الرئيسيةبحث

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح/الجزء السادس

توجد نسخة

☰ جدول المحتويات


فصل: فضل أمة محمد على غيرها في الإيمان والعمل آية لنبوته

ومما يبين به فضل أمته على جميع الأمم - وذلك مستلزم لكونه رسولا صادقا كما تقدم، وهو آية وبرهان على نبوته، فإن كل ملزوم فإنه دليل على لازمه:

إن الأمم نوعان: نوع لهم كتاب منزل من عند الله، كاليهود والنصارى، ونوع لا كتاب لهم كالهند، واليونان، والترك، وكالعرب قبل مبعث محمد ﷺ، وما من أمة إلا ولا بد لها من علم وعمل بحسبهم، ويقوم به ما يقوم من مصالح دنياهم، وهذا من الهداية العامة التي جعلها الله لكل إنسان بل لكل حي، كما يهدي الحيوان لجلب ما ينفعه بالأكل والشرب، ودفع ما يضره باللباس والكن، وقد خلق الله فيه حبا لهذا، وبغضا لهذا.

قال تعالى: سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى وقال موسى: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى وقال في أول ما أنزل على محمد ﷺ: اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم

وقال تعالى: ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين، ثم الأمم متفاضلون في معرفة الخالق تعالى، وفي الإقرار بالمعاد بعد الموت، إما للأرواح فقط، وإما للأبدان فقط، وإما لمجموعهما كما هو قول سلف الأمة المسلمين وأئمتهم وعامتهم أهل السنة والجماعة، ومتفاضلون فيما يحمدونه، ويستحسنونه من الأفعال والصفات، وما يذمونه ويستقبحونه من ذلك.

لكن عامة بني آدم على أن العدل خير من الظلم، والصدق خير من الكذب، والعلم خير من الجهل، فإن المحسن إلى الناس خير من الذي لا يحسن إليهم. وأما المعاد فهو إما للأرواح أو للأبدان، وإن الناس بعد الموت يكونون سعداء أو أشقياء، فيقر به كثير من الأمم غير أهل الكتاب، وإن كان على وجه قاصر كحكماء الهند، واليونان، والمجوس، وغيرهم. وذلك أن أهل الأرض في المعاد على أربعة أقوال:

أحدها: وهو مذهب سلف المسلمين من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، وأئمة المسلمين المشهورين، وغيرهم من أهل السنة، والحديث من الفقهاء، والصوفية، والنظار، وهو إثبات معاد الأرواح والأبدان جميعا وأن الإنسان إذا مات كانت روحه منعمة، أو معذبة، ثم تعاد روحه إلى بدنه عند القيامة الكبرى، ولهذا يذكر الله في كثير من السور أمر القيامتين: القيامة الصغرى بالموت، والقيامة الكبرى حين يقوم الناس من قبورهم وتعاد أرواحهم إلى أبدانهم، كما ذكر الله القيامتين في سورة الواقعة حيث قال في أولها: إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة خافضة رافعة إذا رجت الأرض رجا وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون أولئك المقربون. ثم ذكر سبحانه حال الأصناف الثلاثة في القيامة الكبرى وقال في آخر السورة: فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم. وكذلك في سورة القيامة: لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه بل يريد الإنسان ليفجر أمامه يسأل أيان يوم القيامة فإذا برق البصر وخسف القمر وجمع الشمس والقمر يقول الإنسان يومئذ أين المفر كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر فذكر القيامة الكبرى، ثم قال في آخر السورة: كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق وظن أنه الفراق والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذ المساق ولبسط هذا موضع آخر، فإن ذكر ما ينال الروح عند فراق البدن من النعيم والعذاب كثير في النصوص النبوية، وأما وصف القيامة الكبرى في الكتاب والسنة فكثير جدا لأن محمدا ﷺ خاتم الأنبياء، وقد بعث بين يدي الساعة، فلذلك وصف القيامة بما لم يصفها به غيره كما ذكر المسيح - في صفته - فقال: إنه يخبركم بكل ما يأتي، ويعرفكم جميع ما للرب

والقول الثاني: قول من يثبت معاد الأبدان فقط، كما يقول ذلك كثير من المتكلمين الجهمية، والمعتزلة المبتدعين من هذه الأمة، وبعض المصنفين يحكي هذا القول عن جمهور متكلمي المسلمين، أو جمهور المسلمين، وذلك غلط، فإنه لم يقل ذلك أحد من أئمة المسلمين، ولا هو قول جمهور نظارهم، بل هو قول طائفة من متكلميهم المبتدعة، الذين ذمهم السلف والأئمة.

والقول الثالث: المعاد للنفس الناطقة بالموت فقط، وأن الأبدان لا تعاد. وهذا لم يقله أحد من أهل الملل لا المسلمين ولا اليهود ولا النصارى. بل هؤلاء كلهم متفقون على إعادة الأبدان، وعلى القيامة الكبرى. ولكن من تفلسف من هؤلاء فوافق سلفه من الصابئة والفلاسفة المشركين على أن المعاد للروح وحده، فإنه يزعم أن الأنبياء خاطبوا الجمهور بمعاد الأبدان، وإن لم يكن له حقيقة وخاطبوهم بإثبات الصفات لله، وليس له حقيقة، وأن الأنبياء لم يظهروا الحقائق للخلق، وأنه لا يستفاد من أخبارهم معرفة شيء من صفات الله ولا معرفة شيء من أمر المعاد. وحقيقة قولهم أن الأنبياء كذبوا للمصلحة، وهؤلاء ملاحدة كفار عند المتبعين للأنبياء من المسلمين، واليهود، والنصارى. وإن كان هؤلاء كثيرين موجودين فيمن يتظاهر بأنه من أهل الملل، لظهور أديانهم، وهو في الباطن على هذا الرأي. وهؤلاء القائلون بمعاد الأرواح فقط، منهم من يقول بأن الأرواح تتناسخ إما في أبدان الآدميين، أو أبدان الحيوان مطلقا، أو في موضع الأجسام النامية، ومنهم من يقول بالتناسخ للأنفس الشقية فقط، وكثير من محققيهم ينكر التناسخ.

والقول الرابع: إنكار المعادين جميعا، كما هو قول أهل الكفر من العرب، واليونان، والهند، والترك، وغيرهم، والمتفلسفة أتباع أرسطو كالفارابي وأتباعه، لهم في معاد الأرواح ثلاثة أقوال: قيل: بالمعاد للنفس العالمة والجاهلة، وقيل: بالمعاد للعالمة دون الجاهلة، وقيل: بإنكار الاثنين، والفارابي نفسه قد قال الأقوال الثلاثة، وبسط الكلام على هذه الأمور له موضع آخر.

إذ المقصود هنا أن كل ما عند أهل الكتاب بل وسائر أهل الأرض من علم نافع وعمل صالح فهو عند المسلمين. وعند المسلمين ما ليس عند غيرهم في جميع المطالب التي تنال بها السعادة والنجاة. وعقلاء جميع الأمم تأمر بالعدل ومكارم الأخلاق، وتنهى عن الظلم، والفواحش، ولهم علوم إلهية وعبادات بحسبهم، ويعظمون أهل العلم والدين منهم. والهند، واليونان، والفرس في ذلك أكمل من كفار الترك، والبربر، ونحوهم، مع أن هؤلاء أيضا فيهم قسط من ذلك. ومعلوم عند الاعتبار أن الأمم الذين لهم كتاب كاليهود، والنصارى أكمل من الأمم الذين لا كتاب لهم في الفضائل العلمية، والعملية، فإن ما لم يأخذه الناس عن الأنبياء يعلم بالعقل، والاعتبار، أو بالمنام، والإلهام، وأخبار الجن ونحو ذلك من طرق الأمم. وكل طريق صحيح من الطرق العقلية، والإلهامية، وغيرها، شارك أهل الكتاب فيه من لا كتاب له. ويمتاز أهل الكتاب بعلوم وأعمال أخذوها عن الأنبياء، ليس في قوة من ليس بنبي أن يعلمها، وهذا ظاهر في الأخلاق، والسياسات المنزلية والمدنية. فإن جنس أهل الكتاب ولو كان منسوخا مبدلا أحسن حالا ممن لا كتاب له. وأما في العبادات والإيمان بالله واليوم الآخر فرجحانهم فيه ظاهر، وأما علوم وأعمال يكون ضررها راجحا، كالسحر، والطلسمات، وما يتوسل به من الشرك إلى استخدام الشياطين، ونحو ذلك، فهذا وإن كان غير أهل الكتاب أقوم به، فإنما ذاك لاستغناء أهل الكتاب بما هو أنفع لهم في الدنيا والآخرة. ولهذا لما ذكر الله سبحانه في قصة سليمان براءته عن ذلك، وكانت الشياطين قد كتبت كتب كفر وسحر، ودفنتها تحت كرسي سليمان، فلما مات أظهروا ذلك وقالوا: إنما كان يسخر الجن بهذه الأسماء والعزائم، فصدقهم فريقان: فريق قدحوا في سليمان بل كفروه، من أهل الكتاب، وقال: من فعل ذلك فهو كافر، وفريق قالوا: نحن نقتدي بسليمان ونفعل كما كان يفعل، وهم أهل العزائم والطلاسم التي يستخدمون بها الجن، ويقولون: إن سليمان كان يستخدمهم بها، حتى يقولوا: إن هذه الأسماء كانت مكتوبة على تاجه، وهذا صورة خاتمه، وهذا كلام آصف بن برخيا إلى أمثال ذلك مما يضيفونه إليه، وهو كذب على سليمان. وقد ذكر ذلك علماء المسلمين في تفسير قوله تعالى: ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون فذم سبحانه من عدل عن اتباع كتاب الله ورسله، واتبع ما تتلوه الشياطين على عهد سليمان، وبين سبحانه أن سليمان لم يكفر ولكن الشياطين كفروا، وأنهم يعلمون الناس السحر، وما أنزل على الملكين ببابل وأن الملكين: هاروت وماروت، ما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر. وأخبر سبحانه أنهم لا يضرون به أحدا إلا بإذن الله، وأنهم يتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، ثم قال: ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق أي من نصيب، أي هؤلاء يعلمون أن صاحبه لا نصيب له في الآخرة، وإنما يطلبون أنهم يقضون به أغراضهم الدنيوية لما لهم في ذلك من الهوى، وذلك ضار لهم لا نافع، كما قال في المشرك: يدعو لمن ضره أقرب من نفعه قال تعالى: ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون فبين سبحانه أنه بالإيمان والتقوى يحصل من ثواب الله ما هو خير لهم من هذا، فإنهم إنما يطلبونه لما يرجون به من الخير لهم، وهذا خير لهم، وهذا كقوله: إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم. فإن ما تطلبه النفوس فيه لها لذة، يجعل خيرا بذلك الاعتبار، لكن إذا كان الألم زائدا على اللذة كان شره أعظم من خيره. والشرائع جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فهي تأمر بما تترجح مصلحته، وإن كان فيه مفسدة مرجوحة كالجهاد، وتنهى عما ترجحت مفسدته، وإن كان فيه مصلحة مرجوحة كتناول المحرمات من الخمر وغيره. ولهذا أمر تعالى أن نأخذ بأحسن ما أنزل إلينا من ربنا. فالأحسن: إما واجب وإما مستحب، قال تعالى: فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها وقال: واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم فأمر باتباع الأحسن والأخذ به، وقال تعالى: فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله فاقتضى أن غيرهم لم يهده، وهذا يقتضي وجوب الأخذ بالأحسن، وهو مشكل، وقد تكلم الناس فيه، ونظيره قوله تعالى: وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم، وقوله تعالى: ادفع بالتي هي أحسن السيئة مع قوله تعالى في موضع آخر: ويدرءون بالحسنة السيئة، وقال تعالى: وجادلهم بالتي هي أحسن، وقال: ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، وقال تعالى: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن في موضعين.

وقد يقال: هذا نظير قوله تعالى: فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم، وقوله تعالى: آلله خير أم ما يشركون، وقوله تعالى: تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين، وقوله: والله خير وأبقى، وقوله: والآخرة خير وأبقى، وقوله: فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا

وقوله أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا، وقوله تعالى: ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا، وقوله تعالى: اعدلوا هو أقرب للتقوى، وقوله: ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا ونظائر هذا كثيرة، مما يذكر فيه أن المأمور به خير وأحسن من المنهي عنه، وإن كان الأول واجبا والثاني محرما. وذلك لأن المأمور به قد يشتمل على مفسدة مرجوحة، والمنهي عنه يشتمل على مصلحة مرجوحة، فيكون باعتبار ذلك في هذا خير وحسن، وفي هذا شر وسيئ، لكن هذا خير وأحسن وإن كان واجبا. فقوله تعالى: واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم هو أمر بالأحسن من فعل المأمور أو ترك المحظور، وهو يتناول الأمر بالواجب والمستحب، فإن كلاهما أحسن من المحرم والمكروه. لكن يكون الأمر أمر إيجاب، وأمر استحباب، كما أمر بالإحسان في قوله تعالى:وأحسنوا إن الله يحب المحسنين والإحسان منه واجب، ومنه مستحب.

فصل: توسط المسلمين واعتدالهم في التوحيد والنبوات والحلال والحرام وغيرها

وإذا كان جنس أهل الكتاب أكمل - في العلوم النافعة والأعمال الصالحة - ممن لا كتاب له، فمعلوم أن أمة محمد ﷺ أكمل من طائفتي أهل الكتاب: اليهود والنصارى وأعدل، وقد جمع لهم محاسن ما في التوراة وما في الإنجيل. فليس عند أهل الكتاب فضيلة علمية وعملية إلا وأمة محمد ﷺ أكمل منهم فيها. فأما العلوم: فهم أحذق - في جميع العلوم - من جميع الأمم حتى العلوم التي ليست بنبوية، ولا أخروية، كعلم الطب - مثلا - والحساب، ونحو ذلك، هم أحذق فيها من الأمتين، ومصنفاتهم فيها أكمل من مصنفات الأمتين، بل أحسن علما وبيانا لها من الأولين الذين كانت هي غاية علمهم، وقد يكون الحاذق فيها من هو عند المسلمين منبوذ بنفاق وإلحاد، ولا قدر له عندهم، لكن حصل له بما يعلمه من المسلمين من العقل، والبيان ما أعانه على الحذق في تلك العلوم، فصار حثالة المسلمين أحسن معرفة وبيانا لهذه العلوم من أولئك المتقدمين. وأما العلوم الإلهية والمعارف الربانية وما أخبرت به الأنبياء من الغيب كالعرش، والملائكة، والجن، والجنة، والنار، وتفاصيل المعاد، فكل من نظر في كلام المسلمين فيها وكلام علماء اليهود، والنصارى وجد كلام المسلمين فيها أكمل، وأتم. ومعلوم أن علم أهل الكتاب والملل بذلك أتم من علم غيرهم، وأما العبادة، والزهد، والأخلاق، والسياسة المنزلية، والمدنية، فالكلام فيها مبني على أصل، وهو معرفة المقصود بها، وما به يحصل المقصود. فنقول: للناس في مقصود العبادات مذاهب: منهم من يقول: المقصود بها تهذيب أخلاق النفوس، وتعديلها؛ لتستعد بذلك للعلم، وليست هي مقصودة في نفسها، ويجعلونها من قسم الأخلاق، وهذا قول متفلسفة اليونان، وقول من اتبعهم من الملاحدة والإسماعيلية وغيرهم من المتفلسفة الإسلاميين كالفارابي، وابن سينا، وغيرهما، ومن سلك طريقهم من متكلم، ومتصوف، ومتفقه، كما يوجد مثل ذلك في كتب أبي حامد، والسهروردي المقتول، وابن رشد الحفيد، وابن عربي، وابن سبعين، لكن أبو حامد يختلف كلامه؛ تارة يوافقهم، وتارة يخالفهم. وهذا القدر فعله ابن سينا وأمثاله ممن رام الجمع بين ما جاءت به الأنبياء، وبين فلسفة المشائين - أرسطو، وأمثاله، ولهذا تكلموا في الآيات، وخوارق العادات، وجعلوا لها ثلاثة أسباب: القوى الفلكية، والقوى النفسانية، والطبيعية؛ إذ كانت هذه هي المؤثرات في هذا العالم عندهم، وجعلوا ما للأنبياء وغير الأنبياء من المعجزات، والكرامات، وما للسحرة من العجائب هو من قوى النفس. لكن الفرق بينهما أن ذلك قصده الخير، وهذا قصده الشر، وهذا المذهب من أفسد مذاهب العقلاء، كما قد بسط الكلام عليه في موضع آخر. فإنه مبني على إنكار الملائكة، وإنكار الجن، وعلى أن الله لا يعلم الجزئيات، ولا يخلق بمشيئته وقدرته، ولا يقدر على تغيير العالم، ثم إن هؤلاء لا يقرون من المعجزات إلا بما جرى على هذا الأصل، وأمكن أن يقال فيه هذا، مثل: نزول المطر، وتسخير السباع، وإمراض الغير، وقتله، ونحو ذلك. وأما قلب العصا حية، وإحياء الموتى، وإخراج الناقة من الهضبة، وانشقاق القمر، وأمثال ذلك فلا يقرون به، وقد علم بطرق متعددة ما يكون من الخوارق بسبب أفعال الجن، وبسبب أفعال الملائكة. وأحوال الجن معلومة عند عامة الأمم: مسلمهم، وكافرهم، لا يجحد ذلك إلا من هو من أجهل الناس، وكذلك من فسرها بقوى النفس، وهذا غير إخبار الله عنهم فيما أنزله من الكتب. وأما الملائكة فأمرهم أجل، وهم رسل الله في تدبير العالم كما قال تعالى: فالمدبرات أمرا، وقال: فالمقسمات أمرا وقد ذكر الله تعالى في كتبه من أخبارهم، وأصنافهم ما يطول وصفه، وآثارهم موجودة في العالم، يعرف ذلك بالاعتبار كما قد بسط في موضعه؛ إذ المقصود هنا ذكر مذاهب الناس في العبادات، وهؤلاء غاية ما عندهم في العبادات، والأخلاق، والحكمة العملية، أنهم رأوا النفس فيها شهوة، وغضب من حيث القوة العملية، ولها نظر من جهة القوة العلمية. فقالوا: كمال الشهوة في العفة، وكمال الغضب في الحلم، والشجاعة، وكمال القوة النظرية في العلم. والتوسط في جميع ذلك بين الإفراط والتفريط هو العدل. وما ذكروه من العمل متعلق بالندب لم يثبتوا خاصية النفس التي هي محبة الله، وتوحيده، بل ولا عرفوا ذلك كما لم يكن عندهم من العلم بالله إلا قليل مع كثير من الباطل، كما بسط الكلام عنهم في موضعه. ومحبة الله وتوحيده هو الغاية التي فيها صلاح للنفس، وهو عبادة الله وحده لا شريك له. فلا صلاح للنفس، ولا كمال لها إلا في ذلك، وبدون ذلك تكون فاسدة، لا صلاح لها، كما قد بسط الكلام على ذلك في موضع آخر، ولهذا كان هذا هو دين الإسلام الذي اتفقت عليه الرسل، قال الله تعالى: ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت، وقال:، وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون، وقال: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه، وقال تعالى: واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون، وقال تعالى: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون، وقال لما ذكر قصص الأنبياء: إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون، وقال تعالى: شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه، وقال تعالى: فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون.

وقد قال تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون فالغاية الحميدة التي بها يحصل كمال بني آدم وسعادتهم ونجاتهم عبادة الله وحده، وهي حقيقة قول القائل: لا إله إلا الله، ولهذا بعث الله جميع الرسل، وأنزل جميع الكتب، ولا تصلح النفس وتزكو وتكمل إلا بهذا، كما قال تعالى: وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة أي لا يؤتون ما تزكو به نفوسهم من التوحيد، والإيمان. وكل من لم يحصل له هذا الإخلاص لم يكن من أهل النجاة والسعادة كما قال تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء؛ في موضعين من كتابه، وهذا أول الكلمات العشر التي أنزلها الله على موسى حيث قال: أنا الله لا إله إلا أنا إلهك الذي أخرجتك من أرض مصر، من التعبد، لا يكون لك إله غيري؛ لا تتخذ صورا، ولا تمثالا، ما في السماوات من فوق، ومن في الأرض من أسفل، وما في الماء من تحت الأرض؛ لا تسجد لهن؛ ولا تعبدهن إني أنا ربك العزيز. وقد شهد المسيح "عليه السلام" أن هذا هو أعظم وصية في الناموس، فعبادة الله وحده لا شريك له، وأن يكون الله أحب إلى العبد من كل ما سواه، هو أعظم وصية وكلمة جاء بها المرسلون كموسى، والمسيح، ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين، وضد هذا هو الشرك الذي لا يغفره الله تعالى: قال تعالى: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع، وبين أن النفس ليس لها نجاة ولا سعادة ولا كمال إلا بأن يكون الله معبودها ومحبوبها، الذي لا أحب إليها منه، ولهذا كثر في الكتب الإلهية الأمر بعبادة الله وحده، ولفظ العبادة يتضمن كمال الذل بكمال الحب. فلا بد أن يكون العابد محبا للإله المعبود كمال الحب، ولا بد أن يكون ذليلا له كمال الذل، فمن أحب شيئا ولم يذل له لم يعبده، ومن خضع له ولم يحبه لم يعبده، وكمال الحب والذل لا يصلح إلا لله وحده، فهو الإله المستحق للعبادة التي لا يستحقها إلا هو، وذلك يتضمن كمال الحب، والذل، والإجلال، والإكرام، والتوكل، والعبادة. فالنفوس محتاجة إلى الله من حيث هو معبودها ومنتهى مرادها وبغيتها، ومن حيث هو ربها وخالقها. فمن آمن بالله رب كل شيء وخالقه، ولم يعبد إلا الله وحده، بحيث يكون الله أحب إليه من كل ما سواه، وأخشى عنده من كل ما سواه، وأعظم عنده من كل ما سواه، وأرجى عنده من كل ما سواه، بل من سوى بين الله وبين بعض المخلوقات في الحب بحيث يحبه مثل ما يحب الله، ويخشاه مثل ما يخشى الله، ويرجوه مثل ما يرجو الله، ويدعوه مثل ما يدعوه، فهو مشرك الشرك الذي لا يغفره الله، ولو كان مع ذلك عفيفا في طعامه ونكاحه، وكان حكيما شجاعا. فما ذكره المتفلسفة من الحكمة العملية ليس فيها من الأعمال ما تسعد به النفوس، وتنجو من العذاب، كما أن ما ذكروه من الحكمة النظرية ليس فيها الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، فليس عندهم من العلم ما تهتدي به النفوس، ولا من الأخلاق ما هو دين حق، ولهذا لم يكونوا داخلين في أهل السعادة في الآخرة المذكورين في قوله تعالى: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون وهذه الفضائل الأربع التي ذكرها المتفلسفة لا بد منها في كمال النفس، وصلاحها، وتزكيتها. والمتفلسفة لم يحدوا ما يحتاج إليه بحد يبين مقدار ما تحصل به النجاة والسعادة. ولكن الأنبياء بينوا ذلك، وقد قال سبحانه: قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون فهذه الأنواع الأربعة هي التي حرمها تحريما مطلقا، لم يبح منها شيئا لأحد من الخلق، ولا في حال من الأحوال، بخلاف الدم، والميتة، ولحم الخنزير، وغير ذلك، فإنه يحرم في حال، ويباح في حال. وأما الأربعة فهي محرمة مطلقا. فالفواحش متعلقة بالشهوة. والبغي بغير الحق يتعلق بالغضب، والشرك بالله فساد أصل العدل فإن الشرك ظلم عظيم، والقول على الله بلا علم فساد في العلم، فقد حرم سبحانه هذه الأربعة، وهي فساد الشهوة، والغضب، وفساد العدل، والعلم. وقوله: وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا يتضمن تحريم أصل الظلم في حق الله، وذلك يستلزم إيجاب العدل في حق الله تعالى وهو عبادته وحده لا شريك له، فإن النفس لها القوتان: العلمية، والعملية، وعمل الإنسان عمل اختياري، والعمل الاختياري إنما يكون بإرادة العبد. وكل إنسان له إرادة، وعمل بإرادته فإن الإنسان حساس يتحرك بالإرادة، ولهذا قال النبي ﷺ: أصدق الأسماء الحارث، وهمام والإرادة لا بد لها من مراد، وكل مراد فإما أن يراد لنفسه، وإما أن يراد لغيره، والمراد لغيره لا بد أن ينتهي إلى مراد لنفسه. فالقوة العملية تستلزم أن يكون للإنسان مراد، وذلك المراد لنفسه هو علة فاعلة للعلة الفاعلة، ولهذا قيل: العامة تقول: قيمة كل امرئ ما يحسنه. والعارفون يقولون: قيمة كل امرئ ما يطلب. وفي بعض الكتب المتقدمة: إني لا أنظر إلى كلام الحكيم، وإنما أنظر إلى همته. وهؤلاء المتفلسفة لم يذكروا هذا في كمال النفس، وإنما جعلوا كمالها العملي في تعديل الشهوة والغضب بالعفة، والحلم، وهذا غايته ترك الإسراف في الشهوة والغضب، والشهوة: هي جلب ما ينفع البدن ويبقي النوع، والغضب: دفع ما يضر البدن. ولم يتعرضوا لمراد الروح الذي يحبه لذاته. مع أنهم إنما تكلموا فيما يعود إلى البدن، وجعلوا ذلك إصلاحا للبدن الذي هو آلة للنفس، وجعلوا كمال النفس في مجرد العلم. وقد بسطنا غلطهم في هذا الأصل من وجوه في غير هذا الموضع، وبينا أن النفس لها كمال في العمل والإرادة، كما أن لها كمالا في العلم، وأن العلم المجرد ليس كمالا لها ولا صلاحا، ولو كان كمالا لم يكن ما عندهم من العلم ما هو كمال النفس، وبينا غلط الجهمية الذين قالوا: الإيمان هو مجرد العلم، وأن الصواب قول السلف والأئمة: إن الإيمان قول وعمل. أصله قول القلب، وعمل القلب المتضمن علم القلب وإرادته. وإذا كان لا بد للنفس من مراد محبوب لذاته لا تصلح إلا به، ولا تكمل إلا به، وذلك هو إلهها، فليس لها إله يكون به صلاحا إلا الله، ولهذا قال الله تعالى: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، وليس ذلك للإنسان فقط بل للملائكة والجن فإنهم كلهم أحياء عقلاء ناطقون، لهم علم وعمل اختياري، ولا صلاح لهم إلا بمرادهم المحبوب لذاته، وهو معبودهم، ولا يجوز أن يكون معبودا محبوبا لنفسه إلا الله، فلو كان في السماوات والأرض إله إلا الله لفسدتا. فلهذا كان دين جميع الرسل عبادة الله وحده لا شريك له.

وهؤلاء المتفلسفة لا يعرفون ذلك، فليس عندهم من صلاح النفس وكمالها في العلم والعمل ما تنجو به من الشقاء، فضلا عما تسعد به، ومما يبين ذلك أن أرسطو معلمهم الأول هو وأتباعه إنما أثبتوا العلة الأولى بالحركة الفلكية، فقالوا: الحركة الدورية حركة اختيارية نفسانية، فقوامه بحركته الاختيارية، وفساده بعدمها، وقوام حركته بما يتحرك لأجله، فإن الفاعل بالاختيار إنما قوامه بعلته الغائية التي يتحرك لأجلها، وغايته التي يتحرك لأجلها، هو العلة الأولى فإنه يتحرك للتشبه بها. فجعلوا قوام العالم كله بالعلة الأولى من حيث هو متشبه به؛ لأن المتحرك باختياره لا بد له من مراد. ومعلوم أن الحركة الإرادية تطلب مرادا محبوبا لنفسها، وتستلزم ذلك أعظم من استلزامها مشبها به، فإن كل متحرك بإرادة لا بد له من مراد محبوب لنفسه، فإن الإرادة لا بد لها من مراد، والمراد يكون إما مرادا لنفسه، وإما لغيره، والمراد لغيره إنما يراد لذلك الغير بدلا أن يكون ذلك الغير مرادا لنفسه، أو منتهى إلى مراد لنفسه، وإلا لزم التسلسل في العلل الغائبة، وذلك باطل كبطلان التسلسل في العلل الفاعلية بصريح العقل، واتفاق العقلاء، وبسط هذا له موضع آخر. وإذا كان الفاعل باختيار يستلزم مرادا لنفسه محبوبا، فلا بد أن يكون لما يتحرك في السماوات بإرادته سواء كان هؤلاء الملائكة، أو ما يسمونه هم نفسا من محبوب مراد لذاته، يكون هو الإله المعبود المراد بتلك الحركات، وكذلك نفس الإنسان حركتها بالإرادة من لوازم ذاتها، فلا بد لها من محبوب مراد لذاته، وهو الإله، وهذا المحبوب المراد لذاته هو الله تعالى، ويمتنع أن يكون غيره، كما قد بسط هذا في موضع آخر، وبين أنه يمتنع أن يكون موجودا بغيره، بل هو واجب الوجود بنفسه، فيمتنع أن يكون مرادا لغيره بل مراد لنفسه. وكما يمتنع أن يكون للعالم ربان قادران، يمتنع أن يكون للعالم إلهان معبودان، فإن كون أحدهما قادرا يناقض كون الآخر قادرا؛ لامتناع اجتماع القادرين على مقدور واحد، وامتناع كون أحدهما قادرا على الفعل حين يكون الآخر قادرا عليه، وامتناع ارتفاع قدرة أحدهما بقدرة الآخر مع التكافؤ.

كذلك يمتنع أن يكون إلهان معبودان محبوبان لذاتهما؛ لأن كون أحدهما هو المعبود لذاته يناقضه أن يكون غيره معبودا لذاته، فإن ذلك يستلزم أن يكون بعض المحبة والعمل لهذا، وبعض ذلك لهذا، وذلك يناقض كون الحب والعمل كله لهذا، فإن الشركة نقص في الحب، فلا تكون حركة المتحرك بإرادته له، فلا يكون أحدهما معبودا معمولا له إلا إذا لم يكن الآخر كذلك، فإن العمل لهذا يناقض أن يكون له شريك فضلا عن أن يكون لغيره. وكل من أحب شيئين فإنما يحبهما لثالث غيرهما، وإلا فيمتنع أن يكون كل منهما محبوبا لذاته؛ إذ المحبوب لذاته هو الذي تريده النفس وتطلبه، وتطمئن إليه، بحيث لا يبقى لها مراد غيره، وهذا يناقض أن يكون له شريك.

والقول الثاني: قول من يقول: إن الله عوض الناس بالتكليف بالعبادات ليثيبهم على ذلك بعد الموت؛ فإن الإنعام بالثواب لا يحسن بدون التكليف؛ لما فيه من الإجلال، والتعظيم الذي لا يستحقه إلا مكلف، كما يقول ذلك القدرية من المسلمين وغيرهم.

وهؤلاء قد يجعلون الواجبات الشرعية لطفا في الواجبات العقلية، وقد يقولون: إن الغاية المقصودة التي بها يحصل الثواب هو العمل، والعلم ذريعة إليه، حتى يقولوا مثل ذلك في معرفة الله تعالى، يقولون: إنما وجبت لأنها لطف في أداء الواجبات العقلية العملية.

والقول الثالث: قول من يقول: بل الله أمر بذلك لا لحكمة مطلوبة ولا بسبب، بل لمحض المشيئة، وهذا قول الجبرية المقابلين للقدرية كالجهم، والأشعري، وخلق كثير من المتكلمين والفقهاء، والصوفية، وغيرهم.

القول الرابع: قول سلف الأمة وأئمتها، وهو أن نفس معرفة الله تعالى ومحبته مقصودة لذاتها، وأنالله سبحانه محبوب مستحق للعبادة لذاته لا إله إلا هو، ولا يجوز أن يكون غيره محبوبا معبودا لذاته، وأنه سبحانه يحب عباده الذين يحبونه، ويرضى عنهم، ويفرح بتوبة التائب، ويبغض الكافرين ويمقتهم، ويغضب عليهم ويذمهم، وأن في ذلك من الحكم البالغة، وكذلك من الأسباب ما يطول وصفه في هذا الخطاب كما قد بسط في موضعه؛ إذ المقصود هنا التنبيه على أن المسلمين في هذا أكمل من غيرهم في العلوم النافعة والأعمال الصالحة. وإذا عرف مذاهب الناس في مقاصد العبادات فهم أيضا مختلفون في صفاتها، فمن الناس من يظن أن كل ما كان أشق على النفس وأشد إماتة لشهوتها فهو أفضل، وهذا مذهب كثير من المشركين الهند، وغيرهم، وكثير من أهل الكتاب اليهود، والنصارى، وكثير من مبتدعة المسلمين. والثاني: قول من يقول: إن أفضلها ما كان أدعى إلى تحصيل الواجبات العقلية

والثالث: قول من يقول: فضل بعضها على بعض لا علة له، بل يرجع إلى محض المشيئة.

والرابع وهو الصواب: أن أفضلها ما كان لله أطوع، وللعبد أنفع. فما كان صاحبه أكثر انتفاعا به، وكان صاحبه أطوع لله به من غيره فهو أفضل، كما جاء في الحديث: خير العمل أنفعه وعلى كل قول فعبادات المسلمين أكمل من عبادات غيرهم، أما عن الأول فأولئك يقولون: كلما كانت الأعمال أشق على النفس فهي أفضل. ثم هؤلاء قد يفضلون الجوع، والسهر، والصمت، والخلوة، ونحو ذلك، كما يفعل ذلك من يفعله من المشركين الهند، وغيرهم، ومن النصارى، ومبتدعة هذه الأمة، ولكن يقال لهم: الجهاد أعظم مشقة من هذا كله، فإنه بذل النفس، وتعريضها للموت، ففيه غاية الزهد المتضمن لترك الدنيا كلها، وفيه جهاد النفس في الباطن، وجهاد العدو في الظاهر، ومعلوم أن المسلمين أعظم جهادا من اليهود، والنصارى. فإن اليهود خالفوا موسى في الجهاد، وعصوه، والنصارى لا يجاهدون على دين، وأما على قول من يجعل العبادات الشرعية لطفا في الواجبات العقلية، فلا ريب أن عبادات المسلمين - كصلاتهم وصيامهم وحجهم - أدعى إلى العدل الذي هو جماع الواجبات العقلية، من عبادات غيرهم التي ابتدعوها، فإنها متضمنة للظلم المنافي للعدل. وأما على قول نفاة التعليل، ورد ذلك إلى مشيئة الله: فيكون الأمر في ذلك راجعا إلى محض مشيئة الله، وتعبده للخلق، وحينئذ فمن تكون عباداته تابعة لأمر الله الذي جاء به الرسل يكون متعبدا بما أمر الله به بخلاف من تكون عباداته قد ابتدعها أكابرهم من غير أن يأتيهم بها رسول الله من عند الله. وأما على القول الرابع: فإن علم أن الله أمر به يتضمن طاعة الله. وهذا إنما يكون في عبادات أمر الله بها، وهي عبادات المسلمين، دون من ابتدع كثيرا من عباداتهم أكابرهم. وأما انتفاع العباد بها، فهذا يعرف بثمراتها ونتائجها وفوائدها، ومن ذلك آثارها في صلاح القلوب. فليتدبر الإنسان عقول المسلمين وأخلاقهم، وعدلهم، يظهر له الفرق بينهم وبين غيرهم. ثم صفات عباداتهم فيها من الكمال، والاعتدال، كالطهارة، والاصطفاف، والركوع، والسجود، واستقبال بيت إبراهيم، الذي هو إمام الخلائق، والإمساك فيها عن الكلام، وما فيها من الخشوع، وتلاوة القرآن، واستماعه الذي يظهر الفرق بينه وبين غيره من الكتب لكل متدبر منصف، إلى أمثال ذلك من الأمور التي يظهر بها فضل عبادات المسلمين على عبادات غيرهم. وأما حكم المسلمين في الحدود والحقوق فلا يخفى على عاقل فضله. حتى إن النصارى في طائفة من بلادهم ينصبون لهم من يقضي بينهم بشرع المسلمين إذا لم يكن لهم شرع يحكم به الناس. وليس في الإنجيل حكم عام، بل عامته، وإنما فيه الأمر بالزهد، ومكارم الأخلاق، وهو مما يأمر به المسلمون أيضا. وقد ذكرنا في كون المسلمين معتدلين متوسطين بين اليهود والنصارى في التوحيد، والنبوات، والحلال، والحرام وغير ذلك، مما يبين أنهم أفضل من الأمتين، مع أن دلائل هذا كثيرة جدا، وإنما المقصود التنبيه على ذلك، وحينئذ ففضل الأمة يستلزم فضل متبوعها.

فصل: أقسام مدعي النبوة ودلالة ذلك على صدقه عليه الصلاة والسلام

ومما يبين أمر محمد ﷺ أن من دعا إلى مثل ما دعا إليه لا يخلو من ثلاثة أقسام: إما أن يكون نبيا صادقا مرسلا من الله كما أخبر عن نفسه، بمنزلة نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وداود، وسليمان، وغيرهم من الأنبياء الذين ذكرهم الله في قوله تعالى: إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا، وإما أن يكون ملكا مسلما عادلا، وضع ناموسا سياسيا وقانونا عدليا ينفع به الخلق، ويحملهم به على السيرة العادلة بمبلغ علمه، كما كان للأمم من يضع لهم النواميس مثل واضعي النواميس من اليونان، والهند، والفرس، وغيرهم. وإن كان واضع الناموس مختصا بقوة قدسية ينال بها العلم بسهولة، وقوة نفسية يتصرف فيها تصرفات خارجة عن العادة، ويكون له قوة تخييلية تمثل له في نفسه أشكالا نورانية، وأصواتا يسمعها في داخل نفسه، فإن هذه الخواص الثلاثة هي التي يقول ابن سينا، وأمثاله من المتفلسفة: إنها خواص النبي، ومن قامت به كان نبيا، والنبوة مكتسبة عندهم. ولكن لما كانت هذه موجودة لكثير من الخلق، ولم يصل بها إلى قريب من درجة الصديقين - أتباع الأنبياء - كالخلفاء الراشدين، وحواريي عيسى، وأصحاب موسى جعلناها من هذا القسم؛ إذ صاحب هذا قد يكون فيه عدل وسياسة بحسب ما معه من العلم والعدل، فهذا القسم الثاني. وإما أن يكون رجلا كاذبا فاجرا أفاكا أثيما يتعمد الكذب والظلم، أو يتكلم بلا علم فيخطئ خطأ من يتكلم بلا علم. ومن يظن الكذب صدقا والباطل حقا، والضلال هدى، والغي رشدا، والظلم عدلا، والفساد صلاحا، وكل من دعا الخلق إلى متابعته، وطاعته على سبيل الحتم والإيجاب بأن يصدقوه بما أخبر، ويطيعوه فيما أمر به، وأوجبه باطنا وظاهرا من غير أن يخير أحدا في اتباعه وتصديقه وطاعته، ولا يسوغ له مخالفته بوجه من الوجوه لا في الباطن ولا في الظاهر، لم يخرج عن هذه الأقسام الثلاثة. وذلك لأنه إما أن يكون قصده الإثم والعدوان، أو قصده البر والعدل، فإن كان قصده الأول فهو ظالم فاجر، ومثل هذا لا يكون إلا كاذبا عمدا أو خطأ، وإن كان قصده البر والعدل، فيخلو مع ذلك إما أن يكون عالما بكل ما يخبر به من الغيوب جازما بصدق نفسه جزما لا يحتمل النقيض، عالما بأن ما يأمر به عدل، لا يجوز لمن أمره أن يعصيه بوجه من الوجوه، وإما أن لا يكون جازما بذلك. فإن كان جازما بذلك كان هذا هو النبي المعصوم الذي لا يخبر إلا بحق، ولا يأمر إلا بعدل: وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم بخلاف القسم الذي يتحرى العدل، والصدق باجتهاده ورأيه، فإن هذا قد يأمر بأشياء يجوز أن تكون المصلحة والعدل والصدق في خلافها، ويخبر بأشياء باجتهاده، يحوز أن يكون الأمر فيها بخلاف ذلك، ولا بد أن يغلط في بعض ما يخبر به من العلميات، وما يأمرهم به من العمليات فإنه لا معصوم إلا الأنبياء، ولهذا لم يجب الإيمان بكل ما يقوله بشر. إلا أن يكون نبيا، فإن الإيمان واجب بكل ما يأتي به النبي. قال تعالى: قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون، وقال تعالى: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، وإذا كان الأمر كذلك فمعلوم بالتواتر أن محمدا ذكر أنه رسول كإبراهيم، وموسى، وعيسى بل أخبر أنه سيد، ولد آدم، وأن آدم فمن دونه تحت لوائه يوم القيامة، وأنه لما أسري به، وعرج إلى ربه علا على الأنبياء كلهم، على إبراهيم، وموسى، وهارون، ويحيى، وعيسى، وغيرهم، وأخبر أنه لا نبي بعده، وأن أمته هم الآخرون في الخلق السابقون يوم القيامة، وأن الكتاب الذي أنزل إليه أحسن الحديث، وأنه مهيمن على ما بين يديه من الكتب مع تصديقه لذلك، وحينئذ فإن كان عالما بصدق نفسه فهو نبي رسول، ومن قال هذا القول وهو يعلم أنه كاذب فهو من أظلم الناس وأفجرهم: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء، وإن كان يظن صدق نفسه وليس كذلك، فهو مخطئ غالط ملبوس عليه، وإذا كان كذلك فلا بد أن يخطئ فيما يخبر به من الغيوب، ويظلم فيما يأمر به من العدل، ولا يتصور استمراره على هذا بل لا بد أن يتبين له، ولغيره أنه صادق أو كاذب. فإن من ظن صدق نفسه في مثل هذه الدعوى، وليس بصادق يكون من أجهل الناس وأظلمهم، وأبعدهم عن التمييز بين الحق والباطل، والصدق والكذب، والخير والشر، فإن هذا بمنزلة من اشتبه عليه النبي الصادق بالمتنبي الكذاب، وهذا من أجهل الناس. إذا اشتبه عليه حال غيره فكيف بمن اشتبه عليه حال نفسه ولم يعلم ما يقوله أصدق هو أم كذب؟ ومن كان جاهلا مع هذه الدعوى العظيمة، التي لم يدع بشر مثلها، ومع كثرة ما يخبر به من الغيوب الماضية والمستقبلة، ويأمر به وينهى عنه من الأمور الكلية والسنن العامة والشرائع والنواميس، فلا بد أن يكون فيها من الضلال والغي ما يبين لأكثر الخلق. فإذا كانت أخباره عن الماضي والمستقبل يصدق بعضها بعضا، والذي يأمر به هو الطريق الأقوم، والكتاب الذي جاء به كتاب متشابه مثاني، يشبه بعضه بعضا في الصدق، قال تعالى: أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. فإنه لو كان من عند غير الله لوجب أن يكون فيه تناقض، لامتناع قدرة البشر على أن تخبر بهذه الأخبار، وما فيها من الغيوب، ويأمر بهذه الأوامر مع سلامة ذلك من التناقض، ولهذا لا يوجد بشر غير نبي يسلم من ذلك. وإذا كان محمد ﷺ قد علم بالاضطرار من سيرته أنه كان يتحرى الصدق والعدل، وأنه ما جربت عليه كذبة قط، وعلم أنه كان جازما بما يخبر به مع عظم الأخبار وكثرتها، وهو وحده قام يدعو الناس إلى ما جاء به، ومن عادة طالب الملك والرياسة - ولو كان عادلا - أن يستعين بمن يعينه كأقاربه وأصدقائه ونحوهم، وأن يبذل للنفوس من العاجل ما يرغبها به كالمال والرياسة، ويرهب من خالفه. ومحمد ﷺ دعا الناس وحده وهو بمكة، فآمن به المهاجرون ثم آمن به الأنصار بالمدينة، ثم آمن به أهل البحرين، ولم يعط أحدا منهم درهما، ولا كان معه ما يخيفهم به، لا سيف ولا غيره، بل مكث بمكة بضع عشرة سنة، هو والمؤمنون به مستضعفين، لم يكن له مال يبذله لهم، ولا سيف يخيفهم به.

وكان أعظم من آمن به أبو بكر الصديق مع كمال عقله وخلقه، ودينه في قومه، ومحبتهم له، وعلو قدره فيهم، أنفق ماله كله في سبيل الله حتى قال له النبي ﷺ: ما تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله، ولم يعطه النبي ﷺ درهما واحدا يخصه به، ثم تولى الأمر بعده وترك ما كان معه للمسلمين، وتولى بعده عمر بن الخطاب، وفتح أعظم ممالك العالم، مملكة فارس والروم، فقهر الروم على بلاد الشام، والجزيرة، ومصر. وأميره الكبير أبو عبيدة أزهد الخلق في الأموال وأعبدهم للخالق، وأرحمهم للمخلوق، وأبعدهم عن هوى النفس، ولهذا قال النبي ﷺ فيه: إن لكل أمة أمينا، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح وأميره على فارس سعد بن أبي وقاص الذي كان مستجاب الدعوة، وكان من أزهد الناس، وكان آخر من بقي من أهل الشورى، والناس يتنازعون في الولاية، وهو معتزل في قصره بالعقيق لا يزاحم أحدا، فقال له ابنه عمر: تركت الناس يتنازعون الملك وجلست ههنا، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله يحب العبد التقي الغني النقي الخفي.

فصل: من آيات النبوة قصة الفيل وحراسة السماء

ومن آيات محمد ﷺ ودلائل نبوته التي في القرآن قصة الفيل، قال تعالى: ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول، وقد تواترت قصة أصحاب الفيل، وأن أهل 72 الحبشة النصارى ساروا بجيش عظيم، معهم فيل، ليهدموا الكعبة لما أهان بعض العرب كنيستهم التي باليمن فقصدوا إهانة الكعبة وتعظيم كنايسهم، فأرسل الله عليهم طيرا أهلكهم، وكان ذلك عام مولد النبي ﷺ، وكان جيران البيت مشركين يعبدون الأوثان، ودين النصارى خير من دينهم.

فعلم بذلك أن هذه الآية لم تكن لأجل جيران البيت حينئذ، بل كانت لأجل البيت أو لأجل النبي ﷺ، الذي ولد به في ذلك العام عند البيت، أو لمجموعهما، وأي ذلك كان فهو من دلائل نبوته. فإنه إذا قيل: إنما كانت آية للبيت وحفظا له وذبا عنه؛ لأنه بيت الله الذي بناه إبراهيم الخليل. فقد علم أنه ليس من أهل الملل من يحج إلى هذا البيت ويصلي إليه إلا أمة محمد ﷺ، ومحمد هو الذي فرض حجه والصلاة إليه، فإذا كان هذا البيت عند الله خيرا من الكنائس التي للنصارى، حتى إن الله أهلك النصارى أهل الكنائس لما أرادوا تعظيم الكنائس وإهانة البيت، علم أن دين أهل هذا البيت خير من دين النصارى، والمشركون ليسوا خيرا من النصارى فتعين أن أمة محمد ﷺ خير من النصارى، وذلك يستلزم أن نبيهم صادق، وإلا فمن كانوا متبعين لنبي كاذب فليسوا خيرا من النصارى بل هم شرار الخلق، كأتباع مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي، وغيرهما، وقال في القرآن: ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرا أبابيل والأبابيل جماعات في تفرقة، فوج بعد فوج ترميهم بحجارة من سجيل - أي: من طين مستحجر - فجعلهم كعصف مأكول. كالتبن الذي أكل. وقوله: ألم تر استفهام في معنى التقرير، وهذا يقتضي أن هذا قد وقع وعلم به الناس ورأوه، وقد قررهم على ذلك؛ لما فيه من الدلالة والبيان والإنعام على الخلق.

