فشفاها شفاها من الداء العُضال الذي بها غلام إذا هز القناة سقاها سقاها فروّاها دماء غزيرةً دماء رجال حيث قال حَشاها ويروى: فراوها بصوب سجاله دماء رجال. وشرب سجال، وقال: يقيل.

إذا سمع الحجاج صوت كتيبة أعدَّ لها قبل النزول قِراها

ويروى:

وإن سمع الحجاج زحف كتيبة أعدَّ لها قبل الصباح قراها أعدَّ لها مصقولة فارسيَّة بأيدي رجال يحلبون ضَراها أحجاجُ لا تعط العداة مناهمُ ولا الله لا يعطي العداة مناها ولا كل خطَّاف تقلَّد بيعة بأعظم عهد الله ثم شراها فما ولد الأبكار والعَوْن مثله ببحرٍ ولا أرض يجفُّ ثراها

فقال الحجاج ليحيى بن منقذ: لله بلاؤها ما أشعرها. قال: ما لي بشعرها علم. قال: علي بعبيد بن موهب. وكان حاجبه قال: أنشديه، فأنشدته، فقال: هذه الشاعرة الكريمة قد وجب حقها. قال: ما أغناها عن شفاعتك! يا غلام. مر لها بخمسمائة درهم واكسها خمسة أثواب، أحدها كساء خز، وأدخلها على ابنة عمها هند بنت أسماء بن خارجة وقل لها: صليها. فقالت: أصلح الله الأمير أضر بنا العريف في الصدقة وقد جربت إبلنا وتكسرت قلوبنا، واخذ خيار المال. قال: اكتبوا لها إلى الحكم بن أيوب فليتبع لها خمسة أجمال، وليجعل أحدها نجيباً، واكتبوا إلى صاحب اليمامة يعزل العريف. قال: ابن موهب: أصلح الله الأمير أأصلها؟ قال: نعم. فوصلها بأربعمائة درهم، ووصلتها هذه بثلاثمائة درهم، ووصلها محمد بن الحجاج بوصفين. قال الهيثم بن عدي: ولم أسمع أنادي من حماد. قال: لما فرغت ليلى من شعرها أقبل الحجاج على جلسائه فقال: أتدرون من هذه؟ قالوا: لا والله ما رأينا امرأة قط أفصح ولا أبلغ ولا أحسن إنشاداً منها. فمن هي؟ قال: ليلى الأخيلية صاحبه توبة بن حمير ثم أقبل عليها، فقال: بالله يا ليلى أرأيت من نوبة أمراً تكرهينه أو سألك شيئاً يعاب؟ قالت: لا، والذي أسأله المغفرة ما كان ذلك منه. فقال: أما إذا لم يكن فيرحمنا الله وإياه. وأخبرني عبد الله بن يحيى قال: أخبرني محمد بن جعفر العطار، قال: حدثنا ابن أبي سعد، قال: حدثني أحمد بن رشد بن خثيم الهلالي قال: حدثني هاشم بن محمد الهلالي، قال: حدثني أيوب بن عمرو عن رجل من بني عامر يقال له: ورقا. قال: كنت عند الحجاج بن يوسف فدخل الآذن فقال: أصلح الله الأمير، امرأة بالباب تهدر كما يهدر البعير الناد. قال: أدخلها. فلما دخلت نسبها فانتسبت له، فقال: ما أتاني بك يا ليلى؟ قالت: إخلاف النجوم، وكلب البرد، وشدة الجهد فكنت لها بعد الله الرد. قال: فأخبريني عن الأرض؟ قالت: الأرض مقشعرة والفجاج مغبرة، وأصابتنا سنون مجحفة مظلمة لم تدع لنا متبعاً ولا ربعاً ولا عافطة أهلكت الرجال ومزقت العيال وأفسدت الأموال وأنشدته قولها: أحجاج لا تشلل يمينك إنما... و ذكر الأبيات. فالتفت الحجاج إلى أصحابه فقال: هل تعرفون هذه؟ قالوا: لا، قال: هذه ليلى الأخيلية التي تقول:

نحن الأخايل لا يزال غلامنا حتى يدِبَّ على العصا مذكورا تبكي الرماح إذا فقدنَ أكُفّنا جزعاً وتلفينا الرفاق بحورا

ثم قال لها: يا ليلى أنشديني بعض شعر توبة قالت: وأي شعره أحب إليك؟ قال لها:

نأتْكَ بليلى دارُها لا تزورُها وشطّت نواها واستمرَّ مريرها يقول رجالٌ: لا يضيرك نأيُها بلى كلُّ ما شفَّ النفوسَ يَضِيرُها أليس يضير العينَ أن تُكثر البكا ويُمنع منها نومُها وسرورها وكنتُ إذا ما جئتُ ليلى تبرْقَعتْ فقد رابني منها الغداةَ سُفُورها وقد رابني منها صدودٌ رأيتهُ وإعراضُها عن حاجتي وبسورُها

