الرئيسيةبحث

الفرسان والفروسية ( Knights and knighthood )



الفرسان والفروسية. الفرسان جنود مهرة دربوا على القتال على ظهور الخيل، وهو تنظيم عرفته كل الحضارات القديمة تقريبًا ؛ فقد عرفه قدماء المصريين والآشوريون والفرس والإغريق والعرب. وقد تفوّق العرب والمسلمون في الفروسية كما تشهد بذلك بطون الكتب وحوادث التاريخ. ★ تَصَفح: الفروسية عند العرب.

أما الفروسية في أوروبا فلم تكن تتصف بأي تميز اجتماعي، بل كان بإمكان أي رجل أن يُصبح فارسًا. وقد اتَّخذ العديد من اللوردات لأنفسهم فرسانًا لينجزوا لهم الواجبات المنزلية في زمن السلم، وليقاتلوا في وقت الحرب. وكان اللورد هو الذي يَمُد فرسانه بالسلاح والخيول.

في الفترة ما بين القرنين الثاني عشر والرابع عشر الميلاديين تحوّل معظم الفرسان إلى تابعين للوردات الذين كانوا يزودونهم بقطع من الأرض. وبسبب ارتفاع أسعار الأسلحة وخيول الحرب لم يعد بإمكان غير الرجال الأثرياء تجهيز أنفسهم ليحاربوا كفرسان. وهكذا، أصبح الفرسان طبقة منفصلة عن بقية المجتمع، كما أصبح الدخول في صفوفهم علامة على الشرف والتميز. وعلى الرغم من أن كل رجل كان بإمكانه أن يكون فارسًا، إلا أن معظم الفرسان الجدد كانوا إما من آباء كانوا هم أنفسهم فرسانًا، أو كانوا ينتمون إلى طبقة النبلاء. ويدعى عصر الفرسان عصر الفروسية، وهذه الكلمة مشتقة من كلمة فرنسية قديمة تعني الجندي الخيّال. إلا أن هذا التعبير أصبح يعني مجموعة القواعد الخاصة بالسلوك والأخلاق التي يجب على الفرسان الالتزام بها.

نمت الفروسية جزءًا من النظام الإقطاعي في العصور الوسطى، واستمرت مع اعتماد الحروب على سلاح الفرسان والمبارزة بين الأفراد. إلا أن الفرسان قلّت أهميتهم في حروب القرن الخامس عشر الميلادي بسبب تغيُّر الفنون العسكرية واستخدام البارود لأول مرة.

وفي بريطانيا تحولت الفروسية إلى شرف يسبغه الملك أو الملكة على أفراد معينين اعترافًا بفضيلة أو خدمة مميزة، ولم يعد لها أي معنى عسكري.

★ تَصَفح أيضًا: الحصان العربي ؛ الحصان.

التدريب

في العصور الوسطى، كان على الفتى الذي يتدرب ليكون فارسًا أن يمضي سنوات حياته الأولى تحت رعاية نساء أسرته، حيث يتعلم ركوب المهر والعناية بالخيول.

الخادم:

إذا بلغ الفتى سن السابعة، فإنه يترك البيت ويبدأ في التدرّب على الفروسية. ولكونه خادمًا كان يلتحق ببيت فارس آخر، أو رجل من النبلاء، حيث كان يتعلم كيف يتعامل مع السلاح، كما يتعلم قواعد المجاملات والسلوك المتوقَّعة من الفارس.

مرافق الفارس:

يبدأ الفتى بالتدرب ليكون مرافق فارس عندما يبلغ الخامسة عشرة أو السادسة عشرة من عمره. وعلى ذلك، فهو يعمل خادمًا خاصًا بالفارس الذي يكون أستاذه، فيعد المائدة ويقدم وجبات الطعام. ويتلقى مُرافق الفارس تدريبًا جادًا كجندي خيّال، فينطلق راكبًا مع أستاذه إلى المعارك ويشارك في القتال. ويلبس مُرافق الفارس في المعارك مهمازًا فضيًا لتمييزه عن الفارس ذي المهماز الذهبي. وكانت فترة خدمة مرافق الفارس تمتد عادة إلى نحو خمس سنوات يكون بعدها مُعدًّا ليكون فارسًا.