ومن آيته الظاهرة التي في القرآن ما ذكره من أن السماء ملئت حرسا شديدا وشهبا، بخلاف ما كانت العادة جارية به، قال تعالى: قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا - إلى قوله - وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا، وقال تعالى: وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون إنهم عن السمع لمعزولون وهذا كان النبي ﷺ يقرؤه على الناس، وهم يقرءونه، ولم ينكره أحد، ولا ارتاب به مؤمن، ولا احتج به عليه كافر، فدل أن الناس علموا صدق ما أخبرت به الجن، من أن السماء ملئت حرسا شديدا وشهبا، وأنهم لم يتمكنوا حينئذ مما كانوا يتمكنون منه قبل ذلك من الاستماع. ومعلوم أن هذا أمر يراه الناس بأبصارهم فإن امتلاء السماء بالشهب أمر يراه الناس كلهم، فلو لم يكن كذلك لكان الناس يكذبون بهذا، مؤمنهم، وكافرهم، فإن الجماعة العظيمة الذين لم يتواطئوا يمتنع اتفاقهم على الكذب، وعلى التصديق بما يعلمون أنه كذب، وعلى كتمان ما يعلمونه، وعلى ترك إنكار ما يعلمون أنه كذب.

وقد سمع القرآن ألوف مؤلفة أدركوا مبعثه وشاهدوا أحوال السماء، فلو لم يكن هذا كان موجودا - مع أن عامتهم كانوا مكذبين له، ولما آمنوا كانوا طوائف متباينين - يمتنع اتفاقهم على كذب أو كتمان أو سكوت، فلما لم ينكر ذلك أحد، بل تظاهرت الأخبار بمثل ما أخبر به القرآن من الرمي العظيم بالشهب، الذي لم يعهد مثله، حتى صاروا يشكون: هل ذلك في الكواكب التي في الفلك أو في غيرها؟ وقالوا: إن كان في كواكب الأفلاك فهو خراب العالم، فلما رواه فيما دونها، علموا أنه لأمر حدث. ففي الصحيحين من حديث ابن عباس قال: انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين السماء؛ أرسلت علينا الشهب، قالوا: ما ذاك إلا من شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء؟ فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة، وهي بنخل عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا: إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا. فأنزل الله عز وجل على نبيه محمد ﷺ: قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن، وفي لفظ البخاري بنخلة قريبا من مكة، وهو الصواب.

وقد ظن بعض الناس أن الشهب لم يكن يرمى بها قبل ذلك بحال، والصواب أنه كان الرمي بها - كما هو الآن - أحيانا، كما ثبت في صحيح مسلم، عن ابن عباس، ورواه أيضا أحمد في مسنده أن رسول الله ﷺ بينما هو في نفر من الأنصار إذ رمي بنجم فاستنار فقال لهم: ما كنتم تقولون في هذا النجم الذي يرمى به في الجاهلية؟ قالوا: كنا نقول حين رأيناها يرمى بها: مات ملك. ولد مولود، فقال رسول الله ﷺ: ليس ذلك كذلك، ولكن الله إذا قضى في خلقه أمرا يسمعه أهل العرش فيسبحون فيسبح من تحتهم بتسبيحهم، فيسبح من تحت ذلك، فلم يزل التسبيح يهبط حتى ينتهي إلى السماء الدنيا، حتى يقول بعضهم لبعض: لم سبحتم؟ فيقولون: سبح من فوقنا فسبحنا بتسبيحهم، فيقولون: ألا تسألون من فوقكم مم سبحوا؟ فيسألونهم فيقولون: قضى الله في خلقه كذا وكذا، الأمر الذي كان، فيهبط به الخبر من سماء إلى سماء حتى ينتهي إلى سماء الدنيا فيتحدثون به، فتسترقه الشياطين بالسمع على توهم منهم واختلاف، ثم يأتون به الكهان من أهل الأرض فيحدثونهم فيخطئون ويصيبون، فيحدث الكهان. وفي الصحيحين عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، إن الكهان قد كانوا يحدثوننا بالشيء فيكون حقا، قال: تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقذفها في أذن وليه فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة وروى البخاري في صحيحه عن عائشة أنها سمعت النبي ﷺ يقول: إن الملائكة تنزل في العنان، وهو السحاب، فتذكر الأمر، قضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه إلى الكهان فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم. وفي صحيح البخاري أيضا عن أبي هريرة قال: إن نبي الله ﷺ قال: إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله: كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق وهو العلي الكبير فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا، بعضهم فوق بعض، فيسمع الكلمة فيلقيها على لسان الساحر، أو الكاهن فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا. الكلمة التي سمعت من السماء، فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء. ورواه محمد بن إسحاق، عن الزهري، وقال في آخره: ثم إن الله عز وجل حجب الشياطين عن السمع بهذه النجوم، فانقطعت الكهانة فلا كهانة. ورواه معمر، عن الزهري، وقال: فقلت للزهري: أو كان يرمى بها في الجاهلية؟ قال: نعم، قلت: يقول الله وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع الآية. قال: غلظت واشتد أمرها حين بعث النبي ﷺ.

وروى الطبري، عن داود، ثنا عاصم بن علي بن عاصم، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان للجن مقاعد في السماء يستمعون الوحي، وكان الوحي إذا أوحي، سمعت الملائكة كهيئة الحديدة رمي بها على الصفوان، فإذا سمعت الملائكة صلصلة الوحي خر لجباههم من في السماء من الملائكة، فإذا نزل عليهم أصحاب الوحي قالوا: ماذا قال ربكم؟ قال: فينادون: قال ربكم: الحق وهو العلي الكبير قال: فإذا نزل إلى السماء الدنيا قالوا: يكون في الأرض كذا وكذا موتا، وكذا وكذا حياة، وكذا وكذا جدوبة، وكذا وكذا خصبا، وما يريد أن يصنع، وما يريد أن يبتدي - تبارك وتعالى - فنزلت الجن فأوحوا إلى أوليائهم من الإنس ما يكون في الأرض، فبينما هم كذلك إذ بعث النبي ﷺ، فزجرت الشياطين، ورموهم بالكواكب، فمنعوا، فجعل لا يصعد أحد إلا احترق، وفزع أهل الأرض لما رأوا في الكواكب، ولم يكن قبل ذلك، فقالوا: هلك من في السماء، وكان أهل الطائف أول من فزع، فينطلق الرجل إلى إبله فينحر كل يوم بعيرا لآلهتهم، فينطلق صاحب الغنم فيذبح كل يوم شاة، فينطلق صاحب البقر فيذبح كل يوم بقرة، فقال لهم رجل: ويلكم، لا تهلكوا أموالكم، فإن معالمكم من الكواكب التي تهتدون بها، لم يسقط منها شيء. فأقلعوا وقد أسرعوا في أموالهم، وقال إبليس: حدث في الأرض حدث فأتوني من كل مكان في الأرض بتربة، فجعل لا يؤتى بتربة أرض إلا شمها، فلما أتي بتربة تهامة، قال: ههنا حدث الحدث. فصرف الله إليه نفرا من الجن، وهو يقرأ القرآن فقالوا: إنا سمعنا قرآنا عجبا حتى ختم الآية، فولوا: إلى قومهم منذرين.

ورواه أبو زرعة، عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن عطاء بنحوه، ورواه البيهقي من طرق، عن حماد بن سلمة، عن عطاء أيضا فقد تبين أنه لما كان في زمن المبعث ملئت السماء حرسا شديدا وشهبا، وقبل ذلك لم يكن الحرس شديدا، ولا كانت السماء مملوءة حرسا وشهبا - كما هي الآن - يرمى بها أحيانا، وكانوا يقعدون بها مقاعد للسمع أي يسترق أحدهم ما يسمعه كما يستمع المستمع إلى حديث غيره مختفيا بسماعه مسترقا له، فكانت الشياطين تسترق - أي تستمع - ما تقوله الملائكة، فلما بعث محمد ﷺ صار أحدهم إذا سمع وجد الشهاب قد أرصد له، فلم يستطع أن يقعد ويستمع كما كان قبل ذلك.

فصل: من آيات النبوة ما ثبت بالقرآن أو بالتواتر وهو أكثر

وقد ذكرنا بعض آياته التي في القرآن؛ لأن من أهل الكتاب من يقول: لا نصدق إلا بما في القرآن كما في التوراة والإنجيل، من آيات موسى والمسيح، إذ كان نقل القرآن عنه متواترا لا يستريب فيه أحد، فنبهنا على بعض ما في القرآن مع أن آياته التي ليست في القرآن كثيرة جدا.

وليس من شرط المنقول المتواتر أن يكون في القرآن بل كما تواتر عنه في شريعته ما ليس في القرآن، وهو من الحكمة التي أنزلها الله عليه كذلك، وتواتر عنه من دلائل نبوته ما ليس في القرآن، وهو من براهينه وآياته، وقد قال تعالى: في غير موضع: وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة فالحكمة نزلت عليه، وهي منقولة في غير القرآن، وقد تواتر عنه كون الصلوات خمسا، والفجر ركعتين، والمغرب ثلاثا، والباقي أربعا أربعا، والرباعية في السفر ركعتان، وتواتر عنه سجود السهو، كذلك متواتر عنه أنواع من المعجزات والأخبار المتواترة في أصناف آياته وبراهينه كثيرة جدا، لا يمكن إحصاؤها، وهي مشتملة على جنسي العلم، والقدرة على أنواع من الإخبار بالغيوب المستقبلة مفصلة، كأنما رآها بعينه، لم يأت منها خبر إلا كما أخبر به، وهذا أمر لم يكن قط إلا لنبي. أما الكاهن والمنجم ونحو هؤلاء فيكذبون كثيرا، كما يصدقون أحيانا، ويخبرون بجمل غير مفصلة. وأما أهل الولاية، والصلاح فأعظمهم كشفا يخبر عن ذلك بأمور قليلة لا تبلغ عشر معشار ما أخبر به النبي ﷺ، ولا يخبرون بها مفصلة كخبره، وعلى أنواع من القدرة والتصرف الخارق للعادة، والآيات إما من باب العلم والخبر والمكاشفة، وإما من باب القدرة، والتأثير، والتصرف.

وفي القرآن من الإخبار بالمستقبلات شيء كثير، كقوله تعالى: الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد فغلبت الروم فارس في بضع سنين، وقد ذكرنا تفصيل ذلك فيما مضى، وكقوله تعالى: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا؛ وكان كما أخبر.

وروى الدارمي عن أبي بن كعب قال: لما قدم رسول الله ﷺ، وأصحابه المدينة، وآواهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة، وكانوا لا يبيتون إلا في السلاح، ولا يصبحون إلا فيه، فقالوا: ترون أنا نعيش حتى نبيت مطمئنين، لا نخاف إلا الله عز وجل، فنزلت: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات إلى آخر الآية؛ وكان كذلك، استخلف الله المؤمنين في الأرض، ومكن لهم دينهم في مشارق الأرض ومغاربها.

وقال تعالى: هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا؛ وكان كما أخبر ووعد.

وقال تعالى: قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله؛ وكان كما أخبر.

وقال تعالى: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله - إلى قوله - فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين؛ فأخبر أنهم لن يفعلوا، وكان كما أخبر.

وأخبر أنه قال للمسيح: وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة؛ وكان كما أخبر.

وأنزل في مكة: سيهزم الجمع ويولون الدبر، وقال: ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا فكان كما أخبر. وقال: ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة؛ وكانوا كما أخبر.

وقال: وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله؛ وكان كما أخبر.

وقال: لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، وقال: ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار، وقال: قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم؛ وكان كذلك، فلم يقاتلوهم بعد نزول الآية إلا انتصر عليهم المسلمون، وما زال الإسلام في عز وظهور حتى ظهر على أهل المشرق والمغرب.

وقال تعالى خطابا لليهود: قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا. وقال: قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين؛ فأخبر عن اليهود أنهم لن يتمنوا الموت أبدا، وكان كما أخبر، فلا يتمنى اليهود الموت أبدا، وهذا دليل من وجهين: من جهة إخباره بأنه لا يكون أبدا، ومن جهة صرف الله لدواعي اليهود عن تمني الموت، مع أن ذلك مقدور لهم، وهذا من أعجب الأمور الخارقة للعادة، وهم - مع حرصهم على تكذيبه - لم تنبعث دواعيهم لإظهار تكذيبه، بإظهار تمني الموت.[1]

وقال في سورة المدثر: ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا إلى قوله سأصليه سقر وما أدراك ما سقر لا تبقي ولا تذر. وقال عن أبي لهب - عمه -: تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب، وكان كما أخبر به، مات الوليد كافرا، ومات أبو لهب كافرا.

وقال في سورة الفتح: وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين. وقال: لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا. وقال: قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما؛ وهذا كله وقع كما أخبر، فحصلت لهم الغنائم الكثيرة، ودخلوا المسجد الحرام آمنين، ودعيت الأعراب إلى قتال الروم والفرس، يقاتلونهم أو يسلمون، فلا بد من القتال أو الإسلام، ليس هناك هدنة بلا قتال، كما كان يكون قبل نزول الآية.

وقال تعالى: إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا. فدخل الناس في دين الله أفواجا بعد الفتح، فما مات ﷺ، وفي بلاد العرب كلها موضع لم يدخله الإسلام.

وقال تعالى عن المنافقين: ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون؛ وكذلك كان، فروى أهل التفسير والمغازي والسير أن هذه الآية نزلت في المنافقين، كعبد الله بن أبي، وعبد الله بن نبتل، ورفاعة بن تابوت، ونحوهم، كانوا يقولون لبني النضير، وهم اليهود حلفاؤهم: لئن أخرجتم لنخرجن معكم الآية. فأخبر الله عنهم أنهم لن يفعلوا ذلك؛ وكذلك كان، وضرب الله لهم مثلا بالشيطان: إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين. كذلك المنافقون، وبنو النضير.

فصل: إخباره عليه السلام بالكثير من الغيوب الماضية والحاضرة والمستقبلة دليل على نبوته

وآياته ﷺ قد استوعبت جميع أنواع الآيات الخبرية والفعلية. وإخباره عن الغيب الماضي والحاضر والمستقبل بأمور باهرة، لا يوجد مثلها لأحد من النبيين قبله، فضلا عن غير النبيين. ففي القرآن من إخباره عن الغيوب شيء كثير - كما تقدم بعض ذلك - وكذلك في الأحاديث الصحيحة، مما أخبر بوقوعه، فكان كما أخبر.

ففي الصحيحين عن حذيفة قال: قام فينا رسول الله ﷺ مقاما ما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدث به، حفظه من حفظه ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته فأراه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه.

وفي صحيح مسلم، عن أبي زيد عمرو بن أخطب قال: صلى بنا رسول الله ﷺ الفجر، وصعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، ثم نزل فصلى بنا، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى بنا، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس، قال: وأخبرنا بما كان وبما هو كائن، فأحفظنا أعلمنا.

وفي صحيح البخاري، عن عدي بن حاتم قال: بينا أنا عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا قطع السبيل. فقال: يا عدي، هل رأيت الحيرة؟ قلت: لم أرها وقد أنبئت عنها. قال: فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله. قال: قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دعار طيئ الذين قد سعروا البلاد؟ ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى. قلت: كسرى بن هرمز! قال: كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله عنه، فلا يجد أحدا يقبله منه، وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له، فيقولن له: ألم أبعث إليك رسولا فيبلغك؟ فيقول: بلى. فيقول: ألم أعطك مالا وأفضل عليك؟ فيقول بلى. فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم. قال عدي: سمعت النبي ﷺ يقول: اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة. قال عدي فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال رسول الله ﷺ: يخرج ملء كفه. قلت: وهذا الذي أخبر به من خروج الرجل بملء كفه من ذهب أو فضة فلا يجد من يقبله، ظهر كما أخبر في زمن عمر بن عبد العزيز.

وفي صحيح مسلم، عن جابر بن سمرة، عن نافع بن عتبة قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، قال: فأتى النبي ﷺ قوم من قبل المغرب، عليهم ثياب الصوف، فوافقوه عند أكمة، فإنهم لقيام ورسول الله ﷺ قاعد، قال: فقالت لي نفسي: ائتهم فقم بينهم وبينه لا يغتالونه، قال: ثم قلت: لعله نجي معهم. فأتيتهم فقمت بينهم وبينه، قال: فحفظت منه أربع كلمات أعدهن في يدي. قال: تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله، ثم فارس فيفتحها الله، ثم تغزون الروم فيفتحها الله، ثم تغزون الدجال فيفتحه الله.

وروى البخاري، عن عوف بن مالك قال: أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك، وهو في قبة من أدم، فقال: اعدد ستا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفا.

قلت: ففتح بيت المقدس بعد موته في خلافة عمر بن الخطاب، ثم بعد ذلك وقع الطاعون العظيم بالشام، طاعون عمواس في خلافة عمر أيضا، ومات فيه معاذ بن جبل وأبو عبيدة بن الجراح وخلق كثير، وكان ذلك أول طاعون وقع في الإسلام، فكان ما أخبر به، حيث أخذهم طاعون كعقاص الغنم، ثم استفاض المال في خلافة عثمان بن عفان حتى كان أحدهم يعطى مائة دينار فيسخطها، وكثر المال حتى كانت الفرس تشترى بوزنها، ثم وقعت الفتنة العامة التي لم يبق بيت من العرب إلا دخلته لما قتل عثمان، ووقعت الفتنة بين المسلمين أو الملوك يوم الجمل ويوم صفين.

وفي الصحيحين عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلنا: ألا تدعو الله لنا، ألا تستنصر لنا، قال: فجلس محمرا وجهه، ثم قال: والله إن من كان قبلكم ليؤخذ الرجل فيمشط بأمشاط الحديد ما بين لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويؤخذ فتحفر له الحفرة فيوضع المنشار على رأسه، فيشق باثنتين ما يصرفه عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله عز وجل أو الذئب على غنمه، ولكنكم تعجلون.

وفي صحيح البخاري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك، صغار الأعين حمر الوجوه ذلف الأنوف، كأن وجوههم المجان المطرقة، ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر. قلت: وهؤلاء الطوائف كلهم قاتلهم المسلمون كما أخبر ﷺ، وأمر هذه الطوائف معروف، فإن قتال الترك من التتار وغيرهم الذين هذه صفتهم معروف مشهور، وحديثهم في أكثر من عشرة آلاف نسخة كبار وصغار من كتب المسلمين، قبل قتال هؤلاء الذين ظهروا من ناحية المشرق، الذين هذه صفتهم التي لو كلف من رآهم بعينه أن يصفهم لم يحسن مثل هذه الصفة.

وفي الصحيحين عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى. وقد ظهرت هذه النار سنة بضع وخمسين وستماية، ورآها الناس، ورأوا أعناق الإبل قد أضاءت ببصرى، وكانت تحرق الحجر، ولا تنضج اللحم.

وفي الصحيحين عن أبي سعيد، وأسماء أن رسول الله ﷺ قال لعمار بن ياسر: تقتلك الفئة الباغية.

وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: هلك كسرى ثم لا يكون كسرى بعده، وقيصر ليهلكن ثم لا يكون قيصر بعده، ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله.

وفي الصحيحين عن جابر، عن النبي ﷺ أنه قال: إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله.

وفي الصحيحين عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لتفتحن عصابة من المسلمين - أو قال من المؤمنين - كنز آل كسرى الذي في الأبيض. والأبيض قصر كان لكسرى.

وفي صحيح البخاري وغيره عن أبي بكرة، عن النبي ﷺ أنه قال عن الحسن: أن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين.

قلت: فوقع هذا كما أخبر به، بعد موت الرسول بنحو ثلاثين سنة، وهو سنة أربعين من الهجرة، لما أصلح الله بالحسن بين الفئتين العظيمتين اللتين كانتا متحاربتين بصفين، عسكر علي وعسكر معاوية.

وفي الصحيحين عن ابن عباس أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني رأيت الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون منها بأيديهم، فمنهم المستكثر والمستقل، ثم إذا سبب واصل من الأرض إلى السماء فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل بعدك فعلا، ثم أخذ به رجل آخر فعلا، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع، ثم وصل له فعلا. قال أبو بكر: يا رسول الله بأبي أنت وأمي لتدعني فلأعبره، فقال: أعبر. فقال أبو بكر: أما الظلة فظلة الإسلام، وأما الذي ينطف من السمن والعسل فالقرآن حلاوته ولينه، وأما ما يتكفف فالمستكثر من القرآن والمستقل، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه، تأخذ به فيعليك الله، ثم يأخذ به رجل من بعدك فيعلو، ثم يأخذ به رجل فيعلو، ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع به ثم يوصل له فيعلو به. فأخبرني يا رسول الله: أصبت أم أخطأت؟ فقال: أصبت بعضا وأخطأت بعضا. قال: فوالله يا رسول الله لتخبرني بالذي أخطأت. قال: لا تقسم.

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع بها ذنوبا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف - والله يغفر له - ثم استحالت غربا فأخذها ابن الخطاب فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع عمر حتى ضرب الناس بعطن، وفي رواية: فاستحالت الدلو غربا في يد عمر.

قال الشافعي: رؤيا الأنبياء وحي. وقوله: في نزعه ضعف، قصر مدته، وعجلة موته، وشغله بالحرب مع أهل الردة عن الافتتاح والتزيد الذي بلغه عمر في طول مدته.

وفي الصحيحين عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه أن امرأة سألت رسول الله ﷺ شيئا فأمرها أن ترجع إليه، فقالت: أرأيت إن جئت فلم أجدك يا رسول الله؟ قال: أي كأنها تعني الموت، قال: إن لم تجديني فائتي أبا بكر. وروى أبو داود الطيالسي، عن أبي ثعلبة الخشني، وعن أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، عن النبي ﷺ قال: إن الله بدأ هذا الأمر نبوة ورحمة، وكائنا خلافة ورحمة، وكائنا ملكا عضوضا، وكائنا عنوة وجبرية، وفسادا في الأمة، يستحلون الفروج، والخمور والحرير، وينصرون على ذلك، ويرزقون أبدا حتى يلقوا الله عز وجل. وروى أبو داود، عن سمرة بن جندب أن رجلا قال: يا رسول الله، إني رأيت كأن دلوا دلي من السماء فجاء أبو بكر رضي الله عنه فأخذ بعراقيها فشرب شربا ضعيفا، ثم جاء عمر فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء عثمان فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء علي فأخذ بعراقيها فانتشطت وانتضح عليه منها شيء. وفي السنن عن سفينة، عن النبي ﷺ أنه قال: تكون خلافة النبوة ثلاثين سنة ثم تصير ملكا. فكان هذا العام تمام الثلاثين سنة من موته، ودخل في ذلك خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي.

وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: زويت لي الأرض مشارقها، ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها. وفي صحيح مسلم: إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال لي: يا محمد، إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة بعامة، وألا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا. وهذا أخبر به في أول الأمر وأصحابه في غاية القلة قبل فتح مكة؛ وكان كما أخبر، فإن ملك أمته انتشر في الشرق والغرب، ولم ينتشر في الجنوب والشمال كانتشاره في الشرق والغرب؛ إذ كانت أمته أعدل الأمم؛ فانتشرت دعوته في الأقاليم التي هي وسط المعمور من الأرض، كالثالث والرابع والخامس، وقد تقدم قوله: هلك كسرى فلا يكون كسرى بعده. وذاك كسرى بن هرمز آخر الأكاسرة المملكين، ثم ولي بعده ولاة متضعفون، فكان آخرهم يزدجرد، وإليه الإشارة باللفظ الآخر: إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله. وهذا أخبر به، وملك كسرى وقيصر أعز ملك في الأرض، فصدق الله خبره في خلافة عمر وعثمان فهلك كسرى، وهو آخر الأكاسرة في خلافة عثمان بأرض فارس، ولم يبق بعده كسرى، ولم يبق للمجوس والفرس ملك، وهلك قيصر الذي بأرض الشام، وغيرها، ولم يبق بعده من هو ملك على الشام، ولا مصر، ولا الجزيرة من النصارى، وهو الذي يدعى قيصر.

قال الشافعي: كانت قريش تنتاب الشام انتيابا كثيرا، وكان كثير من معاشها منه، وتأتي العراق فيقال لما دخلت في الإسلام ذكرت للنبي ﷺ خوفها من انقطاع معاشها بالتجارة من الشام والعراق إذا فارقت الكفر ودخلت في الإسلام، مع خلاف ملك الشام والعراق لأهل الإسلام، فقال النبي ﷺ: إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده. فلم يبق بأرض العراق كسرى يثبت له أمر بعده. وقال: إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده. فلم يكن بأرض الشام قيصر، فأجابهم على ما قالوا، وكان كما قال قطع الله الأكاسرة عن العراق وفارس، وقيصر عن الشام. وقال في كسرى: مزق الله ملكه. فلم يبق للأكاسرة ملك، وقال في قيصر: ثبت ملكه. فثبت ملكهم ببلاد الروم، وتنحى عن الشام، وكل هذا يصدق بعضه بعضا.

وفي الصحيحين عن سفيان بن أبي زهير قال: قال رسول الله ﷺ: تفتح اليمن فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، ثم تفتح الشام فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وفي رواية: فيخرج من المدينة. فأخبر ﷺ بفتح اليمن، والشام، والعراق قبل أن يكون، وأخبر أنه يخرج من المدينة أقوام يتحملون بأهليهم، ومن أطاعهم إلى هذه الأمصار، ويطلبون الريف وسعة الرزق، قال: والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون.

وفي صحيح مسلم عن أبي ذر، عن النبي ﷺ أنه قال: ستفتح مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرا. وفي رواية: فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمة ورحما، فإذا رأيتم رجلين يقتتلان على موضع لبنة فاخرج منها. فمر أبو ذر بعد فتح مصر بمدة بابني شرحبيل بن حسنة، وهما يتنازعان في موضع لبنة فخرج منها.

وفي صحيح البخاري، عن سليمان بن صرد قال: سمعت النبي ﷺ يقول: حين أجلي الأحزاب عنه: الآن نغزوهم، ولا يغزونا وكذلك كان.

وفي صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: إذا فتحت عليكم فارس، والروم، أي قوم وأنتم. قال عبد الرحمن بن عوف: نقول كما أمرنا الله. قال رسول الله ﷺ: أوغير ذلك؟ تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، ثم تتباغضون، ثم تنطلقون في مساكن المهاجرين فتحملون بعضهم على رقاب بعض.

وفي صحيح البخاري، عن أبي هريرة أنه لما أنزل الله: هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم. سئل النبي ﷺ عن هؤلاء الآخرين، فقال: لو كان الدين معلقا بالثريا لناله رجال من أبناء فارس. وفي لفظ: لو كان الإيمان، وفي لفظ: العلم. وكان كما أخبر، فإنه حصل في التابعين وتابعيهم، وهلم جرا، من أبناء فارس، مثل الحسن البصري ومحمد بن سيرين وسعيد بن جبير وعكرمة مولى ابن عباس، ومجاهد بن جبر، وأضعاف هؤلاء، من نالوا ذلك.

ولما نزل قوله تعالى: فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين سئل عنهم، فقال: هم قوم هذا، وأشار إلى أبي موسى الأشعري، وقال: إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن. وفي الصحيحين عنه أنه قال: أتاكم أهل اليمن، هم أرق قلوبا وألين أفئدة؛ الإيمان يماني، والفقه يماني، والحكمة يمانية. فلما ارتد من ارتد عن الإسلام أتى الله بهؤلاء الذين يحبهم ويحبونه، فقاتل الصديق بهم أهل الردة، وغلب بهم أبو بكر وعمر كسرى وقيصر.

وقال لعثمان: إن الله مقمصك قميصا فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه. وفي الصحيحين عن أبي موسى قال: بينا رسول الله ﷺ في حائط من حوائط المدينة، وهو متكئ يركز بعود في الماء والطين، إذ استفتح رجل فقال له: افتح وبشره بالجنة. فإذا هو أبو بكر ففتحت له وبشرته بالجنة، ثم استفتح رجل آخر، فقال له: افتح له وبشره بالجنة. فذهبت فإذا هو عمر، ففتحت له، وبشرته بالجنة، ثم استفتح رجل آخر، فقال له: افتح له، وبشره بالجنة على بلوى تصيبه. فذهبت فإذا هو عثمان ففتحت له، وبشرته بالجنة، فقلت له الذي قال، فقال: اللهم صبرا، والله المستعان.

وفي الصحيحين حديث حذيفة، عن النبي ﷺ في الفتن التي تموج موج البحر، وقال لعمر: إن بينك وبينها بابا مغلقا يوشك ذلك الباب أن يكسر. فسأله مسروق: من الباب؟ فقال: عمر.

وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: ستكون الفتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي من تشرف لها تستشرفه، ومن وجد فيها ملجأ فليعذ به. ورواه أبو بكرة، وقال فيه: فإذا وقعت، فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه. قال: فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع النجاء، اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت. فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين، أو إحدى الفئتين، فضربني رجل بسيفه، أو يجيء سهم فيقتلني؟ قال: يبوء بإثمه وإثمك، ويكون من أصحاب النار.

وفي صحيح أبي حاتم قال النبي ﷺ: ويل للعرب من شر قد اقترب، أو فتنة عمياء صماء بكماء، القاعد فيها خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، ويل للساعي فيها من الله يوم القيامة.

وفي الصحيحين عنه أنه قال: إني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كمواقع القطر.

وفي الصحيحين من غير وجه أنه لما قال له ذو الخويصرة: يا محمد، اعدل فإنك لم تعدل. فقال: ويحك، قد خبت وخسرت إن لم أعدل. فقال بعض أصحابه: دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي ﷺ: إنه يخرج من ضئضئ هذا أقوام يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، آيتهم أن فيهم رجلا مخدج اليد على عضده مثل البضعة من اللحم تدردر، عليها شعرات. وفي رواية في الصحيحين: تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق؛ وهؤلاء ظهروا بعد موته ببضع وعشرين سنة في أواخر خلافة علي، لما افترق المسلمون، وكانت الفئة بين عسكر علي، وعسكر معاوية، وقتلهم علي بن أبي طالب، وأصحابه، وهم أدنى الطائفتين إلى الحق، والطائفة الأخرى قتلوا عمار بن ياسر، وهي الطائفة الباغية، وكان علي قد أخبرهم بهذا الحديث، وبعلامتهم فطلبوا هذا المخدج فلم يجدوه، حتى قام علي - بنفسه - ففتش عليه فوجده مقتولا فسجد شكرا لله.

وفي الصحيح عنه أنه قال: ستكون بعدي أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها فصلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم نافلة. وهؤلاء ظهروا بعده بمدة فكانوا يؤخرون الظهر إلى وقت العصر، ويؤخرون العصر إلى اصفرار الشمس.

وفي الصحيحين عنه أنه قال: إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض. فلقوا بعده من استأثر عليهم، ولم يعطهم حقهم.

وفي الصحيحين عنه أنه قال: ستكون بعدي أمراء يطلبون منكم حقهم، ويمنعونكم حقكم، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله، قال: أدوا إليهم حقهم، واسألوا الله حقكم.

وفي الصحيحين عنه أنه سار فاطمة فقال لها وهو في مرضه الذي توفي فيه: إني أقبض في مرضي هذا. ثم أخبرها أنها أول أهله لحوقا به. وفي رواية: وأخبرها أنها سيدة نساء المؤمنين.

وفي الصحيحين عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: أسرعكن بي لحاقا أطولكن يدا قالت: قالت فكن يتطاولن أيتهن أطول يدا، فكانت أطولنا يدا زينب لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق.

وفي صحيح البخاري، وغيره، عن أم حرام، عن النبي ﷺ أنه قال: أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور لهم.

وفي صحيح البخاري، عن أم حرام أيضا قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا. قالت: يا رسول الله، أنا فيهم؟ قال: أنت فيهم. قالت: ثم قال النبي ﷺ: أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم. فقلت: يا رسول الله، أنا فيهم؟ قال: لا؛ وغزاها المسلمون في خلافة معاوية، وكان يزيد أميرهم، وكان في العسكر أبو أيوب الأنصاري الذي نزل النبي ﷺ في بيته لما قدم المدينة مهاجرا، ومات ودفن تحت سورها، وذكروا أنهم كانوا إذا أجدبوا كشفوا عن قبره فيسقون. ثم غزاها المسلمون مرة ثانية في خلافة عبد الملك، غزاها ابنه مسلمة، وحصروها عدة سنين، وبنوا فيها مسجدا.

وفي الصحيحين عن أنس قال: كان النبي ﷺ يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت فدخل عليها رسول الله ﷺ فأطعمته، وجعلت تفلي رأسه، فنام ثم استيقظ وهو يضحك، فقالت: مم تضحك؟ فقال: عرض علي ناس من أمتي يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة. فقالت أم حرام: ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها، ثم وضع رأسه فنام، ثم استيقظ، وهو يضحك، فقالت: مم تضحك؟ فقال: عرض علي ناس من أمتي كما قال في الأولى، فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت من الأولين، قال أنس: فركبت البحر زمان معاوية بن أبي سفيان فصرعت عن دابتها لما خرجت من البحر فماتت، وهذا كان في خلافة عثمان، ومعاوية نائبه. وكان المسلمون في خلافة عمر لم يغزوا في البحر، وأول ما غزوا البحر في خلافة عثمان، وفتحوا جزيرة قبرص، وجاءوا بسبيها إلى دمشق، وكان أبو الدرداء حيا بدمشق فجعل يبكي، فقيل له: ما يبكيك يا أبا الدرداء، هذا يوم قد أعز الله فيه الإسلام؟ فقال: إنما أبكي أني رأيت هذه الأمة كانت قاهرة ظاهرة فأضاعت أمر الله فيه فأصارها الله إلى ما ترون، ما أهون العباد على الله إذا ضيعوا أمره.

وفي الصحيحين، عن النبي ﷺ أنه قال: سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يسلط على أمتي عدوا من غيرهم فيجتاحهم فأعطانيها، وسألته أن لا يهلكهم بسنة عامة فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها. وثبت عنه في الصحيحين أنه قال: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة. وهذا أخبر به حين كانت أمته أقل الأمم فانتشرت الأمة في مشارق الأرض ومغاربها، وكان كما أخبر به، فإن هذه الأمة - ولله الحمد والمنة - لم يزل فيها طائفة ظاهرة بالعلم والدين والسيف، لم يصبها ما أصاب من قبلها من بني إسرائيل وغيرهم، حيث كانوا مقهورين مع الأعداء، بل إن غلبت طائفة في قطر من الأرض، كانت في القطر الآخر أمة ظاهرة منصورة، ولم يسلط على مجموعها عدوا من غيرهم، ولكن وقع بينهم اختلاف وفتن.

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر، يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا. وهؤلاء ظهروا بعده بمدة طويلة، وظهر النسوة بعد ذلك بسنين كثيرة، وعلى رءوسهن عمائم كأسنمة الجمال البخاتي، يسمون العمامة سنام الجمل.

وفي حديث مسلم، عن أسماء بنت أبي بكر، عن النبي ﷺ أنه قال سيكون في ثقيف كذاب ومبير.

وظهر الكذاب من ثقيف، وهو المختار بن أبي عبيد الثقفي الذي أظهر التشيع والانتصار للحسين، وقتل عبيد الله بن زياد وغيره من قتلة الحسين، ثم أظهر أنه يوحى إليه، وأنه ينزل عليه، حتى قيل لابن عمر وابن عباس عنه، قيل لأحدهما: إنه يوحى إليه، وللآخر: إنه ينزل عليه. فقال أحدهما: وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم، وقال الآخر: هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم. وأما المبير فكان هو الحجاج بن يوسف الثقفي، وكان مبيرا سفاكا للدماء بغير حق، انتصارا لملك عبد الملك بن مروان الذي استنابه.

وفي الصحيحين، عن أبي هريرة أنه قال: لقد قال رسول الله ﷺ: أيكم يبسط ثوبه فيأخذ من حديثي فيجمعه إلى صدره، فإنه لن ينسى شيئا سمعه، فبسطت بردة علي حتى فرغ من حديثه، ثم جمعتها إلى صدري فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئا سمعته منه.[2]

وفي الصحيحين عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ: لا يزال الإسلام عزيزا إلى اثني عشر خليفة، كلهم من قريش. وفي لفظ: إلى اثني عشر أميرا، وفي رواية لأبي داود الطيالسي: كلهم يجتمع عليهم الأمة، وفي رواية، فقالوا: ثم يكون ماذا؟ قال: ثم يكون الهرج. قال أبو بكر البيهقي: وفي الرواية الأولى بيان العدد، وفي الأخرى بيان المراد بالعدد، وقد بين وقوع الهرج، وهو القتل بعدهم. وقد وجد هذا العدد بالصفة المذكورة إلى وقت الوليد بن يزيد بن عبد الملك، ثم وقع الهرج والفتنة العظمى، وإنما يزيدون على العدد المذكور إذا تركت الصفة المذكورة فيه، أو عد معهم من كان بعد الهرج.

وفي الصحيحين عن جابر قال: قال لي رسول الله ﷺ: هل لك من أنماط؟ قلت: يا رسول الله، وأنى يكون لي أنماط، فأنا أقول اليوم لامرأتي: نحي عنك أنماطك، فتقول: ألم يقل رسول الله ﷺ: إنها ستكون لكم أنماط.

وفي الصحيحين عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: بينا أنا نائم أريت أنه وضع في يدي سواران من ذهب، ففظعتهما وكرهتهما، فأذن لي فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين

يخرجان بعدي قال عبيد الله: أحدهما العنسي الذي قتله فيروز باليمن، والآخر مسيلمة.

وفي الصحيحين من حديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ قال وهو مستقبل المشرق: ها، إن الفتنة ها هنا، إن الفتنة ها هنا، من حيث يطلع قرن الشيطان. وفي بعض طرق البخاري: قام خطيبا فأشار بيده نحو مسكن عائشة فقال: وذكر الحديث. فالمشرق عن مدينته فيه البحرين، ومنها خرج مسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة، وهو أول حادث حدث بعده، واتبعه خلائق، وقاتله خليفته الصديق.

وروى أبو حاتم في صحيحيه عن جابر بن عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ يقول: إن بين يدي الساعة كذابين، منهم صاحب اليمامة، ومنهم صاحب صنعاء العنسي، ومنهم صاحب حمير، ومنهم الدجال، وهو أعظمهم فتنة. وصاحب اليمامة هو مسيلمة. قال: وقال أصحابي: قال: هم قريب من ثلاثين كذابا.

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون، دجالون كذابون، كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يفيض المال، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج. قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: القتل القتل.

وفي صحيح ابن حبان عن أبي ذر قال: ركب رسول الله ﷺ حمارا، وأردفني خلفه، ثم قال: يا أبا ذر، أين أنت إن أصاب الناس جوع شديد حتى لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك كيف تصنع؟ فقال: الله ورسوله أعلم، قال: تعفف. قال: يا أبا ذر، أرأيت إن أصاب الناس موت شديد حتى يكون البيت بالعبد كيف تصنع؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: اصبر. يا أبا ذر، أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضا حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء كيف تصنع؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: اقعد في بيتك، وأغلق عليك بابك. فقال: أرأيت إن لم أترك؟ قال: فأت من أنت منه، فكن فيهم. قال: فآخذ سلاحي؟ قال: إذا تشاركهم فيه، ولكن إن خشيت أن يروعك شعاع السيف فأطلق طرف ردائك على وجهك يبوء بإثمك وإثمه.

وفيه عن ابن مسعود قال: أتيت النبي ﷺ، وهو في قبة من أدم، فيها أربعون رجلا، فقال: إنكم مفتوحون ومنصورون، فمن أدرك ذلك الزمان منكم فليتق الله، وليأمر بالمعروف، ولينه عن المنكر، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. وأما الفتوح التي فتحت عليهم، والنصرة التي نصروا فقد أخبر به في أوائل مبعثه كما تقدم ذكره، ووقع ما أخبر به.

وروى أبو حاتم في صحيحه، عن ابن عباس قال: مرض أبو طالب فأتته قريش، وأتاه النبي ﷺ يعوده، وعند رأسه مقعد رجل، فقام أبو جهل فقعد فيه، فشكوا رسول الله ﷺ إلى أبي طالب فقالوا: إن ابن أخيك يقع في آلهتنا. قال: ما شأن قومك يشكونك يا ابن أخي؟ قال: يا عم، إنما أردتهم على كلمة واحدة تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية. فقال: وما هي؟ قال: لا إله إلا الله. فقاموا، فقالوا: أجعل الآلهة إلها واحدا؟ قال: ونزلت: ص والقرآن ذي الذكر - إلى قوله - إن هذا لشيء عجاب.

وفي صحيح ابن حبان عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: لما أقبلت عائشة قربت ببعض مياه بني عامر طرقتهم ليلا فسمعت نباح الكلاب، فقالت: أي ماء هذا؟ قالوا: ماء الحوأب، قالت: ما أظنني رافعة. قالوا: مهلا - يرحمك الله - تقدمين فيراك المسلمون، فيصلح الله بك. قالت: ما أظنني رافعة، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: كيف بإحداكن ينبح عليها كلاب الحوأب؟

وفيه أيضا عن ابن أبي طالب قال: قال لي عبد الله بن سلام، وقد وضعت رجلي في الغرز، وأنا أريد العراق: لا تأت العراق فإنك إن تأتهم أصابك ذنب السيف. قال علي: وايم الله لقد قالها رسول الله ﷺ. قال أبو الأسود: فقلت في نفسي: ما رأيت كاليوم رجلا محاربا يحدث الناس بمثل هذا.

وهذا وأمثاله مما أخبر به ﷺ من المستقبلات فوقع بعده كما أخبر، ورأى الناس ذلك. وأما ما أخبر به مما لم يقع إلى الآن فكثير، وقد أخبر بأشياء من المغيبات ووقعت في زمانه، ووجدت كما أخبر، كما في الصحيحين عن سهل بن سعد، عن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: لأعطين هذه الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه فكان كذلك. وفي الصحيحين، عن أبي هريرة قال: شهدنا مع رسول الله ﷺ حنينا، فقال - لرجل ممن يدعي الإسلام -: هذا من أهل النار. فلما حضرنا القتال، قاتل الرجل قتالا شديدا فأصابته جراحة، فقيل: يا رسول الله، الرجل الذي قلت له آنفا: إنه من أهل النار، فإنه قاتل اليوم قتالا شديدا، وقد مات، فقال النبي ﷺ: إلى النار. فكاد بعض المسلمين أن يرتاب، فبينا هم على ذلك إذ قيل: فإنه لم يمت، ولكن به جرحا شديدا، فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه، فأخبر النبي ﷺ بذلك، فقال: الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله. ثم أمر بلالا فنادى في الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وأن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر. ورواه سهل بن سعد.

وفي الصحيحين عن علي رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله ﷺ، وأبا مرثد الغنوي، والزبير بن العوام، والمقداد، وكلنا فارس، فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها امرأة معها كتاب من حاطب إلى المشركين. فأدركناها تسير على بعير لها خبب فقلنا لها: أين الكتاب؟ فقالت: ما معي كتاب. قال: فأنخنا بها، فالتمسنا الكتاب في رحلها، فلم نر كتابا، قال: قلنا: ما كذب رسول الله ﷺ، لتخرجن الكتاب أو لنجردنك. قال: فلما رأت أني أهويت إلى حجزتها، وهي محتجزة بكساء، أخرجت الكتاب من عقاصها، فأخذنا الكتاب فأتينا به رسول الله ﷺ فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: يا حاطب، ما هذا؟ قال: لا تعجل علي، إني كنت امرأ ملصقا في قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ يدا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرا، ولا ارتدادا عن ديني، ولا رضاء بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله ﷺ: إنه قد صدقكم. فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال: إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. فكان في هذا الكتاب إخبار المشركين بأن النبي ﷺ يريد أن يغزوهم، فأعلمه الله بذلك.

وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: نعى رسول الله ﷺ للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه، فخرج إلى المصلى وكبر أربع تكبيرات، وفي رواية عن جابر، قال: إن رسول الله ﷺ صلى على أصحمة النجاشي، وفي لفظ من رواية أبي هريرة، قال: قد مات اليوم عبد الله صالح أصحمة. فأمنا، وصلى عليه. وفي رواية عمران بن حصين قال: إن أخاكم قد مات فصلوا عليه. يعني النجاشي.

وروى موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، ورواها عروة بن الزبير، ومحمد بن إسحاق بمعناه، قال: ثم إن المشركين اشتدوا على رسول الله ﷺ كأشد ما كانوا، حتى بلغ بالمسلمين الجهد، واشتد عليهم البلاء، وأجمعت قريش في مكرها أن يقتلوا رسول الله ﷺ علانية، فلما رأى أبو طالب عمل القوم جمع بني عبد المطلب وأمرهم أن يدخلوا رسول الله ﷺ شعبهم، ويمنعوه ممن أراد قتله، فاجتمعوا على ذلك مسلمهم وكافرهم، فمنهم من فعله حمية، ومنهم من فعله إيمانا ويقينا. فلما عرفت قريش أن القوم قد منعوا الرسول ﷺ، واجتمعوا على ذلك، اجتمع المشركون من قريش، فأجمعوا أمرهم أن لا يجالسوهم، ولا يبايعوهم، ولا يدخلوا بيوتهم حتى يسلموا رسول الله ﷺ للقتل، وكتبوا في مكرهم صحيفة وعهودا ومواثيق، لا يقبلوا من بني هاشم أبدا صلحا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل. فلبث بنو هاشم في شعبهم ثلاث سنين، واشتد عليهم البلاء والجهد، وقطعوا عنهم الأسواق فلم يتركوا طعاما يقدم مكة ولا بيعا إلا بادروهم إليه فاشتروه؛ يريدون بذلك أن يدركوا سفك دم رسول الله ﷺ. زاد ابن إسحاق في روايته قال: حتى كان يسمع صوت صبيانهم يتضاغون من وراء الشعب من الجوع، وعدوا على من أسلم، فأوثقوهم، وآذوهم، واشتد البلاء عليهم، وعظمت الفتنة، وزلزلوا زلزالا شديدا. قال موسى بن عقبة في تمام حديثه: وكان أبو طالب إذا أخذ الناس مضاجعهم أمر رسول الله ﷺ فاضطجع على فراشه حتى يرى ذلك من أراد مكرا به واغتياله، فإذا نوم الناس أمر أحد بنيه أو إخوته، أو بني عمه فاضطجع على فراش رسول الله ﷺ، وأمر رسول الله ﷺ أن يأتي بعض فرشهم فينام عليه. فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم رجال من بني عبد مناف ومن بني قصي ورجال سواهم من قريش قد ولدتهم نساء بني هاشم، ورأوا أنهم قد قطعوا الرحم، واستخفوا بالحق، واجتمع أمرهم من ليلتهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر، والبراءة منه، وبعث الله عز وجل على صحيفتهم التي فيها المكر برسول الله ﷺ الأرضة فلحست كل ما كان فيها من عهد وميثاق، ويقال: كانت معلقة في سقف البيت فلم تترك اسما لله عز وجل فيها إلا لحسته، وبقي ما فيها من شرك أو ظلم أو قطيعة رحم، وأطلع الله رسوله على الذي صنع بصحيفتهم فذكر ذلك رسول الله ﷺ لأبي طالب فقال أبو طالب: لا والثواقب ما كذبني، فانطلق يمشي بعصابة من بني عبد المطلب حتى أتى المسجد وهو حافل من قريش، فلما رأوهم عامدين بجماعتهم أنكروا ذلك، وظنوا أنهم أخرجوا من شدة البلاء فأتوهم ليعطوهم رسول الله ﷺ، فتكلم أبو طالب،= فقال: قد حدثت أمور بينكم لم نذكرها لكم، فائتوا بصحيفتكم التي تعاهدتم عليها، فلعله أن يكون بينكم وبيننا صلح، وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا في صحيفتهم قبل أن يأتوا بها، فأتوا بصحيفتهم معجبين بها، لا يشكون أن الرسول مدفوع إليهم، فوضعوها بينهم، وقالوا: قد آن لكم أن تقبلوا وترجعوا إلى أمر يجمع قومكم، فإنما قطع بيننا وبينكم رجل واحد جعلتموه خطرا لهلكة قومكم وعشيرتكم وفسادهم. فقال أبو طالب: إنما أتيتكم لأعطيكم أمرا فيه نصف، فإن ابن أخي أخبرني ولم يكذبني أن الله عز وجل بريء من هذه الصحيفة التي في أيديكم، ومحا كل اسم هو له فيها، وترك فيها غدركم وقطيعتكم إيانا، وتظاهركم علينا بالظلم، فإن كان الحديث الذي قال ابن أخي كما قال فأفيقوا فوالله لا نسلمه أبدا حتى نموت من عند آخرنا، وإن كان الذي قال باطلا دفعناه إليكم فقتلتموه أو استحييتموه. قالوا: قد رضينا بالذي تقول، ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق المصدوق ﷺ قد أخبر خبرها، فلما رأتها قريش كالذي قال أبو طالب قالوا: والله إن كان هذا إلا سحر من صاحبكم، فارتكسوا وعادوا لشر ما كانوا عليه من كفرهم والشدة على رسول الله ﷺ والمسلمين وعلى رهطه والقيام بما تعاهدوا عليه. فقال أولئك النفر من بني عبد المطلب: إن أولى بالسحر والكذب غيرنا، فكيف ترون؟ فإنا نعلم أن الذي اجتمعتم عليه من قطيعتنا أقرب إلى الجبت والسحر من أمرنا، ولولا أنكم اجتمعتم على السحر لم تفسد صحيفتكم وهي في أيديكم طمس الله ما كان فيها من اسم، وما كان فيها من بغي تركه. أفنحن السحرة أم أنتم؟ فقال عند ذلك النفر من بني عبد مناف وبني قصي ورجال من قريش ولدتهم نساء بني هاشم منهم أبو البختري، والمطعم بن عدي، وزهير بن أبي أمية بن المغيرة، وزمعة بن الأسود، وهشام بن عمرو، وكانت الصحيفة عنده، وهو من بني عامر بن لؤي في رجال من أشرافهم، ووجوههم، نحن براء مما في هذه الصحيفة، فقال أبو جهل: هذا أمر قد قضي بليل. وأنشأ أبو طالب يقول في ذلك الشعر في شأن صحيفتهم، ويمتدح النفر الذين تبرءوا منها، ونقضوا ما كان فيها من عهد، ويمتدح النجاشي. قال موسى بن عقبة: فلما أفسد الله صحيفة مكرهم، خرج النبي ﷺ فعاشوا وخالطوا الناس.