ما الذي رابه من صدودك يا ليلى؟ قالت: أصلح الله الأمير أنه لم يرني قط إلا مبرقعة فأرسل لي رسولاً أنه ملم بنا وفطن الحي برسوله فلما رأيته سفرت. فلما رأى ذلك انصرف. فقال: قاتلك الله يا ليلى فهل كان بينكما ريبه قط؟ فقالت: أصلح الله الأمير لا إلا أنه قد قال مرة قولاً عرفت أنه قد خضع لبعض الأوامر فقلت له:

وذي حاجةٍ قلنا له: لا تَبحْ بها فليس إليها ما حييتَ سبيلُ لنا صاحِبٌ لا نَبْتَغي أن نخونَهُ وأنتَ لأخرى فارْعَ ذاك خليلُ

قال: فما كان بعد ذلك؟ قالت: قال لصاحب له: إذا أتيت الحاضر من بني عبادة بن عقيل فاهتف به:

عفا الله عنها هل أبيتنَّ ليلةً من الدهر لا يسري إليَّ خيالها

فناديت:

وعنه عفا ربِّي وأصلح بالَه فعَزَّ علينا حاجَةٌ لا يَنالُها

قال: فأنشدينا بعض شعرك فيه. فأنشدته:

لعمركَ ما بالموتِ عار على الفتى إذا لم تصبه في الحياةِ المعاير وما أحَد حَيٌّ وإن كان سالماً بأخلدَ ممَّن غيَّبتْهُ المقابِر فلا الحي مما استحدث الدهر مُعتْبُ ولا الميت إن لم يصبر الحي ناشر وكل جديد أو شباب إلى بلىً وكل امرئ يوماً إلى الموت صائر قتيل بني عوْفٍ فيا لهفتي له وما كنتْ إياهم عليه أحاذر ولكنني أخشى عليه قبيلة لها بدروب الشام بادٍ وحاضر

قال: فقال الحجاج لحاجبه: اذهب بها اقطع عني لسانها. قال: فدعا لها الحجام ليقطع لسانها فقالت: ويلك إنما قال لك الأمير اقطع لساني بالعطاء والصلة، فارجع إليه فاسأله قال: فرجع إليه فاستشاط عليه وهم بقطع لسانه. ثم أمر بها فأدخلت عليه فقالت: كاد العلج أيها الأمير يقطع مقولي وأنشدته:

حجاجُ أنت الذي ما فوقه أحد إلا الخليفةُ والمستغفر الصمد حجاج أنت شهاب الحرب إذ لقحت وأنت للناس نور ضوءه يَقِدُ

وحدثني محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوي قال: حدثنا عبد الله بن شبيب، قال: دخلت ليلى الأخيلية على الحجاج بن يوسف وهو في السفينة يريد البصرة فقال لها: ما جاء بك يا ليلى؟ قالت: كلب البرد وشدة الجهد وكان إليك بعد الله المفر. قال: يا ليلى كيف تركت الناس؟ قالت: الفجاج مغبرة والأرض مقشعرة والناس مسنتون ورحمة الله يرجون، ثم أنشدته:

إذا هبط الحجاجُ أرضاً مريضةً تتبعَ منها داءها فشفاها

فنظر الحجاج إلى مولى له قائد البخارية فقال: اذهب بهذه العجوز إلى يزيد فقل له: أعطها ألف دينار واقطع عني لسانها. فلم يفهم البخاري إلا قطع اللسان، فقال ذلك ليزيد، فدعا بالحجام فقالت: وما تريد؟ قال: اقطع لسانك. قالت: ويلك أمر لي بالعطاء. قال: ومر بها عتبة بن سعيد فنادته فقال: ويلك لا تعجل أنا رسوله إليك ثم دخل على الحجاج فأخبره، فقال: علي بها فلما دخلت قالت: كاد العلج - أماته الله - أن يقضب مقولي، وأنشدته: حجاج أنت الذي ما فوقه أحد وذكر البيتين. فقال لها الحجاج: أين تريدين أترجعين إلى بلدك وأجهزك؟ قالت: لا، أريد الباهلي تعني قتيبة. فخرجت إلى قتيبة فماتت بالري أو بدون الري. وروى علي بن المغيرة الأثرم أنه سمع الأصمعي يقول: أن الحجاج أمر لليلى عشرة آلاف درهم وقال لها: هل لكي من حاجة؟ قالت: نعم - أصلح الله الأمير - تحملني إلى ابن عمي قتبية بن مسلم، وهو على خراسان يومئذ، فحملها إليه فأجازها وأقبلت راجعة تريد البادية، فلما كانت بالري فماتت فقبرها هناك. وحدثني أبو عبد الله الحكيمي قال: حدثنا أحمد بن أبي خثيمة عن نصر بن عبد علي الجهضمي عن بعض البصريين، قال: لما أتت ليلى بن قتيبة جفاها فقالت: ردني إلى ابن عمي. فردها، فلما صارت بساوة ماتت. وإنما قالت للحجاج ابن عمي لأنها من هوازن من بني عقيل، والحجاج من بني قسي بن منبه بن بكر بن هوزان. قال أحمد: أخبرنا عبد الله بن أبي كريم عن أبي عمرو الشيباني: إن ليلى لما حملها الحجاج إلى قتيبة بخراسان على البريد استظرفها قتيبة ووصلها ثم رجعت ثم ماتت بساوة فقبرها بها. آخر أخبار ليلى.