تعميد الفارس:

كان بإمكان أي فارس أن يُسْبغ الفروسية على غيره. وكان بعض الرجال يُعمَّدون فرسانًا في ساحة المعركة، ويجري الاحتفال بذلك عادة في وقت السلم. وكانت الاحتفالات الأولى بتعميد الفروسية بسيطة، إذ يُثبِّت الفارس حِلْية معدنية على ذراع مُرافِق الفارس، ويعلن أنه صار فارسًا. إلا أن الاحتفالات أصبحت أكثر تعقيدًا في أوقات لاحقة. فقد كان أحد الرجال يُثبِّت الحِلْية المعْدنية على السيف بينما يقوم رجل آخر بإحكام المهاميز، وكان مرافق الفارس ينحني أمام الرجل الذي يعمّده فارسًا فيقوم هذا بضربه على مؤخرة عنقه براحة يده. وفي وقت لاحق، حلت ضربة سيف خفيفة محل الضربة باليد. وتُدعى هذه الضربة الخفيفة معانقة، وبعد هذه الضربة الخفيفة، تأتي عبارة التعميد: أمنحك لقب فارس.

أصبحت الاحتفالات الدينية جزءًا من احتفالات تعميد الفروسية، عندما غدت المُثُل النصرانية أكثر التصاقًا بالفروسية. فكان مُرافق الفارس، قبل أن يُعمَّدَ فارسًا، يُحيي ليلة في الكنيسة، حيث يقوم بالاعتراف بذنوبه والصيام والصلاة والتعهد باستخدام سلاحه في سبيل القضايا والمُثُل المقدَّسة. وقَبْل الاحتفال، كان يغتسل ويرتدي ملابس خاصة. وكانت الأُبَّهة التي تُرافق الاحتفالات تجعل هذه الاحتفالات باهظة التكاليف. لذلك أباحت التقاليد الإقطاعية للإقطاعي أن يفرض ضريبة على مُقْطَعيه عندما يُعمّد ابنه الأكبر فارسًا.

قوانين الفروسية

كانت الشهامة شريعة الفارس في سلوكه. ونمت هذه الشريعة من خلال أغنيات الشعراء في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين، إذ كانت أشعارهم تصور الفارس في صورة المؤمن والمحب حبًا عميقًا للنصرانية، يدافع عن الكنيسة، وعلى استعداد للموت في سبيلها. كما كان يصوَّر على أنه يحب الأرض التي وُلد عليها، وأنه يهب الجميع بسخاء. أما قُوّتُهُ فكانت تُستخدم لحماية النساء والضعفاء. كما أن الفارس كان يناصر الحق ضد الظلم والشر، ولم يكن يستسلم أو يحجم أمام العدو.

وفي الواقع، لم يكن الفارس دائمًا يمثل ذلك الفارس المثالي الذي كان يظهر في تلك الأشعار. فقانونه الخاص بالشرف والولاء كان أحيانًا ينطبق على الأعضاء الذين ينتمون إلى طبقته فقط، بينما كان كثيرًا ما يتعامل بوحشية مع ذوي الأصول الدنيا. وكانت ظروف الحياة العصيبة في العصور الوسطى تجعل عدم انتهاك القوانين أمرًا صعبًا. لذلك فإن الفرسان المخلصين كانوا جنودًا يشاركون في الاستيلاء على الأراضي والنهب أيضًا. أما الفارس الذي يدان لجبنه أو أي سلوك شائن خطير آخر، فقد كان يُطرد مَخْزيًًّا بتجريده من سيفه وبكسر مهاميزه. غير أن السلوك الشائن الخطير كان يعني عادة الانتهاكات التي تُرتكب في حق الفرسان الآخرين وأسرهم.

الملابس والدروع

الملابس:

كان الفارس في القرن الثاني عشر الميلاديّ يلبس سترة داخلية من الكتان أو الصوف تصل إلى ما تحت ركبتيه، وفوقها رداء بلا أكمام مفتوح من جانبيه ومثبت بحزام، ويلبس ما يشبه العباءة مثبتة فوق الكتفين، وجوربين طويلين، وينتعل الأحذية الجلدية. وفي القرن الثالث عشر، كانت السترة الداخلية تصل إلى الكعبين، كما كان يرتدي معطفًا مبطنًا بالفراء بأكمام طويلة وبقلنسوة تغطي رأسه.

أصبحت الملابس في القرن الرابع عشر الميلاديّ أكثر تلوّنًا وإتقانًا. فالسترة الداخلية تغطي الجذع فقط وتغلق من الأمام، أما الأكمام فتغلق أيضًا من الرسغ إلى الكوع، والسراويل ضيقة بإحكام. كما أصبحت قبعات الفراء المزينة بالجواهر، والأردية المزركشة، شائعة في خلال هذه الفترة.