وفي صحيح البخاري، عن عبد الله بن مسعود، قال: انطلق سعد بن معاذ معتمرا، فنزل على أمية بن خلف أبي صفوان، وكان أمية بن خلف إذا انطلق إلى الشام فمر بالمدينة نزل على سعد بن معاذ فقال لأمية: انظر لي ساعة خلوة لعلي أن أطوف بالبيت. قال: انتظر حتى إذا انتصف النهار وغفل الناس انطلقت، فطفت، قال: فخرج به قريبا من نصف النهار فلقيهماأبو جهل فقال: يا أبا صفوان، من هذا معك؟ قال: هذا سعد. فقال أبو جهل: ألا أراك تطوف بالبيت آمنا، وقد أويتم الصباة، وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم، أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالما، فقال له سعد وقد رفع صوته عليه: لئن منعتني من هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه طريقك على المدينة. قال: فقال له أمية: لا ترفع صوتك على أبي الحكم سيد أهل الوادي، فقال سعد: دعنا منك يا أمية فوالله لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنه قاتلك. قال: بمكة؟ قال: لا أدري. ففزع لذلك أمية فزعا شديدا، وقال: والله ما يكذب محمد فلما رجع أمية إلى أهله قال: يا أم صفوان ألم تري إلى ما قال لي سعد؟ قالت: وما قال لك؟ قال: زعم أن محمدا أخبرهم أنه قاتلي، فقلت له: بمكة؟ فقال: لا أدري، فقالت: والله ما يكذب محمد فقال أمية: والله لا أخرج من مكة. فلما كان يوم بدر استنصر أبو جهل الناس، فقال: أدركوا عيركم. قال: فكره أمية أن يخرج، فأتاه أبو جهل، فقال: يا أبا صفوان، إنك متى يراك الناس قد تخلفت وأنت سيد أهل الوادي تخلفوا معك، فلم يزل أبو جهل حتى قال: إذ غلبتني فوالله لأشترين أجود بعير بمكة قال: يا أم صفوان جهزيني. فقالت له: يا أبا صفوان قد نسيت ما قال لك أخوك اليثربي. قال: لا، وما أريد أن أجوز معهم إلا قريبا. قال: فلما خرج أمية جعل لا ينزل منزلا إلا عقل بعيره فلم يزل كذلك حتى قتله الله ببدر. وعن كعب بن مالك قال: كان أبي بن خلف أخو بني جمح قد حلف وهو بمكة ليقتلن رسول الله ﷺ. فلما بلغت رسول الله ﷺ حلفته، قال رسول الله ﷺ: بل أنا أقتله - إن شاء الله عز وجل -. فأقبل أبي مقنعا في الحديد، وهو يقول: لا نجوت إن نجا محمد، فحمل على رسول الله ﷺ يريد قتله، فاستقبله مصعب بن عمير من بني عبد الدار يقي رسول الله ﷺ بنفسه، فقتل مصعب بن عمير، وأبصر النبي ﷺ ترقوة أبي بن خلف من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة، فطعنه فيها بحربته، فوقع أبي عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم فأتاه أصحابه، فاحتملوه، وهو يخور خوار الثور، فقالوا: ما أجزعك! إنما هو خدش، فذكر لهم قول رسول الله ﷺ: أنا أقتل أبيا، ثم قال: والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون، فمات إلى النار. ورواه موسى بن عقبة، عن ابن شهاب الزهري عن سعيد بن المسيب، وذكره الواقدي بإسناده، وهذا لفظه، وهو مما ذكره عروة بن الزبير في مغازيه، وابن إسحاق، وغيره.

وذكر موسى بن عقبة في مغازيه أن عمير بن وهب الجمحي لما رجع فل المشركين إلى مكة، وقد قتل الله من قتل منهم، أقبل عمير حتى جلس إلى صفوان بن أمية في الحجر، فقال صفوان: قبح الله العيش بعد قتلى بدر. قال: أجل، والله ما في العيش خير بعدهم، ولولا دين علي لا أجد له قضاء، وعيال لا أدع لهم شيئا لرحلت إلى محمد فقتلته إن ملأت عيني منه، فإن لي عنده علة أعتل بها، أقول قدمت على ابني أفدي هذا الأسير، ففرح صفوان بقوله، وقال له: علي دينك، وعيالك أسوة عيالي في النفقة، فحمله صفوان وجهزه، وأمر بسيف عمير فصقل وسم، فأقبل عمير حتى قدم المدينة فنزل بباب المسجد، وعقل راحلته، وأخذ السيف فعمد لرسول الله ﷺ، فنظر عمر بن الخطاب إليه، وهو في نفر من الأنصار يتحدثون، فقال عمر: عندكم الكلب، هذا عدو الله الذي حرش بيننا يوم بدر، وحزرنا للقوم. ثم قام عمر حتى دخل على رسول الله ﷺ إلى أن قال: قال رسول الله ﷺ: ما أقدمك؟ قال: أسيري عندكم، ففادونا في أسرائنا فإنكم العشيرة والأهل، قال: فما بال السيف في عنقك؟ قال عمير: قبحها الله من سيوف فهل أغنت عنا شيئا؟ إنما نسيته في عنقي حين نزلت، فقال له رسول الله ﷺ: اصدقني ما أقدمك؟ قال: ما قدمت إلا في أسيري. قال: فماذا شرطت لصفوان بن أمية في الحجر؟ ففزع عمير وقال: ماذا شرطت؟ قال: تحملت له بقتلي على أن يعول بيتك، ويقضي دينك، والله حائل بينك وبين ذلك. فقال عمير: أشهد أنك رسول الله، وأن لا إله إلا الله، كنا نكذبك بالوحي، وبما يأتيك من السماء، وهذا الحديث كان بيني وبين صفوان في الحجر لم يطلع عليه أحد غيري وغيره، فأخبرك الله به. وذكر بقية الحديث.

وفي صحيح البخاري عن أنس قال: بعث رسول الله ﷺ أقواما من بني سليم إلى بني عامر في سبعين، فلما قدموا قال لهم خالي: أتقدمكم فإن أمنوني حتى أبلغهم عن رسول الله ﷺ، وإلا كنتم مني قريبا، فأمنوه، فبينما هو يحدثهم عن النبي ﷺ إذ أومئوا إلى رجل منهم فطعنه فأنفذه، قال: فزت ورب الكعبة، ثم مالوا على بقية أصحابه فقتلوهم إلا رجلا أعرج صعد الجبل وآخر معه، فأخبر جبريل النبي ﷺ أنهم قد لقوا ربهم فرضي الله عنهم وأرضاهم. فكنا نقرأ أن بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا، ثم نسخ فدعا عليهم أربعين صباحا على رعل، وذكوان وبني لحيان، وعصية الذين عصوا الله ورسوله، وكان في هؤلاء عامر بن فهيرة، قال عنه عامر بن الطفيل: لقد رأيته بعدما قتل رفع إلى السماء حتى إني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض.

وفي الصحيحين من حديث أبي حميد الساعدي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فأتينا وادي القرى على حديقة لامرأة، فقال رسول الله ﷺ: أخرصوها، فخرصناها، وخرصها رسول الله ﷺ عشرة أوسق، قال: أحصيها حتى نرجع إليك إن شاء الله تعالى، فانطلقنا حتى قدمنا تبوك فقال النبي ﷺ: ستهب عليكم الليلة ريح شديدة فلا يقم فيها أحد فمن كان له بعير فليشد عقاله فهبت ريح شديدة فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبل طيئ.

وروى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: كان الذي أسر العباس بن عبد المطلب أبو اليسر بن عمرو وهو كعب بن عمرو أحد بني سلمة. فقال له رسول الله ﷺ: كيف أسرته يا أبا اليسر؟ فقال: لقد أعانني عليه رجل ما رأيته بعد ولا قبل، هيئته كذا وكذا. فقال رسول الله ﷺ: لقد أعانك عليه ملك كريم. وقال للعباس: يا عباس، افد نفسك وابن أخيك عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث وحليفك عتبة بن جحدم، أخو بني الحارث بن فهر. قال: فإني قد كنت مسلما قبل ذلك وإنما استكرهوني. قال: الله أعلم بشأنك، إن يك ما تدعي حقا فالله يجزيك بذلك، وأما ظاهر أمرك فقد كان علينا، فافد نفسك. وقد كان رسول الله ﷺ قد أخذ منه عشرين أوقية ذهبا. فقال: يا رسول الله، احسبها لي من فداي. قال: لا، ذلك شيء أعطانا الله منك. قال: فإنه ليس لي مال. قال: فأين المال الذي وضعته بمكة حين خرجت عند أم الفضل وليس معك أحد غيركما؟ فقلت: إن أصبت في سفري هذا فللفضل كذا، ولقثم كذا، ولعبد الله كذا. قال فوالذي بعثك بالحق ما علم بهذا أحد من الناس غيري وغيرها وإني أعلم أنك لرسول الله.

وفي صحيح البخاري لما أرسل النبي ﷺ الجيش في غزوة مؤتة، وأمر عليهم زيد بن حارثة، وقال إن قتل فجعفر فإن قتل فعبد الله بن رواحة. فروى البخاري عن أنس بن مالك قال: نعى رسول الله ﷺ زيدا، وجعفرا، وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب، وإن عيني رسول الله ﷺ لتذرفان، ثم أخذها خالد بن الوليد سيف من سيوف الله، حتى فتح الله عليهم

فصل: آيات النبي المتعلقة بالقدرة والفعل والتأثير

وآياته ﷺ المتعلقة بالقدرة والفعل والتأثير أنواع، الأول منها: ما هو في العالم العلوي كانشقاق القمر، وحراسة السماء بالشهب الحراسة التامة لما بعث، كمعراجه إلى السماء، فقد ذكر الله انشقاق القمر، وبين أن الله فعله، وأخبر به لحكمتين عظيمتين:

أحدهما: كونه من آيات النبوة، لما سأله المشركون آية، فأراهم انشقاق القمر.

والثانية: أنه دلالة على جواز انشقاق الفلك، وأن ذلك دليل على ما أخبرت به الأنبياء من انشقاق السماوات، ولهذا قال تعالى:

اقتربت الساعة وانشق القمر * وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر * وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر * ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر * حكمة بالغة فما تغن النذر * فتول عنهم يوم يدعو الداعي إلى شيء نكر * خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر *.

فذكر اقتراب الساعة، وانشقاق القمر، وجعل الآية في انشقاق القمر دون الشمس وسائر الكواكب؛ لأنه أقرب إلى الأرض من الشمس والنجوم، وكان الانشقاق فيه دون سائر أجزاء الفلك؛ إذ هو الجسم المستنير الذي يظهر فيه الانشقاق لكل من يراه ظهورا لا يتمارى فيه، وأنه - نفسه - إذا قبل الانشاق فقبول محله أولى بذلك، وقد عاينه الناس وشاهدوه، وكان النبي ﷺ يقرأ بهذه السورة في المجامع الكبار مثل: صلاة الجمعة، والعيدين ليسمع الناس ما فيها من آيات النبوة، ودلائلها، والاعتبار بما فيها. وكل الناس يقر بذلك ولا ينكره، فعلم أن انشقاق القمر كان معلوما عند الناس عامة. وفي صحيح مسلم أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي: ما كان يقرأ به رسول الله ﷺ في الأضحى والفطر؟ فقال: كان يقرأ فيهما ب (ق والقرآن المجيد) و (اقتربت الساعة وانشق القمر).

ومعلوم بالضرورة في مطرد العادة أنه لو لم يكن انشق لأسرع المؤمنون به إلى تكذيب ذلك، فضلا عن أعدائه الكفار والمنافقين، ومعلوم أنه كان من أحرص الناس على تصديق الخلق له واتباعهم إياه، فلو لم يكن انشق لما كان يخبر به ويقرؤه على جميع الناس، ويستدل به، ويجعله آية له.

وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال: إن أهل مكة سألوا نبي الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر مرتين. وعنه قال: إن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية فانشق القمر فرقتين. ورواه الترمذي، وزاد فيه فنزلت: اقتربت الساعة وانشق القمر - إلى قوله تعالى - سحر مستمر. يقول: ذاهب.

وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ شقتين، فقال رسول الله ﷺ: اشهدوا.

وعن ابن مسعود أيضا قال: رأيت القمر منشقا شقتين بمكة قبل مخرج النبي ﷺ، شقة على جبل أبي قبيس، وشقة على السويداء فقال كفار قريش - أهل مكة -: هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة، انظروا السفار فإن كانوا رأوا مثل ما رأيتم فقد صدق، وإن لم يكونوا رأوا مثل ما رأيتم فهو سحر. قال: فسئل السفار، وقدموا من كل وجه، فقالوا: رأينا. رواه البخاري ومسلم.

وروى البخاري، عن ابن عباس أنه قال: انشق القمر على زمان رسول الله ﷺ. وروى مسلم، عن ابن عمر في قوله تعالى: اقتربت الساعة وانشق القمر. قال: قد كان ذلك على عهد رسول الله ﷺ انشق القمر فلقتين، فلقة من دون الجبل، وفلقة من خلف الجبل، فقال رسول الله ﷺ: اللهم اشهد.

وعن جبير بن مطعم قال: انشق القمر ونحن بمكة حتى صار فرقتين على هذا الجبل، وعلى هذا الجبل، فقال الناس: سحرنا محمد! قال رجل: إن كان سحركم فلم يسحر الناس كلهم. رواه الترمذي.

وكذلك صعوده ليلة المعراج إلى ما فوق السماوات، وهذا مما تواترت به الأحاديث وأخبر به القرآن، أخبر بمسراه ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهو بيت المقدس، وفي موضع آخر بصعوده إلى السماوات، فقال تعالى: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير. فأخبر هنا بمسراه ليلا بين المسجدين، وأخبر أنه فعل ذلك ليريه من آياته. ومعلوم أن الأرض قد رأى سائر الناس ما فيها من الآيات، فعلم أن ذلك ليريه آيات لم يرها عموم الناس، كما قال في السورة الأخرى: أفتمارونه على ما يرى * ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى * إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى * لقد رأى من آيات ربه الكبرى. وفي الصحيحين عن ابن عباس في قوله تعالى: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس. قال: هي رؤيا عين أريها النبي ﷺ ليلة أسري به. فكان في إخباره بالمسرى - لنريه من آياتنا - بيان أنه رأى من آياته ما لم يره الناس، وقد بين ذلك في السورة الأخرى فإنه رأى جبريل عند سدرة المنتهى: عندها جنة المأوى * إذ يغشى السدرة ما يغشى؛ وأنه رأى بالبصر آيات ربه الكبرى، وذكر في تلك السورة المسرى؛ لأنه أمكنه أن يقيم عليه برهانا. فإنه لما أخبرهم به فكذبه من كذبه، وتعجبوا من ذلك، سألوه عن نعته وصفته، فنعته لهم لم يخرم من النعت شيئا، وأخبر خبر عيرهم التي كانت في الطريق، فظهر لهم صدقه، وكان صدقه في هذا آية على صدقه فيما غاب عنهم، وكان قطع المسافة البعيدة في الزمان اليسير لأجل ما أراه من الآيات التي تختص برؤيتها الأنبياء. وبهذا تميز عمن يقطع المسافة كرامة لولي أو بتسخير الجن، كما في قصة بلقيس حيث قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين * قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك. فإن قطع الجسم للمسافة البعيدة إنما كان لما أوتيه سليمان من الملك، كما كانت الريح: تجري بأمره رخاء حيث أصاب * والشياطين كل بناء وغواص * وآخرين مقرنين في الأصفاد *. وهذا تسخير ملكي. وقطع محمد ﷺ كان لما أراه الله من الآيات التي ميزه بها على سائر النبيين، وكان ذلك فتنة: أي محنة وابتلاء للناس، ليتبين من يؤمن به ممن يكذبه. وأحاديث المعراج وصعوده إلى ما فوق السماوات، وفرض الرب عليه الصلوات الخمس حينئذ، ورؤيته لما رآه من الآيات، والجنة والنار، والملائكة والأنبياء، في السماوات والبيت المعمور، وسدرة المنتهى، وغير ذلك، معروف متواتر في الأحاديث، وهذا النوع لم يكن لغيره من الأنبياء مثله، يظهر به تحقيق قوله تعالى: تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس. فالدرجات التي رفعها محمد ليلة المعراج، وسيرفعها في الآخرة في المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، الذي ليس لغيره مثله.

ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة، وأبي ذر، ومن رواية ابن عباس، وأبي حبة الأنصاري، وغيرهم؛

فروى أنس: أن رسول الله ﷺ قال: أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى بصره، قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس. قال: فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء، قال: ثم دخلت المسجد، فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جبريل بإناء من خمر، وإناء من لبن فاخترت اللبن، فقال جبريل "عليه السلام": اخترت الفطرة، ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. قال: ففتح لنا فإذا أنا بآدم فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل "عليه السلام"، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ. قيل: وبعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. قال: ففتح لنا، فإذا أنا بابني الخالة عيسى، ويحيى بن زكريا عليهما السلام، فرحبا بي، ودعوا لي بخير، ثم عرج بي إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف "عليه السلام"، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن قال: فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل قيل: من هذا؟ قال: جبريل قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بإدريس ﷺ فرحب ودعا لي بخير، قال الله عز وجل: ورفعناه مكانا عليا، ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل "عليه السلام"، فقيل من هذا؟ قال: جبريل قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بهارون ﷺ، فرحب ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل "عليه السلام"، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ. قيل أوقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بموسى "عليه السلام"، فرحب ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل "عليه السلام"، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بإبراهيم ﷺ مسند ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، فإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، فأوحى الله إلي ما أوحى، ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى "عليه السلام"، فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة. قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم. قال: فرجعت إلى ربي فقلت: رب، خفف عن أمتي، فحط عني خمسا، فرجعت إلى موسى "عليه السلام"، فقلت: حط عني خمس، قال: فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. قال: فلم أزل أرجع بين ربي تبارك وتعالى وبين موسى "عليه السلام" حتى قال لي: يا محمد، إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر، فتلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة. قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى "عليه السلام"، فأخبرته، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقال رسول الله ﷺ: فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه. وفي رواية قال: فأتيت فانطلق بي إلى زمزم فشرح عن صدري، ثم غسل بماء زمزم، ثم أنزلت طست من ذهب مملوءة حكما وإيمانا، فحشي بها صدري. وفي رواية: فشق من النحر إلى مراق البطن. وقال عن البيت المعمور: فقلت: ما هذا؟ قال: بناء بناه الله لملائكته يدخل فيه كل يوم سبعون ألف ملك يقدسون الله ويسبحونه، لا يعودون إليه. وفي حديث أبي ذر: فنزل جبريل، ففرج صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا، فأفرغها في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا، فلما جئنا السماء الدنيا قال جبريل لخازن سماء الدنيا: افتح. قال: من هذا؟ قال: جبريل. قال: هل معك أحد؟ قال: نعم معي محمد ﷺ. فلما علونا السماء فإذا رجل عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة، قال: فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر عن شماله بكى، قال: مرحبا بالابن الصالح، والنبي الصالح. قال: قلت: يا جبريل، من هذا؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه، وعن شماله نسم بنيه، فأهل اليمين أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار. قال الزهري: وأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري يقولان: قال رسول الله ﷺ: ثم عرج بي حتى ظهرت بمستوى أسمع منه صريف الأقلام.

وفي صحيح مسلم، عن عبد الله بن مسعود قال: لما أسري برسول الله ﷺ انتهي به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السابعة، إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض، فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها، فيقبض منها، قال: إذ يغشى السدرة ما يغشى. قال: فراش من ذهب، قال: فأعطي رسول الله ﷺ ثلاثا: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لم يشرك بالله شيئا من أمته المقحمات.

وعنه في قوله عز وجل: فكان قاب قوسين أو أدنى. قال: إن النبي ﷺ رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح.

وفي الصحيحين عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: لما كذبتني قريش قمت في الحجر، فجلى الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته، وأنا أنظر إليه.

وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: لقد رأيتني في الحجر، وقريش تسألني عن مسراي فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها فكربت كربة ما كربت مثلها قط، قال: فرفعه الله لي أنظر إليه ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به.

وصعود الآدمي ببدنه إلى السماء قد ثبت في أمر المسيح عيسى بن مريم "عليه السلام"، فإنه صعد إلى السماء، وسوف ينزل إلى الأرض، وهذا مما يوافق النصارى عليه المسلمين، فإنهم يقولون: إن المسيح صعد إلى السماء ببدنه وروحه كما يقوله المسلمون، ويقولون: إنه سوف ينزل إلى الأرض أيضا كما يقوله المسلمون، وكما أخبر به النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة، لكن كثيرا من النصارى يقولون: إنه صعد بعد أن صلب وإنه قام من القبر، وكثير من اليهود يقولون إنه صلب ولم يصعد، ولم يقم من قبره. وأما المسلمون وكثير من النصارى فيقولون: إنه لم يصلب ولكن صعد إلى السماء بلا صلب. والمسلمون، ومن وافقهم من النصارى يقولون: إنه ينزل إلى الأرض قبل القيامة، وإن نزوله من أشراط الساعة كما دل على ذلك الكتاب والسنة. وكثير من النصارى يقولون: إن نزوله هو يوم القيامة، وإنه هو الله الذي يحاسب الخلق، وكذلك إدريس صعد إلى السماء ببدنه، وكذلك عند أهل الكتاب أن إلياس صعد إلى السماء ببدنه.[3]

ومن أنكر صعود بدن إلى السماء من المتفلسفة فعمدته شيئان:

أحدهما: أن الجسم الثقيل لا يصعد، وهذا في غاية الضعف.

فإن صعود الأجسام الثقيلة إلى الهواء مما تواترت به الأخبار في أمور متعددة، مثل عرش بلقيس الذي حمل من اليمن إلى الشام في لحظة، ولما قال سليمان: يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون. ومثل حمل الريح لسليمان "عليه السلام" وعسكره لما كان يحمل البساط في الهواء، وهو جالس عليه بأصحابه، ومثل حمل قرى قوم لوط، ثم إلقائها في الهواء، ومثل المسرى إلى بيت المقدس الذي ظهر صدق الرسول بخبره. وبهذا يظهر جوابهم عن إنكارهم انشقاق القمر، فإن عمدتهم فيه أن الفلك لا يقبل الانشقاق، وقد عرف فساد ذلك عقلا وسمعا، وتواتر عن الأنبياء أنهم أخبروا بانشقاق السماوات، وإيضاح الرد على هؤلاء أن ما يثبتونه من أن الحركة لا بد لها من جهة ومحدد يحدد الجهات، إنما يدل على الافتقار إلى جنس المحدد، لا يدل على الاحتياج إلى محدد معين. فإذا قدر أنه خلق وراء المحدد محددا آخر، وخرق الأول حصل به المقصود، وهكذا عامة أدلتهم، إنما تدل على شيء مطلق، لكن يعينونه بلا حجة فيغلطون في التعيين، كدليلهم على دوام الفاعلية أو الحركة أو زمانها، فإن ذلك لا يدل على الحركة الفلكية، وأن الزمان هو مقدار الحركة، بل إذا كان الله قد خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام كما أخبرت به الرسل، لم تكن تلك الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض هي مقدار حركة الشمس التي هي مما خلق في تلك الأيام. بل وقد أخبر الله تعالى أنه كان عرشه على الماء قبل أن يخلق السماوات والأرض، وأخبر أنه خلق السماوات من دخان، وهو بخار الماء. فإذا كان قبل هذه الحركات المشهودة حركات أخر لأجسام غير هذه الأجسام المشهودة، لم يكن هذا مناقضا لما دل عليه العقل.

ورجال كثير في زماننا وغير زماننا يحملون من مكان إلى مكان في الهواء، وهذا مما تواتر عندنا وعند من يعرف ذلك. وأيضا فمعلوم أن النار والهواء الخفيف تحرك حركة قسرية فيهبط، والتراب والماء الثقيلان يحركان حركة قسرية فيصعد، وهذا مما جرت به العادة.

والشبهة الثانية: ظن بعض المتفلسفة كأرسطو وشيعته أن الأفلاك لا تقبل الانشقاق، وحجتهم على ذلك في غاية الضعف، فإنهم قالوا: لو كانت تقبل الانشقاق لكان المحدد للأفلاك المحرك لها يتحرك حركة مستقيمة، والحركة المستقيمة تحتاج إلى خلاء خارج العالم، ولا خلاء هناك. وهذه الحجة فاسدة من وجوه: منها: أنها تدل على ذلك في الفلك الأعلى، لا فيما دونه، كفلك القمر وغيره، وهذا مما أجابهم به الرازي وغيره. ومنها: أن وجود أجسام خارج الفلك كوجود الفلك في حيزه يحتاج إلى خلاء. وقوله بنفي الخلاء خارجه كقوله بنفي الخلاء عن حيزه، فإن كان الخلاء عدما محضا فهو منتف في الجانبين. وإن قيل: إنه أمر وجودي لزم أن يحتاج إليه في الموضعين، وحينئذ فيبطل القول بنفيه. وكذلك ما يذكرونه في قدم العالم، فليس مع القوم دليل واحد عقلي صحيح يناقض ما أخبرت به الرسل، ولكن قد تناقض ما يظنه بعض أهل الكلام من دين الرسل كما قد بسط في غير هذا الموضع.

والنوع الثاني: آيات الجو، كاستسقائه ﷺ، واستصحائه، وطاعة السحاب له، ونزول المطر بدعائه ﷺ. ففي الصحيحين عن أنس بن مالك أن رجلا دخل المسجد في يوم جمعة من باب كان نحو دار القضاء، ورسول الله ﷺ قائما يخطب، فاستقبل رسول الله ﷺ قائما، ثم قال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه، ثم قال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا. قالأنس: فلا والله ما نرى في السماء من سحاب، ولا من قزعة، وأن السماء لمثل الزجاجة، وما بيننا وبين سلع من دار فوالذي نفسي بيده ما وضع يديه حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر عن لحيته. وفي رواية أخرى: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، قال: فلا والله ما رأينا الشمس سبتا، قال: ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسول الله ﷺ قائما يخطب، فاستقبله قائما فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنا، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه، ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام، والظراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر. قال: فما يشير بيده إلى ناحية إلا تفرجت حتى رأيت المدينة في مثل الجوبة، وسال الوادي قناة شهرا، ولم يجئ أحد من ناحية إلا أخبر بجود. ومن هذا الباب: نصر الله بالريح التي قال الله فيها: يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا

قال مجاهد: يعني ريح الصبا، أرسلت على الأحزاب يوم الخندق حتى كفأت قدورهم على أفواهها، ونزعت فساطيطهم. وجنودا لم تروها: يعني الملائكة. وفي صحيح مسلم، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور. وفي المغازي والسير قصة الأحزاب، وكيف أرسلت عليهم الريح والملائكة وانهزموا بغير قتال، معروف.

تصرفه عليه السلام في الحيوان من آيات نبوته

والنوع الثالث: تصرفه في الحيوان: الإنس، والجن، والبهائم.

فروي عن عبد الله بن جعفر قال: أردفني رسول الله ﷺ ذات يوم فأسر إلي حديثا لا أحدث به أحدا من الناس، قال: وكان أحب ما استتر به هدف أو حائش نخل، فدخل حائط رجل من الأنصار، فإذا جمل فلما رأى النبي ﷺ حن وذرفت عيناه، فأتاه النبي ﷺ فمسح رأسه، وذفراه فسكن، قال: لمن هذا الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار فقال: هو لي يا رسول الله، فقال له رسول الله ﷺ: ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؟ فإنه شكا إلي أنك تجيعه، وتدئبه. روى مسلم بعضه وبعضه على شرطه، ورواه أبو داود وغيره.

وروى أحمد، والدارمي وغيرهما عن جابر قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ من سفر، حتى إذا دفعنا إلى حائط من حيطان بني النجار إذا فيه جمل لا يدخل الحائط أحد إلا شد عليه، فذكروا ذلك للنبي ﷺ، فجاء حتى أتى الحائط فدعا البعير، فجاء واضعا مشفره إلى الأرض، حتى برك بين يديه، قال: فقال النبي ﷺ: هاتوا خطاما. فخطمه ودفعه إلى صاحبه. قال: ثم التفت إلى الناس فقال: إنه ليس شيء بين السماء والأرض إلا يعلم أني رسول الله، إلا عاصي الجن والإنس.

وروى الطبراني، عن جابر قال: خرجنا في غزوة ذات الرقاع حتى إذا كنا بحرة واقم، عرضت امرأة بدوية بابن لها إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، هذا ابني قد غلبني عليه الشيطان، قال: فأدنيه مني، فأدنته، فقال: افتحي فمه، فبصق فيه رسول الله ﷺ وقال: اخسأ عدو الله، وأنا رسول الله، ثلاث مرات ثم قال: شأنك بابنك، ليس عليه بأس فلن يعود إليه شيء مما كان يصيبه. وذكر قصة الشجرتين إلى أن قال: فنزلنا في واد من أودية بني محارب فعرض له رجل من بني محارب يقال له: غورث بن الحارث، والنبي ﷺ متقلد سيفه، فقال: يا محمد، أعطني سيفك هذا، فسله فناوله إياه، ونظر إليه ساعة، ثم أقبل على النبي ﷺ، فقال: يا محمد، من يمنعك مني؟ فارتعدت يده حتى سقط السيف من يده، فتناوله رسول الله ﷺ ثم قال: يا غورث، من يمنعك مني؟ قال: لا أحد، قال: ثم أقبلنا راجعين، فجاء رجل من أصحاب النبي ﷺ بعش طير يحمله، وفيه فراخ، وأبواه يتبعانه، ويقعان على يد الرجل، فأقبل النبي ﷺ على من كان معه، فقال: أتعجبون بفعل هذا الطير وبفراخهما؟ زاد في رواية: فربكم أرحم بكم من هذا الطير بفراخه، ثم أقبلنا راجعين حتى إذا كنا بحرة واقم، عرضت لنا المرأة التي جاءت بابنها بوطب من لبن وشاة، فأهدته له، فقال: ما فعل ابنك؟ هل أصابه شيء مما كان يصيبه؟ قالت: لا، والذي بعثك بالحق ما أصابه شيء مما كان يصيبه، وقبل هديتها، ثم أقبلنا راجعين حتى إذا كنا بمهبط من الحرة، أقبل جمل يرقل، فقال: أتدرون ما قال هذا الجمل؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا جمل جاءني يستعدي على سيده، يزعم أنه كان يحرث عليه منذ سنين، حتى إذا أجربه وأعجفه وكبر سنه أراد نحره، اذهب معه يا جابر إلى صاحبه فائت به. فقلت: ما أعرف صاحبه يا رسول الله. قال: إنه سيدلك عليه. قال: فخرج بين يدي معنقا حتى وقف بي في مجلس بني خطمة فقلت: أين رب هذا الجمل؟ قالوا: فلان، فجئته، فقلت: أجب رسول الله ﷺ. فخرج معي حتى جاء إلى النبي ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: إن جملك هذا يستعدي عليك، يزعم أنك حرثت عليه زمانا حتى أجربته، وأعجفته، وكبر سنه، ثم أردت نحره. قال: والذي بعثك بالحق إن ذلك كذلك. فقال له رسول الله ﷺ: بعنيه. قال: نعم يا رسول الله، فابتاعه منه ثم سيبه في الشجر حتى نصب سناما، فكان إذا اعتل على بعض المهاجرين والأنصار من نواضحهم شيء أعطاه أياه فمكث بذلك زمانا. وهذا الحديث له شواهد، أخرج أهل الصحيح منه قصة الشجرتين، وقصة الذي شهر السيف على رسول الله ﷺ، وقصة الطير رواها أبو داود الطيالسي، وقصة الصبي ذكرها غير واحد.

وروى الإمام أحمد في مسنده عن يعلى بن مرة الثقفي قال: ثلاثة أشياء رأيتهن من رسول الله ﷺ، بينا نحن نسير معه إذ مررنا ببعير يسنى عليه، فلما رآه البعير جرجر ووضع جرانه بالأرض، فوقف عليه النبي ﷺ، فقال: أين صاحب هذا البعير؟ فجاء، فقال: بعنيه. فقال: بل نهبه لك، وهو لأهل بيت، ما لهم معيشة غيره. قال: أما إذ ذكرت هذا من أمره، فإنه شكا كثرة العمل وقلة العلف، فأحسنوا إليه. وفي رواية: أنهم أرادوا نحره. ثم سرنا فنزلنا منزلا، فقال النبي ﷺ: انطلق إلى هاتين الشجرتين، فقل لهما: إن رسول الله ﷺ يقول لكما: أن تجتمعا. فانطلقت، فقلت لهما ذلك، فانتزعت كل واحدة منهما من أصلها، فنزلت كل واحدة إلى صاحبتها فالتفتا جميعا، فقضى رسول الله ﷺ حاجته من ورائهما، ثم لما فرغ عادت كل واحدة منهما مكانها بأمره. وأتته امرأة بصبي لها به لمم، فقالت: يا رسول الله، إن ابني هذا به لمم منذ سبع سنين، يأخذه في كل يوم مرتين فتفل النبي ﷺ في فيه، وقال: اخرج عدو الله أنا رسول الله. فبرئ، فلما رجعنا جاءت أم الغلام بكبشين وشيء من أقط، قالت: والذي بعثك بالحق ما رأينا منه ريبا بعدك، فأخذ أحد الكبشين، والأقط، ورد الكبش الآخر.

وروى هذه القصة أبو يعلى الموصلي، عن أسامة بن زيد رضي الله عنه، ورواه الحاكم في صحيحه قال: سافرت مع رسول الله ﷺ، فرأيت منه عجبا، وذكر الحديث. وفيه أن رسول الله ﷺ قال: للمرأة لما أخرج الشيطان من ابنها إذا رجعنا فأعلمينا ما صنع. ورواه الدارمي أيضا. وروى الدارمي، عن ابن عباس أن امرأة جاءت بابن لها إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، إن ابني به جنون، وإنه يأخذه عند غدائنا وعشائنا، فيخبث علينا، فمسح رسول الله ﷺ صدره، ودعا فثغ ثغة، خرج من جوفه مثل الجرو الأسود فشفي.

وروى أبو داود الطيالسي، عن ابن مسعود قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فدخل رجل غيضة، فأخرج منها بيضة حمرة، فجاءت الحمرة ترف على رأس رسول الله ﷺ وأصحابه، فقال: أيكم فجع هذه؟ فقال رجل من القوم: أنا أخذت بيضتها. فقال: رده رحمة لها.

وروى الحاكم في صحيحه عن سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: ركبنا البحر في سفينة، فانكسرت السفينة، فركبت لوحا من ألواحها، فطرحني في أجمة فيها أسد فلم يرعني إلا به. فقلت: يا أبا الحارث، أنا مولى رسول الله ﷺ، فطأطأ رأسه وغمز بمنكبه شقي، فما زال يغمزني ويهديني الطريق حتى وضعني على الطريق، فلما وضعني على الطريق همهم فظننت أنه يودعني.

وروى الإمام أحمد في مسنده، عن عائشة قالت: كان لآل رسول الله ﷺ وحش، إذا خرج رسول الله ﷺ اشتد ولعب وأقبل وأدبر، فإذا أحس برسول الله ﷺ قد دخل، ربض، فلم يترمرم كراهية أن يؤذيه. ورواه أبو نعيم.

وروى عنها أحمد أيضا أن رسول الله ﷺ كان في نفر من المهاجرين والأنصار، فجاء بعير فسجد له، فقال أصحابه: يا رسول الله، تسجد لك البهائم والشجر، فنحن أحق أن نسجد لك، فقال: لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، ولو أمرها أن تنقل من جبل أصفر إلى جبل أسود ومن جبل أسود إلى جبل أبيض كان ينبغي لها أن تفعله. رواه أحمد، عن عفان، وابن ماجه، عن ابن أبي شيبة، عن عفان، قال: ثنا حماد بن سلمة، ثنا أبي، ثنا علي بن زيد، ثنا سعيد، عن عائشة. وقصة هذا الجمل رواها جماعة.

وروى الإمام أحمد في مسنده، عن أبي سعيد الخدري قال: عدا الذئب على شاة فأخذها فطلبه الراعي، فانتزعها منه، فأقعى الذئب على ذنبه، فقال: ألا تتقي الله تنزع مني رزقا ساقه الله إلي؟ فقال: يا عجبا، ذئب مقع على ذنبه يكلمني كلام الإنس؟ فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك؟ محمد ﷺ بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق. قال: فأقبل الراعي يسوق غنمه حتى دخل المدينة، فزواها إلى زاوية من زواياها، ثم أتى النبي ﷺ فأخبره، فأمر رسول الله ﷺ فنودي: الصلاة جامعة، ثم خرج فقال للأعرابي: أخبرهم، فأخبرهم، فقال رسول الله ﷺ: صدق والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة حتى يكلم السباع الإنس ويكلم الرجل عذبة سوطه، وشراك نعله، ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده. وروى الترمذي آخره وصححه، قال البيهقي: إسناده صحيح، وله شاهد من وجه آخر. ورواه أحمد، عن أبي هريرة قال: وكان الراعي يهوديا، فأسلم. وقال فيه: أعجب من هذا رجل في النخلات بين الحرتين يخبركم بما مضى، وما هو كائن بعدكم.

وفي الصحيحين عن أنس قال: كان بالمدينة فزع فاستعار النبي ﷺ فرسا لأبي طلحة، وكان يقطف، فلما رجع قال: وجدنا فرسكم هذا بحرا، وكان بعد ذلك لا يجارى.

وفي الصحيحين عن سلمة بن الأكوع، وسهل بن سعد، عن النبي ﷺ في غزوة خيبر أنه أرسل إلى علي وهو أرمد العين، فقال: لأعطين الراية رجلا يحبه الله ورسوله، ويحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه، فبصق في عينيه فبرأ كأن لم يكن به وجع قط، وأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم.

وعن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أبيه قتادة بن النعمان أنه أصيبت عينه يوم بدر فسالت على وجنته، فأرادوا أن يقطعوها، فسألوا رسول الله ﷺ، فقال: لا، ودعاه، وغمز حدقته براحته، فكان لا يدري أي عينيه أصيبت، فكانت أحسن عينيه وأحدهما. وفي رواية: فرفع حدقته حتى وضعها موضعها، ثم غمزها براحته، وقال: اللهم اكسبه جمالا. فمات وما يدري من لقيه أي عينيه أصيبت. رواه عنه أهل المغازي. وأنشد ولده بحضرة عمر بن عبد العزيز، وهو خليفة، أقره من حضر ولم ينكروه:

أنا ابن الذي سالت على الخد عينه ** وردت بكف المصطفى أيما رد

فلولا أنه كان معروفا عند التابعين لم يقروه، وهم إنما تلقوا هذا عن الصحابة.

وفي صحيح البخاري، عن البراء بن عازب قال: بعث رسول الله ﷺ إلى أبي رافع اليهودي رجالا من الأنصار وأمر عليهم عبد الله بن عتيك، وكان أبو رافع يؤذي رسول الله ﷺ، ويعين عليه، وكان في حصن له بأرض الحجاز فلما دنوا منه، وقد غربت الشمس، وراح الناس قال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم، فإني منطلق ومتلطف للبواب لعلي أدخل. قال: وأقبل حتى دنا من الباب، وذكر قصة قتله إلى أن قال ثم وضعت السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره فعلمت أنني قد قتلته فجعلت أفتح الأبواب بابا فبابا حتى انتهيت إلى درجة فوضعت رجلي وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض فوقعت في ليلة مقمرة فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامتي، ثم انطلقت حتى جلست عند الباب فقلت: لا أبرح حتى أعلم أقتلته أم لا، فلما صاح الديك قام الناعي على السور فقال: أنعي أبا رافع. قال: فانطلقت إلى أصحابي، فقلت: النجاة النجا، قد قتل الله أبا رافع قال: فانتهينا إلى النبي ﷺ، وحدثناه فقال: ابسط رجلك، فبسطها فمسحها فكأنما لم أشتكها قط.

وفي البخاري، عن يزيد بن أبي عبيد قال: رأيت في ساق سلمة بن الأكوع أثر ضربة، فقلت: يا أبا مسلم ما هذه الضربة؟ قال: هذه ضربة أصابتني يوم خيبر، فقال الناس: أصيب سلمة قال: فأتيت رسول الله ﷺ فنفث فيه ثلاث نفثات فما اشتكيت منها حتى الساعة.

وفي الترمذي وغيره عن عثمان بن حنيف أن رجلا ضريرا أتى رسول الله ﷺ، فقال: ادع الله تعالى أن يعافيني. قال: إن شئت صبرت فهو خير لك، وإن شئت دعوت الله. قال: فادعه، قال: فأمره أن يتوضأ، فيحسن الوضوء، فيصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد، إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضيها لي، اللهم فشفعه في. وفي رواية قال: يا رسول الله، ليس لي قائد، وقد شق علي. وذكر الحديث. فقال عثمان: والله ما تفرقنا ولا طال الحديث بنا حتى دخل الرجل وكأنه لم يكن به ضر قط. قال الترمذي: حديث صحيح.[4]

التأثير في الأشجار والخشب من آيات نبوته عليه السلام

النوع الثالث:[5] آثاره في الأشجار والخشب.

ففي الصحيحين عن جابر بن عبد الله قال: كان المسجد مسقوفا على جذوع النخل، فكان النبي ﷺ إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع المنبر فكان عليه سمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار، حتى جاء النبي ﷺ فوضع يده عليها فسكنت. وفي رواية فصاحت النخلة صياح الصبي.

وفي الصحيح عن جابر: أن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول الله، ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه، فإن لي غلاما نجارا، قال: إن شئت. فعملت له المنبر. فلما كان يوم الجمعة قعد النبي ﷺ على المنبر الذي صنع له، فصاحت النخلة التي كان يخطب عليها حتى كادت أن تنشق، فنزل النبي ﷺ فضمها إليه، فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكت حتى استقرت.

وفي صحيح مسلم من حديث جابر قال: سرنا مع رسول الله ﷺ حتى نزلنا واديا أفيح، فذهب رسول الله ﷺ يقضي حاجته فاتبعته بإداوة من ماء، فنظر رسول الله ﷺ فلم ير شيئا يستتر به، فإذا شجرتان بشاطئ الوادي، فانطلق رسول الله ﷺ إلى إحداهما فأخذ بغصنين من أغصانها، فقال: انقادي علي بإذن الله. فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده، حتى أتى الشجرة الأخرى فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: انقادي علي بإذن الله، فانقادت معه كذلك، حتى إذا كان بالمنصف فيما بينهما فلأم بينهما، حتى جمع بينهما، فقال: التئما علي - بإذن الله تعالى - فالتأمتا عليه. فخرجت أحضر مخافة أن يحس رسول الله ﷺ بقربي فيتباعد، فجلست أحدث نفسي فحانت مني لفتة، فإذا برسول الله ﷺ مقبلا، وإذا الشجرتان قد افترقتا، فقامت كل واحدة منهما على ساق، وذكر الحديث.

وعن ابن عباس قال: جاء رجل من بني عامر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أرني الخاتم الذي بين كتفيك، فإنني من أطب الناس، فقال له رسول الله ﷺ: ألا أريك آية؟ قال: بلى. قال: فنظر إلى نخلة. فقال: ادع ذلك العذق. فجاءه ينقز حتى قام بين يديه، فقال له: ارجع. فرجع.

وفي رواية الترمذي: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: بم أعرف أنك نبي؟ قال: إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة تشهد أني رسول الله. قال: نعم. فدعاها رسول الله ﷺ، فجعل ينزل من النخلة حتى سقط إلى النبي ﷺ، ثم قال: ارجع. فعاد، فأسلم الأعرابي. وروى الدارمي، عن عبد الله بن عمر قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فأقبل أعرابي فلما دنا منه قال له النبي ﷺ: أين تريد؟ قال: إلى أهلي. قال: هل لك في خير؟ قال: ما هو؟ قال: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. فقال: ومن يشهد على ما تقول؟ قال: هذه السلمة. فدعاها رسول الله ﷺ وهي بشاطئ الوادي، فأقبلت تخد الأرض، حتى قامت بين يديه فاستشهدها ثلاثا، فشهدت ثلاثا أنه كما قال، ثم رجعت إلى منبتها، ورجع الأعرابي إليه، فقال: إن اتبعوني أتيتك بهم، وإلا رجعت فكنت معك. ورواه الدارمي أيضا قال فيه: فجاءت النخلة تنقز بين يديه، ثم قال لها: ارجعي فعادت إلى مكانها.

وفي الصحيحين، عن معن بن عبد الرحمن قال: سمعت أبي يقول: سألت مسروقا من آذن النبي ﷺ بالجن ليلة استمعوا القرآن؟ فقال: حدثني أبوك - يعني ابن مسعود - أنه قال: آذنته بهم شجرة. وفي الترمذي، عن علي قال: كنت مع رسول الله ﷺ بمكة، فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبله شجر ولا جبل إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله. رواه الحاكم في صحيحه.

