الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 365/بعيداً عنا

مجلة الرسالة/العدد 365/بعيداً عنا

بتاريخ: 01 - 07 - 1940


في مجاهل الكون

للدكتور محمد محمود غالي

الموجات الكهربائية وباطن الأرض - الحواس أجهزة طبيعية - الكلب هول - الحمام الزاجل - في طريق تعرفنا صفات محتملة لغيرنا من الأحياء على الكواكب.

لو أن أحداً من الناس قال لنا إنه يستطيع، وهو في طائرة، أن يعرف هل يُخفي باطن الأرض التي يعلوها بترولاً أو ماء، ويعرف عمق الطبقة الموجود فيها هذا البترول أو هذا الماء، ويعرف، فوق ما ذكرنا، أيكون الماء الموجود تحت طبقة الأرض التي يطير فوقها ملحاً أم صالحاً للشرب، دون أن ينزل من طائرته على سطح الأرض، ودون أن يلجاً إلى حفر آبار فيها، لقلنا في أنفسنا إن قوله هذا حديث خرافة

ذلك أننا معتادون دائماً أن نصدق ما هو في حدود حواسنا وأن نؤمن بما تستطيعه هذه الحواس، فتفكيرنا مرتبط بمقدرتها واستيعابنا للكون متعلق بعملها، وكثيراً ما ننسى أنه بدراسة طبيعية في الكون، وما ينتج عنها من ابتكار أجهزة دقيقة، نستطيع أن نجد وسيلة لامتداد حواسنا وسبيلاً لاتساع نطاق أعمالها، بحيث نصبح في ظروف عديدة قادرين مثلاً على أن نرى ما كنا عاجزين عن أن نراه، ونسمع ما كان يستحيل علينا سماعه.

ولا يدهش القارئ بعد ذلك من استطاعة الطائر أن يعرف ما هو دفين في باطن الأرض، ففي هذه المسألة بالذات وفيما يخص البترول أو الماء نجح العلماء في ظروف خاصة نجاحاً يبعث على الدهشة، وبوسائل علمية حديثة وأجهزة طبيعية دقيقة توصل العلماء إلى معرفة ما تخفيه الأرض من بترول أو ماء دون اللجوء إلى وسائل الحفر المعروفة، وليس المجال هنا لندخل في تفاصيل هذه المسألة التي يتوافر على دراستها بالتفصيل كل من أتيحت له فرصة دراسة علوم الطبيعة الأرضية فقد بات من المعروف أنه يمكن بدراسة خاصة، يقوم بها المهندس وهو على سطح الأرض أو بعيداً عن سطحها، أن يستنتج الشيء الكثير عن باطنها، بمعنى أن دراسة طبيعية فوق الأرض تؤدي إلى معرفة جيولوجية في جوفها، تكون في كثير من الأحيان عظيمة الأثر

إنما أحدث القارئ في هذا عندما ننتهي من استعراض الحلقات العلمية الكبرى التي توصل إليها الإنسان في عصرنا الحديث مما له اتصال بتفكيره، عندئذ أحدثه في مسألة أتاح لنا الفلاح المصري معرفتها، وذلك بالإنفاق على بعثتنا في الخارج، وأتاحت لي الظروف بعد العودة القيام ببعض الأبحاث عنها، وذلك مع أحد المؤسسين للطريقة المعروفة باسم: (الطريقة الإلكتروديناميكية) الخاصة بالتنبؤ بما في باطن الأرض

وهذا الباحث الذي صادفته في مصر منذ أربعة أعوام، واشتركت معه في القيام بأبحاث علمية تدور حول هذا الموضوع هو (هنريش لوفي) ? من (فينا)، وهو الذي قام بتجارب علمية قيمة أجراها من منطاد (زبلن) المعروف حيث كان يقوم ببعض التجارب الكهربائية الخاصة بهذا الموضوع في أثناء رحلات هذا المنطاد المتعددة بين ألمانيا وأمريكا