أما أزياء فترة القرن الخامس عشر الميلاديّ فبالغت في الزخرفة والتباهي. فالمِعْطف له ثنايا وحواش من الفراء ويُثَبَّت بحزام عند الخصر. أما الحشوات عند الكتفين وصلابة الملابس عند الصدر فكانت تُكون خصْرًا مبالغًا فيه. وكانت الأكمام طويلة وكاملة وصلبة، كما كانت الأحذية مستدقة الطرف حتى إن مقدماتها كانت تنثني لأعلى فتثبت بالركبة بسلسلة صغيرة. ومنذ القرن الثالث عشر وحتى القرن الخامس عشر الميلاديين كان الفرسان يلبسون ملابس غنية بالألوان، ويتابعون التغيرات التي تحدث في الأزياء السائدة.

الدروع:

كان الفارس في البداية يلبس خوذة لها نتوء لتغطية أنفه، كما كان يلبس ثوبًا محشوًا بالقماش أو الجلد ومغطى بحلقات معدنية مضفورة يُسمى الدرع الزردية. وخلال القرن الرابع عشر الميلادي حلّت خوذة أقوى تغطي رأس لابسها بأجمعه محل الخوذة المخروطية. كذلك أضيفت رقاع من صفائح معدنية لحماية الأماكن التي لم تكن تحميها الدرع الزردية بشكل كاف. كما صُمِّمَتْ شرائح من صفائح معدنية لحماية الكوع والساعد والركبة وجزء من الساق ما بين الركبة والكاحل. بينما تغطي صفائح من المعدن فتحات الدرع عند المفصل ما بين الساعد والجسم. أما الترس فأصبح أقل حجمًا، ويمكن تحريكه ليحمي الوجه والرأس. وكان الرمح هو سلاح الفارس الرئيسي، إلا أنه كان يستخدم أيضًا السيف والدبوس ذا النتوءات الشائكة والفأس أيضًا. وكان يعلق سيفه بجانبه الأيسر، وخنجره على الجانب الأيمن.

وخلال القرن الخامس عشر الميلادي، أصبحت الدروع المصنوعة من صفائح معدنية تُغطِّي جسم الفارس كاملاً، بينما تغطي ياقة من الزرد الفجوة ما بين الخوذة والجزء العلوي من درع الجسم. وبالخوذة حافة على هيئة نتوء مثبتة فيها كي تحمي الوجه. وكان الفارس يلبس قفازات معدنية وينتعل أحذية من حديد، بينما تغطي سلاسل من الزرد الذراعين والساقين. أما السيوف فأصبحت أخف وزنًا وأقل إرهاقًا.

استُخدم البارود في المعارك في أوائل القرن الرابع عشر الميلادي وهكذا أصبحت الدروع الجديدة، التي صممت للوقاية من نيران البنادق، ثقيلة جدًا حتى إن الفارس كان يُرفَع إلى ظهر حصانه بوساطة رافعة. وإذا حدث أن سقط من على حصانه في أثناء المعركة، كان يعجز عن النهوض دون مساعدة، ويبقى واقعًا تحت رحمة عدوه.

إن ما كان يميّز ملامح أي فارس، وهو مغطى الوجه، هو شعار النبالة الذي كان يُرْسم على ترسه وعلى معطفه الذي يرتديه فوق دروعه. كذلك كانت الخيول كثيرًا ما تسرج بسروج من القماش مرسوم عليها شعار النبالة. وكان شعار النبالة الخاص بفارس ما مختلفًا عن ذلك الخاص بغيره من الفرسان. وقد أجاد الفرسان تمييز بعضهم بعضًا بمجرد نظرة.

المباريات

في المباريات كان الفرسان يَعْدُون بخيولهم وهم على ظهورها، أحدهم تجاه الآخر، ويحاولون اختراق دروع الفرسان الآخرين برماحهم.
نشأت المباريات خلال القرن الثاني عشر الميلادي، ربما في شمالي فرنسا. فكانت أعداد كبيرة من الفرسان تتجمع وتنقسم إلى فريقين يقاتل أحدهما الآخر. وكان هذا القتال أشبه بالمعارك الحقيقية يحظى المشاركون فيه بتدريب عسكري قيِّم. وكثيرًا ما كان الفرسان المهزومون يضّطرون لدفع فدية للمنتصرين لاستعادة حرياتهم وممتلكاتهم. وقد تستمر المباراة عدة أيام وتمتد على مدى الريف كله.