وروى الإمام أحمد، عن أنس بن مالك قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ ذات يوم، وهو جالس حزين قد خضب بالدماء، ضربه بعض أهل مكة فقال له: ما لك؟ قال: فقال: فعل هؤلاء وفعلوا. فقال له جبريل: أتحب أني أريك آية؟ فقال: نعم. فنظر إلى شجرة من وراء الوادي، فقال: ادع تلك الشجرة. فدعاها فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه. فقال: مرها فلترجع إلى مكانها. فقال لها: ارجعي. فرجعت حتى عادت إلى مكانها، فقال النبي ﷺ: حسبي. ورواه أبو يعلى الموصلي في مسنده.

فصل: تكثير الماء والثمار والطعام من آيات النبوة

والنوع الرابع: الماء والطعام والثمار، الذي كان يكثر ببركته فوق العادة، وهذا باب واسع نذكر منه ما تيسر: أما الماء: ففي الصحيحين عن أنس أن النبي ﷺ دعا بماء فأتي بقدح رحراح فجعل القوم يتوضئون، قال: فحزرت ما بين السبعين إلى الثمانين. وفي رواية عنه: أن النبي ﷺ خرج في بعض مخارجه ومعه أناس من أصحابه، فانطلقوا يسيرون، فحضرت الصلاة فلم يجدوا ما يتوضئون به، فانطلق رجل من القوم فجاء بقدح فيه ماء يسير، فأخذه النبي ﷺ فتوضأ ثم مد أصابعه الأربع على القدح ثم قال: قوموا فتوضئوا، وكانوا سبعين أو نحوه. وفيهما عن أنس أيضا أن النبي ﷺ وأصحابه بالزوراء، - والزوراء بالمدينة عند السوق والمسجد ثمه - دعا بقدح فيه ماء فوضع فيه كفه فجعل ينبع بين أصابعه فتوضأ جميع أصحابه.

وفي الصحيحين عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ وحانت صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأتي رسول الله ﷺ بوضوء، فوضع في ذلك الإناء يده، وأمر الناس أن يتوضئوا منه. قال: فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه، حتى توضئوا من عند آخرهم.

وفي الصحيحين عن جابر قال: قد رأيتني مع رسول الله ﷺ، وقد حضرت صلاة العصر، وليس معنا ماء غير فضلة، فجعل في إناء فأتى النبي ﷺ فأدخل يده فيه، وفرج أصابعه، وقال: حي على الوضوء، والبركة من الله. فلقد رأيت الماء يتفجر من بين أصابعه، فتوضأ الناس وشربوا، فجعلت لا آلو ما جعلت في بطني منه، فعلمت أنه بركة، قلت: لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفا وأربعمائة. وفي صحيح البخاري، عن جابر أيضا قال: عطش الناس يوم الحديبية والنبي ﷺ بين يديه ركوة، فتوضأ، فجهش الناس نحوه، فقال: ما لكم؟ قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا ما بين يديك. فوضع يده في الركوة فجعل الماء يثور بين أصابعه كأمثال العيون، فشربنا وتوضأنا. قلت: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة.

وفي البخاري عن البراء بن عازب قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية كنا مع رسول الله ﷺ أربع عشرة مائة، والحديبية بئر، فنزحناها فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النبي ﷺ فأتاها فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ، ثم تمضمض ودعا، ثم صبه فيها، فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا، وكنا ألفا وأربعمائة، أو أكثر من ذلك.

وفي صحيح مسلم، عن سلمة بن الأكوع قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله ﷺ، ونحن أربع عشرة مائة، أو أكثر من ذلك، وعليها خمسون شاة لا ترويها، فقعد رسول الله ﷺ على جبا الركية، فإما دعا وإما بصق فيها، قال: فجاشت فسقينا واستقينا.

وعن ابن عباس قال: ودعا النبي ﷺ بلالا فطلب بلال الماء، ثم جاء، فقال: لا والله ما وجدت الماء. فقال: النبي ﷺ: فهل من شن؟ فأتاه بشن فبسط كفيه فيها فانبعثت من يده عين. قال: فكان ابن مسعود يشرب وغيره يتوضأ.

وعن جابر بن عبد الله قال: غزونا أو سافرنا مع رسول الله ﷺ، ونحن يومئذ بضعة عشر ومائتين، فحضرت الصلاة، فقال رسول الله ﷺ: هل في القوم من طهور؟ فجاء رجل يسعى بإداوة فيها شيء من ماء، وليس في القوم ماء غيره، فصبه رسول الله ﷺ في قدح، ثم توضأ فأحسن الوضوء، ثم انصرف وترك القدح، فركب الناس ذلك القدح وقالوا: تمسحوا تمسحوا. فقال رسول الله ﷺ: على رسلكم. حين سمعهم يقولون ذلك، فوضع رسول الله ﷺ كفه في الماء والقدح، فقال: بسم الله. ثم قال: أسبغوا الطهور. فوالذي هو ابتلاني ببصري لقد رأيت العيون - عيون الماء - تخرج من بين أصابعه، فلم يرفعها حتى توضئوا أجمعون. رواهما الدارمي في مسنده.

وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود قال: كنا نعد الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفا، كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فقل الماء، فقال: اطلبوا فضلة من ماء. فجاءونا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإناء، ثم قال: حي على الوضوء المبارك، والبركة من الله. فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع النبي ﷺ، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل.

وروى مسلم في صحيحه عن معاذ بن جبل قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام غزوة تبوك فكان يجمع الصلاة، فصلى الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا، حتى إذا كان يوم أخر الصلاة، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا، ثم دخل ثم خرج بعد ذلك، فصلى المغرب والعشاء جميعا، ثم قال: إنكم ستأتون غدا - إن شاء الله - عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار، فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئا، حتى آتي. فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان، والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء، فسألهما رسول الله ﷺ: هل مسيتما من مائها شيئا؟ قالا: نعم. فسبهما رسول الله ﷺ وقال لهما ما شاء الله أن يقول، ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلا قليلا، حتى اجتمع شيء، قال: وغسل رسول الله ﷺ فيه يديه ووجهه ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء منهمر، أو قال غزير، فسقى الناس، ثم قال: يوشك - يا معاذ إن طالت بك حياة - أن ترى ما ها هنا قد ملئ جنانا.

وفي صحيح مسلم حديث جابر الذي رواه عبادة بن الوليد، وقد تقدم أوله في قصة الشجرتين، وانقيادهما، ثم افتراقهما، ووضع الغصن على القبرين، وقال في آخره: فأتينا العسكر، فقال رسول الله ﷺ: يا جابر، ناد بوضوء. فقال: ألا وضوء، ألا وضوء. قال: قلت: يا رسول الله، ما وجدت في الركب من قطرة، وكان رجل من الأنصار يبرد لرسول الله ﷺ الماء في أشجاب له، فقال لي: انطلق إلى فلان فانظر هل في أشجابه من شيء؟ قال: فانطلقت إليه، فنظرت فيها فلم أجد فيها إلا قطرة في عزلاء شجب، منها لو أني أفرغه لشربه يابسه. فأتيت رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله، إني لم أجد فيها إلا قطرة في عزلاء شجب، منها لو أني أفرغه لشربه يابسه. قال: اذهب، فأتني به. فأتيته به فأخذه بيده، فجعل يتكلم بشيء لا أدري ما هو، ويغمزه بيده، ثم أعطانيه، ثم فقال: يا جابر، ناد بجفنة الركب. فقلت: يا جفنة الركب. فأتيت بها تحمل، فوضعتها بين يديه، فقال رسول الله ﷺ بيده في الجفنة، فقال: خذ يا جابر، فصب علي وقل: باسم الله. فصببت عليه، وقلت: باسم الله. فرأيت الماء يفور من بين أصابعه ﷺ، ثم فارت الجفنة ودارت حتى امتلأت، فقال: يا جابر، ناد من كانت له حاجة بماء. قال: فأتى الناس، فاستقوا حتى رووا. قال: فقلت: هل بقي أحد له حاجة؟ فرفع رسول الله ﷺ يده من الجفنة وهي ملأى.

وفي الصحيحين، عن عمران بن حصين، قال: كنت مع النبي ﷺ في مسير له فأدلجنا ليلتنا، حتى إذا كان وجه الصبح عرسنا، فغلبتنا أعيننا، حتى بزغت الشمس، فكان أول من استيقظ منا أبو بكر الصديق، وكنا لا نوقظ رسول الله ﷺ من منامه، حتى يكون هو الذي يستيقظ؛ لأنا لا ندري ماذا يحدث له في نومه، ثم استيقظ عمر فجعل يكبر حتى استيقظ رسول الله ﷺ، فلما رفع رأسه ورأى الشمس قد بزغت. قال: ارتحلوا. فسار بنا حتى إذا ابيضت الشمس، نزل فصلى بنا الغداة، فاعتزل رجل من القوم لم يصل معنا، فلما انصرف قال له رسول الله ﷺ: يا فلان، ما منعك أن تصلي معنا؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء. فقال له: عليك بالصعيد، فإنه يكفيك. فتيمم بالصعيد فصلى، ثم عجلني في ركب بين يديه يطلب الماء، وقد عطشنا عطشا شديدا. فبينما نحن نسير إذا نحن بامرأة سادلة رجليها بين مزادتين، فقلنا لها: أين الماء؟ فقالت: إيهاه إيهاه لا ماء لكم. فقلت: كم بين أهلك وبين الماء؟ قالت: مسيرة يوم وليلة. قلنا: انطلقي إلى رسول الله ﷺ. قالت: وما رسول الله؟ فلم نملكها من أمرها شيئا، حتى انطلقنا بها، واستقبلنا بها رسول الله ﷺ فسألها، فأخبرته مثل الذي أخبرتنا، وأخبرته أنها موتمة لها صبيان أيتام. فأمر براويتها فأنيخت، فمج في العزلاوين العلياوين، ثم بعث براويتها فشربنا ونحن أربعون رجلا عطاشا، حتى روينا، وملأنا كل راوية، وملأنا كل قربة معنا وإداوة، وغسلنا صاحبنا غير أنا لم نسق بعيرا، وهي تكاد تتضرج من الماء - يعني المزادتين - ثم قال: هاتوا ما كان عندكم. فجمعنا لها من كسر، وتمر، وصر لها صرة، فقال لها: اذهبي فأطعمي هذا عيالك، واعلمي أنا لم نرزأ من مائك شيئا. فلما أتت أهلها قالت: لقد لقيت أسحر البشر، أو إنه لنبي كما زعم، كان من أمره ذيت وذيت. فهدى الله عز وجل ذلك القوم بتلك المرأة فأسلمت وأسلموا.

وفي الصحيحين عن أبي قتادة قال: خطبنا رسول الله ﷺ، فقال: إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم، وتأتون الماء غدا - إن شاء الله - فانطلق الناس لا يلوي أحد على أحد، وذكر حديث النوم في الوادي، فقال: ثم دعا بميضأة كانت معي فيها شيء من ماء، فتوضأ منها وضوءا دون وضوء، وبقي فيها شيء من ماء، ثم قال: لأبي قتادة: احفظ علينا ميضأتك؛ فسيكون لها نبأ. ثم قال: أصبح الناس فقدوا نبيهم. فقال: أبو بكر، وعمر: إن رسول الله ﷺ يعدكم لم يكن ليخلفكم. وقال الناس: إن رسول الله ﷺ بين أيديكم فإن تطيعوا أبا بكر، وعمر ترشدوا. قال: فانتهينا إلى الناس حين امتد النهار، وحمي كل شيء، وهم يقولون: يا رسول الله، هلكنا عطشا. فقال: لا هلك عليكم. ثم قال: أطلقوا لي غمري. قال: ودعا بالميضأة فجعل رسول الله ﷺ يصب وأبو قتادة يسقيهم، فلم يعد أن رأى الناس ماء في الميضأة، تكابوا عليها. فقال رسول الله ﷺ: أحسنوا الملأ كلكم سيروى. قال: ففعلوا، فجعل رسول الله ﷺ يصب، وأسقيهم حتى ما بقي غيري وغير رسول الله ﷺ، ثم صب، فقال لي: اشرب. فقلت: لا أشرب حتى يشرب رسول الله، قال: إن ساقي القوم آخرهم شربا. فشربت وشرب رسول الله ﷺ، قال: فأتى الناس الماء جامين رواء. قال: عبد الله بن رباح: إني لأحدث بهذا الحديث في مسجد الجامع إذ قال لي عمران بن حصين انظر كيف تحدث، فأنا أحد الركب تلك الليلة. فقلت: أنت أعلم. فقال: ممن أنت؟ قلت: من الأنصار. قال: أنتم أعلم بحديثكم. قال: عمران: لقد شهدت تلك الليلة وما شعرت أن أحدا حفظه كما حفظته.

وفي مسند الإمام أحمد، ورواه أبو يعلى الموصلي، عن البراء بن عازب قال: كنا مع رسول الله ﷺ فأتينا على ركي ذمة، قال: فنزل ستة أنا سابعهم، أو سبعة أنا ثامنهم. قال: فأدليت إلي دلو، ورسول الله ﷺ على شفة الركي، فجعلنا فيها نصفها، أو قريب ثلثيها، فرفعت إلى رسول الله ﷺ قال: فكدت بإنائي أجد سقيا أجعله في حلقي فما وجدت، قال: فغمس رسول الله ﷺ يديه فيها، وقال ما شاء الله أن يقول فأعيدت إلينا الدلو وما فيها، قال: فرأيت آخرنا أخرج بثوب مخافة الغرق قال: وساحت.

وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه طرف منه، عن زياد بن الحارث الصداي قال في آخره: ثم قلنا: يا نبي الله، إن لنا بئرا إذا كان الشتاء وسعنا ماؤها، واجتمعنا عليها، وإذا كان الصيف قل ماؤها، فتفرقنا على مياه حولنا، وقد أسلمنا، وكل من حولنا عدو، فادع الله في بئرنا أن يسعنا ماؤها، فنجتمع عليها ولا نتفرق، فدعا بسبع حصيات فعركهن في يده، ودعا فيهن، ثم قال: اذهبوا بهذه الحصيات فإذا أتيتم البئر، فألقوا واحدة واحدة، واذكروا اسم الله عز وجل. قال الصداي: ففعلنا ما قال لنا، فما استطعنا بعد أن ننظر إلى قعرها.

وروى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: أصبح رسول الله ﷺ ذات يوم وليس في العسكر ماء، فأتاه رجل، فقال: يا رسول الله، ليس في العسكر ماء، قال: هل عندك شيء؟ قال: نعم. قال: فأتني به. قال: فأتاه بإناء فيه شيء من ماء قليل، قال: فجعل رسول الله ﷺ أصابعه في فم الإناء، وفتح أصابعه، قال: فانفجرت من بين أصابعه عيون، وأمر بلالا، فقال: ناد في الناس الوضوء المبارك.

فصل: تكثير الطعام من آيات نبوته عليه الصلاة والسلام

وأما تكثير الطعام ففي الصحيحين عن جابر قال: لما حفر الخندق رأيت رسول الله ﷺ خمصا، فانكفأت إلى امرأتي، فقلت لها: هل عندك شيء؟ فإني رأيت برسول الله ﷺ خمصا شديدا. فأخرجت لي جرابا فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة داجن، قال: فذبحت وطحنت ففرغت إلي فراغي، فقطعتها في برمتها، ثم وليت إلى رسول الله ﷺ، فقالت: لا تفضحني برسول الله ﷺ ومن معه. قال: فجئت فساررته، فقلت: يا رسول الله، إنا ذبحنا بهيمة لنا، وطحنت صاعا من شعير عندنا، فتعال أنت ونفر معك، فصاح رسول الله ﷺ، وقال: يا أهل الخندق إن جابرا قد صنع لكم سورا، فحي هلا بكم، وقال رسول الله ﷺ: لا تنزلن برمتكم، ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء فجئت، وجاء رسول الله ﷺ يقدم الناس، حتى جئت امرأتي فقالت: بك وبك. قال: قد فعلت الذي قلت لي. فأخرجت له عجينا فبصق فيه وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبصق فيها، وبارك ثم قال: ادع لي خابزة فلتخبز معي، واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها. وهم ألف فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه، وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو.

وفي رواية قال جابر: إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة فجاءوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: هذه كدية عرضت. فقال: أنا نازل. فقام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثا لا نذوق ذواقا، فأخذ النبي ﷺ المعول فضرب فعاد كثيبا أهيل، فقلت: يا رسول الله، ائذن لي إلى البيت، فقلت لامرأتي: رأيت من رسول الله ﷺ شيئا ما في ذلك صبر، قالت: عندي شعير، وعناق، فذبحت العناق، وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة، ثم جئت إلى رسول الله ﷺ، والعجين قد انكسر، والبرمة بين الأثافي قد كادت أن تنضج. فقلت: طعيم لي، فقم أنت يا رسول الله، ورجل أو رجلان. قال: كم هو؟ فذكرت له، قال: كثير طيب. قال: قل لها: لا تنزع البرمة، ولا الخبز من التنور حتى آتي. قال: قوموا. فقام المهاجرون، والأنصار. فلما دخل على امرأته قال: ويحك، جاء النبي ﷺ بالمهاجرين والأنصار ومن معهم - إلى أن قال - فلم يزل يكسر ويغرف حتى شبعوا، وبقي بقية، قال: كل هذا، وأهد، فإن الناس أصابتهم مجاعة.

وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال: قال أبو طلحة لأم سليم: قد سمعت صوت رسول الله ﷺ ضعيفا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ فقالت: نعم، فأخرجت أقراصا من شعير، ثم أخذت خمارا لها فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت ثوبي، وردتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله ﷺ، قال: فذهبت به فوجدته جالسا في المسجد ومعه الناس، فقمت عليهم، فقال رسول الله ﷺ: أرسلك أبو طلحة؟ فقلت: نعم. فقال: بالطعام؟ فقلت: نعم. فقال رسول الله ﷺ لمن معه: قوموا. قال: فانطلق، وانطلقت معهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم، قد جاء رسول الله ﷺ بالناس، وليس عندنا ما نطعمهم. فقالت: الله ورسوله أعلم. قال: فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ﷺ، فأقبل رسول الله ﷺ معه حتى دخل، فقال رسول الله ﷺ: هلمي يا أم سليم ما عندك. فأتت بذلك الخبز ففت، وعصرت عليه أم سليم عكة لها فأدمته، ثم قال فيه رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقول، ثم قال: ائذن لعشرة، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا ثم قال: ائذن لعشرة. فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: ائذن لعشرة. فأذن لهم حتى أكل القوم كلهم وشبعوا، والقوم سبعون رجلا أو ثمانون. وفي طريق البخاري ثمانون، وقال في رواية: ثم أكل رسول الله ﷺ وأبو طلحة، وأم سليم، وأنس، وفضل فضلة فأهديناها لجيراننا.

وفي صحيح مسلم، عن سلمة قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة خيبر فأمرنا أن نجمع ما في أزوادنا - يعني من التمر - فبسط نطعا فنثرنا عليه أزوادنا، قال: فتمطيت، وتطاولت فنظرت، فحزرته كربضة شاة، ونحن أربع عشرة مائة، قال: فأكلنا ثم، تطاولت فنظرته فحزرته كربضة الشاة.

وفي الصحيحين عن أبي هريرة وأبي سعيد وسلمة بن الأكوع، واللفظ لمسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال كنا مع رسول الله ﷺ في مسير قال: فنفدت أزواد القوم حتى هموا بنحر بعض حمائلهم، قال: فقال عمر: يا رسول الله، لو جمعت ما بقي من أزواد القوم فدعوت الله عليها. قال: ففعل، فجاء ذو البر ببره، وذو التمر بتمره، وذو النوى بنواه، قيل: وما كانوا يصنعون بالنوى؟ قال: يمصونه، ويشربون عليه الماء. قال: فدعا عليها حتى ملأ القوم أزوادهم، قال: فقال عند ذلك: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيها إلا دخل الجنة. وفي لفظ آخر قال: لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، فقالوا: يا رسول الله، لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا، فأكلنا، وادهنا، فقال رسول الله ﷺ: افعلوا. قال: فجاء عمر، فقال: يا رسول الله، إن فعلت قل الظهر. وفي رواية: ما بقاؤهم بعد إبلهم، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع لهم بالبركة لعل الله أن يجعل في ذلك. فقال رسول الله ﷺ: نعم. فدعا بنطع فبسطه، ثم دعا بفضل أزوادهم. قال: فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، وجعل الآخر يجيء بكف تمر، وجعل يجيء الآخر بكسرة حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير. قال: فدعا رسول الله ﷺ بالبركة، ثم قال: خذوا في أوعيتكم. قال: فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملئوه، قال: فأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة، الحديث.

وروى البخاري من حديث سلمة بن الأكوع قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فأصابنا جهد حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا، فأمرنا نبي الله ﷺ فجمعنا مزاودنا فبسطنا له نطعا، فاجتمع زاد القوم على النطع، قال: فتطاولت لأحزره كم هو، فحزرته كربضة العنز، ونحن أربع عشرة مائة، قال: فأكلنا حتى شبعنا جميعا، ثم حشونا جربنا، فقال نبي الله ﷺ: هل من وضوء؟ قال: فجاء رجل بإدواة فيها نطفة، فأفرغها في قدح، فتوضأنا كلنا ندغفقه دغفقة أربع عشرة مائة. ثم جاء بعد ذلك ثمانية، فقالوا: هل من طهور؟ فقال رسول الله ﷺ: فرغ الوضوء.

وفي صحيح مسلم عن جابر أن أم مالك كانت تهدي للنبي ﷺ في عكة لها سمنا، فيأتيها بنوها فيسألون الأدم، وليس عندهم شيء فتعمد إلى الذي كانت تهدي فيه للنبي ﷺ فتجد فيها سمنا، قال: فما زال يقيم لها أدم بيتها حتى عصرته فأتت النبي ﷺ فقال: عصرتيها؟ فقالت: نعم. قال: لو تركتيها ما زال قائما.

وروى مسلم في صحيحه عن جابر أيضا قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ يستطعمه، فأطعمه شطر وسق شعير، فما زال الرجل يأكل منه وامرأته وضيفهما، حتى كاله فأتى النبي ﷺ فقال: لو لم تكله لأكلتم منه، ولقام لكم. وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال: تزوج النبي ﷺ زينب فدخل بأهله قال: فصنعت أمي أم سليم حيسا، فجعلته في تور من حجارة، فقالت: يا أنس، اذهب بهذا إلى رسول الله ﷺ. فقل: بعثت بهذا أمي إليك وهي تقرئك السلام، وتقول: إن هذا لك منا قليل يا رسول الله. قال: فذهبت بها إلى رسول الله ﷺ فقلت: إن أمي تقرئك السلام وتقول: إن هذا لك منا قليل. فقال: ضعه، ثم قال: اذهب فادع فلانا وفلانا وفلانا ومن لقيت، وسمى رجالا، قال: فدعوت من سمى ومن لقيت، قال الجعد - وهو الراوي عن أنس - عدد كم كانوا؟ قال: كانوا زهاء ثلاثمائة، وقال لي رسول الله ﷺ: يا أنس، هات التور. قال: فدخلوا حتى امتلأت الصفة والحجرة، فقال رسول الله ﷺ: ليتحلق عشرة عشرة، وليأكل كل إنسان مما يليه. قال: فأكلوا حتى شبعوا. قال: فخرجت طائفة، ودخلت طائفة حتى أكلوا كلهم، فقال: يا أنس، ارفع، فرفعت فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت، قال: وجلس طوائف منهم يتحدثون. وذكر نزول آية الحجاب.

وروى البخاري عن أنس أيضا: أن أم سليم عمدت إلى مد من شعير جشته، وجعلت منه خطيفة، وعصرت عكة عندها، ثم بعثتني إلى رسول الله ﷺ، فأتيته وهو في أصحابه فدعوته، قال: ومن معي؟ فجئت، فقلت: إنه يقول: ومن معي. فخرج إليه أبو طلحة فقال: يا رسول الله، إنما هو شيء صنعته أم سليم فدخل فجيء به، وقال: أدخل عشرة. حتى عد أربعين، ثم أكل النبي ﷺ، ثم قام فجعلت أنظر هل نقص منها شيء؟

وعن سمرة بن جندب قال: كنا مع رسول الله ﷺ نتداول قصعة من غدوة إلى الليل، يقوم عشرة ويقعد عشرة، فقلنا: ما كان يمد؟ قال: فمن أي شيء تعجب؟ ما كانت تمد إلا من ههنا، وأشار بيده إلى السماء. رواه النسائي، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، ورواه الدارمي، والحاكم في صحيحه.

وفي البخاري عن أبي هريرة أنه كان يقول: والله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليستتبعني فلم يفعل، ثم مر عمر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليستتبعني فمر فلم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم ﷺ فتبسم حين رآني، وعرف ما في وجهي وما في نفسي، ثم قال: أبا هر، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: الحق، ومضى فاتبعته، فدخل فاستأذن، فأذن لي، فدخلت فوجد لبنا في قدح، فقال: من أين هذا اللبن؟ قالوا: هداه لك فلان، أو فلانة. قال: أبا هر. قلت: لبيك يا رسول الله، قال: الحق أهل الصفة فادعهم لي. قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون إلى أهل ولا إلى مال، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم، وأصاب منها، وأشركهم فيها، فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟ كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، فإذا جاءوا أمرني فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن، ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بد، فأتيتهم فدعوتهم، فأقبلوا، فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت، فقال: يا أبا هر، قلت: لبيك يا رسول الله. قال: خذ فأعطهم. فأخذت القدح، فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح فأعطيه الآخر فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح فأعطيه الآخر فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح حتى انتهيت إلى النبي ﷺ، وقد روي القوم كلهم، فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إلي فتبسم، فقال: أبا هر، قلت: لبيك يا رسول الله. قال: بقيت أنا وأنت. قلت: صدقت يا رسول الله، قال: اقعد فاشرب، فقعدت فشربت، فقال: اشرب. فشربت، فما زال يقول: اشرب، حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكا. قال: فأرني. فأعطيته القدح، فحمد الله وسمى، وشرب الفضلة.

وفي الصحيحين عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قال: كنا مع رسول الله ﷺ ثلاثين ومائة، فقال النبي ﷺ: هل مع أحد منكم طعام؟ فإذا مع رجل صاع من طعام أو نحوه، فعجن، ثم جاء رجل مشعان طويل بغنم يسوقها، فقال النبي ﷺ: أبيعا؟ أم عطية؟ أو قال: هبة؟ قال: بل بيع، فاشترى منه شاة فصنعت، وأمر النبي ﷺ بسواد البطن أن يشوى، وايم الله ما في الثلاثين ومائة إلا من قد حز له النبي ﷺ حزة من سواد بطنها، إن كان شاهدا أعطاه، وإن كان غائبا خبأ له، فجعل منها قصعة، فأكلوا أجمعون، وشبعنا، ففضلت القصعتان فحملناها على البعير، أو كما قال.

فصل: من آيات النبوة تكثير الثمار

وأما تكثير الثمار ففي صحيح البخاري، عن جابر بن عبد الله أن أباه استشهد، وترك دينا، وترك ست بنات، فلما حضر جداد النخل قال: أتيت النبي ﷺ، فقلت: قد علمت أن والدي قد استشهد يوم أحد وترك دينا كثيرا، وإني أحب أن يراك الغرماء. قال: اذهب فبيدر كل تمر على ناحية. ففعلت، ثم دعوته، فلما نظروا إليه كأنهم أغروا بي تلك الساعة، فلما رأى ما يصنعون أطاف حول أعظمها بيدرا ثلاث مرات، ثم جلس عليه، ثم قال لي: ادع لي أصحابك. فما زال يكيل لهم حتى أدى الله عن والدي أمانته، وأنا أرضى أن يؤدي الله عن والدي أمانته، ولا أرجع إلى أخواتي بتمرة، فسلم الله البيادر كلها، حتى إني لأنظر إلى البيدر الذي كان عليه النبي ﷺ كأنها لم تنقص تمرة واحدة. وفي رواية: أن أباه ترك عليه ثلاثين وسقا لرجل من اليهود، فاستنظره جابر، فأبى أن ينظره، فكلم جابر رسول الله ﷺ ليشفع إليه، فجاءه، وكلم اليهودي ليأخذ تمر نخله بالذي له، فأبى، فدخل رسول الله ﷺ النخل فمشى فيها، ثم قال لجابر جد له فأوف له. فجد له بعد ما راح رسول الله ﷺ ثلاثين وسقا، وفضل له سبعة عشر وسقا، فجاء جابر ليخبره بالذي كان، فوجده يصلي العصر، فلما انصرف أخبره بالفضل، فقال: أخبر بذلك ابن الخطاب. فذهب جابر إلى عمر، فأخبره، فقال عمر: لقد علمت حين مشى فيها رسول الله ﷺ ليباركن فيها.

وروى الإمام أحمد والترمذي وغيرهما حديث مزود أبي هريرة قال أحمد، ثنا يونس، ثنا حماد بن زيد، عن المهاجر، عن أبي العالية، عن أبي هريرة قال: أتيت النبي ﷺ بتمرات، وقلت: ادع الله لي فيهن بالبركة. قال: فصفهن بين يديه، قال: ثم دعا، فقال لي: اجعلهن في مزودك، فأدخل يدك ولا تنثره. قال: فجعلت منه كذا وكذا وسقا في سبيل الله، ونأكل ونطعم، وكان لا يفارق حقوي، فلما قتل عثمان انقطع من حقوي فسقط. رواه الترمذي عن عمران بن موسى القزاز، عن حماد بنحوه، وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه. ورواه الحافظ عبد الغني وغيره من طريق أخرى، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ في غزاة، فأصابهم عوز من الطعام فقال يا: أبا هريرة، عندك شيء؟ قلت: شيء من التمر في مزود لي قال: جئ به. فجئت بالمزود، وقال: هات نطعا. فجئت بالنطع فبسطه، فأدخل يده فقبض على التمر، فإذا هو إحدى وعشرين تمرة، قال: ثم قال: بسم الله. فجعل يضع كل تمرة، ويسمي حتى أتى على التمر، فقال به هكذا، فجمعه، فقال: ادع فلانا، وأصحابه، فأكلوا، وشبعوا، وخرجوا، ثم قال: ادع فلانا، وأصحابه، فأكلوا وشبعوا، وخرجوا، قال: وفضل تمر، قال: فقال لي: اقعد. فقعدت فأكل، وأكلت، قال، وفضل تمر فأخذه، فأدخله في المزود، فقال: يا أبا هريرة، إذا أردت شيئا فأدخل يدك ولا تكفأ فيكفأ عليك. قال: فما كنت أريد تمرا إلا أدخلت يدي فأخذت منه خمسين وسقا في سبيل الله عز وجل، وكان معلقا خلف ظهري، فوقع زمان عثمان فذهب. ورواه من طريق يزيد بن أبي منصور عن أبيه عن أبي هريرة قال: أصبت بثلاث: بموت النبي ﷺ، وكنت صويحبه، وخويدمه، وبقتل عثمان، والمزود، وما المزود، كنا مع رسول الله ﷺ فأصاب الناس مخمصة، فقال لي رسول الله ﷺ: هل من شيء يا أبا هريرة؟ فقلت: نعم، شيء من تمر في مزود. قال: فائتني به. فأتيته به، فأدخل يده فأخرج قبضة فبسطها، ثم قال: ادع لي عشرة. فأكلوا حتى شبعوا، ثم أدخل يده فأخرج قبضة فبسطها، ثم قال: ادع لي عشرة. فما زال يصنع كذلك حتى أطعم الجيش كلهم وشبعوا، ثم قال: خذ ما جئت به، وأدخل يدك واقبض، ولا تكفه. قال: أبو هريرة: فقبضت على أكثر مما جئت به، ثم قال أبو هريرة: ألا أحدثكم عما أكلت منه، أكلت حياة رسول الله ﷺ وأطعمت، وحياة أبي بكر وأطعمت، وحياة عمر وأطعمت، وحياة عثمان وأطعمت، فلما قتل عثمان انتهب بيتي وذهب المزود.

وروى الإمام أحمد في مسنده، ثنا يعلى بن عبيد، ثنا إسماعيل، عن قيس، عن دكين بن سعيد المزني قال: أتينا رسول الله ﷺ أربعين وأربعمائة نسأله الطعام، فقال لعمر: اذهب فأطعمهم. فقال: يا رسول الله، ما بقي إلا آصع من تمر ما أراه يقيظني. قال: قال: فأطعمهم. قال: سمع وطاعة. قال: فأخرج عمر المفتاح من حجزته، ففتح الباب، فإذا شبه الفصيل الرابض من تمر، فقال لنا: خذوا. فأخذ كل رجل منا ما أحب، ثم التفت، وكنت من آخر القوم، وكأنا لم نرزأ تمرة. ورواه أبو داود عن عبد الرحيم بن مطرف، عن عيسى بن يونس، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن دكين، قال: أبو عبد الله المقدسي: وإسناده على شرط الصحيح.

فصل: تسخير الأحجار له عليه الصلاة والسلام من أعلام نبوته

وأما النوع الخامس: تأثيره في الأحجار وتصرفه فيها وتسخيرها له؛

ففي صحيح البخاري عن أنس قال: صعد النبي ﷺ أحدا ومعه أبو بكر، وعمر، وعثمان، فرجف بهم الجبل، فقال: اسكن - وضربه برجله - فليس عليك إلا نبي، وصديق، وشهيدان.

وفي الصحيحين عن جابر بن سمرة، عن النبي ﷺ أنه قال: إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن.

وفي الترمذي، عن علي، قال: كنت مع النبي ﷺ بمكة فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبله شجر ولا جبل إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله. ورواه الحاكم في صحيحه.

وفي صحيح مسلم عن سلمة بن الأكوع قال: غزونا مع رسول الله ﷺ حنينا، فلما واجهنا العدو تقدمته، فأعلو ثنية، فاستقبلني رجل من العدو فأرميه بسهم فتوارى عني، فما دريت ما صنع، ونظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى، فالتقوا هم وأصحاب النبي ﷺ، فولى أصحاب النبي ﷺ، وأرجع منهزما، وعلي بردتان متزرا بإحداهما مرتديا بالأخرى، فاستطلق إزاري فجمعتهما جميعا ومررت على رسول الله ﷺ منهزما وهو على بغلته الشهباء، فقال رسول الله ﷺ: لقد رأى ابن الأكوع فزعا. فلما غشوا النبي ﷺ نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من الأرض، واستقبل به وجوههم، فقال: شاهت الوجوه. فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة، فولوا مدبرين، فهزمهم الله.

وفي صحيح مسلم عن العباس بن عبد المطلب قال: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله ﷺ، فلم نفارقه، ورسول الله ﷺ على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي فلما التقى المسلمون، والكفار ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قبل الكفار، قال العباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ أكفها، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله ﷺ إرادة أن لا تسرع، فقال رسول الله ﷺ: أي عباس، ناد أصحاب الشجرة. فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها. يا لبيك يا لبيك. قال: فاقتتلوا والكفار، والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار، ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج. فنظر رسول الله ﷺ، وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال رسول الله ﷺ: هذا حين حمي الوطيس. ثم أخذ رسول الله ﷺ حصيات فرمى وجوه الكفار، ثم قال: انهزموا ورب الكعبة. قال: فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى، فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلا، وأمرهم مدبرا حتى هزمهم الله، وقد قال الله تعالى عن يوم بدر: { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى }

وروى ابن إسحاق عن جماعة، منهم عروة والزهري وعاصم بن عمر وغيرهم، قالوا: فكان رسول الله ﷺ في العريش هو، وأبو بكر ما معهما غيرهما، وقد تدانى القوم بعضهم من بعض، فجعل رسول الله ﷺ يناشد ربه ما وعده من نصره ويقول: اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد. وأبو بكر يقول: بعد مناشدتك ربك يا رسول الله فإن الله سينجز لك ما وعدك من نصره. وخفق رسول الله ﷺ خفقة، ثم هب، فقال رسول الله ﷺ: أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله عز وجل، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النقع - يقول: الغبار - ثم خرج رسول الله ﷺ فعبأ أصحابه وهيأهم، وقال: لا يعجلن رجل منكم بقتال حتى نؤذنه، فإذا أكثبكم القوم - يقول: قربوا منكم - فانضحوهم عنكم بالنبل، ثم تزاحم الناس فلما تدانى بعضهم من بعض خرج رسول الله ﷺ، فأخذ حفنة من حصباء ثم استقبل بها قريشا، فنفخ بها وجوههم، وقال: شاهت الوجوه، ثم قال رسول الله ﷺ: احملوا عليهم يا معشر المسلمين. فحمل المسلمون وهزم الله قريشا، وقتل من قتل من أشرافهم، وأسر من أسر منهم. وفي حديث ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، فقال له جبريل: خذ قبضة من تراب. فأخذ قبضة من تراب، ورمى بها وجوههم، فما في المشركين من أحد إلا وأصاب عينيه، ومنخريه، وفمه تراب من تلك القبضة، فولوا مدبرين.

فصل: تأييد الله لرسوله بالملائكة من أعلام نبوته

النوع السادس: من آياته ﷺ تأييد الله له بملائكته؛

قال الله تعالى: إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين الآية. وقال تعالى: إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين، وقال تعالى: في الخندق: إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا. وقال تعالى في حنين: ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين. وقال تعالى في الهجرة: ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا. وقال تعالى في بدر: إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب.

وفي الصحيحين واللفظ لمسلم عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين، وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وسبعة عشر رجلا، فاستقبل رسول الله ﷺ القبلة، ثم مد يديه، وجعل يهتف بربه: " اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض " فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى أسقط رداءه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه فقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله عز وجل: إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين، فأمده الله بالملائكة.

قال أبو زميل: فحدثني ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة سوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم. فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا فنظر إليه فإذا قد خطم أنفه، وشق وجهه كضربة بالسوط فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث ذلك رسول الله ﷺ فقال: " صدقت. ذلك من مدد السماء الثالثة " فقتلوا يومئذ سبعين، وأسروا سبعين، وذكر الحديث.

وذكر البخاري في هذا الحديث فخرج يعني النبي ﷺ، وهو يقول سيهزم الجمع ويولون الدبر.

وقال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن بعض بني ساعدة قال: سمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة بعدما أصيب بصره يقول: لو كنت معكم ببدر الآن ومعي بصري لأخبرتكم بالشعب الذي خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أتمارى. فلما نزلت الملائكة، ورآها إبليس، وأوحى الله إليهم: أني معكم فثبتوا الذين آمنوا

وتثبيتهم أن الملائكة تأتي الرجل في صورة الرجل يعرفه وتقول له: أبشروا فإنهم ليسوا بشيء، والله معكم، كروا عليهم، فلما رأى إبليس الملائكة نكص على عقبيه، وقال: إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون، وهو في صورة سراقة، وأقبل أبو جهل يحضض أصحابه ويقول: لا يهولنكم خذلان سراقة إياكم فإنه على موعد من محمد وأصحابه. ثم قال: واللات والعزى لا نرجع حتى نقرن محمدا وأصحابه في الحبال فلا تقتلوهم، وخذوهم أخذا.

وفي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص قال: رأيت يوم أحد عن يمين النبي ﷺ، وعن يساره رجلين عليهم ثياب بيض يقاتلان عن رسول الله ﷺ أشد القتال، ما رأيتهما قبل ذلك اليوم، ولا بعده، ويعني جبرائيل وميكائيل عليهما السلام

وفي الصحيحين عن عائشة قالت: أصيب سعد يوم الخندق رماه رجل من قريش (ابن العرقة) رماه في الأكحل فضرب عليه رسول الله ﷺ خيمة في المسجد يعوده من قريب فلما رجع رسول الله ﷺ من الخندق، وضع السلاح فاغتسل فأتاه جبريل "عليه السلام"، وهو ينفض عن رأسه الغبار فقال " وضعت السلاح، والله ما وضعناه، اخرج إليهم. فقال رسول الله ﷺ: فأين؟ فأشار إلى بني قريظة فقاتلهم رسول الله ﷺ فنزلوا على حكم رسول الله ﷺ فرد رسول الله ﷺ الحكم فيهم إلى سعد، قال: إني أحكم فيهم أن يقتل المقاتلة، وأن تسبى الذرية، والنساء، وتقسم أموالهم، وفي بعض طرق البخاري فأتاه جبريل وقد عصب رأسه الغبار.

وروى البخاري عن أنس قال: كأني أنظر إلى الغبار ساطعا في زقاق بني غنم موكب جبريل صلوات الله عليه حين سار رسول الله ﷺ إلى بني قريظة

وفي المغازي من غير طريق أن الصحابة رأوا جبريل في صورة دحية الكلبي، وأنه معتم بعمامة أرخى طرفها بين كتفيه، وقال النبي ﷺ: " بعثه الله إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم، ويلقي الرعب في قلوبهم

وروى البخاري عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال يوم بدر: " هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب "

وفي الصحيحين عن عائشة أنها قالت لرسول الله ﷺ: يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. قال: فناداني ملك الجبال، وسلم علي ثم قال: يا محمد: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني إليك ربك لتأمرني بأمرك ما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال رسول الله ﷺ: " بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، ولا يشرك به شيئا ".

فصل: حفظ الله لنبيه من أعلام نبوته

النوع السابع في كفاية الله له أعداءه، وعصمته له من الناس، وهذا فيه آية لنبوته من وجوه:

منها: أن ذلك تصديق لقوله تعالى: فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون

فهذا إخبار الله بأنه يكفيه المشركين المستهزئين، وأخبر أنه يكفيه أهل الكتاب بقوله قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم

فأخبره الله أنه يكفيه هؤلاء الشاقين له من أهل الكتاب، وأخبره أنه يعصمه من جميع الناس بقوله تعالى: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس

فهذا خبر عام بأن الله يعصمه من جميع الناس.

فكل من هذه الأخبار الثلاثة العامة قد وقع كما أخبر، وفي هذا عدة آيات؛

منها: أنه كفاه أعداءه بأنواع عجيبة خارجة عن العادة المعروفة

ومنها أنه نصره مع كثرة أعدائه، وقوتهم، وغلبتهم، وأنه كان وحده جاهرا بمعاداتهم، وسب آبائهم، وشتم آلهتهم، وتسفيه أحلامهم، والطعن في دينهم، وهذا من الأمور الخارقة للعادة، والمستهزئون كانوا من أعظم سادات قريش، وعظماء العرب، وكان أهل مكة أهل الحرم أعز الناس وأشرفهم يعظمهم جميع الأمم، أما العرب فكانوا يدينون لهم، وأما غيرهم من الأمم فكانوا يعظمونهم به لا سيما من حين ما جرى لأهل الفيل ما جرى كما كانت الأمم تعظم بني إسرائيل لما ظهر فيهم من الآيات ما ظهر؛ وهؤلاء بنو إسرائيل ابن خليل الله، وهؤلاء بنو إسحاق ابن خليل الله، وكلاهما ممن وعد الله إبراهيم في التوراة فيهم بما وعده من إنعام الله عليه النعمة التي لم ينعم الله بها على غيرهم. فكان أهل مكة معظمين لأنهم جيران البيت، ولأنهم أشرف بني إسماعيل فإن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى هاشما من قريش، واصطفى محمدا من بني هاشم، وكان قد عاداه أشراف هؤلاء كما عادى المسيح أشراف بني إسرائيل، وبدل هؤلاء وهؤلاء نعمة الله كفرا، وأحلوا قومهم دار البوار، وكفى الله رسوله المسيح من عاداه منهم، ولم ينفعهم نسبهم، ولا فضل مدينتهم، وكذلك كفى الله محمدا من عاداه، وانتقم منهم، ولم ينفعهم أنسابهم، ولا فضل مدينتهم، فإن الله إنما يثبت بالإيمان والتقوى لا بالبلد والنسب، وقال تعالى: وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل * لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون

وقال: وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم

وقال: وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون * ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون

وقد سمى أهل العلم بعض من كفاه الله إياه من المستهزئين، وكانوا معروفين مشهورين عند الصحابة بالرياسة والعظمة في الدنيا فذكروهم ليعرف هذا الأمر العظيم الذي أكرم الله نبيه به.

ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قيل: نعم. قال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته. فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، فقيل له ما لك؟ قال: إن بيني، وبينه لخندقا من نار وهولا وأجنحة. فقال رسول الله ﷺ: " لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا " وأنزل الله تعالى: أرأيت الذي ينهى * عبدا إذا صلى * أرأيت إن كان على الهدى * أو أمر بالتقوى * أرأيت إن كذب وتولى * ألم يعلم بأن الله يرى * كلا لئن لم ينته لنسفعن بالناصية * ناصية كاذبة خاطئة * فليدع ناديه * سندع الزبانية * كلا لا تطعه واسجد واقترب

وفي الصحيحين من حديث البراء بن عازب حديث هجرة النبي ﷺ، وأبي بكر من مكة إلى المدينة قال فيه: واتبعنا سراقة بن مالك بن جعشم، ونحن في جدد من الأرض فقلت: يا رسول الله، أتينا. فقال: لا تحزن إن الله معنا. فدعا عليه رسول الله ﷺ فارتطمت فرسه إلى بطنها فقال: إني قد علمت أنكما دعوتما علي فادعوا لي، والله لكما أن أرد عنكما الطلب. فدعا الله فنجا فرجع لا يلقى أحدا إلا قال: قد كفيتم ما هاهنا، فلا يلقى أحدا إلا رده. وفي لفظ: " فساخ فرسه في الأرض إلى بطنه، ووثب عنه فقال: يا محمد قد علمت أن هذا عملك فادع الله أن يخلصني مما أنا فيه، ولك علي لأعمين على من ورائي

وفي الصحيحين عن ابن شهاب من رواية سراقة نفسه قال: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله ﷺ، وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره. فبينما أنا جالس في مجلس قومي بني مدلج إذ أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس فقال: يا سراقة إني رأيت آنفا أسودة بالساحل أراهما محمدا وأصحابه. قال سراقة: فعرفت أنهم هم فقلت: ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانا وفلانا، ثم لبثت ساعة ثم قمت فدخلت بيتي فأمرت جاريتي أن تخرج فرسي وهي من وراء أكمة فتحبسها علي، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت فخططت بزجه الأرض، وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها فرفعتها تقرب بي حتى دنوت منهم، وعثرت بي فرسي فخررت عنها فقمت فأهويت بيدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها فخرج الذي أكره فركبت وعصيت الأزلام، فقربت بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره فناديتهم بالأمان فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ... وذكر تمام الحديث.

وفي الصحيحين عن جابر قال: غزونا مع رسول الله ﷺ غزاة قبل نجد، فأدركنا رسول الله ﷺ في القائلة، في واد كثير العضاة، فنزل رسول الله ﷺ تحت شجرة فعلق سيفه بغصن من أغصانها، وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر، فقال رسول الله ﷺ: " إن رجلا أتاني وأنا نائم فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي، والسيف صلتا في يده. فقال: من يمنعك مني؟ قلت: الله، فشام السيف، فها هو ذا جالس " ثم لم يعرض له رسول الله ﷺ، وكان ملك قومه فانصرف حين عفا عنه فقال: لا أكون في قوم هم حرب لك.

وفي صحيح الحاكم عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قال: كان فلان يجلس إلى النبي ﷺ فإذا تكلم النبي ﷺ اختلج بوجهه، فقال النبي ﷺ: " كن كذلك " فلم يزل يختلج حتى مات.

وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال: كان رجل نصراني فأسلم، وقرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب للنبي ﷺ فعاد نصرانيا فكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له. فقال رسول الله ﷺ: " اللهم اجعله آية " فأماته الله فأصبح وقد لفظته الأرض فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه، لما هرب منهم نبشوا عن صاحبنا فألقوه. فحفروا له فأعمقوا ما استطاعوا، فأصبح وقد لفظته الأرض فقالوا مثل الأول، فحفروا له وأعمقوا فلفظته الثالثة فعلموا أنه ليس من فعل الناس فتركوه منبوذا.