إنما ذكرنا هذه الأبحاث التي قام بها (لوفي) منذ سنة 1910 والتي ساهمنا فيها بقسط يسير في السنين الأخيرة لغرض واحد، ذلك أننا نريد من القارئ أن ينظر إلى ما نملكه من الحواس النظرة العلمية الصحيحة التي نفهمها منها، وألا ينسى - كما يحدث لكثير منا - أننا وإن كنا في حاجة إلى هذه الحواس لمعرفة كنه العالم الذي نعيش فيه أو معرفة شيء عن العوالم البعيدة عنا، فإنها لا تكفي بذاتها للقيام بشتى هذه المعارف، وأن هناك من العلوم عامة والعلوم الطبيعية خاصة سبيلاً نستطيع به أن نُعَدِّل في مقدرة هذه الحواس، فتصبح بما نضيفه إليها من أجهزة طبيعية أكثر استطاعة على استطلاع حقائق الوجود، وأعظم شأناً في معرفة أسرار الكون

ثمة مسألتان نود لأن يتأملهما القارئ: الأولى أن الحواس في ذاتها أجهزة طبيعية يمكن بذكاء الإنسان أن تمتد كما ذكرنا فتصبح أقوى على المعرفة وأقدر على الاستنباط، والثانية أن الحواس ذاتها تختلف عند المخلوقات الحية التي نعرفها في قدرتها ومواهبها اختلافاً بيناً؛ ومنها ما هو ليس بحاجة لهذا التحايل الذي يعمد إليه الإنسان وهذا الامتداد الذي يجعل منه مخلوقاً أقوى من طبيعته، وعن المسألة الأولى ذكرنا أننا لسنا في حاجة إلى حفر بئر عميق لنعرف مقدار مستوى الماء أو البترول تحت سطح الأرض، وعن الثانية نذكر القارئ بمثالين طالما سمعهما وقد لا يكون أعارهما الالتفاتة التي نرجوها الآن

الأول: كلنا سمع بالكلب (هول) الذي استطاع البوليس المصري بعد تدريبه أن يجعله قادراً على أن يتعرف الجناة من آثارهم، وهو حيوان لا يخطئ عادة في القيام بهذه المهمة، مهما كان الأثر ضعيفاً، ما لم تمر مدة كافية بين حدوث الأثر وبين إحضاره

وإني أقص على القارئ حادثة وقعت لي شخصياً مع الكلب (هول)؛ فقد أردت بتجربة بسيطة أن أتعَرَّف مدى قدرته على معرفة صاحب الأثر، فأخرجت (البيبة) التي أُدخن عادة بها، ولمست بها الحائط بعيداً عن الكلب وبحضور جمهور كبير من الناس، بحيث لم يشاهدني عند لمس الحائط بطرف هذه (البيبة)، بعد ذلك، ودون أن يراني، أعطيت (البيبة) إلى أحد الأشخاص العديدين الذين حضروا هذه التجربة، ولم يخفها في جيبه، بعد ذلك وجه (الصول) المكلف بتدريب الكلب هذا الحيوان نحو الأثر، وتركه يشم الموضع من الحائط الذي لمسته (البيبة)، ولم يمض بضع دقائق حتى سعى الكلب إليَّ يتعرّفني رغم الازدحام، ولم يَسْعَ إلى صاحبنا حامل (البيبة)، ذلك أن في هذه (البيبة) آثاري لا آثار من حملها أخيراً في جيبه، وذلك أن في (البيبة) شيئاً مني يشعر به الكلب، ولا تستطيع حواسنا الضعيفة أن يكون لها هذه القدرة من الشعور

الثاني: كلنا سمعنا بالحمام الزاجل، إننا نستطيع أن نأخذ واحداً من هذا الطير العجيب من قفص مقفل، لا يرى منه ما هو حوله، ونسافر به من مكمنه الأصلي إلى بلدة بعيدة عن البرج الذي تعَوَّده، ويصح أن تبتعد هذه البلدة بضع عشرات الكيلو مترات عن برجه الأصلي؛ ومع ذلك لو أننا تركنا ذلك الطائر حرَّا بعد ذلك السجن وذلك الابتعاد لعاد أدراجه إلى حيث موطنه الأصلي؛ ويمكن أن نستدل من الحساب على أنه يعود في وقت يتفق مع السرعة المعروفة عن طيرانه، وبعبارة أوضح يعود الطائر إلى مكانه الأول، دون إجراء بحث جدَّي عن هذا المكان، أو إضاعة وقت في سبيل العثور عليه غير الوقت اللازم للقيام بهذه الرحلة الطويلة

