الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 326/جناية أحمد أمين على الأدب العربي

مجلة الرسالة/العدد 326/جناية أحمد أمين على الأدب العربي

مجلة الرسالة - العدد 326
جناية أحمد أمين على الأدب العربي
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 02 - 10 - 1939


للدكتور زكي مبارك

- 17 -

أراد صاحبنا أن يقسم الأدب إلى قسمين: أدب تركيبي وأدب تحليلي، ثم بنى على هذا التقسيم أحكاماً خواطئ، كعادته في كل ما يتناول من الشؤون الأدبية وإلا فمن الذي يصدق أن التشبيهات تُعاب بحجة أنها صور تركيبية، وبحجة أن الأمم لا تهتم بالتشبيهات إلا في حالتها الفطرية؟

إن أحمد أمين أفرط في تحقير التشبيه اقبح إفراط، ونسى أنه عمليةٌ ذهنية تشهد بقوة الذكاء، ودقة الملاحظة، والقدرة على ضم الصور بعضها إلى بعض

ولو جارينا أحمد أمين في أحكامه الجائرة لأغضينا عن جمال التصوير في قول ابن المعتز:

لا مثلَ منزلة الدويرة منزلٌ ... يا دار جادكِ وابلٌ وسقاكِ

بؤساً لدهر غيرتك صروفهُ ... لم يمح من قلبي الهوى ومحاك

لم يحلُ للعينين بعدك منظرٌ ... ذُمّ المنازلُ كلُّهن سواك

أي المعاهد منك أندبِ طيبهُ ... ممساك بالآصال أم مغداك

أم بَرد ظلك ذي الغصون وذي الجَنَي ... أم أرضك الميثاء أم ريّاك

فكأنما سُعِطتْ مجامر عنبر ... أوفُتَّ فار المسك فوق ثراك

وكأنما حصباءُ أرضك جوهَرٌ ... وكأن ماَء الورد دمع نداك

وكأنما أيدي الربيع ضحيةً ... نشرت ثياب الوْشي فوقُ رُباك

وكأن درعاً مُفْرغاً من فضة ... ماءُ الغديرِ جَرَتْ عليه صباك

وقد أشرنا من قبل إلى أن أحمد أمين يرى التشابيه ضرباً من الألاعيب، وليس من الكثير عليه أن يرى ذلك فقد رأيتم فيما سلف وسترون فيما بعد أن للرجل طريقة في الفهم تخالف طريقة أهل الأدب

وأُدعم هذا الهجوم بالشاهد الآتي لتسقط حجة من يدّعون أننا نظلمه ونتناسى مكانته الأدبية

قال أحمد أمين إن الأدب العربي جنح إلى التركيب وغفل عن التحليل، وكان دليل ذلك عنده (أن علماء البلاغة العربية عُنُوا بالإيجاز أكثر من عنايتهم بالإطناب، وأُعجبوا بجوامع الكلم أكثر من إعجابهم بالكلام الطويل المنبسط، بل إن بعضهم كأبي هلال العسكري فهم أن الإطناب تكرار المعاني وطول الألفاظ، وقال: (إن كتب الفتوح وما يجري مجراها مما يقرأ على عوامّ الناس ينبغي أن تكون مطوّلة مطنباً فيها) فكأنه يريد أن يجعل الإطناب أدب العامة، والإيجاز أدب الخاصة)

ذلك كلام أحمد أمين، وهو يدل على أنه لم بفهم كلام أبي هلال وإليكم البيان:

إن كلام أبي هلال معناه أن الكلام له مقامات، فإن خاطبت رجلاً ذكياً فأوجز: لأن الإطناب في مخاطبة الأذكياء يعدّ من التطويل وهو فضول، وأن خاطبت الجمهور فأطنب: لأن الجمهور مكوّن من عناصر كثيرة تتفاوت في الفهم والتمييز والإدراك، والحزم يوجب أن نطنب حين نخاطب الجماهير لنصل إلى إفهامهم ما نقصد إليه من المعاني والأغراض