وروى الإمام أحمد من حديث ابن إسحاق قال: حدثني يحيى بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قلت له: ما أكثر ما رأيت قريشا أصابت من رسول الله ﷺ فيما كانت تظهر من عداوته؟ قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر فذكروا رسول الله ﷺ فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط، قد سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعاتنا، وسب آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم. أو كما قالوا. فبينما هم في ذلك إذ طلع عليهم رسول الله ﷺ فأقبل يمشي حتى استلم الركن ثم مر بهم طائفا بالبيت فلما أن مر بهم غمزوه ببعض ما يقول. قال: فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى فلما مر الثانية غمزوه بمثلها فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى فمر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها فقال: " تسمعون يا معشر قريش أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح " فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع حتى أن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول حتى أنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم، انصرف راشدا، فوالله ما كنت جهولا. فانصرف رسول الله ﷺ، حتى إذا كان من الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عنه، حتى إذا باداكم بما تكرهون تركتموه. فبينما هم في ذلك طلع رسول الله ﷺ فوثبوا إليه وثبة رجل واحد فأحاطوا به يقولون له: أنت الذي تقول كذا وكذا، لما كان يبلغهم عنه من عيب آلهتهم ودينهم. قال: فيقول رسول الله ﷺ: " نعم أنا الذي أقول ذلك ". قال: فلقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجمع ردائه، وقام أبو بكر دونه يقول وهو يبكي "أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله" ثم انصرفوا عنه

وذكر البخاري بعد حديث عروة عن عبد الله بن عمرو قال: وقال عبدة: عن هشام عن أبيه قيل لعمرو بن العاص، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: إنا كفيناك المستهزئين، قال: والمستهزئون الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث الزهري، والأسود بن المطلب أبو زمعة من بني أسد بن عبد العزى، والحارث بن عيطل السهمي، والعاص بن وائل فأومأ جبريل إلى أكحل الوليد بن المغيرة فقال له النبي ﷺ: ما صنعت؟ قال: كفيته، وأومأ إلى الأسود بن المطلب إلى عينيه فقال: ما صنعت؟ فقال: كفيته، وأومأ إلى رأس الأسود بن عبد يغوث فقال: ما صنعت؟ قال: كفيته، وأومأ إلى الحارث السهمي إلى بطنه فقال، وما صنعت؟ قال: كفيته، وأومأ إلى أخمص العاص بن وائل فقال: ما صنعت؟ قال: كفيته. فأما الوليد فمر برجل من خزاعة، وهو يريش نبله فأصاب أكحله فقطعها، وأما الأسود بن المطلب فعمي فمنهم من يقول عمي هكذا، ومنهم من يقول: نزل تحت سمرة فجعل يقول: يا بني ألا تدفعون عني، ويقولون: ما نرى شيئا، فجعل يقول: هلكت ها هو ذا أطعن في عيني بالشوك. فجعلوا يقولون: ما نرى شيئا، فلم يزل كذلك حتى عميت عيناه. وأما الأسود فخرج في رأسه قروح فمات منها. وأما الحارث بن عيطل فأخذه الماء الأصفر في بطنه حتى خرج خرؤه من فيه فمات. وأما العاص بن وائل فركب إلى الطائف على حمار فربض به في شبرقة يعني شوكة فدخلت في أخمص قدمه فمات. وقيل: دخلت في رأسه شبرقة فمات.

رواه ابن أبي حاتم في تفسيره. قال: ثنا يونس بن حبيب ثنا أبو داود ثنا أبو عوانة ثنا أبو بشر عن سعيد، وروى بإسناده عن الربيع بن أنس قال: أراد صاحب اليمن أن يؤي النبي ﷺ فأتاه الوليد فزعم أن محمدا ساحر، وأتاه العاص بن وائل فأخبره أن محمدا تعلم أساطير الأولين، وأتاه آخر فزعم أنه كاهن، وآخر زعم أنه شاعر، وآخر قال: إنه مجنون. فأهلكهم الله، كل منهم أصابه عذاب سوى عذاب صاحبه، وذكر تفصيل عذابهم، وروى مثله عن عكرمة.

وقال محمد بن إسحاق: ثنا يزيد بن رومان عن عروة، وغيره من العلماء أن جبريل أتى النبي ﷺ، وهم يطوفون بالبيت فقام رسول الله ﷺ إلى جانبه فمر به الأسود بن المطلب فرمى في وجهه بورقة خضراء فعمي، ومر به الأسود بن عبد يغوث فأشار إلى بطنه فاستسقى فمات منها، ومر به الوليد بن المغيرة فأشار إلى جرح بأسفل كعبه كان أصابه لما مر برجل يريش نبله فخدش رجله، وليس بشيء فانتقض فمات. ومر به العاص بن وائل فأشار إلى إخمص قدمه فذكر مثل ما تقدم من رواية ابن عباس، ورواه أبو زرعة من طرق كثيرة عن جماعة من التابعين، ومن المشهور عند أصحاب السير وغيرهم دعوته على عتيبة بن أبي لهب، وكان أبو لهب لما عادى النبي ﷺ أمر ابنيه أن يطلقا ابنتي النبي ﷺ رقية وأم كلثوم قبل الدخول، وقال عتيبة لرسول الله ﷺ: كفرت بدينك وفارقت ابنتك، لا تحبني ولا أحبك، ثم تسلط عليه بالأذى، وشق قميصه، فقال رسول الله ﷺ: " اللهم سلط عليه كلبا من كلابك " فخرج في نفر من قريش حتى نزلوا في مكان من الشام يقال له الزرقاء ليلا فأطاف بهم الأسد تلك الليلة فجعل عتيبة يقول: يا ويل أخي، هو والله آكلي كما دعا محمد علي. قتلني وهو بمكة وأنا بالشام، فعدا عليه الأسد من بين القوم، وأخذ برأسه فذبحه، وفي رواية هشام بن عروة عن أبيه قال: لما طاف الأسد بهم تلك الليلة، وانصرف عنهم قاموا وجعلوا عتيبة في وسطهم، فأقبل الأسد يتخطاهم حتى أخذ برأس عتيبة ففدغه.

وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: بينما رسول الله ﷺ يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلى جزور بني فلان فيأخذه فيضعه في كتفي محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فأخذه فلما سجد النبي ﷺ، وضعه بين كتفيه، قال: فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل على بعض، وأنا قائم أنظر، لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله ﷺ، والنبي ﷺ ساجد ما رفع رأسه حتى انطلق إنسان إلى فاطمة فجاءت وهي جويرية فطرحته ثم أقبلت عليهم تسبهم فلما قضى النبي ﷺ صلاته رفع صوته ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا دعا ثلاثا، وإذا سأل سأل ثلاثا، ثم قال: " اللهم عليك بقريش " ثلاث مرات، فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته ثم قال: اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وذكر السابع لم أحفظه، فوالذي بعث محمدا بالحق لقد رأيت الذي سمى صرعى يوم بدر ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر.

وعنه قال: استقبل رسول الله ﷺ القبلة، ودعا على ستة نفر فذكره، وفي رواية: غير أن أمية بن خلف كان رجلا ضخما فقطعت أوصاله فلم يلق في البئر. وقال: غيرتهم الشمس، وكان يوما حارا.

ويدخل في هذا الباب ما لم يزل الناس يرونه ويسمعونه من انتقام الله ممن يسبه ويذم دينه بأنواع من العقوبات، وفي ذلك من القصص الكثيرة ما يضيق هذا الموضع عن بسطه، وقد رأينا وسمعنا من ذلك ما يطول وصفه من انتقام الله ممن يؤذيه بأنواع من العقوبات العجيبة التي تبين كلاءة الله لعرضه وقيامه بنصره وتعظيمه لقدره ورفعه لذكره، وما من طائفة من الناس إلا وعندهم من هذا الباب ما فيه عبرة لأولي الألباب، ومن المعروف المشهور المجرب عند عساكر المسلمين بالشام إذا حاصروا بعض حصون أهل الكتاب أنه يتعسر عليهم فتح الحصن، ويطول الحصار إلى أن يسب العدو الرسول ﷺ فحينئذ يستبشر المسلمون بفتح الحصن، وانتقام الله من العدو فإنه يكون ذلك قريبا كما قد جربه المسلمون غير مرة تحقيقا لقوله تعالى: إن شانئك هو الأبتر؛ ولما مزق كسرى كتابه مزق الله ملك الأكاسرة كل ممزق، ولما أكرم هرقل والمقوقس كتابه بقي لهم ملكهم.

إجابة دعواته عليه السلام من أعلام نبوته

النوع الثامن في إجابة دعوته، وإجابة الدعاء منه ما تكون إجابته معتادة لكثير من عباد الله كالإغناء، والعافية، ونحو ذلك، ومنه ما يكون المدعو به من خوارق العادات كتكثير الطعام والشراب كثرة خارجة عن العادة، وإطعام النخل في العام مرتين مع أن العادة في مثله مرة، ورد بصر الذي عمي، ونحو ذلك مما يأتي، وما تقدم من أدعيته.

ومعلوم أن من عوده الله إجابة دعائه لا يكون إلا مع صلاحه ودينه، ومن ادعى النبوة لا يكون إلا من أبر الناس إن كان صادقا أو من أفجرهم إن كان كاذبا، وإذا عوده الله إجابة دعائه لم يكن فاجرا بل برا، وإذا لم يكن مع دعوى النبوة إلا برا تعين أن يكون نبيا صادقا، فإن هذا يمتنع أن يتعمد الكذب، ويمتنع أن يكون ضالا يظن أنه نبي، وأن الذي يأتيه ملك، ويكون ضالا في ذلك، والذي يأتيه الشيطان فإن هذا حال من هو جاهل بحال نفسه، وحال من يأتيه، ومثل هذا لا يكون أضل منه، ولا أجهل منه، لأن الله تعالى جعل بين الملائكة والشياطين، وبين الأنبياء الصادقين، وبين المتشبهين بهم من الكذابين من الفرق ما لا يحصيه غيره من الفروق، بل جعل بين الأبرار والفجار من الفروق أعظم مما بين الليل والنهار، ولأن ما يأتي به الأنبياء من الأخبار والأوامر مخالف من كل وجه لما يأتي به الشيطان، ومن استقرأ أحوال الرسل وأتباعهم، وحال الكهان والسحرة تبين له ما يحقق ذلك.

والشيطان الذي يقول لمن ليس بنبي: إنك نبي صادق، والله أرسلني إليك، يكون من أعظم الناس كذبا، والكذب يستلزم الفجور فلا بد أن يأمره بما ليس برا بل إثما، ويخبره بما ليس صدقا بل كذبا كما هو الواقع ممن تضله الشياطين من جهلة العباد، وممن يزين له أنه نبي أو أنه المهدي أو خاتم الأولياء، وكل هؤلاء لا بد أن تأمره الشياطين بإثم، ولا بد أن يكذب في بعض ما تخبره به تحقيقا لقوله تعالى: هل أنبئكم على من تنزل الشياطين * تنزل على كل أفاك أثيم

وحينئذ فمثل هذا لا يكون مع دعوى النبوة من الأبرار الذين عودهم الله إجابة دعائهم إجابة خارجة عن العادات، بل لا يكون مع دعوى النبوة إلا من الأفاكين الفجار، وإذا كان صادقا في دعوى النبوة عالما بأنه صادق ثبت أنه نبي. والأنبياء معصومون من الإقرار على الخطأ فيما يبلغونه عن الله باتفاق الناس، وحينئذ فكل ما يبلغه عن الله فهو حق، وهو المطلوب.

ومن كان يأتيه صادق وكاذب مثل ابن صياد، ومثل كثير من العباد الذين لهم إلهام من الملك، ووسواس من الشيطان بأنه نبي، ويقول: أنا أرسلني الله فلا بد أن يتبين كذبه، ولو ببعض الوجوه، مثل أن يخبره بكذب، فإن مثل هذا الشيطان الذي قال له إنه نبي لا بد أن يكذب فيما يخبره به. ومثل إخبار الصادق له بأن هذا كذب، فإذا أتاه الشيطان بالكذب لا بد أن يخبره الصادق الذي يأتيه بما يخالف ذلك، بخلاف الإخبار بأمور جزئية، إذ إخباره بأنه نبي صادق مع أنه ليس كذلك يهلكه هلاكا عظيما، ويفسد على الصادق جميع ما يأتيه به لأن ذلك يستلزم أن يصدق ذلك الكاذب في كل ما يخبره به، إذ قد اعتقد أنه نبي، وحينئذ فلا يكون عنده كاذبا، ولا يعرف أنه كاذب فلا يكون مثل ابن صياد ونحوه، ممن يعرف أنه يأتيه صادق وكاذب، بل أضل من هؤلاء: يظن أن كل ما يأتيه فهو صادق، ولهذا كل من كان يأتيه إخبار ملكي صادق، وإخبار شيطاني كاذب فلا بد أن يعرف أنه يأتيه كاذب لأنه تبين له الكذب فيما يخبره به الشيطان الكاذب كما هو الواقع.

ولهذا يوجد الكهان الذين يعرفون كذب من يخبرهم كثيرا، وكذلك العباد الذين لهم خطابات ومكاشفات بعضها شيطاني وبعضها ملكي، يتبين لهم الكذب فيما يأتيهم به الشيطان، كما هو الواقع، فلا يوجد شيخ عابد له حال شيطاني إلا ولا بد أن يخبره بكذب يظهر له أنه كذب، وحينئذ فإذا صدق هذا الكاذب في إخباره النبوة كان مصدقا للكاذب، ولأن الصادق الذي يأتيه مخبرا له بالصدق ناصحا له لا بد أن يبين له ذلك فلا يصر على اعتقاد أن من يأتيه صادق، وهو في نفس الأمر كاذب، ولا يعلم أنه كاذب إلا من هو أفاك أثيم، والله تعالى يقول: هل أنبئكم على من تنزل الشياطين * تنزل على كل أفاك أثيم؛ فتنزلها على الأفاك الأثيم. وأما نزول الشيطان مرة أو مرتين فقد يكون على من ليس بأفاك أثيم، فإن من لم يكن مدعيا للنبوة لم يكن من هذا الباب، وإن كان مدعيا للنبوة، فيمتنع أن يقره الصادق الذي يأتيه على ذلك، بل لا بد أن يبين له هذا إن جوز ذلك.

فإن الناس تنازعوا: هل يجوز أن يلقي الشيطان على لسان النبي ما ينسخه الله ويمحوه، أم لا يجوز ذلك؟ وعلى كل حال يمتنع أن يقر على خطأ.

والمقصود هنا ذكر بعض أدعية النبي ﷺ التي شوهد إجابتها، وقد تقدم ذكر بعض أدعيته مثل دعائه على الملأ من قريش فقتلوا يوم بدر، وألقوا في القليب، ومثل دعائه على عتيبة بن أبي لهب، ومثل دعائه على الذي كذب عليه بأن يجعله آية، ومثل دعائه لما قل الزاد وجمعوه على نطع، فكثره الله ببركة دعوته حتى كفى الجيش العظيم في غزوة تبوك، ومثل دعائه في غزوة الخندق فكفى الطعام، وهو صاع من شعير لألف نفر، وكذلك دعاؤه لما نزحت بئر الحديبية فكثر ماؤها حتى كفى الركب، وهم ألف وخمسمائة وركابهم.

وقد تقدم دعاؤه للذي ذهب بصره فأبصر، ودعاؤه في الاستسقاء فما رد يديه إلا والسماء قد أمطرت، ودعاؤه في الاستصحاء، وإشارته إلى السحاب فتقطع من ساعته، ودعوته على سراقة بن جعشم لما تبعهم في الهجرة فغاصت فرسه في الأرض، ودعاؤه يوم بدر، ويوم حنين، وقال الله له يوم بدر: إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين: وأمثال ذلك.

وفي الصحيحين عن جابر قال: لما نزل: قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم، قال النبي ﷺ: " أعوذ بوجهك " أو من تحت أرجلكم، قال: " أعوذ بوجهك " أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض، قال: " هاتان أهون أو أيسر ".

وفي الصحيحين عنه ﷺ قال: " سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة، سألته أن لا يهلك أمتي بسنة عامة، فأعطانيها، وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فيجتاحهم، فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعنيها، فلن يزال الهرج إلى يوم القيامة ".

وفي صحيح مسلم من حديث سلمة بن الأكوع قال: جعل عمي يرتجز ويقول:

تالله لولا الله ما اهتدينا ** ولا تصدقنا ولا صلينا

ونحن من فضلك ما استغنينا ** فثبت الأقدام إن لاقينا

وأنزلن سكينة علينا

فقال رسول الله ﷺ: " من هذا؟ " قالوا: عامر قال: " غفر لك ربك ". قال: وما استغفر رسول الله ﷺ لإنسان يخصه إلا استشهد. قال: فنادى عمر بن الخطاب وهو على جمل له: يا نبي الله لولا متعتنا بعامر. قال: فلما قدمنا خيبر خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه ويقول:

قد علمت خيبر أني مرحب ** شاكي السلاح بطل مجرب

إذا الحروب أقبلت تلهب

قال: وبرز له عمي عامر فقال:

قد علمت خيبر أني عامر ** شاكي السلاح بطل مغامر

قال: فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر، وذهب عامر يسل سيفه فرجع سيفه على نفسه فقطع أكحله، وكانت فيها نفسه. قال سلمة: فخرجت في نفر من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقولون: بطل عمل عامر، قتل نفسه. قال: فأتيت النبي ﷺ، وأنا أبكي فقلت: يا رسول الله، بطل عمل عامر؟ قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: " من قال ذلك؟ " قلت: ناس من أصحابك. قال: كذب من قال ذلك، بل له أجره مرتين ".

وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال: قالت أم سليم: يا رسول الله خادمك أنس ادع الله له. فقال: " اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته "

وروى البخاري قال: دخل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على أم سليم فأتته بتمر وسمن فقال: " أعيدوا سمنكم في سقائه، وتمركم في وعائه " ثم قام إلى ناحية البيت فصلى غير مكتوبة، فدعا لأم سليم وأهل بيتها. فقالت أم سليم: يا رسول الله، إن لي خويصة. فقال: " ما هي؟ " قالت: خادمك أنس قال: فما ترك آخرة ولا دنيا إلا دعا به " اللهم ارزقه مالا وولدا وبارك له فيه " فإني أكثر الأنصار مالا، وحدثتني ابنتي أمينة أنه دفن لصلبي إلى مقدم الحجاج البصرة بضع وعشرون ومائة. وفي رواية لمسلم: دعا لي بثلاث دعوات قد رأيت منها اثنتين، وأنا أرجو الثالثة في الآخرة.

وفي الترمذي وحسنه عن أبي خلدة قال: قلت لأبي العالية: سمع أنس من رسول الله ﷺ؟ قال: خدمه عشر سنين، ودعا له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان له بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين، وكان فيها ريحان يجيء منه ريح المسك.

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام، وهي مشركة فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ، وأنا أبكي، فقلت: يا رسول الله، إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام وتأبى علي، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة فقال رسول الله ﷺ: " اللهم اهد أم أبي هريرة " فخرجت مستبشرا بدعوة رسول الله ﷺ، فصرت إلى الباب فإذا هو مجاف، فسمعت أمي خشف قدمي فقالت: مكانك يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة الماء فاغتسلت، ولبست درعها، وعجلت عن خمارها ففتحت الباب فقالت: يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. فأتيته وأنا أبكي من الفرح فقلت: يا رسول الله أبشر فقد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة فحمد الله وقال خيرا، فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يحببني وأمي إلى عباده المؤمنين، ويحببهم إلينا، فقال رسول الله ﷺ: " اللهم حبب عبدك هذا، يعني أبا هريرة، وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحبب إليهما المؤمنين " فما خلق الله مؤمنا يسمع بي ولا يراني إلا أحبني.

وفي الصحيحين عن أنس أن النبي ﷺ رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة فقال: " ما هذا؟ " قال: يا رسول الله إني تزوجت امرأة. قال: " كم سقت إليها؟ " قال: وزن نواة من ذهب. قال: " فبارك الله لك، أولم ولو بشاة "

وفي الصحيحين أنه لما قدم آخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري فعرض عليه سعد أن يناصفه أهله وماله، فقال له عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك. دلني على السوق فظهرت بركة دعوة رسول الله ﷺ، فبلغ من مال عبد الرحمن ما قاله الزهري أنه تصدق بأربعمائة ألف دينار، وحمل على خمسمائة فرس في سبيل الله، وخمسمائة بعير في سبيل الله. قال: وكان عامة ماله من التجارة. وقال محمد بن سيرين: اقتسم نساء عبد الرحمن بن عوف ثمنهن فكان ثلاثمائة وعشرين ألفا.

وقال الزهري: أوصى عبد الرحمن لمن شهد بدرا، فوجدوا مائة، لكل رجل منهم أربعمائة دينار.

وقال عبد الله بن جعفر: حدثتني أم بكر بنت المسور أن عبد الرحمن باع أرضا بأربعين ألف دينار فقسمها في فقراء بني زهرة وفي المهاجرين وأمهات المؤمنين، وقال محمد بن عمرو: عن أبي سلمة أن عبد الرحمن أوصى لأمهات المؤمنين بحديقة فقومت مائة ألف.

وفي الترمذي وصححه ورواه ابن حبان في صحيحه عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: " اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام " فكان عمر بن الخطاب أحبهما إلى الله فأسلم عمر، وروي أن الدعوة كانت في يوم الأربعاء فأسلم يوم الخميس، وأعز الله به الإسلام قال عبد الله بن مسعود: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر رواه البخاري. وظهر من عز الإسلام في إمارته شرقا وغربا، وفتح الشام والعراق ومصر، وكسر عساكر كسرى وقيصر، ما تحقق به إجابة الدعوة.

وفي الصحيحين أن ابن عباس وضع للنبي ﷺ لما أتى الخلاء وضوءا فقال لما خرج: " من وضع هذا؟ " فقيل: ابن عباس فقال: " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل "

وفي رواية قال: ضمني رسول الله ﷺ إلى صدره، وقال: " اللهم علمه الكتاب "، وفي رواية " الحكمة " وظهرت إجابة دعوته حتى كان يسمى: البحر.

وقال فيه ابن مسعود: لو أدرك ابن عباس أسناننا لما عشره منا أحد. وكان عمر يقدمه ويدخله مع كبراء الصحابة، وعلم ابن عباس مشهور في الأمة.

وفي الصحيحين عن جابر قال: كنت أسير على جمل قد أعيا، وأردت أن أسيبه. قال: فلحقني رسول الله ﷺ فضربه ودعا له فسار سيرا لم يسر مثله. وفي رواية: فقال لي: " ما لبعيرك؟ " فقلت: عليل. قال: فتخلف رسول الله ﷺ فزجره فدعا له، فما زال يسير بين يدي الإبل قدامها، فقال: " كيف ترى بعيرك؟ " قلت: بخير، قد أصابته بركتك. قال: " فتبعنيه.... " وذكر الحديث.

وفي الترمذي وغيره: قال النبي ﷺ: " اللهم استجب لسعد إذا دعاك " وفي لفظ: " اللهم أجب دعوته، وسدد رميته " فكان سعد لا يرمي إلا يصيب، ولا يدعو إلا أجيب.

وروى الحاكم في صحيحه عن علي رضي الله عنه قال: مرضت فعادني رسول الله ﷺ، وأنا أقول: اللهم إن كان أجلي قد حضر فأرحني، وإن كان متأخرا فارفعني، وإن كان بلاء فصبرني. فقال: " اللهم اشفه، اللهم عافه " ثم قال لي: " قم " فقمت، فما عاد إلي ذلك الوجع بعد.

وفي الصحيحين عن أم خالد قالت: أتي رسول الله ﷺ بثياب فيها خميصة سوداء صغيرة فقال: " من ترون نكسوه هذه الخميصة؟ " فسكت القوم فقال: " ائتوني بأم خالد " فأتي بي رسول الله ﷺ فألبسنيها فقال: " أبلي وأخلقي " مرتين فجعل ينظر إلى علم الخميصة ويشير بيده إلي ويقول: " يا أم خالد هذا سنا " والسنا بلسان الحبشة الحسن، فبقيت حتى دكن، وعن أبي يزيد عمرو بن أخطب الأنصاري قال: قال لي رسول الله ﷺ: " ادن مني " فمسح بيده على رأسي ولحيتي ثم قال: " اللهم جمله، وأدم جماله "

قال الراوي عنه: فبلغ بضعا وثمانين سنة، وما في لحيته بياض إلا نزر يسير، ولقد كان منبسط الوجه، ولم يتقبض وجهه حتى مات. رواه الإمام أحمد، وقال البيهقي: إسناده صحيح، ورواه الترمذي، وقال: مسح رسول الله ﷺ يده على وجهي فدعا لي. قال: عزرة: إنه عاش مائة وعشرين سنة، وليس في رأسه إلا شعرات بيض. وقال: حديث حسن.

وقال البخاري في تاريخه: ثنا يعقوب بن إسحاق عن حنظلة بن حنيفة بن حذيم قال حذيم: يا رسول الله إني رجل ذو سن، وهذا أصغر بني، فسمت عليه. قال: " تعال يا غلام " فأخذ بيدي، ومسح برأسي، وقال: " بارك الله فيك " أو " بورك فيك " فرأيت حنظلة يؤتى بالإنسان الوارم فيمسح بيده، ويقول: بسم الله، فيذهب الورم، وفي رواية: والشاة والبعير.

ويذكر عن أبي سفيان، واسمه مدلوك أنه ذهب إلى النبي ﷺ فأسلم فدعا له النبي ﷺ، ومسح رأسه بيده، ودعا له بالبركة. فكان مقدم رأسه موضع يد النبي ﷺ، أسود، وسائره أبيض ذكره أيضا البخاري في تاريخه.

وروى أحمد في مسنده بإسناده عن أبي العلا قال: كنت عند قتادة بن ملحان في مرضه الذي مات فيه فمر رجل في مؤخر الدار فرأيته في وجه قتادة قال: كان رسول الله ﷺ مسح وجهه. قال: وكنت قبل ما رأيته إلا ورأيته كأن على وجهه الدهان.

وفي مسند الإمام أحمد عن عروة بن أبي الجعد قال: عرض للنبي ﷺ جلب فأعطاني دينارا، وقال: " أي عروة ائت الجلب فاشتر شاة " فأتيت الجلب فساومت صاحبه فاشتريت منه شاتين بدينار، فجئت أسوقهما فلقيني رجل فساومني فأبيعه شاة بدينار، فجئت بالدينار وجئت بالشاة فقلت: يا رسول الله هذا ديناركم، وهذه شاتكم. قال: " وصنعت كيف؟ " فحدثته الحديث فقال: " اللهم بارك له في صفقة يمينه " فلقد رأيتني أقف بكناسة الكوفة فأربح أربعين ألفا قبل أن أصل إلى أهلي. ورواه الإمام أحمد، وفي لفظ: فكان لو اشترى التراب لربح فيه. رواه البخاري عن أهل داره عنه.

وفي صحيح مسلم عن سلمة بن الأكوع أن رجلا أكل عند رسول الله ﷺ بشماله فقال له: " كل بيمينك " قال: لا أستطيع. قال: " لا استطعت " ما منعه إلا الكبر. قال: فما رفعها إلى فيه.

وروى مالك في موطئه عن زيد بن أسلم عن جابر بن عبد الله السلمي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني أنمار قال جابر: فبينما أنا نازل تحت شجرة إذا رسول الله ﷺ، فقلت: هلم يا رسول الله إلى الظل. قال: فنزل رسول الله ﷺ. قال جابر: فقمت إلى غرارة لنا فالتمست فيها فوجدت فيها جرو قثا، فكسرته ثم قربته إلى رسول الله ﷺ فقال: " من أين لكم هذا؟ " قلنا: خرجنا به من المدينة قال: وعندنا صاحب لنا نجهزه يذهب يرعى ظهرنا. قال: فجهزته ثم أدبر يذهب إلى الظهر، وعليه ثوبان له قد خلقا، فنظر رسول الله ﷺ فقال: " أما له ثوبان غير هذين؟ " فقلت: بلى يا رسول الله، ثوبان في العيبة كسوته إياهما. قال: " ادعه فليلبسهما " ثم ولى يذهب، فقال رسول الله ﷺ: " ما له ضرب الله عنقه، أليس هذا خيرا له " فسمعه الرجل فقال: يا رسول الله، في سبيل الله؟ فقال: " في سبيل الله " فقتل الرجل في سبيل الله. ورواه أبو زرعة عن سعيد بن سليمان عن الليث عن هشام بن سعيد عن زيد بن أسلم عن عطاء عن جابر.

فصل: ست طرق كبرى للقطع بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام

في الطرق التي تبين بها أن هذه الأخبار تفيد العلم.

وهذه الأخبار منها ما هو في القرآن، ومنها ما هو متواتر يعلمه العامة والخاصة، كنبع الماء من بين أصابعه، وتكثير الطعام، وحنين الجذع، ونحو ذلك، فإن كلا من ذلك تواترت به الأخبار واستفاضت، ونقلته الأمة جيلا بعد جيل، وخلفا عن سلف، فما من طبقة من طبقات الأمة إلا وهذه الآيات منقولة مشهورة مستفيضة فيها، ينقلها أكثر ممن ينقل كثيرا من القرآن، وقد نقلها وسمعها من الأمة أكثر ممن سمع ونقل كثيرا من آيات القرآن، وأكثر ممن سمع ونقل أنه كان يسجد في الصلاة سجدتي السهو، وممن سمع ونقل نصب الزكاة وفرائضها، بل مواقيت الصلاة وأعدادها، إنما شاع نقلها للعمل الدائم بها.

وأما هذه الآيات فنقلها أكثر ممن نقل مواقيت الصلاة من جهة الأخبار المعينة، وذلك أن آيات الرسول كان كثيرا منها يكون بمشهد من الخلق العظيم فيشاهدون تلك الآيات؛ كما شاهد أهل الحديبية، وهم ألف وخمسمائة، نبع الماء من بين أصابعه، وظهور الماء الكثير من بئر الحديبية لما نزحوها، ولم يتركوا فيها قطرة فكثر حتى روى العسكر؛ وكما شاهد العسكر في غزوة ذات الرقاع الماء اليسير لما صبه جابر في الجفنة وامتلأت، وملأ منها جميع العسكر؛ وكما شاهد الجيش في رجوعهم من غزوة خيبر المزادتين مع المرأة، وقد ملأوا كل وعاء معهم وشربوا، وهي ملأى كما هي؛ وكما شاهد أهل خيبر، وهم ألف وخمسمائة الطعام الذي كان كربضة الشاة فأشبع الجيش كلهم؛ وكما شاهد الجيش العظيم، وهم نحو ثلاثين ألفا في تبوك، العين لما كانت قليلة الماء فكثر ماؤها حتى كفاهم، وشاهدوا الطعام الذي جمعوه على نطع فأخذوا منه حتى كفاهم؛ وكما شاهد أهل الخندق، وهم أكثر من ألف كثرة الطعام في بيت جابر بعد أن كان صاعا من شعير وعناقا، فأكلوا كلهم بعد الجوع حتى شبعوا، وفضلت فضلة؛ وكما شاهد الثمانون نفسا كثرة الطعام لما أكلوا في بيت أبي طلحة؛ وكما شاهد الثلاثمائة كثرة الماء لما توضأوا من قدح، والماء ينبع من بين أصابعه، حتى كفاهم للوضوء؛ وكذلك وليمة زينب كانوا ثلاثمائة فأكلوا من طعام في تور من حجارة، وهو باق فظن أنس أنه أزيد مما كان، وكانوا يتداولون قصعة من غدوة إلى الليل، يقوم عشرة ويقعد عشرة، كما في حديث سمرة بن جندب؛ وأهل الصفة لما شربوا كلهم من اللبن القليل وكفاهم وفضل، وكانوا ينقلون ذلك بينهم، وهو مشهور ينقله بعض من شاهده إلى من غاب عنه. فكان استفاضة آياته وشهرتها وتواترها في الأمة أعظم من تواتر سجود السهو في الصلاة، فإن هذا إنما كان مرات قليلة، ولم يحضره إلا المصلون خلفه لتلك الصلاة، وكذلك نقلهم لنصب الزكاة وفرائضها، فإن هذا إنما سمعه منه طائفة قليلة، ونقلوه. وكذلك حكمه بالشفعة فيما لا يقسم، وقضاؤه بأن دية الخطأ على العاقلة، وقضاؤه بأن الولد للفراش، وللعاهر الحجر، ونهيه عن نكاح الشغار، وتحريمه لطلاق الحائض وطلاق الموطوءة قبل أن يتبين حملها، وأن المعتقة تحت عبد يثبت لها الخيار، وتوريث الجدة السدس، ونهيه أن تنكح المرأة على عمتها وخالتها، وقوله " فيما سقت السماء العشر، وما سقي بالدوالي والنواضح نصف العشر " وأمثال ذلك إنما سمعها طائفة من الأمة هم أقل بكثير ممن شاهدوا آياته، ثم إن الأمة متفقة على نقل ذلك، وهذه الأحكام متواترة عنه معلومة بالاضطرار من دينه. فإذا كان مثل هذه الأمور تواتر في الأمة، واتفقت على نقله، فكيف بما كان أشهر وأظهر عند من عاينه، وكان علم الذين رأوه به أظهر من علمهم بهذه الأحكام، وقد نقلوا ذلك إلى من غاب عنهم، فإنه قطعا يجب أن يكون تواتر هذه الآيات في الأمة أعظم وأظهر. ولهذا لا يكاد يوجد مسلم إلا وقد عرف كثيرا من هذه الآيات وسمعها ونقلها إلى غيره، بخلاف كثير من الأحكام المتواترة عنه المتفق على نقلها عند العلماء، فإن كثيرا من الناس لا يعرفها ولا سمعها.

وإذا قال القائل: هذه مما تتوفر الهمم والدواعي على نقلها، فلو كانت موجودة لتوفرت الهمم والدواعي على نقلها، ولو كان كذلك لتواترت. قلنا: وكذلك هو ولله الحمد، توفرت الهمم والدواعي على نقلها أكثر مما توفرت الهمم والدواعي على نقل أكثر آيات الأنبياء قبله، وأكثر مما توفرت الهمم والدواعي على نقل الأخبار العجيبة من سير الملوك والخلفاء، فإن من تدبر نقل هذه الآيات وجد شهرتها في كل زمان، وظهور الأخبار بها أعظم من شهرة ما نقل من أخبار الأنبياء وسير الملوك والدول التي جرت العادة بتوفر الهمم والدواعي على نقلها، فإن مثل هذا لا يجب في كونه متواترا أن يتواتر عند كل أحد من الناس. فإن أكثر ما تواتر عند كل أمة من أحوال متقدميها قد لا يسمعه كثير من الأمم من غيرهم فضلا عن تواتره عندهم حتى إن كثيرا من الأمم الذين لا يعرفون الأنبياء قد لا يكونوا قد سمعوا بأسماء الأنبياء ولا بأخبارهم فضلا عن تواترها عندهم، وأكثر أتباع الأنبياء لم يتواتر عندهم من أخبار الملوك وسيرهم ما تواتر عند غيرهم حتى إن أكثر المسلمين لم يسمعوا بأسماء خلفاء بني أمية، وبني العباس، وأسماء وزرائهم ونوابهم وقوادهم، وبالحروب التي جرت بينهم، ولا يعرفون الوقائع العظيمة من الحروب التي كانت بين المسلمين وأعدائهم مثل يوم أجنادين، ويوم مرج الصفر، ويوم فحل، ومثل يوم الحرة، ويوم مرج راهط، وفتنة ابن المهلب، وفتنة ابن الأشعث والقراء مع الحجاج، وحرب مصعب بن الزبير مع المختار بن أبي عبيد، وفتنة المنصور مع محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن بالمدينة، ومع أخيه إبراهيم بالبصرة، ومثل جسر أبي عبيد، ويوم اليرموك، ويوم القادسية، ولا يعرفون أن المسلمين فتحوا قبرص، ولا غزوا القسطنطينية مرتين، مرة في زمن معاوية، ومرة في زمن بني مروان، وكذلك الفتن التي كانت بين المسلمين. لا بل أكثر العامة لم يسمعوا بأبي مسلم صاحب الدعوة، وبعبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس، وما جرى لهما من الحروب مع عساكر مروان آخر خلفاء بني أمية، ولم يسمعوا أيضا بدخول عبد الرحمن بن هشام إلى الأندلس، وما جرى له فيها، ولا بالفتنة التي بين ابني الرشيد الأمين والمأمون؛ مع أن هذه الأمور هي متواترة عند أهل العلم بالسير وأخبار الناس والتواريخ. وظهور هذه الآيات التي هي دلائل النبوة وأعلامها مشهورة بين الأمة عامتها وخاصتها في كل زمان أعظم من ظهور هذه الأخبار المتواترة، فهي أحق أن تجعل متواترة من هذه، ونقلة هذه الآيات من الخاصة أهل العلم وكتب الحديث والتفسير والمغازي والسير وكتب الأصول والفقه التي توجد فيها هذه الأخبار أصح نقلا باتفاق أهل العقل والعلم من كتب التواريخ المرسلة، فإن تلك كثير من أخبارها منقطع الإسناد، وفيها من الأكاذيب ما لا يحصيه إلا الله، وإن كان أصل القصة قد يكون متواترا، وهذه الآيات المشهورة في الأمة كثير من أجناسها متواتر عند أهل العلم، وكثير من آحادها متواتر عند الخاصة. بل وكثير من الفقهاء والمتكلمين أو أكثرهم لا يعرفون عدد مغازي رسول الله ﷺ التي قاتل فيها أعداءه، وهي وقائع مشهورة كل منها متواتر تواترا ظاهرا عند أهل العلم، مثل يوم بدر ويوم أحد ويوم الخندق وغزوة بني المصطلق وغزوة خيبر وفتح مكة ويوم حنين وحصار الطائف. فكثير من أهل العلم فضلا عن العامة، وإن كانوا سمعوا بهذه الأسماء أو بعضها فلا يعرفون أيها كان قبل الآخر، ولا يعرفون بأي بقعة كانت تلك الغزاة، بل ولا يعرفون من كان العدو فيها، ولا كيف كانت، بل أكثر العامة لا يميزون بين بدر وحنين بل يقول قائلهم: يوم بدر وحنين، ويظنون أن ذلك يوم واحد، وأنها غزاة واحدة، ولا يعرفون أنهما غزاتان بينهما نحو ست سنين. كانت بدر في السنة الثانية من الهجرة، وكانت حنين في السنة الثامنة بعد فتح مكة، وأن بدرا مكان بين مكة والمدينة، شامي مكة ويماني المدينة؛ وحنين واد قريب من الطائف شرقي مكة، وإنما قرن بينهما في الاسم لأن الله أنزل فيهما الملائكة، وأيد بها نبيه والمؤمنين حتى غلبوا عدوهم مع قوة العدو في بدر، ومع هزيمة أكثر المسلمين أولا بحنين، وامتن الله بذلك في كتابه في قوله: ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون؛ وفي قوله: ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين * ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها...

التواتر العام والتواتر الخاص طريقان قطعيان للعلم بالنبوة

حتى بعض أكابر أئمة الفتيا المشهورين قال له صاحبه لما أنكر عليه طلب السير: تسكت وإلا سألتك قدام الناس: أيهما كانت قبل، بدر أو أحد، فإني أعلم أنك لا تعلمه. مع أنه من المتواتر الذي لا يستريب فيه من له أدنى معرفة بالأخبار أن أحدا كانت بعد بدر، وفي بدر انتصر المسلمون على الكفار، ويوم أحد استظهر الكفار. بل وكثير من علماء المسلمين الأكابر لا يعلمون ما هو متواتر عند أهل الكتاب، بل وعند غيرهم من علماء المسلمين، مثل خراب بيت المقدس مرتين، ومجيء بخت نصر إلى بيت المقدس، والله سبحانه قد ذكر في القرآن المرتين فقال: وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا * فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا * ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا * إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا

وكانت الأولى بعد سليمان، وكانت الثانية بعد زكريا ويحيى والمسيح لما قتلوا يحيى بن زكريا الذي يسميه أهل الكتاب يوحنا المعمداني.

وكثير من المذكورين بالعلم يظن أن (بخت نصر) هو الذي قدم الشام لما قتل يحيى بن زكريا، وهذا عند أهل العلم من أهل الكتاب وعند من له خبرة من علماء المسلمين باطل، والمتواتر أن (بخت نصر) هو الذي قدم في المرة الأولى، وكذلك كون شعيب النبي كان حمو موسى "عليه السلام" كما تقوله طائفة من الجهال، والمتواتر عند أهل الكتاب وعند المسلمين من الصحابة والتابعين وغيرهم خلاف ذلك، وعند النصارى من أخبارهم وأخبار علمائهم وملوكهم المتواترة ما لا يعرفه المسلمون واليهود، وعند المسلمين من أخبار علمائهم وملوكهم المتواترة ما لا يعرفه أكثر الأمم. بل عند كل طائفة من المسلمين من أخبار شيوخهم وأمرائهم وبلادهم المتواترة ما لم تسمع من غيرهم، وليس هذا بمنزلة من ادعى خبرا لم يكن يعرف في الذين شاهدوا تلك القضية، كما لو ادعى مدع أن النبي ﷺ حج بعد الهجرة أكثر من حجة، وأنه كان يصوم شهر رمضان بمكة، وأنه كان بمكة أذان أو أنه كان في عساكره وعساكر خلفائه دبادب وبوقات، أو أنه كان يؤذن للعيدين أو كان يخطب للعيدين قبل الصلاة، أو أنه كان يصلي بالمدينة أكثر من عيد أو أنه كان يصلي في السفر أربعا، أو أنه صلى بمنى صلاة عيد النحر، أو أنه نص على علي بن أبي طالب رضي الله عنه أو غيره بالخلافة نصا ظاهرا مشهورا، أو أنه عزل أبا بكر عن الإمارة في الحجة وولى عليا، أو أنه صلى في مرض موته غير أبي بكر، ونحو ذلك من الأخبار التي يعرف أنها كذب باطل لتواتر نقيضها، ولأنها لو كانت صحيحة لكانت مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله واشتهاره، ومع أنه لم يكن له ذكر في الزمن المتقدم.

وكذلك ما ينقله كثير من أهل الجهل مثل ما يجعلونه من معجزات الرسول أو غيره، ولا يوجد منقولا عند أهل العلم بأحواله، بل يكذبون ناقله مثل قول كثير من العامة: إن الغمام كان يظله دائما، فهذا لا يوجد في شيء من كتب المسلمين المعروفة عند علمائهم، ولا نقله عالم من علمائهم، بل هو كذب عندهم، وإن كان كثير من الناس ينقله، وإنما نقل أن الغمامة أظلته لما كان صغيرا فقدم مع عمه إلى الشام تاجرا، ورآه بحيرا الراهب، ومع هذا فهذا لا يجزم بصحته، وكذلك ما ينقله بعضهم من أنه كان إذا وطئ أثر قدمه في الحجر وفي الرمل لم يكن يؤثر، فهذا لم ينقله أهل العلم بأحواله، ولا واحد منهم، بل هو كذب عليه.

وكذلك ما ينقله طائفة من الناس من كثرة القتل بحروبه أو المغازي الكثيرة الذي يذكر مثلها صاحب الكتاب الذي سماه بـ " نقلات الأنوار " ويقال له البكري، فهذه لما كان أكثرها لا يوجد في كتب المسلمين المعروفة، ولا نقلها علماؤهم، بل قد تواتر ما يخالفها كانت كذبا ظاهرا عند أهل العلم بأحواله، وإن كان كثير من الناس الجهال بأحواله قد يصدق بها.

ومثل ما ينقله طائفة أنه كان في غزوة خيبر نصب علي بن أبي طالب يده ليمر الجيش عليها، وأن البغلة مرت عليها فقال: قطع الله نسلك، فانقطع نسلها، فهذا ليس في شيء من كتب أهل العلم بأحواله، ولا نقل ذلك واحد منهم، وإنما ينقل ذلك من هو معروف بالكذب أو جاهل، ولهذا كان هذا من الكذب الذي يقطع بكذبه علماء المسلمين، ويعلمون أنه تواتر نقيضه، وأنه لم يكن في غزوة خيبر بغلة واحدة، ولم يكن بالمدينة ولا بمكة بغلة إلا بغلته التي أهداها له المقوقس النصراني ملك مصر والإسكندرية، وإنما أهداها له بعد فتح خيبر لما كتب النبي ﷺ إلى ملوك الطوائف يدعوهم إلى الإسلام، وهو إنما أرسل إلى ملوك الطوائف بعد الحديبية وخيبر لما رجع من خيبر، ويعلمون أن البغلة لم تزل مقطوعة النسل لم يكن لها نسل قط.

وكذلك ما ينقله بعض الكذابين من أن طائفة من أهل البيت سبوا فأركبوا جمالا فنبت لها سنامان، وأنها البخاتي، فهذا مما اتفق أهل المعرفة بالأخبار على أنه كذب، لم يسب المسلمون قط في وقت من الأوقات أحدا من أهل بيت النبي ﷺ لا في خلافة بني أمية ولا في خلافة بني العباس، والجمال البخاتي ما زالت هكذا لم يتجدد لها السنام في الإسلام، كما قال النبي ﷺ لما ذكر ما يحدث النساء بعده، قال: " على رءوسهن كأسنمة البخت "

وكذلك ما نقله طائفة من أهل العلم من أن الشمس ردت لما فاتت عليا صلاة العصر لكون النبي ﷺ نام في حجره، وجعل بعضهم هذا من المعجزات، وليس هذا الحديث في شيء من كتب المسلمين التي يعتمدون على ما فيها من المنقولات، لا الصحاح، ولا المساند، ولا المغازي والسير، ولا غير ذلك، بل بين أهل العلم بالحديث أن هذا كذب، وليس له إسناد واحد صحيح متصل، بل غايته أن يروى عمن لا يعرف صدقه، ولم يروه إلا هو مع توفر الهمم والدواعي على نقله، فعلموا أنه كذب، وهذا باب واسع يبين أن علماء المسلمين يميزون المنقولات بين الصدق والكذب، فيردون الكذب وإن كان فيه من فضائل نبيهم وأعلامه وفضائل أصحابه وأمته ما هو عظيم، ويقبلون الصدق وإن كان فيه شبهة إشكال، وقد يحتج به المنازعون لهم.

وكان عبد الرحمن بن مهدي يقول: أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم. ومن ذلك مغازي حمزة الشائعة بين كثير من جهال الترك وغيرهم، لا يوجد في شيء من كتب العلم، بل قد تواتر عند أهل العلم أن حمزة لم يشهد غزوة إلا غزوة بدر ثم غزوة أحد، وقتل يوم أحد شهيدا، قتله وحشي بن حرب، وهذا متواتر عند أهل العلم، وما كان من هذه الآيات في الصحاح بل وكثير مما لم يخرجه البخاري ومسلم، فهذه عامتها مما يقطع أهل العلم بالحديث بصحتها، ويتيقنون ذلك، وهذا عندهم مستفيض متواتر، وإن كان بعض ذلك قد لا يتواتر ويستفيض عند غيرهم، فإن الأخبار قد تتواتر وتستفيض عند قوم دون قوم بحسب عنايتهم بها وطلبهم لها، وعلمهم بمن أخبر بها، وصفاتهم، ومقاديرهم، وما دل من الدلائل على صدقهم، وأهل العلم بحديث النبي ﷺ وأفعاله وسيرته وأسباب نزول القرآن ومعانيه وغير ذلك، لهم بهذا من العلم وعندهم به من اليقين ما لا يوجد مثله لغيرهم، كما أن أصحاب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة وداود وغيرهم، عند كل طائفة من أقوال متبوعهم ونصوصه وأخباره ما يقطعون به، وإن كان غيرهم لا يعلم ذلك، والأطباء عندهم من كلام أبقراط وجالينوس ومحمد بن زكريا وأمثالهم ما يقطعون به، وغيرهم لا يعلم ذلك، وأهل الهيئة عندهم من كلام بطليموس، والرصد الممتحن المأموني، وثابت بن قرة، وأبي الحسين الصوفي ما يعلمونه هم، وغيرهم لا يعلم ذلك بحيث يجزم هؤلاء وهؤلاء بكثير من مذاهب أهل الطب والحساب وتجارب الأطباء وأرصاد أهل الحساب، وغيرهم لا يعلم ذلك.

