الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 365/رسالة الفن

مجلة الرسالة/العدد 365/رسالة الفن

بتاريخ: 01 - 07 - 1940


بواطن وظواهر

. . . وعندنا فنانات أيضاً

للأستاذ عزيز أحمد فهمي

لا شك في أن المرأة إذا أخلصت للفن سادت فيه، ولكن المرأة تدخر فنها دائماً لنفسها، فهو سلاحها في الحياة لا تلقيه للناس لأنه لا سلاح لها غيره. ولكن الحياة ترغم بعض النساء على الفن، فمن رضى الله عنها عندئذ أخلصت لفنها وأطلقت نفسها فيه فسمت، وإلا فهي مذبذبة بين الفن وحياة الواقع، فهي ككل من يحترف حرفة يأكل منها الرزق حلالاً وإن كان يرجو النجاة منها. . .

وفي مصر - كما في كل بلد - كثيرات من محترفات الفن وإلى جانب هؤلاء قليلات من المخلصات

السيدة منيرة المهدية

حرفتها الغناء وفنها التمثيل. وأستطيع أن أقول بلا تحفظ إنها الممثلة الأولى في مصر. وليس عجيباً أن تكون كذلك، فقد قضت منيرة زمناً كانت فيه الغادة المصرية الأولى،

وكان سعيداً من يحظى منها بتحية، ومحسوداً من تناجيه بكلمة راضية. ولم يكن جمهور منيرة من التلاميذ ولا الصبيان، وإنما كان من كبار الناس الظاهرين في البلد، الناجحين في أعمالهم المفروضة أشخاصهم على الشعب. وكان على منيرة أن تسوس جمهورها ومن وراء جمهورها من أفراد الشعب، وكان عليها أن تكسب رضاءهم جميعاً، وعطفهم جميعاً، وإعجابهم وتحمسهم. ولم تكن منيرة لتستطيع هذا إلا بالتمثيل، فهو الذي كان يمكنها من أن تضحك للنكتة السخيفة إذا ألقاها باشا من الباشوات جبراً لخاطره وستراً لسخفه، والتمثيل هو الذي كان يمكنها من أن تلتوي تدللاً على مثر من الأثرياء إذا هجر صالتها أو مسرحها زمناً فلم يتردد ولم ينفق في البار ما يقوم بنفقات الفن. . . فإذا هو بعد التواءتها مقيم في البار، آناء الليل وأطراف النهار. . . يريد أن يسترضيها

منيرة ممثلة هائلة: وهي مغنية ممتازة إذا غنت، ولكنها لا تغني كلما غنت سمعتها يوماً في رواية (الغندورة)، وكانت تنشد اللحن الأخير من الحان الرواية، وقد عرف الجمهور أن هذا اللحن هو اللحن الأخير فأخذ الناس يتسللون مغادرين المسرح، ووقف بعضهم يستمع اللحن متهيئاً للخروج بعد الفراغ منه ومتحرجاً من الخروج قبل الفراغ منه. . . وإذا بمنيرة (تنسجم) فجلس الذين كانوا واقفين، وعاد الذين كانوا يتسللون خارجين، وفاضت في الحضور جميعاً نشوة من الطرب نفثتها منيرة سحراً. . . وكنت أنا من أشد المنتشين بغنائها، وكنت أحملق فيها وأنا أسمعها فكنت أراها كأنما هي سكرى تترنح في ثبات رهيب. . . إي وحياة تلك الليلة كان ثباتها في سكرتها تلك رهيباً. . .

الآنسة أن كلثوم

فتاة حادة النفس كأنها فتى، هبطوا بها من الريف إلى القاهرة ليستغلوا مواهبها، فتيقظ عقلها، والتهب تفكيرها رغبة منها في المحافظة على كيانها، وفي تحقيق أحلامها، وكان من آثار هذا أن اختلق عقلها سوء الظن بالناس دفاعاً منها عن مجدها واسمها ونفسها، وصاحَبَ هذا شيء من الحرص الشديد على مالها، كما داخلها بعد ذلك شيء من الاعتداد بمكانتها

هي فنانة بالفطرة، تحب الجمال على نحو ما يحبه الرجال الفنانون، وهي تنحدر في ذلك إلى ما فوق نزعات المرأة حتى لترتج ارتياحاً وانبهاراً إذا رأت فتاة حسناء. وليست النساء هكذا، فالمرأة تغار من المرأة، ولكن أم كلثوم قد قتل شغفها بالحسن هذه الغيرة في نفسها. . .