ذلك معنى كلام أبي هلال، فهو لا يريد أن يقول بأن الأدب يكون أدب خاصة عند الإيجاز وأدب عامة عند الإطناب، وإنما يريد أن يحدد واجب الشاعر والكاتب والخطيب، ودليل ذلك أن علماء البلاغة مجمعون على أن الإيجاز في مخاطبة العامة خطأ، والإطناب في مخاطبة الخاصة ضياع

وعلى ذلك يكون شرف البيان موقوفاً على فهم مقتضيات الأحوال، فالأديب الذي يوجز حين يخاطب الخاصة ليس أعلى منزلة من الأديب الذي يطنب حين يخاطب العامة، كما يتوهم أحمد أمين الذي يكيل الحقائق الأدبية بأوسع المكاييل، مع أنها لا توزن إلا بأدق الموازين

فمن أين فهم أحمد أمين أن الإطناب يراه العرب من المبتذلات حتى يحكم بزهدهم في الأدب التحليليّ الذي يستوفي عناصر الموضوعات؟

وعاب أحمد أمين على العرب أن يهتموا بجمع الحكم والأمثال وعدّ ذلك نتيجة حتمية للأدب التركيبيّ، ولو كان أحمد أمين من المطلعين على الآداب الأجنبية لعرف أن الاهتمام بجمع الحكم والأمثال هو من الأغراض التي يهتم بها أكثر الشعوب. ويقول أحمد أمين إن (الخطب والكتب في كثير من الأحيان عبارة عن جمل قصيرة مركزة محكمة، كالذي نلاحظه في كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري في القضاء وكخطبة زياد وخطبة الحجاج، ولو تناول الأدب التحليلي كل جملة من هذه الجمل لصاغ منها صفحات)

فهل يدرك الأستاذ أحمد أمين وجوه الخطأ في كلامه هذا؟

إن خطاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري من أنفس الخطابات في تحديد أصول القضاء، فهل كنت تنتظر أن يؤلف عمر بن الخطاب كتاباً في مجلد أو مجلدين يشرح فيهما لأبي موسى فروع القضاء؟

وما الذي تعيب على خطبة زياد وخطبة الحجاج؟

أتعيب عليهما الإيجاز؟ وما الموجب للإطناب وقد وقعت الخطبتان على رؤس من سمعوها وقوع الصواعق، وظلتا حديث الناس من جيل إلى جيل؟

ما رأيك في المستر تشمبرلن وقد ألقى خطبتين وجه إحداهما إلى مواطنيه الإنجليز، ووجه الثانية إلى أعدائه الألمان؟

ألا ترى أن هاتين الخطبتين أوجز من خطبتي زياد والحجاج؟

هما أوجز بلا جدال

فهل سمعت أن ناقداً أدبياً في فرنسا أو إنجلترا عاب على المستر تشمبرلن أنه أوجز ولم يطنب؟ هل سمعت؟ هل سمعت؟

وا أسفاه!!

إن المستر تشمبرلن حوله أمة تفهم أقدار الرجال، فقد أعلن الإنجليز عطفهم عليه حين رأوه يبكي جهوده الضائعة في الدعوة إلى السلام

وكان العرب أمة تفهم أقدار الرجال إلى عهد الحجاج: فقد كان مالك بن دينار يظهر عطفه على الحجاج كما أعلن الإنجليز عطفهم على تشمبرلن. كان مالك بن دينار يقول: ما سمعت الحجاج يشكو أهل العراق إلا رحمته منهم!