وعند أهل الكتاب كاليهود من أخبار هلال وسمابي وغيرهما من شيوخهم ما لا يعلمه غيرهم؛ وعند النصارى من أخبار الحواريين، ومن أخبار قسطنطين، والمجمع الأول بنيقية، والمجمع الثاني، والثالث، والرابع، والخامس، وغير ذلك من مجامعهم وأخبارهم ما يقطع به علماؤهم، وإن كان غيرهم لا يعلمون ذلك.

وأهل العلم بأيام الإسلام يعلمون من سيرة أبي بكر وعمر وعثمان ومغازيهم كوقعة أجنادين ومرج الصفر وغيرهما في خلافة أبي بكر، وكوقعة اليرموك، وخبر أبي عبيدة وهزيمة الفرس، وفتح مصر، وغير ذلك مما كان في زمن عمر بن الخطاب ما يقطعون به، وإن كان غيرهم لا يعرفون ذلك.

وكذلك ما كان بعد هؤلاء من سير الملوك وحوادث الوجود، بل أهل العلم بالرجال يعلمون من حال آحاد الصحابة والتابعين ومن بعدهم كعبد الله بن عمر، وابن عباس وأبي سعيد وأبي هريرة وعبد الله بن مسعود وأنس بن مالك وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وسعيد بن المسيب والحسن البصري وعلقمة والأسود، وغير هؤلاء ما لا يعلمه غيرهم.

وأهل العلم بالنحو يعلمون من حال سيبويه والأخفش والمبرد والزجاج والفراء والكسائي ما لا يعلمه غيرهم.

والقراء يعلمون من قراءة أبي عمرو وابن كثير وحمزة والكسائي وابن عامر ويعقوب بن إسحاق والأعمش وخلف بن هشام وأبي جعفر ما لا يعلمه غيرهم.

فإذا كان آحاد أهل العلم من أهل الفقه أو الطب أو الحساب أو النحو أو القراءات، بل وآحاد الملوك يعلم الخاصة من أمورهم ما لا يعلمه غيرهم ويقطعون بذلك، فكيف بمن هو عند أتباعه أعلى قدرا من كل عالم، وأرفع منزلة من كل ملك، وهم أرغب الخلق في معرفة أحواله، وأعظم تحريا للصدق فيها، ولرد الكذب منها حتى قد صنفوا الكتب الكثيرة في أخبار جميع من روى شيئا من أخباره، وذكروا فيها أحوال نقلة حديثه، وما يتصل بذلك من جرح وتعديل، ودققوا في ذلك، وبالغوا مبالغة لا يوجد مثلها لأحد من الأمم، ولا لأحد من هذه الأمة إلا لأهل الحديث، فهذا يعطي أنهم أعلم بحال نبيهم من كل أحد بحال متبوعهم، وأنهم أعلم بصدق الناقل وكذبه من كل أحد بصدق من نقل عن متبوعهم وكذبه.

فإذا كان أولئك فيما ينقلونه عن متبوعهم متفقين عليه جازمين بتصديقه لا يكون إلا صدقا، فهؤلاء مع جزمهم بالصدق، واتفاقهم على التصديق أولى أن لا يكون ما جزموا بصدقه إلا صدقا.

وعامة أخبار الصحيحين مما اتفق علماء الحديث على التصديق بها، وجزموا بذلك، وإنما تنازعوا في أحاديث قليلة منها، وعامة ما ذكرناه من آيات النبي ﷺ التي في الصحاح هي من موارد إجماعهم المستفيضة عندهم التي يجزمون بصدقها، ليست من موارد نزاعهم. فهذا طريق يسلكه من عرفه من العلماء، ويعلم خيرة أهله من كان خبيرا بهم، فهذه طريقان في تصديق هذه الآيات: التواتر العام، والتواتر الخاص.

التواتر المعنوي من طرق العلم القطعي بالنبوة

الطريق الثالث: التواتر المعنوي، وهذا مما اتفق على معرفته عامة الطوائف، فإن الناس قد يسمعون أخبارا متفرقة بحكايات يشترك مجموعها في أمر واحد، كما سمعوا أخبارا متفرقة تتضمن شجاعة عنترة، وخالد بن الوليد، وأمثالهما، وتتضمن سخاء حاتم ومعن بن زائدة، وأمثالهما، وتتضمن حلم الأحنف بن قيس، ومعاوية بن أبي سفيان، وأمثالهما، وتتضمن شعر امرئ القيس والنابغة ولبيد وأمثالهم من المتقدمين، وشعر الفرزدق وجرير وعمر بن أبي ربيعة، وأمثالهم من المولدين، وشعر أبي نواس والمتنبي وأبي تمام، وأمثالهم من المحدثين، بل وسمعوا أقوالا وفتاوي متفرقة تتضمن فقه مالك، والثوري، والليث بن سعد، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم من العلماء، وأخبارا متفرقة تتضمن العدل وحسن السيرة من عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهما من ولاة الأمور، وسمعوا أخبارا متفرقة تتضمن الزهد عن مثل الحسن البصري، والفضيل بن عياض، ومالك بن دينار، وإبراهيم بن أدهم، وغيرهم من الزهاد، وسمعوا أخبارا متفرقة تتضمن معرفة أبقراط وجالينوس ونحوهما بالطب، فيحصل بمجموع الأخبار علم ضروري بأن الشخص موصوف بذلك النعت، وإن كان كل من الأخبار لو تجرد وحده لم يفد العلم، وإن كان كل من الحكايات ليست وحدها منقولة بالتواتر.

ومن هذا الباب العلم القطعي بالإيمان والموت، ونحو ذلك مما يحصل به استقامة موجب العلم القطعي كعلم الناس بأن خديجة وعائشة ونحوهما من أمهات المؤمنين، وأن فاطمة وزينب من بنات النبي ﷺ، وأن عائشة بنت أبي بكر، وأن أبا بكر وعمر وعثمان تولوا الخلافة بعده، وأن أبا بكر وعمر دفنا في حجرته، وإذا عرف هذا فهذه الأحاديث وأضعاف أضعافها هي أضعاف أضعاف ما ينقل عن الواحد من هؤلاء، ونقلتها أجل وأكثر وأفضل من نقلة أخبار هؤلاء، وهي كاملة تتضمن أن محمد بن عبد الله ﷺ كان يجري على يديه من الآيات الخارقة للعادة والعجائب العظيمة ما لا يعرف نظيره عن أحد من الناس، وعلم المسلمين بهذا أعظم من علم أهل الكتاب بما ينقلونه من آيات موسى وعيسى وغيرهما، فإن نقلة آيات محمد ﷺ غير القرآن أضعاف أضعاف نقلة التوراة والإنجيل فضلا عن غيرهما من أخبار الأنبياء، فإن التوراة لم تكن جميعها محفوظة لعموم بني إسرائيل كما يحفظ القرآن عامة المسلمين، وعند خراب بيت المقدس قل من يحفظها جدا حتى تنازع الناس في تواتر نقلها

وكذلك الإنجيل نقلته أقل بكثير من نقلة آيات محمد ﷺ، وإذا قال النصارى هؤلاء كانوا صالحين، وكان لهم آيات، كما يذكرونه من آيات الحواريين فأصحاب محمد ﷺ وتابعوهم صالحون، ولهم من الآيات أعظم مما للحواريين وغيرهم من الأمم، وفيهم من كان يحمل العسكر على الماء، ومن كان يشرب السموم القاتلة، ومن يحيي الله الموتى بدعوته، ومن يكثر الطعام والشراب، وكتب كرامات الأولياء فيها من ذلك أعظم مما عند أهل الكتاب، وهم ينقلون أخبار الأنبياء والصالحين من كتب عندهم، مثل كتاب أخبار الحواريين، وكتاب سفر الملوك، ونحو ذلك، وما يذكرون من حجة في صحة نقلها إلا وحجة المسلمين فيما ينقلونه عن نبيهم وأصحابه والتابعين أظهر وأقوى.

حضور الخلق الكثير للآية وتصديقها طريق قطعي للعلم بالنبوة

الطريق الرابع: أن يقال: هذه الآيات التي ذكرنا بعضها كانت تكون بمحضر من الخلق الكثير كتكثير الطعام يوم الخندق فإنه كان أهل الخندق رجالهم ونساؤهم ألوفا.

وكذلك نبع الماء من بين أصابعه، وفيضان البئر بالماء يوم الحديبية، وكانوا يومئذ ألفا وخمسمائة، وكلهم صالحون من أهل الجنة، لا يعرف فيهم من تعمد كذبة واحدة على النبي ﷺ.

وكذلك تكثير الماء والطعام في غزوة خيبر كانوا ألفا وخمسمائة، وفي تبوك كانوا ألوفا مؤلفة، وكان بعض من حضر هذه المشاهد نقل هذه الآيات قدام آخرين ممن حضرها، وينقلها لأقوام فيذهب أولئك فيخبرون بها أولئك، ويصدق بعضهم بعضا، ويحكي هذا مثل ما حكى هذا من غير تواطئ وتشاعر، وأدنى أحواله أن يقره ولا ينكر عليه روايتها، ونحن نعلم بموجب العادة الفطرية التي جبل الله عليها عباده، وبموجب ما كان عليه سلف الأمة من اعتقاد الصدق وتحريه، واعتقادهم أن ذلك واجب، ومن شدة توقيهم الكذب على نبيهم، وتعظيمهم ذلك، إذ قد تواتر عندهم عنه أنه قال: " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار "

فنحن نعلم أنهم لم يكونوا يقرون من يعلمون أنه يكذب عليه، ومن أخبر عنه بما كانوا مشاهدين له، وكذب عليه فقد علموا أنه كذب عليه، فلما اتفقوا على الإقرار على ذلك، وعلى تناقله بينهم من غير إنكار أحد منهم لذلك علم قطعا أن القوم كانوا متفقين على نقل ذلك كما هم متفقون على نقل القرآن والشريعة المتواترة، وإن كان جمهورهم ليس منتصبا لتلقين القرآن، بل هذا يلقنه وهذا يسمعه من هذا المتلقن، لا ينكر بعضهم على بعض القراءة، وهذا يعلم هذا الصلاة: أن الظهر في الحضر أربع ركعات، والمغرب ثلاثا، والفجر ركعتان، وهذا يقر هذا، فلما كان بعضهم يقر بعضا على نقل ذلك علم اتفاقهم على نقل ذلك، وهذا غاية التواتر.

وكذلك ما نقلوه من شرائعه ومن آياته وبراهينه، يبين ذلك أن ما أنكره بعضهم رده على الآخر ولم يوافقه، وإن كانوا متأخرين عن زمن الصحابة فكيف بالمتقدمين، كتنازعهم هل كان يجهر بالبسملة أم لا يجهر بها؟ وهل كان يداوم على القنوت في الفجر أم كان يقنت أحيانا للنوازل، أم قنت مرة ثم تركه، فهذا من أهون الأمور وأيسرها، إذ كلهم متفقون على صحة صلاة من قنت، وعلى صحة صلاة من لم يقنت، ومن جهر، ومن خافت، ولكن لما تنازعوا فيما فعله الرسول تنازعوا في الحكم، فعلم بذلك أن ما كان مشهورا في الأمة عن النبي ﷺ، ولم ينكره أحد من علمائها كانت الأمة متفقة على نقله كنقلهم للقرآن، وللشرائع الظاهرة المشهورة، وإن نقل ذلك أعظم من نقل سائر أخبار الأنبياء والعلماء والملوك والزهاد.

وكذلك حجه، فإنهم كلهم متفقون على ما تواتر عنه من أنه لم يحج بعد الهجرة إلا حجة واحدة، وهي التي تسمى حجة الوداع، وإنما عاش بعدها نحوا من ثلاثة أشهر، وأنه لما حج أمر أصحابه كلهم إلا من ساق الهدي منهم إذا طاف بالبيت وبين الصفا والمروة أن يحل من عمرته، وأنه لم يعتمر هو ولا أحد من أصحابه الذين حجوا معه بعد الحج إلا عائشة وحدها، وأنه هو نفسه لم يحل من حجته، ولا أحد ممن ساق الهدي معه، وإنما اشتبه على بعضهم بعض ألفاظه أو بعض الأمور التي تخفى على أكثر الناس، وكان الصحابة ينقلون تمتع رسول الله ﷺ، ومرادهم بالتمتع أنه قرن بين العمرة والحج، فظن بعض الناس أنهم أرادوا أنه أخر الإحرام بالحج إلى أن قضى العمرة، وقال بعض الصحابة: إنه أفرد بالحج، فظن بعض الناس أنه حج، واعتمر بعد الحج، وهذا لم ينقله أحد من العلماء، بل اتفقوا على أنه لم يعتمر بعد الحج، وروى بعض الصحابة أنه قرن، فظن بعض الناس أنه طاف طوافين، وسعى سعيين، وهذا لم ينقله أحد عنه، وكان من أسباب غلط كثير من الناس أنهم كانوا يستعملون تلك الألفاظ في معان غير ما استعملته فيها الصحابة، فغلط بعض الناس على بعض الصحابة، وأما ما فعله في الحج مشهورا فهو متواتر لم يختلف فيه النقل، ولا علماء النقل، ومن تدبر هذه الطريق أفادته علما يقينيا قطعيا بصحة هذه الآيات عن محمد ﷺ، وكذلك الطرق المتقدمة فإنا قد ذكرنا أن ما كان الناس أحوج إلى معرفته يسر الله دلائله للناس أعظم من تيسير غيره، وحاجة الخلق إلى تصديق الرسول أشد من حاجتهم إلى جميع الأشياء، إذ بذلك تحصل سعادتهم في الآخرة، ونجاتهم من العذاب، وبه يحصل صلاح العباد في المعاد والمعاش

تواتر أنواع من آيات النبوة عند كل صنف من أنواع العلماء

الطريق الخامس: أن ما من صنف من أصناف العلماء إلا وقد تواتر عندهم من الآيات ما فيه كفاية، فكتب التفسير مشحونة بذكر الآيات متواتر ذلك فيها، وكتب الحديث مشحونة بذكر الآيات متواتر ذلك فيها، وكتب السير والمغازي والتواريخ مشحونة بذكر الآيات متواتر ذلك فيها، وكتب الفقه مشحونة بذكر الآيات متواتر ذلك فيها، وإن لم يكن هذا مقصودا منها، وإنما المقصود الأحكام لكنهم في ضمن ما يروونه من الأحكام يروون فيها من الآيات ما هو متواتر عندهم، وكتب الأصول والكلام مشحونة بذكر الآيات متواتر ذلك فيها، ونقل كل طائفة من هذه الطوائف يفيد العلم اليقيني، فكيف بما ينقله كل طائفة من هذه الطوائف، وهذه الطريق وغيرها مثل طريق الإقرار والتصديق، وطريق التواتر المعنوي، وطريق تصديق أهل العلم بالحديث بها، وغير ذلك، يستدل بها تارة على تواتر الجنس العام للآيات الخارقة للعادة، وهذا أقل ما يكون، ويستدل بها على تواتر جنس جنس منها، كتواتر تكثير الطعام، وتواتر تكثير الطهور والشراب، وعلى تواتر نوع نوع منها، كتواتر نبع الماء من بين أصابعه، وتواتر إشباع الخلق العظيم من الطعام القليل، وتواتر شخص شخص منها، كتواتر حنين الجذع إليه، وأمثال ذلك، وكلما أمعن الإنسان في ذلك النظر، واعتبر ذلك بأمثاله، واعتبر وأعطاه حقه من النظر والاستدلال ازداد بذلك علما ويقينا، وتبين له أن العلم بذلك أظهر من جميع ما يطلب من العلم بالأخبار المتواترة، فليس في الدنيا علم مطلوب بالأخبار المتواترة إلا والعلم بآيات الرسول وشرائع دينه أظهر من ذلك، وما من حال أحد من الأنبياء والملوك والعلماء والمشايخ المتقدمين وأقواله وأفعاله وسيرته إلا والعلم بأحوال محمد ﷺ أظهر من العلم به، وما من علم يعلم بالتواتر مما هو موجود الآن كالعلم بالبلاد البعيدة كعلم أهل الشام بالعراق وخراسان والهند والصين والأندلس، وعلم أهل المغرب بالشام والعراق وخراسان والهند، وعلم أهل خراسان بالشام والعراق ومصر، وعلم أهل الهند بالعراق والشام، وأمثال ذلك من علم أهل البلاد بعضهم بحال بعض إلا وعلم الإنسان بحال المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها، وما هم عليه من الدين، وما ينقلونه عن نبيهم من آياته وشرائعه أظهر من علمه بهذا كله.

وهذا مما يبين أنه ليس في الوجود أمر يعلم بالنقول المتواترة إلا وآيات الرسول وشرائعه تعلم بالنقول المتواترة أعظم مما يعلم ذلك الأمر تحقيقا لقوله تعالى: هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا

وظهوره على الدين كله بالعلم والحجة والبيان إنما هو بما يظهره من آياته وبراهينه، وذلك إنما يتم بالعلم بما ينقل عن محمد من آياته التي هي الأدلة، وشرائعه التي هي المدلول المقصود بالأدلة، فهذا قد أظهره الله علما وحجة وبيانا على كل دين، كما أظهره قوة ونصرا وتأييدا على كل دين، والحمد لله رب العالمين.

كما أنه ما من دليل يستدل به على مدلول إلا والأدلة على آيات الرب أكبر وأكثر.

مصنفات العلماء في آيات النبوة

الطريق السادس: أن العلماء قد صنفوا مصنفات كثيرة في ذكر آياته وبراهينه المنقولة في الأخبار، وجردوا لذلك كتبا مثل كتاب دلائل النبوة للفقيه الحافظ أبي بكر البيهقي، وقبله دلائل النبوة للشيخ أبي نعيم الأصبهاني، وقبله دلائل النبوة لأبي الشيخ الأصبهاني، ولأبي القاسم الطبراني، وقبلهما دلائل النبوة للإمام الحافظ أبي زرعة الرازي، والشيخ المصنف أبي بكر عبد الله بن أبي الدنيا، وللمصنف الحافظ الإمام أبي إسحاق إبراهيم الحربي، وأبي بكر جعفر الفريابي، وما صنفه الشيخ العالم أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه المسمى بالوفا في فضائل المصطفى، وما صنفه الحافظ أبو عبد الله المقدسي من دلائل النبوة، وهؤلاء وغيرهم يذكرون ما يذكرون من الأسانيد المعروفة، والطرق المتعددة الكثيرة المتواترة.

وهؤلاء منهم من يميز ما يذكره من الأحاديث بين ما في صحيحي البخاري ومسلم، وما في غيرهما، وإن كان صحيحا أيضا كالبيهقي، وابن الجوزي، والمقدسي، ومنهم من يذكر ذلك جميعه بأسانيده، وقد يتكلم على الأسانيد والطرق ويذكر تعددها من غير احتياج منه أن يذكر ما رواه البخاري، ومسلم كأبي زرعة شيخ مسلم، وأبي الشيخ، وأبي نعيم، وغيرهم، وآخرون يذكرونه معزوا مسندا إلى من رواه، وإن لم يذكروا إسناده كما يفعله القاضي عياض السبتي في كتابه المسمى بالشفا بتعريف حقوق المصطفى، ومنهم من يقرر ذلك بشهرة ذلك وطرق أخرى من صحته كما يفعله كثير من النظار كالقاضي عبد الجبار والجاحظ، والماوردي القاضي، وسليم الرازي الفقيه، وغيرهم، وهذه الكتب فيها من الأحاديث المتضمنة لآيات نبوته وبراهين رسالته أضعاف أضعاف الأحاديث المأثورة فيما هو متواتر عنه مثل حجة الوداع، وعمرة الحديبية، وصد المشركين له، ومصالحته إياهم، وحله هو وأصحابه بالحديبية، ورجوعهم ذلك العام، وفتح خيبر، وعمرة القضية، وعمرة الجعرانة. ومثل حصاره لأهل الطائف، وفتح مكة قبل ذلك، ومثل غزوه النصارى عام تبوك، وإرساله جيشا لغزوهم بمؤتة من مشارف الشام قريبا من الحصن المسمى بالكرك، ومثل غزوه لليهود بخيبر، وغزوه لليهود قبل ذلك لمن كان عند المدينة مثل بني قينقاع، والنضير، وقريظة، ومثل إرساله أبا بكر أميرا على الحج سنة تسع، ونبذه العهود، ومناداته أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومثل هجرته مع أبي بكر وعامر بن فهيرة ورجل ثالث كان دليلا لهم. ومثل ما تواتر عنه أنه كان يصلي بالمسلمين في العيدين بالمصلى خارج المدينة لم يكن يصلي العيد في مسجده إلا مرة نقل أنه صلى في المسجد لأجل المطر، ولم يكن على عهده يصلي أحد بالمدينة صلاة العيد إلا خلفه لم يكن يصلي صلاتي عيد على عهده وعهد أبي بكر وعمر وعثمان، وأول من فعل ذلك علي بن أبي طالب لما كثر الناس وضعف أقوام عن الخروج إلى الصحراء استخلف من يصلي بهم في المسجد.

وكما تواتر عنه أنه كان يصلي الجمعة بأذان وإقامة لا يؤذن لها إلا إذا قعد على المنبر، وكذلك كان الأمر على عهد أبي بكر وعمر فلما كان في أثناء خلافة عثمان كثر الناس فأمر بالنداء الثالث على دار قريبة من المسجد من جهة المشرق يقال لها الزوراء، وكما تواتر أن مسجده كان باللبن، وسقفه كان من جذوع النخل، وكانت حجر أزواجه قبلي المسجد وشرقيه فلما كثر الناس زاد فيه عمر ثم زاد فيه عثمان، وبناه بالقصة والحجارة، ثم في إمارة الوليد أمر نائبه عمر بن عبد العزيز أن يشتري الحجر ويزيدها في المسجد، فدخلت حجرة عائشة التي دفن فيها هو وأبو بكر وعمر في المسجد من حينئذ، وإنما كانت في حياته خارجة عن المسجد إلى سنة إحدى وتسعين، وقال في مرض موته: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا. قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا.

وكما تواتر عنه أنه نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس، ووقت غروبها، وتواتر عنه أنه كان يضحي في عيد الأضحى، بل تواتر عند أهل العلم بأحواله تروكه المشهورة كما تواترت أفعاله المشهورة، فتواتر عنه أنه لم يكن يؤذن للعيدين، ولا الكسوف، ولا الاستسقاء، وأنه صلى الكسوف بركوعين في كل ركعة صلاة طويلة، وتواتر عنه كان يطوف بالبيت سبعا، ويصلي ركعتين بعد الطواف، ولم يكن يصلي بعد السعي بالصفا والمروة ركعتين، وتواتر أنه كان يواصل، ونهى أصحابه عن الوصال، ويقول: " إني لست كهيأتكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " وأنه لم يفرض صوما إلا صوم شهر رمضان، ولم يفرض الحج على المستطيع إلا مرة، وأنه فرض الصلوات الخمس على كل بالغ عاقل إلا الحائض والنفساء، وأنه منع الحائض والنفساء من الصوم والصلاة، وكان الحيض يؤمرن بقضاء الصوم، ولا يؤمرن بقضاء الصلاة.

وأنه أمر بالاغتسال من الجنابة للصلاة، وأمر بالوضوء عند الصلاة لمن بال أو تغوط أو خرج منه ريح أو مذي، وأنه رخص في الاستجمار بثلاثة أحجار، ونهى عن الاستنجاء باليمين، ونهى عن الاستجمار بالعظم والبعر، وقال: " إنها زاد إخوانكم من الجن " وأنه لم يكن يجمع المسلمين على سماع كف، ولا دف، ولا رقص ولا صعق، لا هو ولا أصحابه عند سماع القرآن، بل كانوا توجل قلوبهم، وتقشعر جلودهم، وتدمع عيونهم، وأنه لم يكن على عهده وعهد خلفائه تعاد امرأة مطلقة إلى زوجها بنكاح يقصد به التحليل، بل لعن المحلل والمحلل له لأن ذلك ربما فعل سرا.

وأنه أمر بعيادة المريض، وتشييع الجنازة، وإفشاء السلام، وإجابة الدعوة، وأنه كان يصلي على الميت ويكبر أربع تكبيرات، وقد كان أحيانا يكبر خمسا وسبعا، وأمر بتغسيل الميت وتكفينه، والصلاة عليه ودفنه، وأنه حرم كل مسكر، وحرم بيع الدرهم بالدرهمين، والدينار بالدينارين، والصاع بالصاعين من الحنطة والشعير والتمر والزبيب، وأنه أمر بصدقة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير لما كان أهل المدينة يقتاتون التمر والشعير، وأنه أباح الدواء وقال: " تداووا عباد الله فإنه لم ينزل داء إلا أنزل له دواء إلا السام " والسام الموت، وأنه كان يتداوى بالحجامة وغيرها.

وكذلك ما تواتر عنه من أحاديث سوى ما في القرآن من صفة الجنة والنار، وذكر العرش والملائكة، والجن، وإرساله إلى الثقلين، وما ذكره من أسماء الله، وصفاته، وما أخبر به من فتنة الإنسان في قبره، ومن عذاب القبر ونعيمه، ومن دخول من يدخل النار من أهل الكبائر من أمته، وخروجهم من النار بشفاعته، وشفاعة غيره، ومن ذكر حوضه، وما أخبر به من رؤية الله يوم القيامة، ومحاسبة الله للعباد، وغير ذلك.

وما تواتر عنه من أنه كان يرسل رسلا إلى الملوك يدعوهم إلى الإيمان بالله وبما جاء به، كما أرسل إلى ملوك اليمن، وإلى ملوك الشام ومصر والعراق، وإلى ملوك المشركين واليهود والنصارى والمجوس بعد ما حارب اليهود مرة بعد مرة، وما تواتر عنه أنه كان يركب الخيل والإبل والبغال والحمير، وأنه رجم الزاني المحصن مرة بعد مرة، وقطع يد السارق، وجلد شارب الخمر، وأنه كان يصلي في السفر الرباعية ركعتين ركعتين، وأنه جمع بين الصلاتين الظهر والعصر بعرفة، وفي مزدلفة جمع بين المغرب والعشاء، وأنه كان يصلي بمنى ركعتين ركعتين، وأمر المسلمين في حجة الوداع أن يحلوا من إحرامهم، ويجعلوها عمرة إلا من ساق الهدي فإنه أمره أن يبقى على إحرامه، وأنه هو لم يحل من إحرامه، ولا اعتمر بعد الحج لا هو ولا أحد ممن حج معه إلا عائشة لكونها كانت حائضا، وأن شهر رمضان فرض في السنة الثانية من الهجرة فصام تسع رمضانات.

وأنه كان له أربع بنات وثلاثة بنين، وكان يكنى بأكبر أولاده القاسم فيدعى أبا القاسم، وأنه تزوج بنتي أبي بكر وعمر، وزوج عثمان ابنتيه، وزوج عليا بنتا، وأنه آمن به من أعمامه حمزة والعباس، ولم يؤمن أبو لهب ولا أبو طالب مع أن أبا طالب كان يحوطه، ويذب عنه، وأنه استخلف أبا بكر ليصلي بالناس لما مرض وثقل عن الصلاة لم يصل أحد بإذنه مع حضوره غير أبي بكر في مرضه، ولما ذهب ليصلح بين بني عمرو بن عوف، وأنه كان من خواص أصحابه العشرة أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وأبو عبيدة بن الجراح، وعبد الرحمن بن عوف، وغير هؤلاء كعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وأبي طلحة، وأبي أيوب، وأسيد بن حضير، وأضعاف هؤلاء، وأنه بايعه تحت الشجرة ألف وأربعمائة، وهم الذين أنزل الله فيهم: لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة

وأنه لما قدم المدينة بنى مسجده، وكان في شماليه صفة ينزلها العزباء، وأن المهاجرين والأنصار كلهم أسلموا طوعا بلا رغبة ولا رهبة، وأن المهاجرين آذاهم الكفار إيذاء عظيما حتى هاجر منهم طائفة إلى الحبشة عند النجاشي، وأن النجاشي آمن به، وأنه لما مات أخبر النبي ﷺ بموته يوم مات، وأنه صلى عليه بأصحابه في المصلى كما يصلي على الميت الحاضر

وأنه كان يخطب يوم الجمعة قبل الصلاة، ويخطب في العيد بعد الصلاة، وكان يؤذن للجمعة وللصلوات الخمس، ولا يؤذن للعيدين، ولا غير الصلوات الخمس، وأن بلالا كان يؤذن له بالمدينة هو وابن أم مكتوم الأعمى، وكان سعد القرظ يؤذن لأهل قباء، وأبو محذورة يؤذن لأهل مكة، وكما تواتر عنه وعن خلفائه أنهم لم يكونوا بمنى يصلون صلاة عيد بل يرمون جمرة العقبة، وينحرون كما أمر أهل الأمصار أن يصلوا ثم ينحروا، إلى أمثال هذه الأمور مما هو متواتر عند كل من كان عالما بأحواله، ومنها ما هو متواتر عند جميع الأمة.

ومنها ما هو متواتر عند جمهورها، وليس منها شيء إلا وتواترت آياته وبراهينه صلى الله فيها عليه وسلم التي لم تذكر في القرآن أعظم من تواتر هذه الأمور، والكتب المصنفة في آياته وبراهينه الخارجة عن القرآن فيها من الأحاديث أضعاف أضعاف ما يوجد من الأحاديث في مثل هذه الأمور، بل في كل صنف من أصناف آياته من الأحاديث أضعاف ما يوجد في مثل ذلك كتواتر إخباره بالغيوب المستقبلة، وتواتر تكثيره للطعام والشراب مرات متعددة، وتكثيره الطهور إما بنبع الماء بين أصابعه، وإما بفيضان الينبوع الذي يضع فيه بعض آثاره، وإما بفيضان الماء من الوعاء الذي برك فيه، والماء باق بحاله لم ينقص.

فالأحاديث المتواترة في مثل هذه الأنواع أكثر من الأحاديث المتواترة في مثل تلك الأمور التي هي متواترة، ولهذا كان شهرة هذه الأمور في الأمة وفي أهل العلم بأحواله أعظم من شهرة كثير من تلك الأمور، والمقصود هنا أن تواتر آياته المستفيضة في الأحاديث أعظم من تواتر أمور كثيرة هي متواترة عند الأمة أو عند علمائها وعلماء أهل الحديث، وهذا غير الآيات والبراهين المستفادة بالقرآن فإن تلك قد تجرد لها طوائف من المسلمين ذكروا من أنواعها وصفاتها ما هو مبسوط في غير هذا الموضع حتى بينوا أن ما في القرآن من الآيات يزيد على عشرات ألوف من الآيات، وهذا غير ما في كتب أهل الكتاب من الإخبار به.

وهذه الأجناس الثلاثة غير ما في شريعته التي بعث بها، وغير صفات أمته، وغير ما يدل من المعرفة بسيرته وأخلاقه وصفاته وأحواله، وهذا كله غير نصر الله وإكرامه لمن آمن به، وعقوبته وانتقامه ممن كفر به كما فعل بالأنبياء المتقدمين فإن تعداد أعيان دلائل النبوة مما لا يمكن بشرا الإحاطة به إذ كان الإيمان به واجبا على كل أحد.

فيبين الله لكل قوم بل لكل شخص من الآيات والبراهين ما لا يبين لقوم آخرين.

كما أن دلائل الربوبية وآياتها أعظم وأكثر من كل دليل على كل مدلول، ولكل قوم بل ولكل إنسان من الدلائل المعينة التي يريه الله إياها في نفسه وفي الآفاق ما لا يعرف أعيانها قوم آخرون. قال تعالى: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق

والضمير في ذلك عائد إلى القرآن عند المفسرين والسلف وعامة العلماء كما يدل على ذلك القرآن بقوله: قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد * سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق...

وقد قيل: إن الضمير عائد إلى الله، والصواب الأول كما قال: قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به؛ وهذا هو القرآن. ثم قال بعد ذلك: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق؛ ثم قال: أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد

فأخبر أنه سيري الناس في أنفسهم وفي الآفاق من الآيات العيانية المشهورة المعقولة ما يبين أن الآيات القرآنية المسموعة المتلوة حق فيتطابق العقل والسمع، ويتفق العيان والقرآن، وتصدق المعاينة للخبر.

وإذا كان القرآن حقا لزم كون الرسول الذي جاء به صادقا، وأن الله تعالى أنزله، وأنه يجب التصديق بما أخبر به، والطاعة لما أوجبه وأمر به، وذلك يتضمن إثبات الصانع وتوحيده وأسماءه وصفاته، وإثبات النبوات، وإثبات المعاد، وهذه هي أصول العلم والإيمان التي علقت بها السعادة والنجاة.

فصل: أدلة قرآنية على مجيء الرسل بالآيات

وآيات النبوة وبراهينها تكون في حياة الرسول وقبيل مولده، وبعد مماته لا تختص بحياته فضلا عن أن تختص بحال دعوى النبوة أو حال التحدي كما ظنه بعض أهل الكلام، بل لا بد من آيات في حياته تدل على صدقه تقوم بها الحجة، وتظهر بها المحجة كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح " ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " وقد قال تعالى في سورة إبراهيم: الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد - إلى قوله - ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور - إلى قوله - ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب * قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى؛ الآيات

فأخبر سبحانه أن قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله أتتهم رسلهم بالبينات فعلم أنهم جاءوا بالبينات

وقال: فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير

وقال تعالى: وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذابا أليما * وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا * وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا

فأخبر أنه سبحانه ضرب الأمثال لجميع هؤلاء الذين أرسل إليهم وأهلكهم فلم يعاقبهم إلا بعد أن أقام عليهم الحجة.

وقال تعالى: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون * بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون

فأخبر أنه لم يرسل إلا رجالا يوحى إليهم لم يرسل إليهم ملائكة ولا نساء، وأنه أرسلهم بالبينات، والزبر، والزبر جمع زبور وهي الكتب، فإن منهم من أنزل عليه كتاب، ومنهم من أرسل بتجديد الكتاب الذي قبله

وقال تعالى: إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير * وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير * ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير

أخبر أنه ليس أمة من الأمم إلا خلا فيها نذير؛ كما قال: ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين

ثم أخبر أن الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر والكتاب المنير، وهذا من عطف الخاص على العام لاختصاصه بوصف يختص به كقوله: وملائكته ورسله وجبريل وميكال... فإن الزبر من البينات، والكتاب المنير من الزبر، وهو كقوله: ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. فإن الهدى من العلم، والكتاب المنير من الهدى.

وبين أنه أخذ الذين كفروا بهم، وهذا أنزله ليبين عاقبة المكذبين، ولهذا بنى الفعل للفاعل فقال: فقد كذب الذين من قبلهم. وهذه السورة مكية. ثم أنزل في آل عمران وهي مدنية في سياق الآيات التي فيها تسلية الرسول والمؤمنين به وتثبيتهم وتعزيتهم لما أصابهم من المكذبين يوم أحد وغيره فقال:

الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم * الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم * إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين

أي يخوفكم أولياءه كما قاله جمهور العلماء

ثم قال: ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا

وسياق الكلام في بيان أن الكفار لا يضرون الله ولا عباده المؤمنين بل ضررهم على أنفسهم وأن ما حصل لهم من نعمة إنما هو استدراج وإملاء إلى أن قال:

لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق * ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد * الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين

بين سبحانه أن هذا القول منهم مع أنه كذب فلم يقولوه إلا دفعا للحق لا ليؤمنوا بمن جاءهم بذلك إذ قد جاءهم رسل من قبله بالآيات البينات والقربان الذي تأكله النار، ومع هذا قتلوهم، والكلام في مثل هذا الجنس الذي يوالي بعضهم بعضا، ويتبع بعضهم بعضا كاليهود الذين هم على دين سلفهم الذين فعلوا ذلك، ولهذا يذمهم بصيغة الخطاب كقوله: وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون - إلى قوله - وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة

فالخطاب لجنس بني إسرائيل، وإن كان الذين عاينوا ذلك ماتوا. ثم قال: فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير

فحذف هنا الفاعل، وبنى الفعل للمفعول إذ المقصود هنا تسلية الرسول وتعزيته لا ذكر عقوبة المكذبين فلهذا كانت هذه أخص من تلك.

فصل

ومن آيات الأنبياء إهلاك الله لمكذبيهم، ونصره للمؤمنين بهم، فهذا من أعلام نبوتهم، ودلائل صدقهم، كإغراق الله قوم نوح لما كذبوه، وكإهلاكه قوم عاد بالريح الصرصر، وإهلاك قوم صالح بالصيحة، وإهلاك قوم شعيب بالظلة، وإهلاك قوم لوط بإقلاب مداينهم، ورجمهم بالحجارة، وكإهلاك قوم فرعون بالغرق، وقد ذكر الله القصص في القرآن في غير موضع، وبين أنها من آيات الأنبياء الدالة على صدقهم كما يذكره في سورة الشعراء لما ذكر قصة موسى قال: إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين

ثم ذكر قصة إبراهيم، وقال في آخرها: إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين

وكذلك ذكر مثل ذلك في قصة نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، ومن ذلك ما جعله من اللعنة الشائعة لمن كذبهم، ومن لسان الصدق والثناء والدعاء لهم ولمن آمن بهم،.

كما قال تعالى في قصة نوح: وتركنا عليه في الآخرين * سلام على نوح في العالمين

وكذلك في قصة إبراهيم: وتركنا عليه في الآخرين * سلام على إبراهيم

أي تركنا هذا القول الذي يقوله المتأخرون.

وكذلك في قصة موسى، وهارون: وتركنا عليه في الآخرين سلام على موسى وهارون

و سلام على إل ياسين

وكذلك في قصة إبراهيم قال تعالى: فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا * ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا

وقال في قصة فرعون: واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون * فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين * وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون * وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين

ولهذا قال تعالى: لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب

وقال لمحمد ﷺ: فاصبر إن العاقبة للمتقين

فأخبر أن العاقبة للمتقين، ثم إنه ما وقع لهؤلاء وهؤلاء يعلم بالسمع والنقل تارة، ويعلم بالعقل والاعتبار بآثارهم تارة.

كما قال عن أهل النار: لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير.

كما ذكر الله الطريقين في قوله: ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز * الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور *

ثم قال: وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود * وقوم إبراهيم وقوم لوط * وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير * فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد *

ثم قال: أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور

وقال تعالى: وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص * إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد

وقال تعالى: أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون * ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون

وقال تعالى: أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق * ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب

وقال تعالى: أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون * فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون * فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين * فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون

وقال لما قص قصص نوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب، وموسى في سورة هود: ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد * وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب * وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد

ولما ذكر قصة لوط في سورة الصافات قال: وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل أفلا تعقلون

وفي سورة الحجر: إن في ذلك لآيات للمتوسمين * وإنها لبسبيل مقيم * إن في ذلك لآية للمؤمنين * وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين * فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين *

والإمام المبين هو الطريق المستبين الواضح. بين سبحانه أن هذه وهذه كلاهما بسبيل للناس يرونها بأبصارهم فيعلمون بذلك ما فعل الله بمن كذب رسله وعصاهم، ودلالة نصر الله المؤمنين، وانتقامه من الكافرين على صدق الأنبياء من جنس دلالة الآيات والمعجزات على صدقهم، فكون هذا فعل لأجل هذا، وكون ذاك سبب هذا هو مما يعلم بالإضرار عند تصور الأمر على ما هو عليه، كانقلاب العصا حية عقب سؤال فرعون الآية، وانشقاق القمر عند سؤال مشركي مكة آية، وأمثال ذلك.

مناقشة نفاة التعليل في أمور الخوارق والآيات النبوية

والسؤال المشهور الذي يورد في هذا الموضع على قول من ينفي التعليل في أفعال الله، ويجوز على الله كل فعل، حيث قيل لهم: على أصلكم: لا يفعل الله شيئا لأجل شيء، وحينئذ فلم يأت بالآيات الخارقة للعادة لأجل تصديق الرسول، ولا عاقب هؤلاء لتكذيبهم له، ولا أنجى هؤلاء ونصرهم لإيمانهم به، إذا كان لا يفعل شيئا لشيء عندكم، وقالوا لهم أيضا: إذا جوزتم على الرب كل فعل جاز أن يظهر الخوارق على يد الكاذب، ويقال لهم أيضا: أنتم لا تعلمون ما يفعل الرب إلا بعادة أو خبر الأنبياء، فقبل العلم بصدق النبي لا يعلم شيء بخبره، والعادة إنما تكون فيما تكرر كطلوع الشمس، ونزول المطر، ونحو ذلك، والإتيان بالخارق للتصديق ليس معتادا.

فيقال: هذا السؤال إن كان متوجها فإنما يقدح في قول هؤلاء الذين يقولون: يفعل شيئا لأجل شيء، ويجوزون عليه فعل كل شيء ممكن، لا ينزهونه عن فعل سيئ الأفعال، وليس عندهم قبيحا وظلما إلا ما كان ممتنعا مثل جعل الشيء موجودا معدوما، وجعل الجسم في مكانين، ولهذا ذكر ذلك مخالفوهم حجة في إبطال مذهبهم، وقالوا: قولهم يقدح في العلوم الضرورية، ويسد باب العلم بصدق الرسل. قالوا: إذا جوزتم أن يفعل كل شيء فجوزوا أن يكون الجبال انقلبت ياقوتا، والبخار لبنا، ونحو ذلك مما يعلم بالضرورة بطلانه، وجوزوا أن يخلق المعجزات على يدي الكذابين، وليس المقصود هنا الجواب عن هؤلاء، ولا بيان فساد قولهم، ولكن المقصود أن هذا السؤال إن كان متوجها فإنما يقدح في قوله هؤلاء لا يقدح فيما علم بالاضطرار من دلالات الآيات المذكورة على حال هؤلاء وهؤلاء، وأن الله سبحانه وتعالى نجى موسى ونصره لصدقه ونبوته وإيمانه، وأهلك فرعون لتكذيبه، وكذلك نصر محمدا ومن اتبعه على من كذبه من قومه، ونصر نوحا على من كفر به، ونصر المسيح على من كذبه، ونصر سائر الرسل وأتباعهم المؤمنين،

كما قال تعالى: إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد *

وقال: سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون

كما لا يقدح ما علم بالاضطرار من أن الله ينزل المطر في إبانه لسقي المزارع، وأنه يسوق النيل لسقي أرض مصر، وأنه جعل أعضاء الإنسان لما فيها من المنافع كالبطش باليدين، والمشي بالرجلين، والنظر بالعينين، والسمع بالأذنين، والنطق باللسان، وجعل ماء العين ملحا لكونها شحمة، والملوحة تمنعها أن تذوب، وماء الأذن مرا ليمنع الذباب من الولوج في الدماغ، وماء الفم عذبا ليطيب الطعام والشراب، وجعل ماء البحر مالحا لبقاء الأنام فإنه لو كان عذبا فيموت فيه من الحيوان العظيم فيفسد الريح فيموت الآدميون والبهائم بهذه الريح، إلى ما لا يحصى من حكمة الله المشهودة في خلقه.

ونفاة التعليل يقولون: نحن نعلم أن هذا مقارن لهذا بحكم العادة التي أجراها الله، وإن لم يخلق شيئا لشيء، وكذلك من نفى الأسباب مع نفي التعليل أيضا يقولون: نحن نعلم أنه يخلق هذا عند هذا لا به، فاقتران المعجز بالتصديق من هذا الباب عندهم، لكن يبقى عليهم أن هذا لا يعلم إلا بالعادة، ولا عادة. فلا جرم رجعوا إلى فطرته من أن هذا أمر معلوم بالاضطرار، وإن كان مناقضا لأصلهم الفاسد، وضربوا لذلك مثلا بالملك الذي أظهر ما يناقض عادته لتصديق رسوله.

لكن يقال لهم: الملك يفعل فعلا لمقصود، فأمكن أن يقال: إنه قام ليصدق رسوله، وأنتم عندكم أن الله لا يفعل شيئا لشيء، فلم يبق المثل مطابقا، ولهذا صاروا مضطربين في هذا الموضع، تارة يقولون: المعجزات دليلا على الصدق لئلا يفضي إلى تعجيز الرب فإنه لا دليل على الصدق إلا خلق العجز فلو لم يكن دليلا لزم أن يكون الرب غير قادر على تصديق الرسول الصادق، وهذه طريقة الأشعري في أكثر كتبه، وأحد قوليه، وسلكها القاضي أبو بكر، وأبو إسحاق الإسفرائيني، وأبو بكر بن فورك، وأبو محمد بن اللبان، وأبو علي بن شاذان، والقاضي أبو يعلى، وغيرهم

والثاني قالوا: نحن نعلم بالاضطرار أنه فعل هذا لأجل التصديق كالمثل المضروب، وهذا هو القول الآخر، وهي طريقة أبي الحسن الأشعري في أماليه، وهي طريقة أبي المعالي، وأتباعه كالرازي، وغيره، وتنازعوا: هل يمكن خلق ذلك على يد كذاب؟ فقيل: لا يمكن لأنه لو أمكن لجاز وقوعه، وقيل: بل هو مقدور لكن نعلم أنه لا يفعله كما نعلم أنه لا يفعل كثيرا من الخوارق المقدورات كقلب الجبل ياقوتا، والبحر زيتا.

قالوا: فنحن نعلم بالضرورة أنه لا يفعلها فلا يلزم من كونها مقدورة ممكنة أن لا يعلم انتفاء وقوعها، بل قد يعلم عدم وقوعها بالاضطرار، وإن كنا نقول إنها ممكنة مقدورة، وظهور المعجزات على يد الكذاب في دعوى النبوة من هذا الباب عندنا.

وقالوا: المعجز علم على صدق الأنبياء فيمتنع أن يكون الدليل غير مستلزم للمدلول عليه، وهذا القول حق لكن منازعوهم يقولون: هو يستلزم نقيض ما نفوه من كون الله يخلق شيئا لشيء، ويخلق شيئا بشيء، وما قالوا من كونه يجوز عليه فعل كل شيء، وكان ما ذكروه من الحق دليلا على أن الخلق يعلمون ما يعلمونه من حكمة الرب ومراده بما يخلقه لأمر آخر، وأنه سبحانه منزه عن أن يفعل أشياء لا يجوز منه فعل كل شيء، وهم يقولون هنا: قد يكون الشيء ممكنا جائزا مع العلم بأنه غير واقع كانقلاب الجبال ياقوتا، والبحر زئبقا، وموت أهل البلد كلهم في لحظة، ومصير الأطفال علماء حكماء في لحظة واحدة.

وعلى هذا الجواب يعتمدون كثيرا، كما يذكره القاضي أبو بكر، والقاضي أبو يعلى، وأبو المعالي، والرازي، وغيرهم، ثم إنهم يقولون في العقل أنه علوم ضرورية كالعلم بوجوب الواجبات، وامتناع الممتنعات، وجواز الجائزات، فالممتنعات كانقلاب دجلة دما، وأمثال ذلك في الأمور العادية، فيجعلون العادات واجبة تارة، وممتنعة أخرى، مع أنه لا سبب يوجب لا هذا ولا هذا.

ويقولون: نعلم أن هذا جائز ممكن لا يتوقف على سبب، ولا له مانع كالآخر، ثم نعلم أن هذا واقع، وهذا غير واقع لمجرد العادة، مع أن خرق العادة ليس له عندهم ضابط، بل كل ما يجري من العادات معجزات للأنبياء، فيجوز أن يكون عندهم للولي وللساحر، والفرق بينهما عندهم التحدي أو عدم المعارضة، وكذلك المتفلسفة الملاحدة الذين يقولون: أسباب الآيات القوى الفلكية، والقوى النفسانية والطبيعية، وهذه كلها مشتركة عندهم بين الأنبياء والسحرة لكن النبي يقصد الخير والعدل، والساحر يقصد الشر والظلم.