وقد عارض الملوك هذه المباريات، إذ إن مثل هذه التجمعات الكبيرة من الرجال المسلحين قد تؤدي إلى التمرد، لأنها كانت دموية ومدمرة أيضًا. ولهذا لم يكن بالإمكان عقدها إلا بموافقة مَلَكِيَّة. وكان الذين يخرقون هذا القانون يواجهون السجن ومصادرة الممتلكات. كذلك دعَّمت الكنيسة الحظْر المفروض على المباريات، ورفضت أن يتم دفن الذين يموتون في أثنائها حسب التقاليد النصرانية.

وفي القرن الثالث عشر الميلادي حلّت المبارزة محل هذه المباريات وكانت تتم بأسلحة غير قاطعة وتنحصر في حلبة مُسيَّجة. وأصبحت المبارزة مناسبة للتجمع الكبير الذي تحضره السيدات ويحضره عامة الناس. كذلك شاعت المبارزة على ظهور الخيل. وفي هذا النوع من المبارزة يقف فارسان، كلٌّ على ظهر فرسه، في مضمار ضيق، يفصل بين المضمارين سياج عالٍ يغطي جسم الجوادين بحيث يسدد كل فارس في اتجاه الآخر دون خطورة على الجوادين، ويكون الغرض من هذه المبارزة أن يزحزح الفارس خصمه عن سرجه برمح غير حاد، أو سيف غير قاطع وبالتالي يفوز بشرف ذلك اليوم.

الفروسية في الأدب

كانت الفروسية والشهامة موضوعين أثيرين في أدب العصور الوسطى الأوروبية، إذ ابتدع الشعراء والمغنون في أوروبا الغربية قصصًا عن الملوك والأبطال ومحبوباتهم. ودارت هذه القصص حول محور الحياة في القصور والفروسية والمباريات والمبارزات. وخلال القرن الثاني عشر الميلادي بدأت مجموعة من الشعراء الموسيقيين الفرنسيين يُعرف الواحد منهم باسم تروبادور بتأليف أغان عُرفت باسم ملاحم البطولة، كانت تَنْسبُ للحب صفات مثالية، وتصف مغامرات الفرسان البطولية. وكان بعض هؤلاء التروبادوريين فرسانًا، فكتبوا روايات مبالَغًا فيها عن مغامراتهم. وكان من هؤلاء الفرسان التروبادور برنارد دي بورن، كما ألّف كثير من الملوك الأوروبيين مثل هذه الملاحم البطولية، ومنهم ريتشارد قلب الأسد، ملك إنجلترا، وألفونسو العاشر، ملك قشتالة.

وكانت إحدى هذه القصص من العصور الوسطى أساسًا لاختراع الأسطورة الآرثرية. وكان آرثر هذا شخصية تاريخية وهمية يقال إنها ربما عاشت حوالي 500 سنة بالتقريب. ولم يكن للملك آرثر الحقيقي صلة بهذه الأساطير، إذ يُحكى عنه أنه كان يتناول وجبات طعامه مع رجاله حول مائدة مستديرة، وكان من فرسانه كل من لانسلوت وغالاهد، اللّذين كانا محاربين نصرانين يواجهان الأخطار، ويبحثان عن الكأس المقدسة. ★ تَصَفح: العشاء الرباني. ويحميان الضعفاء ويسترشدان بحب إحدى السيدات.

ظهرت أسطورة الملك آرثر أول مرة نحو سنة 1150م في عمل للمؤرخ الإخباري الويلزي جيفري، من مونماوث. واستخدم الشاعر النورمندي ويس هذه الأسطورة في عمله المسمى لي رومان دو بروت.

وكانت هذه الأساطير عامل تأثير مُلْهِم لكريتيان دي تروي فكتب روايات شعرية خيالية بين سنة 1165 و1181م. وكان كريتيان هو أول من ذكر الكأس المقدسة. كذلك ألهمت الأفكار الرئيسية الآرثرية ماري دو فرانس فألفت قصة شعرية باسم ليي لانفال نحو سنة 1189م. كما كتب توماس مالوري سنة 1485م رواية عن الأسطورة الآرثرية باسم موت آرثر، ومنذ ذلك الحين كتب مؤلفون آخرون رواياتهم للأسطورة، وكان منها: الملكة الحورية لأدموند سبنسر ؛ الدفاع عن غينيفير لوليم موريس ؛ الملك المثالي لألفرد لورد تينيسون ؛ ملك الماضي والمستقبل، لـ:ت.هـ. وايت.

وقد نافس شارلمان ملك الفرنجة خلال فترة حكمه (768-814م) آرثر بوصفه بطلاً للأساطير.

المصدر: الموسوعة العربية العالمية