إن أحمد أمين يقول إن كل جملة من كتاب عمر بن الخطاب وخطبة زياد وخطبة الحجاج يصاغ منها عند التحليل صفحات، ويعد ذلك شاهداً على ميل العرب إلى الأدب التحليلي، فما الذي يقوله أحمد أمين في خطاب تشمبرلن إلى الألمان؟

إن خطاب تشمبرلن قد يصاغ منه عند التحليل مجلدات لا صفحات، ومع ذلك لم يقل أحد بأن هذا الخطاب شاهد على أن الإنجليز لا يحسنون تحليل المعاني والأغراض إن المستر تشمبرلن يفهم ما كان يفهمه زياد والحجاج

هو يفهم أن الجمل القصيرة المركزة المحكمة هي التي تبقى في الأذهان والقلوب، ويدرك أن التهديد الذي يصبه الخطيب في جملة أو جملتين، والسخرية التي يصوغها في كلمة أو كلمتين، أبقى أثراً من الكلام المطول المبسوط الذي يصاغ في صفحات

أيعرف أحمد أمين ما الذي سطره الفرنسيون على مدخل البانثيون؟

سطروا هذه العبارة الموجزة:

وهي عبارة تُشرح في مجلدات لا صفحات

أيعرف أحمد أمين الجملة المسطورة على باب قصر التين؟

هي الجملة القليلة الألفاظ الكثيرة المعاني الجملة التي تقول:

(العدل أساس الملك)

وهي أنفع من ألف كتاب في شرح مزايا العدل وأثره في حياطة الملك

أيذكر أحمد أمين الآية المكتوبة في جميع المحاكم المصرية فوق منصة القضاء؟

هي كلمة القرآن المجيد:

(وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)

فهل يعدّ ذلك الإيجاز من الخطأ؟ أم يراه غاية في تذكير الناس بأصول الحقائق؟

يجب أن يعرف الأستاذ أحمد أمين أن العرب لم يستهينوا بالإطناب ولم يعدوه من المبتذلات حتى يحكم بأنهم يرونه من أدب العوامّ لا أدب الخواصّ. فالإطناب أسلوب من البيان يقصد إليه الشاعر والكاتب والخطيب حين يدعو المقام إليه، وهو أسلوب شريف لم يحتقره أحد من أهل البلاغة كما توهم أحمد أمين

وهل كانت سائر الكتب على نمط كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري؟

أين هو من الكتب المطولة التي كان يبعث بها علي بن أبي طالب إلى عماله في الأقاليم البعيدة والأقطار القصية؟ وأين هو من كتب العهود التي صارت بعد ذلك من تقاليد الحكومة الإسلامية؟

وهل كانت سائر الخطب كخطبة زياد وخطبة الحجاج؟

أين هو من الخطباء المطنبين الذي تحدث عنهم الجاحظ في البيان والتبيين؟ أين خطب سحبان الذي كان يهدر بها من الظهر إلى الأصيل؟

أين أحاديث صعصعة بن صوحان؟

أين مشاورة المهدي لأهل بيته، وهي من أنفس الذخائر الأدبية؟

وتحدث أحمد أمين عن الإيجاز الذي التزمه مؤرخو العرب في كتب التراجم وعده من عيوب السليقة العربية، فهل كان ينتظر أن تصاغ تلك التراجم على نحو ما نصنع اليوم، وعلى نحو ما يصنع الأوربيون؟

كان هذا ممكناً لو أن المؤرخ العربي كان يقصر جهده على الترجمة لرجلين أو عشرة رجال، ولكن هذا كان من المستحيل على من يترجمون لعشرات أو مئات أو ألوف

وما الذي قرأ أحمد أمين من كتب التراجم؟

هل عرف كتب الطبقات: طبقات النحويين واللغويين والفقهاء والصوفية؟

إن كان عرف تلك الكتب فليحدثني كيف كان يمكن لرجل مثل السبكي أن يصنع أكثر مما صنع في طبقات الشافعية؟

وليحدثني كيف كان يمكن لأبي الفرج أن يصنع أكثر مما صنع في كتاب الأغاني؟ وليحدثني كيف كان يمكن لياقوت أن يصنع أكثر مما صنع في كتاب إرشاد الأريب؟ وليحدثني كيف كان يمكن للمقري أن يصنع أكثر مما صنع في نفح الطيب؟