وكذلك أولئك الذين وافقوا جهما على أصله في القدر، لا فرق عندهم بين كرامات الأولياء وخوارق السحرة، لكن الولي مطيع لله، والساحر غير مطيع لله، هذا عمدة هؤلاء النفاة للحكمة والأسباب في أفعال الله تعالى.

وجمهور الناس يخالفونهم، ويقولون: هذا القول فاسد بل نفس تصوره كاف في العلم بفساده، فإنه إذا تماثل هذا وهذا من كل وجه فمن أين يعلم وجود هذا أو وجوبه، وعدم هذا أو امتناعه، وإذا قيل: مستندي العادة. قيل له: منازعوك يقولون: هذا باطل من وجهين:

أحدهما: أنك أنت تجوز انتقاض العادة، وليس لانتقاضها عندك سبب تختص به، ولا حكمة انتقضت لأجلها، بل لا فرق عندك بين انتقاضها للأنبياء، والأولياء، والسحرة، وغير ذلك، ولهذا قلتم: ليس بين معجزات الأنبياء وبين كرامات الأولياء والسحرة فرق إلا مجرد اقتران دعوى النبوة والتحدي بالمعارضة مع عدم المعارضة، مع أن التحدي بالمعارضة قد يقع من المشرك بل ومن الساحر، فلم يثبتوا فرقا يعود إلى جنس الخوارق المفعولة، ولا إلى قصد الفاعل والخالق، ولا قدرته، ولا حكمته.

والثاني: أن العادة لا بد لها من أسباب وموانع يعلم بها اطرادها تارة، وانتفاضها أخرى، وبهذا يظهر الجواب عما قالوه من أن انقلاب الجبل ذهبا، والبحر زئبقا، والأناسي قرودا، ونحو ذلك ممكن معلوم الجواز مع العلم بأنه لم يقع، فإنهم يقال لهم: جمهور الناس لا يعلمون لكم أن هذا ممكن إلا مع لوازمه، وانتفاء أضداده، وحينئذ يقال: لم قلتم أن هذا لا يستلزم أسبابا تكون قبله؟ وموانع ترتفع كسائر ما يحدثه الله من الأمور الخارقة للعادة، فإنه لا يحدث شيئا إلا بإحداث أسباب ودفع موانع، مثال ذلك غرق قوم نوح لم يكن ماء وجد بلا سبب، بل أنزل الله ماء السماء، وأنبع ماء الأرض، كما قال تعالى: كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر * فدعا ربه أني مغلوب فانتصر * ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر * وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر * وحملناه على ذات ألواح ودسر

وكذلك عاد لما أهلكهم أرسل الريح الصرصر سبع ليال وثمانية أيام حسوما، كما قال تعالى: فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية * فهل ترى لهم من باقية

وكذلك ثمود قال لهم صالح: ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب * فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب * فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز * وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين * كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود

وكل ما وجد في العالم من خوارق العادات: آيات الأنبياء، وغيرها لم يأت منها شيء إلا بأسباب تقدمته، كآيات موسى من مثل مصير العصا حية، كانت بعد أن ألقاها إما عند أمر الله بذلك لما ناداه من الشجرة، ورأى النار الخارقة للعادة، وإما عند مطالبة فرعون له بالآية، وإما عند معارضة السحرة لتبتلع حبالهم، وعصيهم، وكذلك سائر آياته، حتى إغراق فرعون كان بعد مسير الجيش، وضربه البحر بالعصا، وكذلك تفجر الماء من الحجر كان بعد أن ضرب الحجر بعصاه، واستسقاء قومه إياه، وهم في برية لا ماء عندهم.

وكذلك آيات نبينا ﷺ، مثل تكثير الماء، كان بوضع يده فيه حتى نبع الماء من بين الأصابع، أي تفجر الماء من بين الأصابع لم يخرج من نفس الأصابع، وكذلك البئر كان ماؤها يكثر إما بإلقائه سهما من كنانته فيها، وإما بصبه الماء الذي بصق فيه فيها، وكذلك المسيح كان يأخذ من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله، إلى أمثال ذلك.

فأما جبل ينقلب ياقوتا بلا أسباب تقدمت ذلك فهذا لا كان، ولا يكون، وكذلك نهر يطرد يصبح لبنا بلا أسباب تقتضي ذلك يخلقها الله فهذا لا كان، ولا يكون، ومن قال: إن الشيء ممكن فهذا يعنى به شيئان: يعنى به الإمكان الذهني، والإمكان الخارجي.

فالإمكان الذهني هو عدم العلم بالامتناع، وهذا ليس فيه إلا عدم العلم بالامتناع، وعدم العلم بالامتناع غير العلم بالإمكان، فكل من لم يعلم امتناع شيء كان عنده ممكنا بهذا الاعتبار، لكن هذا ليس بعلم بإمكانه، ومن استدل على إمكان الشيء بأنه لو قدر لم يلزم منه محال من غير بيان انتفاء لزوم كل محال، كما يفعله طائفة من أهل الكلام كالآمدي ونحوه لم يكن فيما ذكره إلا مجرد الدعوى

وأما الثاني: وهو العلم بإمكان الشيء في الخارج، فهذا يعلم بأن يعلم وجوده، أو وجود نظيره، أو وجود ما هو أقرب إلى الامتناع منه، فإذا كان حمل البعير للقنطار ممكنا كان حمله لتسعين رطلا أولى بالإمكان، وبهذه الطريقة يبين الله في القرآن إمكان ما يريد بيان إمكانه كإحياء الموتى والمعاد، فإنه يبين ذلك تارة ببيان وقوعه، كما أخبر أن قوم موسى قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة... فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون، ثم بعثهم الله من بعد موتهم لعلهم يشكرون.

وكما أخبر عن المقتول الذي ضربوه بالبقرة فأحياه الله كما قال: وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون * فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون.

وكما أخبر عن الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم، وكما أخبر عن الذي: مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير

وأخبر سبحانه بنظير ذلك في قصة إبراهيم حيث قال: رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم.

واستدل سبحانه بما هو أعظم من ذلك وهو النشأة الأولى، وخلق السماوات والأرض كقوله: أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم

وقال: إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم - إلى قوله - وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج

فاستدل سبحانه على إمكان الإحياء بابتداء خلق الحيوان، وبخلق النبات، وذكر ذلك في القرآن في غير موضع، وبسط هذا له موضع آخر.

والمقصود أن قول القائل: هذا ممكن لا يحتاج إلى دليل لا يكفي في العلم بإمكانه عدم العلم بامتناعه، والله سبحانه على كل شيء قدير، والممتنع ليس بشيء باتفاق العقلاء، وكل ما خلقه الله فلا بد أن يخلق لوازمه، ويمتنع أضداده، وإلا فيمتنع وجود الملزوم دون اللازم، ويمتنع اجتماع الضدين، وليس للعباد اطلاع على لوازم كل مخلوق ولا أضداده المنافية لوجوده.

فالجزم بإمكان وجوده بدون العلم بلوازمه وإمكانها وأضدادها وانتفائها جهل، والله سبحانه قادر على تغيير ما شاءه من العالم، وهو يشق السماوات، ويسير الجبال، ويبسها بسا فيجعلها هباء منبثا، إلى أمثال ذلك مما أخبر الله به كما يخلق سائر ما يخلقه بما ييسره من الأسباب، وهذا مبسوط في موضع آخر.

آيات الأنبياء تكون قبل مبعثهم وفي حياتهم وبعد موتهم

والمقصود هنا أن آيات الأنبياء، ودلائل صدقهم متنوعة قبل المبعث وحين المبعث، في حياتهم، وبعد موتهم، فقبل المبعث مثل إخبار من تقدم من الأنبياء به، ومثل الإرهاصات الدالة عليه، وأما حين المبعث فظاهر، وأما في حياته فمثل نصره، وإنجائه، وإهلاك أعدائه، وأما بعد موته فمثل نصر أتباعه، وإهلاك أعدائه كما قال تعالى: إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد

وقال تعالى: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون

وقال للمسيح: إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة...

وقال: يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين

ومحمد ﷺ جعلت له الآيات البينات قبل مبعثه، وحين مبعثه، وفي حياته، وبعد موته إلى الساعة، وإلى قيام الساعة، فإن ذكره، وذكر كتابه، والبشارة بذلك موجود في الكتب المتقدمة كما قد بسط في موضعه.

والخليل دعا به فقال في دعائه لذريته: ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم

ولما ولد اقترن بمولده من الآيات ما هو معروف، وجرى ذلك العام قصة أصحاب الفيل المشهورة، وكان يحصل له في مدة نشأته من الآيات والدلائل أمور كثيرة قد ذكر طرف منها في كتب دلائل النبوة والسيرة وغيرها، مثل الآيات التي حصلت لمرضعته لما صار عندها، ومثل ما شوهد من أحواله في صغره، وأما انتصار الله له ولأتباعه، وإعلاء ذكره، ونشر لسان الصدق له، وإهلاك أعدائه، وإذلال من يحاده، ويشاقه، وإظهار دينه على كل دين باليد واللسان والدليل والبرهان، فهذا مما يطول وصف تفصيله. قال تعالى: قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار

وقال تعالى: هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا ياأولي الأبصار

والأنبياء صلوات الله عليهم وأتباعهم المؤمنون وإن كانوا يبتلون في أول الأمر فالعاقبة لهم، كما قال تعالى لما قص قصة نوح تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين.

وفي الحديث المتفق على صحته لما أرسل النبي ﷺ رسولا إلى ملك الروم فطلب من يخبره بسيرته، وكان المسئولون حينئذ أعداءه لم يكونوا آمنوا به فقال: كيف الحرب بينكم وبينه؟ قالوا: الحرب بيننا وبينه سجال يدال علينا المرة، وندال عليه الأخرى. فقال: كذلك الرسل تبتلى، وتكون لها العاقبة. فإنه كان يوم بدر نصر الله المؤمنين، ثم يوم أحد ابتلى المؤمنين ثم لم ينصر الكفار بعدها حتى أظهر الله الإسلام.

فإن قيل: ففي الأنبياء من قد قتل كما أخبر الله أن بني إسرائيل يقتلون النبيين بغير حق، وفي أهل الفجور من يؤتيه الله ملكا وسلطانا، ويسلطه على مذنبين كما سلط (بخت نصر) على بني إسرائيل، وكما يسلط كفار المشركين وأهل الكتاب أحيانا على المسلمين. قيل: أما من قتل من الأنبياء فهم كمن يقتل من المؤمنين في الجهاد شهيدا. قال تعالى: وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين * وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين * فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين

ومعلوم أن من قتل من المؤمنين شهيدا في القتال كان حاله أكمل من حال من يموت حتف أنفه قال تعالى: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون

ولهذا قال تعالى: قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين؛ أي إما النصر والظفر، وإما الشهادة والجنة، ثم الدين الذي قاتل عليه الشهداء ينتصر ويظهر، فيكون لطائفته السعادة في الدنيا والآخرة، من قتل منهم كان شهيدا، ومن عاش منهم كان منصورا سعيدا، وهذا غاية ما يكون من النصر، إذ كان الموت لا بد منه فالموت على الوجه الذي يحصل به سعادة الدنيا والآخرة أكمل بخلاف من يهلك هو وطائفته فلا يفوز لا هو ولا هم بمطلوبهم لا في الدنيا ولا في الآخرة.

والشهداء من المؤمنين قاتلوا باختيارهم، وفعلوا الأسباب التي بها قتلوا، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهم اختاروا هذا الموت إما أنهم قصدوا الشهادة، وإما أنهم قصدوا ما به يصيرون شهداء عالمين بأن لهم السعادة في الآخرة، وفي الدنيا بانتصار طائفتهم، وببقاء لسان الصدق لهم ثناء ودعاء بخلاف من هلك من الكفار فإنهم هلكوا بغير اختيارهم هلاكا لا يرجون معه سعادة الآخرة، ولم يحصل لهم ولا لطائفتهم شيء من سعادة الدنيا بل أتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين، وقيل فيهم: كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها قوما آخرين * فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين

وقد أخبر سبحانه أن كثيرا من الأنبياء قتل معه ربيون كثير أي ألوف كثيرة، وأنهم ما ضعفوا، ولا استكانوا لذلك، بل استغفروا من ذنوبهم التي كانت سبب ظهور العدو، وأن الله آتاهم ثواب الدنيا، وحسن ثواب الآخرة، فإذا كان هذا قتلى المؤمنين فما الظن بقتلى الأنبياء، ففيه لهم ولأتباعهم من سعادة الدنيا والآخرة ما هو من أعظم الفلاح.

وظهور الكفار على المؤمنين أحيانا هو بسبب ذنوب المسلمين كيوم أحد، فإن تابوا انتصروا على الكفار، وكانت العاقبة لهم كما قد جرى مثل هذا للمسلمين في عامة ملاحمهم مع الكفار، وهذا من آيات النبوة وأعلامها ودلائلها، فإن النبي إذا قاموا بعهوده، ووصاياه نصرهم الله، وأظهرهم على المخالفين له، فإذا ضيعوا عهوده ظهر أولئك عليهم، فمدار النصر والظهور مع متابعة النبي وجودا وعدما من غير سبب يزاحم ذلك، ودوران الحكم مع الوصف وجودا وعدما من غير مزاحمة وصف آخر موجب للعلم بأن المدار علة للدائر.

وقولنا: (من غير مزاحمة وصف آخر): يزيل النقوض الواردة، فهذا الاستقراء والتتبع يبين أن نصر الله وإظهاره هو بسبب اتباع النبي، وأنه سبحانه يريد إعلاء كلمته ونصره ونصر أتباعه على من خالفه، وأن يجعل لهم السعادة، ولمن خالفهم الشقاء، وهذا يوجب العلم بنبوته، وأن من اتبعه كان سعيدا، ومن خالفه كان شقيا، ومن هذا ظهور بخت نصر على بني إسرائيل فإنه من دلائل نبوة موسى إذ كان ظهور بخت نصر إنما كان لما غيروا عهود موسى، وتركوا اتباعه، فعوقبوا بذلك، وكانوا إذ كانوا متبعين لعهود موسى منصورين مؤيدين كما كانوا في زمن داود وسليمان وغيرهما.

قال تعالى: وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا * فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا * ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا * إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا * عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا

فكان ظهور بني إسرائيل على عدوهم تارة، وظهور عدوهم تارة من دلائل نبوة موسى ﷺ، وكذلك ظهور أمة محمد ﷺ على عدوهم تارة، وظهور عدوهم عليهم تارة هو من دلائل رسالة محمد وأعلام نبوته، وكان نصر الله لموسى وقومه على عدوهم في حياته وبعد موته، كما جرى لهم مع يوشع وغيره من دلائل نبوة موسى، وكذلك انتصار المؤمنين مع محمد ﷺ في حياته وبعد مماته مع خلفائه من أعلام نبوته ودلائلها، وهذا بخلاف الكفار الذين ينتصرون على أهل الكتاب أحيانا، فإن أولئك لا يقول مطاعهم: إني نبي، ولا يقاتلون أتباع الأنبياء على دين، ولا يطلبون من أولئك أن يتبعوهم على دينهم، بل قد يصرحون بأنا إنما نصرنا عليكم بذنوبكم، وأن لو اتبعتم دينكم لم ننصر عليكم، وأيضا فلا عاقبة لهم، بل الله يهلك الظالم بالظالم ثم يهلك الظالمين جميعا، ولا قتيلهم يطلب بقتله سعادة بعد الموت، ولا يختارون القتل ليسعدوا بعد الموت، فهذا وأمثاله مما يظهر به الفرق بين انتصار الأنبياء وأتباعهم، وبين ظهور بعض الكفار على المؤمنين أو ظهور بعضهم على بعض.

وبين أن ظهور محمد وأمته على أهل الكتاب اليهود والنصارى هو من جنس ظهورهم على المشركين عباد الأوثان، وذلك من أعلام نبوته ودلائل رسالته، ليس هو كظهور بخت نصر على بني إسرائيل، وظهور الكفار على المسلمين، وهذه الآية مما أخبر بها موسى.

وبين أن الكذاب المدعي للنبوة لا يتم أمره، وإنما يتم أمر الصادق، فإن من أهل الكتاب من يقول: محمد وأمته سلطوا علينا بذنوبنا مع صحة ديننا الذي نحن عليه كما سلط بخت نصر وغيره من الملوك، وهذا قياس فاسد، فإن بخت نصر لم يدع نبوة، ولا قاتل على دين، ولا طلب من بني إسرائيل أن ينتقلوا عن شريعة موسى إلى شريعته، فلم يكن في ظهوره إتماما لما ادعاه من النبوة ودعا إليه من الدين، بل كان بمنزلة المحاربين قطاع الطريق إذا ظهروا على القوافل، بخلاف من ادعى نبوة ودينا دعا إليه، ووعد أهله بسعادة الدنيا والآخرة، وتوعد مخالفيه بشقاوة الدنيا والآخرة، ثم نصره الله، وأظهره، وأتم دينه، وأعلى كلمته، وجعل له العاقبة، وأذل مخالفيه، فإن هذا من جنس خرق العادات المقترن بدعوى النبوة فإنه دليل عليها، وذلك من جنس خرق العادات التي لم تقترن بدعوى النبوة، فإنه ليس دليلا عليها.

وقد يغرق في البحر أمم كثيرة فلا يكون ذلك دليلا على نبوة نبي بخلاف غرق فرعون وقومه، فإنه كان آية بينة لموسى، وهذا موافق لما أخبر به موسى عليه الصلاة والسلام من أن الكذاب لا يتم أمره، وذلك أن الله حكيم لا يليق به تأييد الكذاب على كذبه من غير أن يتبين كذبه، ولهذا أعظم الفتن فتنة الدجال الكذاب لما اقترن بدعواه الإلهية بعض الخوارق كان معها ما يدل على كذبه من وجوه: منها: دعواه الإلهية وهو أعور، والله ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مؤمن قارئ وغير قارئ، والله تعالى لا يراه أحد حتى يموت، وقد ذكر النبي ﷺ هذه العلامات الثلاث في الأحاديث الصحيحة، فأما تأييد الكذاب، ونصره، وإظهار دعوته دائما فهذا لم يقع قط، فمن يستدل على ما يفعله الرب سبحانه بالعادة والسنة فهذا هو الواقع، ومن يستدل على ذلك بالحكمة فحكمته تناقض أن يفعل ذلك إذ الحكيم لا يفعل هذا، وقد قال تعالى: ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا * سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا

فأخبر أن سنة الله التي لا تبديل لها نصر المؤمنين على الكافرين.

والإيمان المستلزم لذلك يتضمن طاعة الله ورسوله فإذا نقض الإيمان بالمعاصي كان الأمر بحسبه كما جرى يوم أحد.

وقال تعالى: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا * استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله تبديلا، ولن تجد لسنت الله تحويلا

فأخبر أن الكفار لا ينظرون إلا سنة الأولين، ولا يوجد لسنة الله تبديل تستبدل بغيرها ولا تتحول، فكيف النصر للكفار على المؤمنين الذين يستحقون هذا الاسم، وكذلك قال في المنافقين، - وهم الكفار في الباطن دون الظاهر -، ومن فيه شعبة نفاق:

لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا * ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا * سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا

والسنة هي العادة، فهذه عادة الله المعلومة، فإذا نصر من ادعى النبوة وأتباعه على من خالفه، وإما ظاهرا وباطنا، وإما باطنا نصرا مستقرا كان ذلك دليلا على أنه نبي صادق إذ كانت سنة الله وعادته نصر المؤمنين بالأنبياء الصادقين على الكافرين والمنافقين، كما أن سنته تأييدهم بالآيات البينات، وهذه منها.

ومن ادعى النبوة وهو كاذب فهو من أكفر الكفار وأظلم الظالمين؛ قال تعالى:

ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله

وقال تعالى: فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه

وقال تعالى: فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين.

ومن كان كذلك كان الله يمقته، ويبغضه، ويعاقبه، ولا يدوم أمره، بل هو كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح عن أبي هريرة قال: " إن الله يملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته " ثم قرأ: وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد

وقال أيضا في الحديث الصحيح عن أبي موسى أنه قال: قال رسول الله ﷺ: مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تفيئها الرياح تقومها تارة وتميلها أخرى، ومثل المنافق مثل شجرة الأرز، لا تزال ثابتة على أصلها حتى يكون انجعافها مرة واحدة ". فالكاذب الفاجر وإن أعطي دولة فلا بد من زوالها بالكلية، وبقاء ذمه، ولسان السوء له في العالم، وهو يظهر سريعا ويزول سريعا كدولة الأسود العنسي، ومسيلمة الكذاب، والحارث الدمشقي، وبابا الرومي، ونحوهم.

وأما الأنبياء فإنهم يبتلون كثيرا ليمحصوا بالبلاء، فإن الله إنما يمكن العبد إذا ابتلاه، ويظهر أمرهم شيئا فشيئا كالزرع.

قال تعالى: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما

ولهذا كان أول ما يتبعهم ضعفاء الناس، فاعتبار هذه الأمور، وسنة الله في أوليائه وأنبيائه الصادقين، وفي أعداء الله والمتنبئين الكذابين، مما يوجب الفرق بين النوعين، وبين دلائل النبي الصادق، ودلائل المتنبئ الكذاب.

وقد ذكر ابتلاء النبي والمؤمنين، ثم كون العاقبة لهم في غير موضع، كقوله تعالى: ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين

وقال تعالى: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب

وقال تعالى: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون * حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين * لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون

فصل: من دلائل النبوة ما يفيد الترغيب والترهيب

ومما ينبغي أن يعرف أن الأدلة نوعان:

نوع يدل على مجرد العلم بالمدلول عليه، ونوع يحض مع ذلك على الرغبة فيه أو الرهبة منه

فالأول: من جنس الخير المجرد

والثاني: من جنس الحث والطلب والإرادة والأمر بالشيء والنهي عنه، وذلك كمن علم أن في المكان الفلاني جمادات أو حيوانات أو نبات ليس له فيها غرض لا حب ولا بغض، فليس هو بمنزلة من علم أن في المكان الفلاني صديقه، وولده، ومحبوبه، وماله، وأهله، وأهل دينه، وفي المكان الفلاني عدوه، ومبغضه، ومن يقطع عليه الطريق، ويقتله، ويأخذ ماله، فكذلك دلائل النبوة هي كلها تدل على صدق النبي، ثم يعلم ما يخبر به النبي من الأمر والنهي، والوعد والوعيد، لأنه أخبر عن الله بذلك، وهو صادق فيما يخبر به، فهذا طريق صحيح عام.

وأما إثبات نبوة الأنبياء بما فعله بهم، وبأتباعهم من النجاة، والسعادة، والنصرة، وحسن العاقبة، وما جعله لهم من لسان الصدق، وما فعله بمكذبيه ومخالفيه من الهلاك والعذاب وسوء العاقبة، وإتباعهم اللعنة في الدنيا مع عذاب الآخرة فهذا يدل مع صدق الأنبياء على الرغبة في اتباعهم، والرهبة من مخالفتهم ففيه العلم بصدقهم، والموعظة، والوعظ هو أمر ونهي بترغيب وترهيب.

قال تعالى: ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به؛ أي يؤمرون به،

وقال: يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين؛ أي ينهاكم الله أن تعودوا لمثله. وهذه الطريق أكمل وأبلغ في حصول المقصود، فإنها تفيد العلم بصدقهم، والرغبة في اتباعهم، والرهبة من خلافهم، وتفيد صحة الدين الذي دعوا إليه، وسعادة أهله، وفساد الدين المخالف لدينهم، وشقاوة أهله.

ولهذا كان النبي ﷺ يقرأ في صلاة العيد بـ (قاف) و (اقتربت الساعة) لما فيهما من بيان ذلك، وسورة (قاف) كان يقرأ بها في الجمعة، فإنها جامعة لإثبات النبوات، والمعاد، وبيان حال متبعي الأنبياء ومخالفيهم في الدنيا كما قال تعالى فيها: كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود * وعاد وفرعون وإخوان لوط * وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد

فصل: هل يجاب من طلب آية ثانية وثالثة والحكمة من تتابع الآيات

ومما ينبغي أن يعلم أن الله إذا أرسل نبيا وأتى بآية دالة على صدقه قامت بها الحجة، وظهرت بها المحجة، فمن طالبهم بآية ثانية لم تجب إجابته إلى ذلك، بل وقد لا ينبغي ذلك، لأنه إذا جاء بآية ثانية طولب بثالثة، وإذا جاء بثالثة طولب برابعة، وطلب المتعنتين لا أمد له، ومعلوم أنه قامت عليه حجة في مسألة علم أو حق من حقوق العباد التي يتخاصمون فيها، وقال: أنا لا أقبل حتى تقوم عليه حجة ثانية وثالثة كان ظالما متعديا، ولم يجب إجابته إلى ذلك، ولا يمكن الحكام الخصوم من ذلك، بل إذا قامت البينة بحق المدعي حكم له بذلك، ولو قال المطلوب: أريد بينة ثانية، وثالثة، ورابعة، لم يجب إلى ذلك، فحق الله الذي أوجبه على عباده من توحيده، والإيمان به، وبرسله أولى إذا أقام بينة أوجبت على الخلق الإيمان برسله أن لا يجب إجابة الطالب إلى ثانية وثالثة.

ثم قد يكون في تتابع الآيات حكمة، فيتابع تعالى بين الآيات، كما أرسل محمدا ﷺ بآيات متعددة لعموم دعوته وشمولها، فإن الأدلة كلما كثرت، وتواردت على مدلول واحد كان أوكد وأظهر وأيسر لمعرفة الحق فقد يعرف دلالة أحد الأدلة من لا يعرف الآخر، وقد يبلغ هذا ما لم يبلغ هذا، وقد يرسل الأنبياء بآيات متتابعة، وتقسى قلوب الكفار عن الإيمان لتتابع الآيات آية بعد آية لينتشر ذلك، ويظهر، ويبلغ ذلك قوما آخرين فيكون ذلك سببا لإيمانهم، كما فعل بآيات موسى، وآيات محمد، كما ذكر في التوراة أنه يقسي قلب فرعون لتظهر عجائبه وآياته، وكما صد المكذبين عن الإيمان بمحمد حتى يمانعوه، ويسعوا في معارضته، والقدح في آياته فيظهر بذلك عجزهم عن معارضة القرآن، وغيره من آياته فيكون ذلك من تمام ظهور آياته، وبراهينه، بخلاف ما لو اتبع ابتداء بدون ذلك فإنه قد كان يظن أنهم قادرون على معارضته، وكذلك أيضا يكون في ذلك على يقينه، وصبره، وجهاده، ويقين من آمن به، وصبرهم، وجهادهم ما ينالون به عظيم الدرجات في الدنيا والآخرة.

وقد تقتضي الحكمة أن لا يرسل بالآيات التي توجب عذاب الاستئصال كما ذكره الله في كتابه من أن الكفار كانوا يقترحون على الأنبياء آيات غير الآيات التي جاءوا، بها فتارة يجيبهم الله إلى ذلك لما فيه من الحكمة والمصلحة، وتارة لا يجيبهم لما فيه في ذلك من المضرة والمفسدة عند جمهور أهل الملل من المسلمين وغيرهم الذين يقولون: إنه يفعل للحكمة، ومن لم يعلل أفعاله يرد ذلك إلى محض المشيئة، ويقول: اقترن بالمراد والمفسدة عادة، وسنة من الله، وإن لم يفعل هذا لهذا.

وقد كان الرسول ﷺ ربما طلب تلك الآيات رغبة منه في إيمانهم بها، فيجاب بأن الآيات لا تستلزم الهدى، بل تستلزم إقامة الحجة، وتوجب عذاب الاستئصال لمن كذب بها، والله تعالى قد يظهر الآيات الكثيرة مع طبعه على قلب الكافر، كما فعل بفرعون، وأبي لهب، وغيرهما لما في ذلك من الحكمة العظيمة كما دل على ذلك القرآن، والتوراة، وغيرهما، وقد بين أنه لا يظهرها لانتفاء الحكمة فيها أو لوجود المفسدة.

قال تعالى: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون * ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون * ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون

وقال تعالى: وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا

بين سبحانه أن ما منعه أن يرسل بالآيات إلا تكذيب الأولين بها الذي استحقوا بها الهلاك، فإذا كذب بها هؤلاء استحقوا ما استحقه أولئك من عذاب الاستئصال، وهذا المعنى مذكور في عامة كتب التفسير والحديث، وغيرها من كتب المسلمين، وهو معروف بالأسانيد الثابتة عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فقد ذكر المفسرون ما رواه أهل التفسير والحديث والمسند وغيرهم من حديث الأعمش عن جعفر بن إياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: سأل أهل مكة النبي ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن ينحي عنهم الجبال حتى يزرعوا. قال: فقيل له: إن شئت تستأني بهم، وإن شئت أن تؤتيهم الذي سألوا فإن كفروا هلكوا كما أهلكت من قبلهم. قال: لا بل أستأني بهم. فأنزل الله هذه الآية: وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون

وروى ابن أبي حاتم وغيره عن مالك بن دينار قال: سمعت الحسن البصري في قوله: وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون؛ قال: رحمة لكم أيتها الأمة، أنا لو أرسلنا بالآيات فكذبتم بها أصابكم ما أصاب من قبلكم.

وفي الإنجيل أن اليهود طلبوا من المسيح آية من السماء فقال لهم المسيح: الأمة الفاجرة تطلب آية، ولا تعطى إلا مثل آية نونان.[6]

وقد كانت الآيات يأتي بها محمد ﷺ آية بعد آية فلا يؤمنون بها.

قال تعالى:

وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين * فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون * ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين * ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين * وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون * ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون * ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون * قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين

أخبر سبحانه بأن الآيات تأتيهم، وما تأتيهم من آية إلا أعرضوا عنها، وأنهم بتكذيبهم الحق سوف يرون صدق ما جاء به الرسول، كما أهلك من قبلهم بذنوبهم التي هي تكذيب الرسول، فإن الله يقول: وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون

وأخبر بشدة كفرهم بأنه لو أنزل عليهم كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين، وبين سبحانه أنه لو جعل الرسول ملكا لجعله على صورة الرجل إذ كانوا لا يطيقون أن يروا الملائكة في صورهم، وحينئذ فكان اللبس يقع لظنهم أن الرسول بشر لا ملك.

وقال تعالى: وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا * أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا * وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا * قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا *

وهذه الآيات التي اقترحوها لو أجيبوا بها، ولم يؤمنوا أتاهم عذاب الاستئصال كما تقدم، وأيضا فهي مما لا يصلح الإتيان بها، فإن قولهم " حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا " يقتضي تفجير الينبوع بأرض مكة فيصير واديا ذا زرع، والله من حكمته جعل بيته بواد غير ذي زرع لئلا يكون عنده ما ترغب النفوس فيه من الدنيا فيكون حجهم للدنيا لا لله، وإذا كان له جنة من نخيل وأعناب يفجر الأنهار خلالها تفجيرا كان في هذا من التوسع في الدنيا ما يقتضي نقص درجته، وانخفاض منزلته، وكذلك إذا كان له بيت من زخرف، والزخرف الذهب، وأما إسقاط السماء كسفا فهذا لا يكون إلى يوم القيامة.

وهو لم يخبرهم أن هذا لا يكون إلا يوم القيامة، فقولهم " كما زعمت " كذب عليه إلا أن يريدوا التمثيل فيكون القياس فاسدا، وأما الإتيان بالله والملائكة قبيلا فهذا لما سأل قوم موسى ما هو دونه أخذتهم الصاعقة.

قال تعالى: وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون * ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون

وأما إنزال الكتاب فقد قال تعالى: يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا * ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا * فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا * وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما * وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا * بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما * وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا * فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا * وأخذهم الربا وقد نهوا عنه...

بين سبحانه أن المشركين سألوه إنزال كتاب، وأن أهل الكتاب سألوه ذلك، وبين سبحانه أن الطائفتين لا تؤمن إذا جاءهم ذلك، وإنما سألوه تعنتا، فقال عن المشركين: ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين

وذكر عن أهل الكتاب أنهم سألوا موسى أكبر من ذلك، وهو رؤية الله جهرة فقال:

يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا * ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا

فهم مع هذا نقضوا الميثاق، وكفروا بآيات الله، وقتلوا النبيين بغير حق إلى أمثال ذلك، وأنه بسبب ظلمهم وصدهم عن سبيل الله حرم عليهم طيبات أحلت لهم فكان في هذا من الاعتبار لأمة محمد ﷺ أن هذه الأمة المكذبة بك الذين لا يهتدون إذا جاءتهم الآيات المقترحة التي اقترحوها لم يك في مجيئها منفعة لهم بل فيها ما يوجب استحقاقهم عقوبة الاستئصال إذا جاءتهم فلم يؤمنوا بها، وتغليظ الأمر عليهم، فكان أن لا ينزل مثل هذه الآيات الموجبة لعذاب الاستئصال أعظم رحمة وحكمة.

وقد عرض الله على محمد ﷺ أن يهلك قومه لما كذبوه فقال: بل أستأني بهم لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا، كما في الصحيحين عنعائشة أنها قالت للنبي ﷺ: هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟ فقال: لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت على وجهي، وأنا مهموم فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني ملك الجبال فسلم علي، وقال: إن الله قد سمع قول قومك، وما ردوا عليك، وقد بعثني إليك لتأمرني بما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا؛ أخرجاه.

ولما طلب من المسيح المائدة كانت من الآيات الموجبة لمن كفر بها عذابا لم يعذبه أحدا من العالمين. قال تعالى:

إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين * قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين * قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين * قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين

وكان قبل نزول التوراة يهلك الله المكذبين للرسل بعذاب الاستئصال عذابا عاجلا يهلك الله به جميع المكذبين كما أهلك قوم نوح، وكما أهلك عادا، وثمود، وأهل مدين، وقوم لوط، وكما أهلك قوم فرعون، وأظهر آيات كثيرة لما أرسل موسى ليبقى ذكرها وخبرها في الأرض، إذ كان بعد نزول التوراة لم يهلك أمة بعذاب الاستئصال، بل قال تعالى: ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى

بل كان بنو إسرائيل لما يفعلون ما يفعلون من الكفر والمعاصي يعذب بعضهم ويبقى بعضهم، إذ كانوا لم يتفقوا على الكفر، ولهذا لم يزل في الأرض أمة من بني إسرائيل باقية. قال تعالى لما ذكر بني إسرائيل: وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون

وقد قال تعالى: من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون * يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين

وكان من حكمته ورحمته سبحانه وتعالى لما أرسل محمدا أن يهلك قومه بعذاب الاستئصال كما أهلكت الأمم قبلهم، بل عذب بعضهم بأنواع العذاب كما عذب طوائف ممن كذبه بأنواع من العذاب كالمستهزئين الذين قال الله فيهم:

إنا كفيناك المستهزئين * الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون فعذب الله كل واحد بعذاب معروف، وكالذي دعا عليه النبي ﷺ أن يسلط عليه كلبا من كلابه، فكان يحترس بقومه فجاءه الأسد وأخذه من بينهم فقتله، وأمثال ذلك، وقد تقدم ذلك.

وقال تعالى: قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا

فأخبر أنه يعذب الكفار تارة بأيدي عباده المؤمنين بالجهاد، وإقامة الحدود، وتارة بعذاب غير ذلك، فكان يعذبهم بمثل هذه الأسباب مما يوجب إيمان أكثرهم كما جرى لقريش وغيرهم، فإنهم لما كذبوه لو أهلكهم كما أهلك قوم فرعون ومن قبلهم لبادتا وانقطعت المنفعة به عنهم، ولم يبق لهم ذرية تؤمن به بخلاف ما إذا عذب بعضهم بأنواع من العذاب، ولو بالهزيمة والأسر وقتل بعضهم كما عذبوا يوم بدر فإن في هذا من إذلالهم وقهرهم ما يوجب عجزهم مع بقائهم، والنفوس إذا كانت قادرة على كمال أغراضها فلا تكاد تنصرف عنها، بخلاف ما إذا عجزت عن كمال أغراضها فإن ذلك مما يدعوها إلى التوبة، كما يقال: من العصمة أن لا تقدر. فكان ما وقع بهم تعجيزا وزاجرا وداعيا إلى التوبة، ولهذا آمن عامتهم بعد ذلك، لم يقتل منهم إلا قليل، وهم صناديد الكفر الذين كان أحدهم في هذه الأمة كفرعون في تلك الأمة، كما روي أن النبي ﷺ قال عن أبي جهل: " هذا فرعون هذه الأمة "

وقد ذكر الله لموسى في التوراة: إني أقسي قلب فرعون فلا يؤمن بك لتظهر آياتي وعجائبي.[7]

بين أن في ذلك من الحكمة انتشار آياته الدالة على صدق أنبيائه في الأرض، إذ كان موسى قد أخبر بتكليم الله له، وبكتابة التوراة له، فأظهر الله من الآيات ما يبقي ذكرها في الأرض، وكان في ضمن ذلك من تقسيته قلب فرعون ما أوجب أن أهلكه وقومه أجمعين، وفرعون كان جاحدا للصانع منكرا لربوبيته لا يقر به، فلذلك أتى من الآيات بما يناسب حاله، وأما بنو إسرائيل مع المسيح فكانوا مقرين بالكتاب الأول فلم يحتاجوا إلى مثل ما احتاج إليه موسى ومحمد ﷺ، لم يكن محتاجا إلى تقرير جنس النبوة إذ كانت الرسل قبله جاءت بما ثبت ذلك، وقومه كانوا مقرين بالصانع، وإنما كانت الحاجة داعية إلى تثبيت نبوته، ومع هذا فأظهر الله على يديه من الآيات مثل آيات من قبله وأعظم، ومع هذا فلم يأت بآيات الاستئصال التي يستحق مكذبها العذاب العام العاجل كما استحقه قوم فرعون وهود، وصالح وشعيب وغيرهم، فلهذا يبين الله في القرآن أن هذه الآيات إذا جاءت لا تنفعهم إذ كانوا يؤمنون بها، ولكن تضرهم إذ كانوا يستحقون عذاب الاستئصال إذا كذبوا حينئذ، ومع وجود المانع وعدم المقتضي لا يصلح الفعل على قول الجمهور القائلين بالحكمة، ومن لم يعلل فلا يطلب سببا ولا حكمة، بل يرد الأمر إلى محض المشيئة.

قال تعالى: وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون

وهو يعلم أن قلوب هؤلاء كقلوب أولئك الأولين فيكذبون بها فيستحقون بها ما استحقه أولئك كقوم نوح، وهود، وصالح، وشعيب، ولوط، وغيرهم.

قال تعالى: كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون * أتواصوا به بل هم قوم طاغون * فتول عنهم فما أنت بملوم * وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين

وقال تعالى: قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم

وقال تعالى عن أهل الكتاب: يضاهئون قول الذين كفروا من قبل

وقال تعالى: أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر * أم يقولون نحن جميع منتصر * سيهزم الجمع ويولون الدبر * بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر

ذكر هذا في سورة (اقتربت) التي ذكر فيها انشقاق القمر، وإعراضهم عن الآيات، وقولهم: هذا سحر مستمر، وتكذيبهم، واتباعهم أهواءهم، فقال تعالى: اقتربت الساعة وانشق القمر * وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر * وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر *

ثم قال: ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر

أي من أنباء الغيب، وما أخبر به ما فيه مزدجر أي ما يزجرهم عن الكفر، إذ كان في تلك الإنباءات بيان صدق الرسول، والإنذار لمن كذبه بالعذاب كما عذب المتقدمون، ولهذا يقول عقيب القصة: فكيف كان عذابي ونذر

أي كيف كان عذابي لمن كذب رسلي وإنذاري بذلك قبل مجيئه يبين صدق قوله الذي أخبرت به الرسل، وعقوبته لمن كذبهم، ثم ذكر قصة المكذبين كنوح، وهود، وصالح، ولوط إلى قوله: ولقد جاء آل فرعون النذر * كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر

فإن قوم فرعون كذبوا بجميع آيات موسى، وجميع آيات الأنبياء قبله، وكذبوا بالآيات الدالة على وجود الرب وقدرته ومشيئته، إذ كانوا جاحدين للخالق منكرين له فكذبوا بآياته كلها، ثم قال: ( أكفاركم) أيتها الأمة التي أرسل محمد إليها خير من أولئكم الذين كذبوا نوحا، وهودا، وصالحا، ولوطا، وموسى؛ أم لكم براءة في الزبر * أم يقولون نحن جميع منتصر

وذلك أن كونكم لا تعذبون مثل ما عذبوا إذا كذبتم إما أن يكون لكونكم خيرا منهم فلا تستحقون مثل ما استحقوا أو لكون الله أخبر أنه لا يعذبكم فتكون لكم براءة في الزبر فتعلمون ذلك بخبره، فإن ما يفعله الله تارة يعلم بخبره، وتارة يعلم بسنته وحكمته وعدله فإما أن تكونوا علمتم هذا من هذا الوجه أو من هذا الوجه، هذا إن نظر إلى ما فعل الله الذي لا طاقة للبشر به، وإن نظر إلى قوة الرسول وأتباعه فيقولون: نحن جميع منتصر فإنهم أكثر وأقوى كما قال تعالى:

وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا * وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا أي أموالا ومنظرا، فقال تعالى:

سيهزم الجمع ويولون الدبر

أخبر بهزيمتهم، وهو بمكة في قلة من الأتباع، وضعف منهم، ولا يظن أحد بالعادة المعروفة أن أمره يظهر ويعلو قبل أن يهاجر إلى المدينة، وقبل أن يقاتلهم، وكان كما أخبر فإنهم يوم بدر وغيرها هزم جمعهم، وولوا الأدبار، وتلك سنة الله في المؤمنين والكافرين. قال تعالى: ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا * سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا

وحيث ظهر الكفار فإنما ذاك لذنوب المسلمين التي أوجبت نقص إيمانهم، ثم إذا تابوا بتكميل إيمانهم نصرهم الله، كما قال تعالى: ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين

وقال: أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم

فإذا كان من تمام الحكمة والرحمة أن لا يهلكهم هلاك استئصال كما أهلك المكذبين، وكانت الآيات التي اقترحوها موجبة لعذاب الاستئصال كما أهلكت الأمم قبلهم كما قال: أكفاركم خير من أولئكم

كان أن لا يأتي بموجب عذاب الاستئصال مع إتيانه سبحانه بما يقيم الحجة ويوضح المحجة أكمل في الحكمة والرحمة، إذ كان ما أتى به من الآيات حصل به كمال الخير، والمنفعة، والهدى، والبيان، والحجة على من كفر، وما امتنع منه دفع من عذاب الاستئصال، والهلاك، والعذاب العام ما أوجب بقاء جمهور الأمة حتى يتوبوا، ويؤمنوا، ويهتدوا، وكان في إرسال محمد ﷺ لما كان خاتم الرسل من الحكمة البالغة والمنن السابغة ما لم يكن في رسالة رسول غيره، صلوات الله عليهم أجمعين

فصل: كل ما يقال في آيات النبوة متصل بطبيعة الخبر

جماع الكلام في النبوة متصل بالكلام في جنس الخبر فإن قول القائل: إني رسول الله إليكم، خبر من الأخبار، وكذلك وصول كلامه وأفعاله وآياته إلينا هو بالأخبار، والخبر تارة يكون مطابقا لمخبره كالصدق المعلوم أنه صدق، وتارة لا يكون مطابقا لمخبره كالكذب المعلوم أنه كذب، وغير المطابق مع التعمد كذب، ومع اعتقاد أنه صدق: إن لم يكن معذورا، كالمفتي بلا اجتهاد يسوغ، والمحدث بلا علم يسمى كاذبا أيضا، كقوله ﷺ: " كذب أبو السنابل بن بعكك "، وقوله لمن قال: بطل عمل عامر بن الأكوع لما قتل نفسه خطأ: " كذب من قال ذلك، إنه لجاهد مجاهد ".

وقد تكون المطابقة في عناية المتكلم، وقد يكون في إفهام المخاطب إذا كان اللفظ مطابقا لما عناه المتكلم، ولم يطابق إفهام المخاطب، فهذا أيضا قد يسمى كذبا، وقد لا يسمى، ومنه المعاريض، لكن يباح للحاجة وإن لم يحصل به المقصود، بل يكون مأمورا بالسكوت عنه إلا مع البينة، فقد يسمى كاذبا لقوله تعالى: لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون.

والمقصود هنا أن الخبر قد يعلم أنه صدق، وقد يعلم أنه كذب، وقد لا يعلم واحد منهما، والعلم بأنه صدق له معنيان:

أحدهما: أن يعلم أنه مطابق لمخبره من غير جهة المخبر كمن أخبرنا بأمور يعلم أنها حق بدون خبره

والثاني: أن يعلم أن المخبر به صادق فيه، وقد يجتمع الأمران بأن يعلم ثبوت ما أخبر به، ويعلم أنه صادق فيه، وقول محمد (إني رسول الله) هو من هذا الباب كما سنبينه إن شاء الله، وكذلك كونه كذبا قد يراد به أنه على خلاف مخبره، وإن كان صاحبه لم يتعمد الكذب.

وقد يعنى به أن قائله يتعمد الكذب، ولهذا كانت الأحاديث المعلوم بطلانها على نوعين: تارة يعلم أن صاحبها تعمد الكذب، وتارة يكون قد غلط، والصحابة لم يعرف فيهم من يتعمد الكذب على النبي ﷺ، وكذلك جمهور التابعين لم يعرف فيهم من يتعمد الكذب، ولكن طائفة قليلة من الشيعة عرف أنه كان فيها من يتعمد الكذب بخلاف غيرهم من أهل الأهواء كالخوارج، فإنه لم يكن فيهم من يعرف بالكذب، بل يقال: هم من أصدق الناس حديثا، والرجل الفاسق المعروف أنه يكذب لا بد أن يصدق في بعض الأخبار فلا يكون في الناس من لا يخبر إلا بكذب، ولهذا قال تعالى: إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا؛ وفي القراءة الأخرى: فتثبتوا

فأمر بالتبين والتثبت إذا أخبر الفاسق بخبر، ولم يأمر بتكذيبه بمجرد إخباره لأنه قد يصدق أحيانا، فلما أمر سبحانه بالتبين والتثبت في خبر الفاسق دل ذلك على أنه لا يجوز تصديقه بمجرد إخباره، إذ كان فاسقا قد يكذب، ولا يجوز أيضا تكذيبه قبل أن يعرف أنه قد كذب، وإن كان فاسقا، لأن الفاسق قد يصدق، وهذا كما قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا - وفي القراءة الأخرى (فتثبتوا) - ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا...