مغنية شجاعة لا تتهيب من ألحان القصبجي على ما فيها من قفزات وتسلقات وانحدارات وتعقيدات جبارة

وهي مغنية طيعة، إذا ساقها فنان فياض مثل زكريا أحمد، أدت له بصوتها الممتاز الكامل كل ما يجول في خاطره من صوت بكل ما يضطرم في نفسه من إحساس وعاطفة

ولكنها مغنية مستخفة بكل شيء، إلا صوتها، فكم أذاعت على الناس أخيراً من ألحان ليس فيها إلا زعيق وصراخ، معتمدة في ذلك على أن الناس يسمعونها حتى إذا قالت (ريان يا فجل)!

حرام عليها أن تفعل هذا، ولكنها تفعله لأن بعض الملحنين غال، وبعضهم رخيص، والرخيص يسد أحياناً مسد الغالي، وأين هم الناقدون والذين يفهمون؟

وهي أيضاً ممثلة خفيفة الروح، غنية المشاعر، مجتهدة الحس. . . وهي أيضاً ناقدة سريعة الفهم صادقة التعبير عما تفهمه. . . ولها استعداد جامح نحو الفلسفة والتعمق في التفكير، ولكن الظروف لم تهيئ لها من يعاونها في هذا الاتجاه. وهي تشعر بتعطشها إلى هذه الناحية، فتقرأ وتحفظ وتطلع. . . ولكن قراءتها وحفظها واطلاعها أشتات، وإن كثرت، فلا رابط بينها

على أي حال. إنها فنانة مشبعة

الآنسة سهير القلماوي

صورة نسوية جامعية للأستاذ محمد عبد الوهاب: هو له فن، وهي لها فن؛ ولكن لكل منهما نفساً تشبه نفس صاحبه، وروحاً تشبه روحه

الآنسة (مي)

لم أرها إلا مرة واحدة، سمعتها فيها تلقي محاضرة بالفرنسية عن الشرق والغرب، وأنا محصولي من الفرنسية تافه، ولكني مع هذا كنت أفهم ما كانت تقول الآنسة مي، ولم يكن هذا ليحدث إلا لأنها كانت تقول كلاماً خارجاً من أعماق نفسها، فهو إذا قيل لم يكن اللسان وحده هو الذي ينطق به، وإنما كانت تقوله مع لسانها عيناها وجوارحها جميعاً، وأعصابها وروحها جميعاً

ولا ريب أن لهذا الانجراف الروحي وراء الأفكار والخواطر أثراً في النفس والأعصاب. ولا ريب أن الآنسة مي تعاني آلاماً كثيرة يجرها عليها هذا الصفاء وهذا التدفق. . .

كان الله في عونها من أحلامها ووثباتها، وانحباس الفكر في نفسها، وانطلاق الفكر من نفسها. . .

أين هي الآن؟!

الآنسة جميلة العلايلي

كاتبة وشاعرة وقصاصة

حارة هي أيضاً، وصادقة، ولكنها عاصفة صغيرة. . . وهذا شأن الهواة جميعاً.

الآنسة ابنة الشاطئ

استطاعت أن تلفت الأنظار إليها بسرعة. فملأت الدنيا كتابة عن الريف والفلاحين وحياتهم. وهذا الموضوع لا شك في أنه أشد الموضوعات المصرية خطورة، وقد كان لابنة الشاطئ فيه جولات مجيدة

ولكني سمعت أنها (دحلابة) وأن لها برنامجاً رسمته لحياتها وهي تريد أن تحققه، وهي تستعين على تحقيقه بالكتابة. وهذا إذا صح آخذه عليها، لأن من عادة البرامج دائماً أن تكتف الفن وأن تقيده، وأن تطمسه أحياناً، وأن تدس إليه الأباطيل و (التزاويق) الفارغة. . .

اسمها (عائشة عبد الرحمن)

السيدة أمينة محمد

ليس في مصر راقصة مقتنعة بأن الرقص فن جميل إلا أمينة محمد. فكل الراقصات المصريات يحسبن الرقص احتيالاً على تعرية البدن وإظهار محاسنه وتناسقه وليونته، ولكن أمينة تتخذ من جسمها وسيلة تعبر بها عن معان يندر أن تكون بينها وبين الغريزة الجنسية صلة. وكما أنها تستعين على هذه المعاني بجسمها فهي تستعين عليها أيضاً بوجهها

وإن لها عينين تقول بهما كل ما يجول في نفسها، كما أن لها شفتين تؤكد بهما ما تقوله عيناها. ولو كان جمهورنا في مصر ينظر إلى الراقصة من أولها إلى آخرها ولا يقف نظراته على مواطن خاصة منها لانفردت أمينة محمد بالرقص في مصر. ولكن جمهورنا كما نعرف