لو أن هؤلاء الرجال ترجموا للشعراء والكتاب والخطباء والمؤلفين على نحو ما نصنع اليوم لأضاعوا علينا فرصاً لا تعود أبد الدهر، لأنه كان يستحيل عليهم أن يحدثونا عن جميع تلك الطوائف، وكانت هممهم ستقف عند الترجمة لعدد قليل من أصحاب المواهب في الأقطار العربية والإسلامية

فما الذي يستفيد أحمد أمين حين يغض من أقدار أولئك الرجال، وهو من فضلاتهم يعيش؟

هل يعرف كم ألوفاً من الأدباء والمؤرخين انتفعوا بجهود مؤلف الأغاني؟

هل يعرف أن ابن خلكان الذي احتقره وازدراه أدى مهمة يعجز عنها الأكثرون؟

إن أحمد أمين يعيش في عصر المطبعة، والسبل أمامه ممهدة لنشر ما يشاء، فما الذي صنع، وما الذي صنع زملاؤه في الترجمة لأعلام العصر الحديث؟

ليت دنيانا الحاضرة تعرف رجلاً مثل ياقوت يترجم لأقطاب الفكر والبيان في مصر والمغرب واليمن والحجاز والشام والعراق!

ليت ثم ليت! فأحمد أمين نفسه لا يعرف شيئاً من التيارات الفكرية في البلاد العربية والإسلامية لهذا العهد، وهو محتاج إلى ثعالبي جديد يعّرف الناس بفضلاء عصره كما صنع أبو منصور حين ترجم لأقطاب القرن الرابع

فما هذه الغطرسة على أسلافكم يا أدباء آخر الزمان؟

وبأي حق تتجنون على رجال أدّوا واجبهم أحسن أداء وهم في قلة من أسباب الرزق؟

إن أحمد أمين لم ير بلداً غير مصر إلا وهو مكفيّ المؤونة بأموال الحكومة المصرية. . . فهل يعرف كيف كان يصنع رجل مثل ياقوت وهو يطوّف بالمغرب والمشرق وعلى ظهره حقيبة يحمل فيها ما يتّجر به ليعيش؟

وأبو هلال الذي يستشهد أحمد أمين بكلامه في الإيجاز والإطناب؟

أبو هلال هذا لم يعرف سهولة العيش التي عرفها أحمد أمين، فقد قست عليه الأقدار حتى اضطرته، وهو من نوابغ الأدباء والمؤلفين إلى كسب قُوته من مزاولة التجارة بالأسواق، وهو الذي يقول:

جلوسي في سوق أبيع وأشتري ... دليلٌ على أن الأنام قُرودُ

ولو اضطُر أحمد أمين - لا قدر الله ولا سمح - إلى كسب رزقه من مزاولة التجارة في الأسواق لنضب معين فكره وشُغل عن مضغ الكلام في أدب المعدة وأدب الروح. . .!

أُحب أن أعرف ما هي الغاية من تحقير ماضي الأمة العربية؟

أحب أن أعرف لأي غرض شغل أحمد أمين نفسه بالنص على أن عبد الحميد الكاتب فارسيّ الأصل؟

هل يريد القول بأن الأدب التحليليّ وصل إلى العرب من أدباء ليسوا من الأرومة العربية؟

وهو كذلك!

ولكن ما رأيك إذا حدثتك بأن الحضارة العربية هي صاحبة الفضل على عبد الحميد وابن المقفع وسائر من نبغوا في الممالك الإسلامية وهم من أصول أجنبية؟

إنك تعرف أن أعظم ما بقى من آثار ابن المقفع هو الحِكم المبثوثة في الأدب الصغير والأدب الكبير، وهي حِكم يغلب عليها الإيجاز، فهل تعدُ الإيجاز من عيوب تلك الحكم الخوالد بحجة أن الإيجاز من خصائص البلاغة العربية؟

اتق الله في نفسك، أيها الصديق، فللناس أذواق وعقول وتقول إنك لا تعرف في العربية غير شاعر واحد هو ابن الرومي وكاتب واحد هو ابن خلدون. . . وسترى في الأسبوع المقبل كيف نلتقي في تحرير هذا الموضوع الدقيق.

(للحديث شجون)

زكي مبارك