ترى ما هي تلك الصلة الموجودة بين الطائر وبين المكان الذي اعتاد أن يعيش فيه؟ ترى هل هذه المقدرة على العودة ترجع إلى تركيب خاص في حواسه، أو إلى أسباب طبيعية أو كهربائية تربطه بهذا المكان بالذات، ولا نزال نجهلها؟. كل هذا حدس وتخمين، وليس المجال هنا لندخل في تفصيلات هذه المسألة، وليس المجال لنردد للقارئ بعض الآراء التي استعرضها لنا مسيو (بيلان مخترع البيلانوجرام، أو جهاز نقل الصور باللاسلكي، عند زيارته معي لأحد أبراج هذا الحمام في ضَيْعَة قضينا فيها يوماً من أيام مارس سنة 1938 في ضواحي القاهرة

وإنما أريد أن أخرج من هذا بشيء واحد، ذلك أن للكلب هول وللحمام الزاجل ولغيرهما من المخلوقات التي نعرفها والتي لا نعرفها مقدرة تفوق مقدرتنا في تعرف بعض المسائل الخاصة بالكون الذي يحيط بنا أو الذي نحن جزء منه

ولعل القارئ يتفق معنا الآن على مسألتين يصح أن يذكرهما

الأولى: هي ضعف حواسنا، واستطاعتنا أحياناً اللجوء إلى امتداد عملها بما نضيفه إليها بذكائنا من أجهزة طبيعية تصبح متممة لهذه الحواس. والثاني اختلاف هذه الحواس في المقدرة اختلافاً كبيراً عند الكائنات الحية

نعود مع القارئ بعد هذه المرحلة التي ذكرناها إلى ذلك المخلوق الذي تكونت عنده حاسة النظر بحيث يرى الأشياء المجسمة بطولها وبعرضها ولا يستطيع أن يُميِّز مها ارتفاعها، وهو المخلوق الذي قلنا عنه في مقال سابق إنه يرى الأشياء في صور تختلف عن الصور التي نراها عليها، فهو يرى من عَل مركبة الترام مستطيلاً، ويرى الكمساري والسائق دائرتين إحداهما ثابتة والأخرى متحركة على حافة هذا المستطيل ويرى الراكبين دوائر متراصة ف صفوف متوازية

هنا نذكر للقارئ شيئا ذكرناه من قبل، ذلك أننا في حاجة إلى ذكر هذا المخلوق العجيب لكي نشرح موضوعاً يتراءى لذهننا ويجول بخاطرنا، موضوعاً كان استعراضنا لمظاهر الإشعاع سبباً لالتماعه في الذهن واقترابه في الفكر؛ وقد وجدنا ونحن نخاطب القارئ أننا في حاجة قبل المضي في هذا الموضوع إلى الرجوع رويداً إلى معرفتنا لحواسنا وفهمنا لقدرتها، وإلى ذكر ارتباط بينها وبين ما يستنبطه الإنسان كل يوم من أجهزة طبيعية دقيقة

وسيرى القارئ، أن بين الإنسان الحاد الذكاء والكلب هول العجيب، والحمام الزاجل، وهذا المخلوق الذي يرى من الكمساري دائرة تنتقل، وبين ما نريد أن نتخيله أو نفترض وجوده من مخلوقات على الكواكب السيارة (سواء أكانت هذه المخلوقات موجودة على الكواكب التي تدور حول شمسنا أم كانت حول غيرها من الشموس) نوعاً من الارتباط، نود أن نتبينه عندما نجيز لأنفسنا التحدث عن مخلوقات غير تلك التي عهدناها على الأرض

وما مقالنا السابق أو مقال اليوم إلا نوع من المداعبة العلمية السائغة، كانت النفوس في حاجة هذه الأيام إليها، وذلك للترفيه بعض الشيء عن القارئ إزاء ما يحدث في العالم من تغييرات سريعة، وما هو واقع اليوم من تطورات ربما كانت أكبر ما عرفناه في التاريخ؛ تلك التطورات التي تجري اليوم في أوربا، والتي يحتمل أن يكون لها اثر على حياتنا في مصر

وإذا كنا قصدنا هذا النوع من الترفيه أو الراحة مع القارئ في مقالين متتابعين، وإذا كان هذا سيظل رائدنا في المقال القادم أيضاً، فإنما ذلك لكي ننشط إلى عمل، أكثر إلى الجد منه إلى المداعبة؛ عند ذلك نعود إلى حظيرة العلم الذي لا يعرف في البحث غير التقريب من حقيقة الكون

محمد محمود غالي

دكتوراه الدولة في العلوم الطبيعية من السوربون

ليسانس العلوم التعليمية. ليسانس العلوم الحرة. دبلوم

المهندسخانة