ولست أدري لماذا لم يفكر نجيب الريحاني في أن يضم إلى فرقته هذه الفنانة التي تملأ مكان الراقصات الأوربيات اللواتي يعرضهن أحياناً، كما أني لا أدري كيف تهمل الفرقة القومية الرقص فلا تدخر فتاة مثل أمينة تمثل فيها هذا الفن

ولكني نسيت أن الفرقة القومية لها ناسها، وبعثاتها، وهي لا تعترف بأمينة ولا غيرها ممن كافحن في مصر وأوربا وأرغمن أهل الغرب على احترامهن وتقديرهن

السيدة فردوس محمد أستاذة لها دراستها الخاصة في الحياة، ولها من وراء هذه الدراسة فنها الخاص وأسلوبها الخاص

لا أذكر أني رأيتها قبل (هوجة) الأفلام المصرية الأخيرة، ولا أذكر أني رأيتها في دور إلا وامتلأت اقتناعاً بها

مصرية صميمة في نظراتها، وفهمها وتعبيرها. لا أظنها تنكل عن دور مصري عصري، إن لم يكن تمثيلاً فتعليما. . . أي أنها تعلمه لغيرها إذا لم يكن الدور يليق بها

السيدة إحسان الجزايرلي

(أم أحمد)

ممثلة كوميدية يقول النقاد عنها إنها شعبية، ويقصدون من وراء قولهم هذا أنها ليست أرستقراطية. والواقع أن الأرستقراطية في الفن ليست شيئاً غير ثقل الدم والظل. وقد أنقذ الله (أم أحمد) من هذا، فهي تمثل كما تنطلق القنبلة، فتنفجر في النفوس ضحكات وقهقهة

وهي لا تريد من الناس شيئاً أكثر من ذلك. وقد تركت الأرستقراطية لغيرها.

السيد ماري منيب

معلمة إحسان الجزايرلي. أو هي (أم أحمد) القديمة

وهي تعمل اليوم عند الريحاني، وهو يعرف كيف يستغلها، وهي تعرف كيف ترضيه على ما فيه من قسوة في عمله وملاحظاته، كما أنها تعرف كيف ترضي جمهوره على ما تربى فيه من براعة الذوق

فنها غير محدود لأنها لا تقلد ولا تتقيد، وإنما هي تلون نفسها حسبما يتطلب دورها، وهذا أقصى ما يطلب من الممثل أو الممثلة

ميمي وزوزو شكيب

لم أكن أصدق أن هاتين السيدتين ستستطيعان أن تحتفظا بمكانتهما على المسرح أكثر من موسم واحد. ولكن الريحاني ثبتهما فكانتا من كراماته

هما في الأصل تغيظان وتكيدان. . . ولكنهما اليوم تضحكان. . . على أن الذي يتأملهما ويتأمل ضحكه منهما يرى أنهما لا تزالان. . .

الآنسة أمينة رزق

بطلة الأستاذ يوسف وهبي وتلميذته وذراعة اليمنى. فنانة لها (شخصية) تجبر على الاحترام. فيها براءة ظاهرة تمازجها إمارات الحكمة

لابد أن تكون أمينة رزق فيلسوفة إلى جانب ما هي ممثلة

السيدة علوية جميل

سيدة مصرية ناضجة، رزينة، عميقة هادئة، وأخلاقها هذه تظهر في تمثيلها، والأستاذ يوسف وهبي يعرف فيها هذه الأخلاق فهو يسند إليها ما يلائمها من الأدوار فتؤديها على خير ما يمكن أن تؤدى به. . .

يراد بها أحياناً أن تمرح، ولكنها إذا مرحت ظهر لمن يرى أنها تستثقل المرح. وقد يرجع ذلك لسبب لعله من خصائصها هي. . .

فتحية ومفيدة أحمد

أختان مغنيتان. فتحية الكبيرة ومفيدة الصغيرة. كلما رأيتهما أو سمعتهما حسبتهما أزهريتين، مع أني أعلم أنه لا صلة للأزهر بالنساء. وقد يكون ذلك لأن أباهما كان شيخاً وأنهما استقتا فنه وروحه وحركاته وإشاراته

وهما قريبتان جداً من كل روح مصرية. وهما تصدقان كثيراً في غنائهما لأنهما تحبان الغناء حقاً؛ وقد كانت كبراهما فتحية من ربيبات سيد درويش اللواتي كانت تهتز لهن روحه. . .

عزيز أحد فهمي