فأمرهم بالتبين والتثبت في الجهاد، وأن لا يقولوا للمجهول حاله: لست مؤمنا، يبتغون عرض الحياة الدنيا، فيكون إخبارهم عن كونه ليس مؤمنا خبرا بلا دليل بل لهوى أنفسهم ليأخذوا ماله، وإن كان ذلك في دار الحرب إذا ألقى السلم، وفي القراءة الأخرى (السلام) فقد يكون مؤمنا يكتم إيمانه كما كنتم أنتم من قبل مؤمنين تكتمون إيمانكم، فإذا ألقى المسلم السلام فذكر أنه مسالم لكم لا محارب فتثبتوا وتبينوا، لا تقتلوه ولا تأخذوا ماله حتى تكشفوا أمره، هل هو صادق أو كاذب؟ وهذا خبر يتضمن دعوى له، فإن المدعي مخبر، والمنكر مخبر، والشاهد مخبر، والمقر مخبر، وكما نهاهم عن تكذيب المدعي بلا علم نهاهم عن تصديق المنكر المتهم، ورمي البريء بلا حجة، وتبرئته وتزكيته بلا علم، فقال تعالى:

إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما * واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما * ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما * يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا * ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا * ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما * ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما * ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا * ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما

وكذلك نهاهم عن تصديق القاذف الرامي لمن عرف منه الخير فقال: لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين - إلى قوله - ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم * إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم * ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم وقد قال تعالى: ولا تقف ما ليس لك به علم

وهذا نهي عن التكلم بلا علم، وهو عام في جميع أنواع الأخبار، وقد يتناول ما أخبر به الإنسان، وما قد يعتقده بغير الأخبار من الدلائل، والآيات، والعلامات ليس له أن يتكلم بلا علم فلا ينفي شيئا إلا بعلم، ولا يثبته إلا بعلم، ولهذا كان عامة العلماء على أن النافي للشيء عليه الدليل على ما ينفيه كما أن المثبت للشيء عليه الدليل على ثبوته، وحكي عن بعض الناس أنه قال: النافي ليس عليه دليل، وفرق بعضهم بين العقليات والشرعيات، فأوجبه في العقليات دون الشرعيات، وهؤلاء اشتبه عليهم النافي بالمانع المطالب، فإن من أثبت شيئا فقال له آخر: أنا لا أعلم هذا، ولا أوافقك عليه، ولا أسلمه لك حتى تأتي بالدليل، كان هذا مصيبا، ولم يكن على هذا المانع المطالب بالدليل دليل، وإنما الدليل على المثبت بخلاف من نفى ما أثبته غيره فقال له: قولك خطأ، والصواب في نقيض قولك، ولم يكن هذا كذا، فإن هذا عليه الدليل على نفيه كما على ذلك المثبت الدليل على إثباته، وإذا لم يأت واحد منهما بدليل كان كلاهما بلا حجة.

ولهذا كان من أثبت شيئا أو نفاه، وطلب منه الحجة فلم يأت بها كان منقطعا في المناظرة، وإذا اعترض المعترض عليه بممانعة أو معارضة فأجاب عنها انقطع المعترض عليه، وثبت قول الأول، وإن لم يجب عن المعارضة انقطع المستدل إذ كان الدليل الذي يجب اتباعه هو الدليل السالم عن المعارض المقاوم، ولو أقام دليلا قطعيا فعورض بما لا يفيد القطع كان له أن يقول: ما ذكرته يفيد العلم، والعلم لا يعارضه الظن، والبينات لا تعارض بالشبهات التي هي من جنس كلام السوفسطائية، فهو سبحانه نهى عن الكلام بلا علم مطلقا، وخص الكلام على الله بقوله تعالى: قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون

ونهى عن اتباع خطوات الشيطان، وأخبر أنه يأمر بالقول على الله بلا علم فقال:

يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين * إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون * وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون

وكذلك ذم من يجادل ويحاج بلا علم بقوله تعالى: ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير

وقال: ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد * كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير

وقال تعالى: ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون

وقوله تعالى: إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا، يتناول خبر كل فاسق، وإن كان كافرا لا يجوز تكذيبه إلا ببينة كما لا يجوز تصديقه إلا ببينة، وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرئون التوراة بالعبرية، ويفسرونها بالعربية، فقال النبي ﷺ: " إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه، وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه، وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون.

وهذا الذي دل عليه الكتاب والسنة من إمساك الإنسان عما لا يعلم انتفاؤه وثبوته هو مأثور عن غيره من الأنبياء، كما جاء عن المسيح "عليه السلام" أنه قال: الأمور ثلاثة: أمر تبين رشده فاتبعوه، وأمر تبين غيه فاجتنبوه، وأمر اشتبه عليكم فكلوه إلى عالمه.

وعامة عقلاء بني آدم على هذا، ولهذا لا يجوز أن يصدق بخبر منقول عن الرسول أو غيره إلا بدلالة تدل على صدقه، ولا يجوز أن يكذبه إلا بدلالة تدل على كذبه، وعلى هذا العلم والدين، وقد تكلم العلماء وصنفوا كتبا كثيرة في الجرح والتعديل في الرجال والأحاديث، فمن الناس من يعرف بالصدق والضبط، فهذا هو العدل المقبول خبره، ومنهم من يكون صدوقا لكنه قد لا يحفظ ولا يضبط، فيقولون في مثل هذا: هو صدوق تكلم فيه من قبل حفظه، ومنهم من عرف بالكذب، وإذا روى الحديث من هو سيئ الحفظ أو من قد يكذب لم يحكموا بذلك الحديث، ولم يثبتوه. ثم تارة يقوم الدليل على كذبه، وتارة يتوقفون فيه لا يعلمون أصدق هو أم كذب، ومثل هذا لا يعتقد ولا يثبت، ولا يحتج به، كالشاهد الذي شهد للمدعي، وليس بعدل مرضي، أو هو خصم أو متهم ظنين، فهذا إذا ردت شهادته ولم تقبل لم يكن معنى ذلك الحكم بكذبه أو خطئه، بل معنى ذلك أنه لا تقوم به حجة، ولا يحكم به لعدم العلم بصدقه، لا للعلم بكذبه.

والمدعى عليه إذا كان صاحب يد أو ذمته بريئة فهو حجة ترجح جانبه، وقد ضم إليها الشارع اليمين، كما في صحيح البخاري عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: " لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء قوم وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه " فإذا لم يكن مع المدعي إلا مجرد دعواه فجانب المنكر أقوى من جانبه لأن معه: أن الأصل في الأيدي أنها محقة، والأصل براءة الذمة، ولكن قد يكون المدعي صادقا، ولا يكون له حجة، وهذا كثير جدا، فلا يدفع بمجرد الأصل، بل يحلف المنكر فيكون يمينه مع الأصل بحجة، فيكون إنكار هذا مقابلا لدعوى هذا، كلاهما خبر لم يعلم صدقه فتعارضا، وترجح المنكر بالأصل، فيبقى على ما كان لا يسلم بحجة للمدعي ما ادعاه بمجرد دعواه، ولا تنقطع مطالبته للمدعى عليه لأنه لم يأت بحجة تدفعه، فإذا حلف المنكر كانت يمينه حجة فصلت الخصومة، وقطعت الدعوى.

وإذا لم يأت المنكر باليمين بل نكل عنها، ولا أتى المدعي بحجة، وقف للأمر عند أكثر العلماء، وعند بعضهم: يقضي على المنكر بالنكول فيجعل نكوله إما بدلا لما طلب، وإما إقرارا به، والأكثرون يقولون: بل ترد اليمين على المدعي الطالب الذي يقول: إنه يعلم صدق نفسه فيما ادعاه، وأنه عالم بما ادعاه، فيقال له: احلف وخذ، فإن حلف أخذ، وإلا دفعا. ثم من العلماء من يرد اليمين في عامة الدعاوي، ومنهم من يحكم بالنكول، وإن كان المنكر يقول: لا أعلم ما ادعى به، وكل من الطائفتين يذكر آثارا عن الصحابة.

والمنقول عن الصحابة يدل على التفصيل، وهو أظهر الأقاويل، وهو أنه: إن كان المنكر هو العالم دون المدعي، كما إذا ظهر في المبيع عيب، وقد بيع بالبراءة، فقال المشتري: أنا لم أعلم به، فإنه هنا يقال له كما قال عثمان بن عفان لابن عمر رضي الله عنهما: احلف أنك بعته وما به داء تعلمه. فإن حلف، وإلا قضي عليه بالنكول كما قضى عثمان على ابن عمر بالنكول.

وإن كان المدعي يقول إنه يعلم ما ادعى به، كمن ادعى على آخر دينا أو عينا فقال: أنا لا أعلم ما ادعيته، احلف وخذ، فإن لم يحلف لم يعط شيئا.

والبينة في الدعاوي عند أكثر العلماء هي ما يبين الحق، ويظهره، ويوضحه، كالدليل والآية والعلامة، فمتى ترجح جانب أحدهما حلف مثل أن يقيم المدعي شاهدا فإنه يحلف مع شاهده، ويقضي به بشاهد ويمين كما مضت به سنة رسول الله ﷺ، وهذا قول أكثر العلماء، ومنهم من يقول: اليمين دائما في جانب المدعى عليه، وكذلك لو كان في دعوى القتل لوث، ولطخ، وشبهة، وهو علامات ترجح جانب المدعي فإن أولياء المقتول يحلفون خمسين يمينا، ويقضى لهم بذلك عند أكثر العلماء كما مضت بذلك السنة.

وكذلك في اللعان إذا حلف الزوج وشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، ووكدها بالخامسة فقد أقام بينة على دعواه، فإن التعنت المرأة، وشهدت أربع شهادات مؤكدة بالخامسة أنه كاذب، تعارضت البينتان والشهادتان، فلم يحكم بقول واحد منهما، لا يحكم بأنه قاذف، ولا يحكم بأنها زانية، وإن نكلت فلم تحلف فأكثر العلماء يقولون: يحكم بأنها زانية، وتعذب على ذلك كما دل عليه القرآن، لأنه اجتمع شهادة الزوج، ونكولها عن المعارضة، كما اجتمع في القسامة العلامة والأيمان، وكما اجتمع الشاهد واليمين، وكما اجتمع في جانب المنكر الأصل واليمين. فهذا ونحوه مما جاءت به الشريعة، وبسطه له موضع آخر.

والمقصود هنا أن الخبر إن قام دليل على صدقه أو كذبه، وإلا بقي مما لم يصدقه ولم يكذبه. وأهل العلم بالحديث إذا قالوا: هذا الحديث رواه فلان، وهو مجروح، أو ضعيف، أو سيئ الحفظ، أو ممن لم تقبل روايته، ونحو ذلك، فهو كقول القائل: هذا الشاهد مجروح أو سيئ الحفظ أو ممن لا تقبل شهادته، وهذا يفيد أنه لا يحكم به، لا يفيد الحكم بأنه كاذب، بل قد يمكن أنه صادق، فلا يقال إنه كاذب إلا بحجة.

وإن قالوا عن الحديث: إنه ضعيف، فهذا مرادهم أي أنه لم يثبت، ولا يحتج به، ولا يجوز الحكم بصدقه، ليس مرادهم أنه بمجرد ذلك يحكم بكذب الناقل، وينفي ما نقله، ويقول: إن هذا لم يكن من غير علم منا بهذا النفي، بل إن قام دليل على انتفاء ما أخبر به حكمنا بذلك، وإلا سكتنا، لم ننفه، ولم نثبته، فهذا أصل يجب معرفته، فإن كثيرا من الناس لا يميز بين ما ينفيه لقيام الدليل على نفيه، وبين ما لم يثبته لعدم دليل إثباته، بل تراهم ما لم يعلموا إثباته فيكونون قد قفوا ما ليس لهم به علم، وقالوا بأفواههم ما ليس لهم به علم، وهذا كثير من أهل الاستدلال والنظر وأهل الإسناد والخبر، فمن الأولين طوائف يطلبون الدليل على ثبوت الشيء، فإذا لم يجدوه نفوه، ومعلوم أن عدم العلم ليس علما بالعدم، وعدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود إلا إذا كان الطالب ممن يمكنه ذلك، إما بعلم أو ظن غالب، فمن هؤلاء من يقول في صفات الله ما لم يقم دليل قطعي على إثباته، وإلا وجب القطع بنفيه، لأن صفات الله لا تثبت إلا بالقطع، وخالفهم في ذلك جمهور الناس، وقالوا: كما لا يجوز القطع في الإثبات إلا بدليل قطعي، فلا يجوز القطع في النفي إلا بدليل قطعي على النفي فلما لم يجز أن نثبت إلا بعلم فلا ننفي إلا بعلم.

والنافي عليه الدليل كما على المثبت الدليل. قال هؤلاء: هذه المسائل مبناها على القطع، فإنه لا يجوز لنا التكلم فيها بالظن، فإذا لم يقم القاطع قطعنا بالنفي. فقيل لهم: هذا حجة عليكم، فإنكم إذا نفيتم ما لم تعلموا نفيه تكلمتم بالظن، وإذا قطعتم من غير قاطع كنتم قد تكلمتم في القطعيات بلا قاطع، نفيا كان الكلام أو إثباتا، وليس يعلم في الأدلة الشرعية أو العقلية أن كل ما لم يقم دليل سمعي أو عقلي على إثباته فإنه يجب عليكم نفيه، والقطع بنفيه، بل تكلمكم بهذا تكلم بلا علم.

ومن هنا أخطأ كثير من النظار في نفي كثير من صفات الرب، وأحكامه، وأفعاله، حيث لم يعلموا دليلا قطعيا يثبتها فنفوها، وكانت ثابتة في نفس الأمر، وقد يكون عند غيرهم دليل قطعي يثبتها، ولو قدر عدم علم الناس كلهم بها فلله علم لم يعلمه العباد، ولله أسماء استأثر بها في علم الغيب عنده لم يعلمها الناس، وليس إذا لم يعلم ثبوت الصفة يجب أن يعلم انتفاؤها، بل قد يظن ثبوتها أو انتفاؤها، وقد يشك في ذلك فلا يعلم ولا يظن واحد منهما، والواجب على الإنسان أن يقول لما يعلمه: أعلمه، ولما يظنه: أظنه، ولما يشك فيه: أشك فيه، والله تعالى لم يوجب على الإنسان أن يقطع بانتفاء شيء إن لم يعلم أنه منتف، فمن قال: وجب علينا القطع بانتفاء فقد غلط.

وهذا بخلاف ما يناقض صفات الإثبات، فإن هذا يجب نفيه عن الله، فقد علم بالأدلة القطعية أن الله موصوف بصفات الكمال المناقضة للنقص، مثل: إنه حي قيوم بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه خالق كل شيء، وربه، ومليكه، وأنه غني عن كل ما سواه بكل وجه، فكل من قال قولا يناقض هذا علم أنه باطل، كالذين قالوا: إن له شريكا أو ولدا، أو أنه يشفع عنده الشفعاء بغير إذنه، ونحو ذلك مما يناقض الكمال المعلوم له.

وما كان من الأمور مستلزما لوازم لو كان موجودا، فإنه يستدل بانتفاء اللازم على انتفاء الملزوم، كالأمور التي لو كانت موجودة لوجب أن تنقل نقلا متواترا شائعا، فإنه يستدل بانتفاء اللازم على انتفاء الملزوم، كما لو قال قائل: إنه بني بين العراق والشام أو بين الحجاز والشام مدينة أعظم من بغداد والموصل وأصبهان ومصر دورها ثلاثة أيام، ونحو ذلك، فإنه يعلم كذبه، فإن هذا مما تتوفر همم الناس على نقله لو كان موجودا، فإذا لم يستفض هذا وينتشر علم أن المخبر به كاذب.

وكذا لو ادعى مدع أنه يوم الجمعة أو العيد قتل الخطيب، ولم يصل الناس يوم الجمعة، ولم يستفض هذا وينتشر، أو ادعى أنه قتل بعض ملوك الناس، ولم يستفض هذا، ولم ينتشر، أو ادعى أنه بعث نبي بين المسيح ومحمد ﷺ أو بعد محمد جاء بكتاب مثل القرآن أو الإنجيل، واتبعه خلق كثير، وكذبه خلق كثير فإنه يعلم كذب هذا، إذ مثل هذا لا بد أن يستفيض وينتشر.

وكذلك لو ادعى أن قريشا أو غيرهم عارضوا القرآن، وجاءوا بكتاب يماثل القرآن، وأنهم أظهروا ذلك، وأبطلوا به حجة محمد ﷺ، فهذا مما يقطع بكذبه، لأن مثل ذلك لو وقع لكان مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، وكذلك لو ادعى أن محمدا أمر بحج بيت غير البيت العتيق أو أوجب صوم شهر غير شهر رمضان أو أوجب صلاة سادسة وقت الضحى، أو أمر بالأذان والإقامة لغير الصلوات الخمس، أو أنه قال علانية بين الناس لأبي بكر أو العباس أو علي أو غيرهم: هذا هو الخليفة من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا، أو أن عليا دعا إلى نفسه في خلافة الثلاثة، وأمثال هذه الأمور التي لو وقعت لكان لها لوازم، يستدل بانتفاء اللازم على انتفاء الملزم، ثم هذه اللوازم منها جلي، ومنها خفي يعرفه الخاصة.

فلهذا كان أهل العلم بأحوال الرسول يقطعون بكذب أحاديث لا يقطع غيرهم بكذبها لعلمهم بلوازم تلك الأحاديث وانتفاء لوازمها، كما يقطع من يعلم مغازي النبي ﷺ أنه لم يقاتل في غزوة تبوك، وأن غزوات القتال إنما كانت تسعة مغازي، وأنه لم يغز بنفسه إلى اليمن، ولا العراق، ولا جاوز تبوك بعد النبوة، وأنه لم يحج بعد الهجرة إلا حجة الوداع، ولم يصم إلا تسع رمضانات.

وهكذا يعلمون أن فلانا أخطأ في هذا الحديث على فلان لأنهم قد علموا من وجوه ثابتة أن ذلك الحديث إنما رواه على صورة معينة، فإذا روى غير الثقة ما يناقض ذلك علموا بطلان ذلك، وأنه أخطأ أو تعمد الكذب، مثل ما يعلمون كذب من زاد في قول النبي - ﷺ: " لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل " فزاد بعض الناس فيه: " أو جناح " لما رأى بعض الأمراء عنده حمام، فعلموا أنه كذب تقربا إلى ذلك الأمير.

وكما يعلمون كذب من روى أن مسيلمة وقومه كانوا مؤمنين بالله ورسوله، وإنما قاتلهم الصديق لكونهم لم يعطوا الزكاة، فإنهم قد علموا بالتواتر أن مسيلمة ادعى النبوة، واتبعه قومه على ذلك، وأنه كتب إلى النبي ﷺ في حياته يقول: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله. فكتب إليه النبي ﷺ: " من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب " ويعلمون أنه كان له مخاريق، وأنه ظهر كذبه من وجوه متعددة، وأن أبا بكر الصديق والصحابة قاتلوه على كذبه في دعوى النبوة، وقاتلوا قومه على ردتهم عن الإسلام، واتباعهم نبيا كاذبا لم يقاتلوهم على كونهم لم يؤدوا الزكاة لأبي بكر.

وكذلك الأسود العنسي الذي ادعى النبوة في حياة النبي ﷺ، وقتل في حياته، كل منهما عرف كذبه بتكذيب النبي الصادق والمصدوق لهما، ومما ظهر من دلائل كذبهما، مثل الأخبار الكاذبة التي تناقض النبوة، ومثل الإتيان بقرآن مختلق يعلم من سمعه أنه لم يتكلم الله به، وإنما هو تصنيف الآدميين كما قال أبو بكر الصديق لهم لما تابوا من الردة، وعادوا إلى الإسلام: " أسمعوني قرآن مسيلمة فلما أسمعوه إياه قال: ويحكم أين يذهب بعقولكم، إن هذا كلام لم يخرج من إل " أي لم يخرج من رب، ومثل ما كان يفعله ويأمر به من الفجور والكذب، ومثل اطلاع أخص الناس به على أنه كان يكذب، ويستعين بمن يختلق له الكذب، ومثل أنه كان يعدهم بأن جبريل أخبره أنه سينصر، فلما حقت الحقائق قال لهم: إنه لا جبريل لكم فقاتلوا عن أحسابكم. إلى أمثال هذه الأمور التي تدل على كذب الكاذب.

فالصدق له دلائل مستلزمة له تدل على الصدق، والكذب له دلائل مستلزمة تدل على الكذب، ولا يجوز الحكم بصدق مخبر، ولا بكذب مخبر إلا بدليل، وما لم يعلم صدقه ولا كذبه، ولا ثبوته ولا انتفاؤه فإنه يجب الإمساك عنه، ويقول القائل: هذا لم أعلمه، ولم يثبت عندي، ولا أجزم به، ولا أحكم به، ولا أستدل به، ولا أحتج به، ولا أبني عليه مذهبي واعتقادي وعملي، ونحو ذلك. لا يقول: هذا أقطع بكذبه وانتفائه، وإن كنت أقطع أن من أثبته تكلم بلا علم، فالقطع بجهل مثبته المعتقد له غير القطع بانتفائه، فمن قطع فيه بلا دليل يوجب القطع قطعنا بجهله وضلاله وخطأه، وإن لم يقطع بانتفاء ما أثبته في نفس الأمر كمن حكم بشهادة مجروح فاسق أمر الله بالتثبت في خبره، فمن حكم وقطع بخبره من غير دليل يدل على صدقه حكمنا بأن هذا متكلم حاكم بلا علم، وإن لم يحكم بكذب الشاهد المخبر، لكن لا يجوز للإنسان أن ينفي علم غيره، وقطع غيره، من غير علم منه بالأسباب التي بها يعلم ويخبر، فإنه كثيرا ما يكون للإنسان دلائل كثيرة تدل على صدق شخص معين، وثبوت أمر معين، وإن كان غيره لا يعرف شيئا من تلك الدلائل.

وهذا أيضا مما يغلط فيه كثير من الناس ينظرون في أنفسهم ومبلغ علمهم، فإذا لم يجدوا عندهم ما يوجب العلم بذلك الأمر جعلوا غيرهم كذلك من غير علم منهم بانتفاء أسباب العلم عند ذلك الغير، وقد يقيمون حججا ضعيفة على أنه غيرهم لا يعلم ذلك، مثل ما يفعله كثير من الناس بالنظر والاستدلال والاعتبار، ومن لم يساووهم في نظرهم وأدلتهم وقوة أذهانهم لا يعلم ما علموه، وكثير من الناس يعلم بالأخبار والنقل والاستدلال بذلك أمورا كثيرة، ومن لم يشاركهم فيما سمعوه، وفيما عرفوه من أحوال المخبرين والمخبر وكمال معرفتهم بذلك لا يعلم ما علموه.

فلهذا كان لأهل النظر العقلي طرق لا يعرفها أهل الأخبار، ولأهل الأخبار السمعية طرق لا تعرف بمجرد العقول، ولهذا كان لهؤلاء من الطرق الدالة على صدق الرسول، ونبوته، والاستدلال على ذلك، أمور كثيرة لا يعرفها أهل الحديث والأخبار، وعند هؤلاء من الأحاديث المتواترة عندهم، والآيات المستفيضة عندهم ما يعلمون بها صدق الرسول، وإن كان أولئك لا يعرفونها، بل طرق معرفة الصانع وتصديق رسوله قد يكون لكل قوم منها طريق أو طرق لا يعلمها آخرون، وهم مشتركون في الإقرار بالله وبرسوله، ولكل قوم طرق وأدلة غير طرق الآخرين وأدلتهم بل ما تواتر عندهم من أحوال الرسول قد يكون المخبرون لهؤلاء الذين تواتر عندهم ما أخبروهم به من آياته وشرائعه غير المخبرين لأولئك، كما كان الصحابة المخبرون لأهل الشام بآيات الرسول، وبالقرآن، وشرائع الإسلام غير الصحابة المخبرين لأهل العراق، ولكن خبر هؤلاء يصدق خبر هؤلاء، وإن كان كل من الطائفتين لا يعلم أعيان أولئك الذين أخبروا أولئك.

وهكذا سائر العلوم، قد يكون الذي علم هؤلاء الفقه أو النظر أو النحو أو الطب غير الذي علم هؤلاء، وإن اشترك الجميع في جنس الفقه، والنظر، والنحو، والطب، وعلم ما علمه هؤلاء من الأعيان والأنواع، مع أن طريق هؤلاء ليس طريق أولئك، وإن اشتركوا في النوع.

وعامة ما يعلمه الناس بالحس هو من هذا الباب، فإن الإنسان يحس بأحوال نفسه من جوعه، وعطشه، وشبعه، وريه، وحبه، وبغضه، وشهوته، ونفرته، وألمه، ولذته، بل يحس بأعضائه كبطنه، وفرجه، ولا يحس بأحوال غيره، ولكن يشتركان في الجنس العام، فيشتركون في جنس الإحساس بجوعهم، وشبعهم، وقد يشتركون في غير ما يحسونه، كاشتراكهم في رؤية الشمس، والقمر، والهلال، والكواكب.

وقد غلط في مثل هذا طائفة من المتكلمين في المنطق اليوناني، فزعموا أن العلوم التجريبية، والتواترية، والحدسية، إن جعلوها قسما غير التجريبية فإن فيهم من يجعل الحدسية نوعا من التجريبية، ومنهم من يجعلها جنسا آخر، فزعم هؤلاء أن هذه العلوم مختصة لا تقوم بها الحجة على من لم يعلمها دون الحسيات، والوجديات، والعقليات، وليس كذلك، بل كما أن هذه تكون مشتركة تارة، ومختصة أخرى، فكذلك الحسيات فإن كل أهل زمان ومكان يعلمون بالحس من أحوال ذلك المكان والزمان وأحوال أهله ما لا يشركهم فيه غيرهم، وكذلك الوجديات، فإن من ابتلي بالغرائب في الأمور السياسية والبدنية يعلم منها ما لا يشركه فيه غيره.

وكذلك العقليات، فإن من الناس من يكون له أصل يقيس به الفرع فيعلم القدر المشترك الذي هو الحد الأوسط، ويعلم من تعلق الحكم به ما لم يعلمه غيره.

فأجناس العلوم وطرقها منها ما هو مختص، ومنها ما هو مشترك، والمشترك منه ما يشترك فيه جنس بني آدم، ومنه ما يشترك فيه نوع منهم وطائفة، فهذا أصل جامع ينبغي معرفته لمن تكلم في هذا الباب.

فصل: أحوال وشواهد صدق المخبر وكذبه

وإذا كان جنس من يخبر قد يكون كاذبا، وقد يكون صادقا، فقد علم أنه ليس كل واحد أخبر بخبر يصدق مطلقا، ولا يكذب مطلقا، فلم يقل أحد من العقلاء أن كل خبر واحد أو خبر كل واحد يكون صدقا أو يفيد العلم، ولا أنه يكون كذبا، بل الناس يعلمون أن خبر الواحد قد يقوم دليل على صدقه فيعلم أنه صدق وإن كان خبر واحد، وقد يقوم الدليل على كذبه فيعلم أنه كذب، وإن أخبر به ألوف إذا كان خبرهم على غير علم منهم بما أخبروا به، أو عن تواطئ منهم على الكذب، مثل إخبار أهل الاعتقادات الباطلة بالباطل الذي يعتقدونه، وأما إذا أخبروا عن علم منهم بما أخبروا به فهؤلاء صادقون في نفس الأمر، ويعلم صدقهم تارة بتوافق أخبارهم من غير مواطأة، ولو كانا اثنين، فإن الاثنين إذا أخبرا بخبر طويل أسنداه إلى علم، وقد علم أنهما لم يتواطأا عليه، ولا هو مما قد يتفق في العادة تماثلهما فيه في الكذب أو الغلط علم أنه صدق.

وقد يعلم صدق الخبر الواحد بأنواع من الدلائل تدل على صدقه، ويعلم صدق خبر الواحد بقرائن تقترن بخبره يعلم بها صدقه، وتلك الدلائل والقرائن قد تكون صفات في المخبر، من علمه، ودينه، وتحريه الصدق، بحيث يعلم قطعا أنه لا يتعمد الكذب، كما يعلم علماء أهل الحديث قطعا أن ابن عمر، وعائشة، وأبا سعيد، وجابر بن عبد الله، وأمثالهم، لم يكونوا يتعمدون الكذب على رسول الله ﷺ فضلا عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأمثالهم، بل يعلمون علما يقينيا أن الثوري، ومالكا، وشعبة، ويحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، والبخاري، وأبا زرعة، وأبا داود، وأمثالهم، لا يتعمدون الكذب في الحديث.

وقد تكون الدلائل صفات في المخبر به مختصة بذلك الخبر أو بنوعه يعلم بها أن ذلك المخبر لا يكذب مثل ذلك الخبر، كحاجب الأمير إذا قال بحضرته لعسكره: إن الأمير قد أذن لكم في الانصراف، أو أمركم أن تركبوا غدا، أو أمر عليكم فلانا، ونحو ذلك، فإنهم يعلمون أنه لا يتعمد الكذب في مثل هذا وإن لم يكن بحضرته، فكيف إذا كان بحضرته، وإن كانوا قد يكذبونه في غير هذا.

وقد تكون الدلائل سماع من شاركه في العلم بذلك الخبر، وإقراره عليه، فإن العادة كما قد تمنع التواطؤ على الكذب فإنها قد تمنع التواطؤ على الكتمان وإقرار الكذب والسكوت، وعن إنكاره، فما توافرت الهمم والدواعي على ذكره والخبر به يمتنع أن يتواطأ أهل التواتر على كتمانه، كما يمتنع في العادة أن تحدث حادثة عظيمة تتوفر الهمم والدواعي على نقلها في الحج أو الجامع أو العسكر، وحيث توجب العادة نقل الحاضرين لما عاينوه ثم لا ينقل ذلك أحد.

وإقرار الكذب، والسكوت على رده أعظم امتناعا في العادة من الكتمان فإن الإنسان في العادة قد تدعوه نفسه إلى أن يسكت على ما رآه وسمعه فلا يخبر به، ولا تدعوه نفسه إلى أن يكذب عليه، ويخبر عنه بما يعلم أنه كذب عليه فيقره ولا ينكره إذ كانت عادة الناس إلى تكذيب مثل هذا أبلغ من عادتهم بالإخبار به، وكذلك إذا كذب في قصة، وبلغ ذلك من شاهدها، فتوفر الهمم على تكذيب هذا أعظم من توفرها على إخبارهم بما وقع ابتداء، فإذا كانت من القضايا التي يمتنع السكوت عن إظهارها، فالسكوت عن تكذيب الكاذب فيها أشد امتناعا، وقد تكون الدلائل صفات فيه تقترن بخبره، فإن الإنسان قد يرى حمرة وجهه فيميز بين حمرته من الخجل والحياء وبين حمرته من الحمى وزيادة الدم، وبين حمرته من الحمام، وبين حمرته من الغضب، وكذلك يميز بين صفرته من الفزع، والوجل، وبين صفرته من الحزن، والخوف، وبين صفرته من المرض، فكما أن سحنته، ووجهه يعرف بها أحوال بدنه الطبيعية من أمراضه المختلفة حتى إن الأطباء الحذاق يعلمون حال المريض من سحنته فلا يحتاجون مع ذلك إلى نبض وقارورة، وكذلك تعرف أحواله النفسانية هل هو فرح مسرور أو محزون مكروب؟ ويعلم هل هو محب صديق مريد للخير أو هو مبغض عدو مريد للشر؟ كما قيل:

تحدثني العينان ما القلب كاتم....

والعين تعرف من عيني محدثها إن كان من حزبها أو من أعاديها

وكما قيل:

ولا خير في الشحناء والنظر الشزر

ثم إذا تكلم مع ذلك دل كلامه على أبلغ مما يدل عليه سيما وجهه، كما قال تعالى عن المنافقين: ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول

فأخبر أنه لا بد أن يعرف المنافقين في لحن القول، وأن معرفتهم بالسيما معلقة بالمشيئة، والمنافق الكاذب يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فبين أنه في لحن قوله يعلم أنه كاذب، وقال في حق المؤمنين: سيماهم في وجوههم من أثر السجود

وقال في حق الكافر: عتل بعد ذلك زنيم

أي له زنمة من الشر أي علامة يعرف بها.

وقد روي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه " ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه "

وقد بسطنا الكلام على هذه في مسألة الإيمان، وبينا أن ما يقوم بالقلب من تصديق، وحب الله ورسوله، وتعظيم، لا بد أن يظهر على الجوارح، وكذلك بالعكس، ولهذا يستدل بانتفاء اللازم الظاهر على انتفاء الملزوم الباطن، كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: " ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب ". وكما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لمن رآه يعبث في الصلاة: " لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه ".

ومن هذا الباب قوله تعالى: لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله

وقوله: ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء

وقوله: ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة

فإن الإرادة التي في القلب مع القدرة توجب فعل المراد، والسفر في غزوة بعيدة لا يكون إلا بعدة، ومن هذا الباب أن عثمان قال لعمر لما شاوره في المرأة التي أقرت بالزنا: " إني أراها تستهل به استهلال من لا يعرف أنه حرام " فإنه لما رآها تجهر بما فعلته، وتحكيه من غير اكتراث، تبين له أنها لم تعتقد تحريمه، وأنه يذم، وتعاقب عليه، ووافقه عمر وعلي وغيرهما على ذلك.

والرجل الصادق البار يظهر على وجهه من نور صدقه، وبهجة وجهه سيما يعرف بها، وكذلك الكاذب الفاجر، وكلما طال عمر الإنسان ظهر هذا الأثر فيه، حتى إن الرجل يكون في صغره جميل الوجه، فإذا كان من أهل الفجور مصرا على ذلك يظهر عليه في آخر عمره من قبح الوجه ما أثره باطنه، وبالعكس.

وقد روي عن ابن عباس أنه قال: إن للحسنة لنورا في القلب، وضياء في الوجه، وقوة في البدن، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة لظلمة في القلب، وسوادا في الوجه، ووهنا في البدن، وبغضة في قلوب الخلق.

وقد يكون الرجل ممن لا يتعمد الكذب لكن يعتقد اعتقادات باطلة كاذبة في الله أو في رسله أو في دينه أو عباده الصالحين، وتكون له زهادة، وعبادة، واجتهاد في ذلك فيؤثر ذلك الكذب الذي ظنه صدقا وتوابعه في باطنه، ويظهر ذلك على وجهه فيعلوه من القترة والسواد ما يناسب حاله، كما قال بعض السلف: لو ادهن صاحب البدعة كل يوم بدهان، إن سواد البدعة لفي وجهه "

وهذه الأمور تظهر يوم القيامة ظهورا تاما. قال تعالى: ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين * وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون

وقال تعالى: يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون * وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون

قال ابن عباس وغيره: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة.

والمقصود أن ما في القلوب من قصد الصدق والمحبة والبر ونحو ذلك قد يظهر على الوجه حتى يعلم ذلك علما ضروريا من أبلغ العلوم الضرورية، وكذلك ما فيها من قصد الكذب والبغض والفجور وغير ذلك، والإنسان يرافق في سفره من لم يره قط إلا تلك الساعة فلا يلبث إذا رآه مدة، وسمع كلامه أن يعرف هل هو مأمون يطمئن إليه؟ أو ليس كذلك؟ وقد يشتبه عليه في أول الأمر، وربما غلط، لكن العادة الغالبة أنه يتبين ذلك بعد لعامة الناس.

وكذلك الجار يعرف جاره، والمعامل يعرف معامله، ولهذا لما شهد عند عمر بن الخطاب رجل فزكاه آخر قال: هل أنت جاره الأدنى تعرف مساءه وصباحه؟ قال: لا. قال: هل عاملته في الدرهم والدينار الذين تمتحن بهما أمانات الناس؟ قال: لا. قال: هل رافقته في السفر الذي ينكشف فيه أخلاق الناس؟ قال: لا. قال: فلست تعرفه وروي أنه قال: لعلك رأيته يركع ركعات في المسجد. وذلك أن المنافق قد يظهر الصلاة فمن لم يخبره لا يعرف باطن أمره كما قيل:

ذئب تراه مصليا فإذا مررت به ركع

يدعو وجل دعائه ما للفريسة لا تقع

وإذا الفريسة خيلت ذهب التنسك والورع

فإذا كان كذلك فمن نبأه الله واصطفاه للرسالة كان قلبه من أفضل القلوب صدقا وبرا، ومن افترى على الله الكذب كان قلبه من شر القلوب كذبا وفجورا كما قال عبد الله بن مسعود: إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد خير قلوب العباد فاصطفاه لرسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فاتخذهم لصحبة نبيه، وإقامة دينه فما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المؤمنون سيئا فهو عند الله سيئ، وقال عبد الله بن مسعود: من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا يؤمن عليه الفتنة. أولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم.

وإذا كان من أعظم بل أعظم أهل زمانه صدقا وبرا فإنه لا بد أن يظهر على فلتات لسانه وصفحات وجهه ما يناسب ذلك، كما أن الكاذب الكافر لا بد أن يظهر على وجهه وفلتات لسانه ما يناسب ذلك، وهذا يكون تارة حين إخباره بما يخبر به، وتارة موجودا في غير تلك الحال، فإن الرجل إذا جاء، وقال: إن السلطان أو الأمير أو الحاكم أو الشيخ أو فلانا أرسلني إليكم بكذا، فإنه قد يقترن بنفس إخباره من كيفيته وحاله ما يعلم به أنه صادق أو كاذب، وإن كان معروفا قبل ذلك بالصدق أو الكذب كان ذلك دلالة أخرى، وقد يكون ممن يكذب، ولكن يعرف أنه صادق في ذلك الخبر، دع من يستمر على خبر واحد بضعا وعشرين سنة مع أصناف الناس، واختلاف أحوالهم.

ومما ينبغي أن يعلم أن الناس تختلف أحوالهم في المعرفة، والخبرة، والنظر، والاستدلال في جميع المعارف، فقد يتفطن الإنسان لدلالة لا يتفطن لها غيره، وقد يتبين له ما يخفى على غيره، حتى الأنبياء يتفاضلون كما قال تعالى:

وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما

والمقصود أن العلم بصدق الصادق، وكذب الكاذب كغيرهما من المعلومات قد يكون ضروريا، وقد يكون نظريا، وهو ليس من الضروريات الكلية الأولية، كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين، بل من العلم بالأمور المعينة كالعلم بحمرة الخجل، وصفرة الوجل، وعدل العادل، وظلم الظالم، ونحو ذلك مما يعرفه الخبير بذلك علما ضروريا، وإذا كان استدلاليا فالمعرفة بالعلم لا تحصل بمجرد وجود الدليل في نفسه، بل لا بد من معرفة القلب به، والناس متفاوتون في ذلك، والدليل أبدا هو ما استلزم المدلول، فكل ما كان مستلزما للشيء كان دليلا عليه، لكن لا بد من معرفته، ومعرفة أنه مستلزم ثم إذا حصل العلم صار ضروريا، وقد يكون ضروريا بلا واسطة دليل معين، وليس العلم بالمعينات كالعلم بصدق هذا وكذب هذا، مما يحتاج فيه إلى القياس الشمولي، فإن ذلك إنما يفيد بتوسط قضية كلية، والمعينات قد لا يحتاج فيها إلى ذلك، وإن كان لا بد فيها من خبرة بحال ذلك المعين.

وإذا كان القائل: إني رسول الله، إما أن يكون من خيار الناس، وأصدقهم، وأبرهم، وأفضلهم، وإما أن يكون من شرار الناس، وأكذبهم، وأفجرهم، والفرق بين هذين يكون من وجوه كثيرة لا تكاد تنضبط، كل منها يعرف به صدق هذا وكذب هذا، وكانت المعرفة بذلك قد تحصل عند سماع خبر هذا وخبر هذا، ورؤية وجهه، وسماع كلامه، وما يلزم ذلك ويقترن به من بهجة الصدق ونوره، ومن ظلمة الكذب وسواده وقبحه.

يتبين بذلك أن كثيرا من الناس يحصل لهم علم ضروري بأن هذا النبي صادق، وهذا المتنبي كاذب بمثل ذلك، من قبل أن يروا خارقا للعادة.

وقول بعض المتكلمين: ما لم يكن خارقا للعادة، لا اختصاص للنبي به، فلا يدل. فيقال له: لفظ خرق العادة لفظ مجمل، وإن تعين دعوى النبوة صدقا وكذبا ليس هو أمرا معتادا، ولم يقع هذا إلا في أفراد من العالم، وهو أقل بكثير من الإخبار بالمغيبات، فإن هذا أكثر في الوجود من دعوى النبوة، إذ كل نبي يخبر بالمغيبات، وليس كل من أخبر بها كان نبيا، وهؤلاء الذين يقولون هذا يقول أكثرهم أو كثير منهم: إن دعوى النبوة والتحدي والمعجز مجموعها هو المختص بالنبي، وإلا فهم يقولون: إن ما كان معجزة لنبي جاز أن يظهر على يدي ولي أو ساحر، وإنما يفرق بينهما التحدي وعدم المعارضة. ومنهم من ينكر خرق العادة أن يظهر على يد غير نبي، ومنهم من لا يفرق بين الولي والساحر إلا ببر هذا وفجور هذا، ومنهم من يطرد ذلك في النبي لا سيما متفلسفة اليونان، فإنهم من أجهل الناس بأمر النبوة، إذ كانوا لم يأخذوها من العلم بصدق الأنبياء، وبما جاءوا به من الآيات والبراهين والعلم بصفاتهم، وإنما أخذوها من القياس على المنامات، فجوزوا فيها مثل ما يجوز على النائم من الأحلام والتخيل، وما يصيب أهل المرة السوداء مما يشبه ذلك.

وهذا هو الموجود في عامة أتباع أرسطو، ولكن متأخروهم كابن سينا ضم إلى ذلك تصرفه في هيولي العالم لما بلغه من خوارقهم الفعلية التي لم يكن يعرفها أولئك، إذ كان علم أرسطو هو ما كان يعلمه قومه من اليونان، وهم أمة أولاد يافث لم يكن فيهم ما في أولاد سام كهود، وصالح، وغيرهما، ثم أولاد إبراهيم الخليل الذي وعده الله أن يجعل في ذريته النبوة والكتاب حتى يكون علم النبوة مشهورا فيهم، وقد جعل الله تعالى من زمن الخليل في ذريته النبوة والكتاب، كما أخبر بذلك في القرآن، وهم لم يكونوا من ذريته، ولا كانوا خبيرين بأحوال ذريته، وقد ذكر طائفة منهم كمحمد بن يوسف العامري وصاعد بن صاعد الأندلسي أن أساطينهم خمسة ثم أربعة ابندقلس ثم فيثاغورس ثم سقراط ثم أفلاطن قدموا الشام، واستفادوا من بني إسرائيل، ولهذا لم يكن من هؤلاء من قال بقدم العالم، بخلاف أرسطو قالوا: فإنه لم يقدم الشام. وذكر هؤلاء كمحمد بن يوسف العامري، وغيره أن أول من لقب بالحكمة لقمان، وأن ابندقلس استفاد منه، ومن أتباع داود "عليه السلام" فإنه كان في زمن داود، وإذا كان هذا قول هؤلاء النظار، وأهل الكلام والفلسفة، فمجرد خرق العادة عندهم ليس وحده مستلزما للنبوة حتى يكون وحده دليلا بل لا بد أن ينضم إلى ذلك التحدي وعدم المعارضة.

ولهذا لما اختلف قول طائفة منهم كأبي الحسن وأتباعه: هل يجوز ظهور الخارق على يد الكاذب؟ فقيل: لا يجوز لأنه علم النبوة، فيمتنع أن يتخلف عنه مدلوله كسائر الأدلة، وقيل: بل يجوز، ولكن الله لا يفعله. ثم قيل: لأنه يستلزم عجزه عن تصديق الرسول إذ لا طريق إليه إلا المعجز عندهم، وقيل: بل هو مقدور ممكن، ولكن نحن نعلم اضطرارا أنه لا يفعله مثل كثير مما يمكن في العادة، ونعلم أن الله لا يفعله، وجميع من جمع بين القولين، وقال: مجموع ما يدل على النبوة، وهو الخارق السالم عن المعارض يمتنع أن يكون لغير نبي بخلاف جنس الخارق، فقيل له: هذا الامتناع إما أن يكون عاديا، وإما أن يكون لاستلزامه العجز عن تصديق النبي، وذلك ممتنع فإذا كان ممتنعا لاستلزامه العجز عن تصديق النبي، وذلك ممتنع فإذا كان ممتنعا لاستلزامه أمرا ممتنعا، وإذا كان انفلات العادة ليس عندك ممتنعا فلا بد لك من ذلك الجواب، وهو القول بأنا نعلم ضرورة أن ذلك لم يكن، ثم إذا علمت أن هذا علم ضروري، وأن العلم بدلالتها على الصدق أمر ضروري كالمثل الذي ضربته في إرسال الملك رسولا، وقول رسوله: إن كنت صادقا فغير عادتك بقيامك ثم قعودك، ففعل ذلك عقب سؤال الرسول، فإن ذلك يوجب العلم الضروري بصدق الرسول.

وقيل لك: الملك تعلم عادته، ويعلم أنه فعل ذلك للتصديق، والرب عندك لم يخلق شيئا لشيء. فقلت: بل يخلق شيئا مقارنا لشيء كالعاديات، وهذا منها. فقيل لك: العادات قد تكررت. فقلت: قد نعلم ذلك بلا تكرر، وجعلت ذلك من باب الدلالة الوضعية كدلالة اللفظ على قصد المتكلم، وقلت: قد نعلم قصده اضطرارا من غير سبق مواضعة، وهذه العلوم الضرورية التي ذكرت أنه يعلم بها صدق الرسول، وإن كانت حقا فجمهور الناس يقولون: إنك لم تقر بلوازمها من كونه يفعل لأجل كذا، ويقولون: القول بأنه خلق المعجزة لقصد التصديق مع القول بأنه لا يخلق شيئا لأجل شيء تناقضا. فقلت: لا يشترط في العلم الضروري العلم بأنه يفعل كذا لأجل كذا. فقيل لك: هب أنه كذلك لكن لا يحصل العلم الضروري مع العلم بما يناقضه.

والمقصود أن ما يذكره هؤلاء وأمثالهم من النظار، بل وعامة الناس هم فيما يثبتونه من العلم والحقائق المعلومة أسد منهم وأصوب فيما ينفونه، فإن الإنسان لما يثبته أعلم منه بما ينفيه، وشهادته على الإثبات أقوى من شهادته على النفي، وإن كان النفي قد يكون معلوما لكن غلط الناس فيما ينفونه ويكذبون به أكثر من غلطهم فيما يثبتونه ويصدقون به، ولهذا قال تعالى: بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله.

ولهذا تجد من سلك طريقا من الطرق إما في إثبات العلم بالصانع، وإما في العلم بالنبوة أو العلم بالمعاد أو غير ذلك، واحد يقول: لا طريق إلا هذا الطريق، يخطئ في النفي أكثر من خطئه في الإثبات، ومنهم هؤلاء فإنهم قد ينفون من العلم والطرق ما يعلمه غيرهم بالاضطرار، ويثبتون ما يقولون إنه معلوم بالاضطرار، وقد يكون غيرهم أصوب فيما يثبته منهم فيما ينفونه، بل وفيما يثبتونه.

ولهذا الذين اتفقوا على أنه لا طريق إلا المعجزات تنوعوا في وجه دلالتها فيثبت هؤلاء وجها يستدلون به، وينفون طريق غيرهم، وبالعكس، فإذا قالوا ما سوى الخارق للعادة ليس يختص بالنبي فلا يدل على نبوته. قيل لهم: الدليل هو الذي يكون مستلزما للمدلول يلزم من تحققه تحقق المدلول، ولفظ الخارق للعادة فيه إجمال كما تقدم، وحينئذ فنفس إنباء الله للنبي، واصطفائه لرسالته، وإقداره على التلقي من الملك هو من خوارق العادات، وذلك من المعجزات التي أعجز الله الخلق أن يفعلوه، وهو مختص بالأنبياء، وهذا الوصف أجل وأعظم قدرا من غيره من الخوارق، والمستلزم لهذا الخارق لا يكون إلا خارقا، وهو الدليل، إذ يلزم من ثبوت الملزوم ثبوت اللازم، ومن انتفاء اللازم انتفاء الملزوم، والمعتاد الذي يوجد بدون النبوة لا يكون دليلا.

وأما ما لا يوجد إلا وجدت النبوة فهو دليل، فقد تبين أن كل ما يدل على صدق الرسول، وهو خارق للعادة يكون آية ونبوة على صدقه، وأما ما كان خارقا للعادة، ولا يستلزم النبوة فليس يكون دليلا، وقد يكون الشيء معتادا بدون النبوة، ومع النبوة يكون خرقا للعادة بحيث يكون وجوده مع النبوة خرق للعادة بخلاف وجوده مجردا عنها لأن النبوة خرق للعادة، فلا يكون مستلزما لها إلا خارق للعادة.

فقول القائل: لا يعلم صدقه إلا بالمعجزة، وهو الخارق للعادة، إن أراد به المعنى العام، وهو ما يستلزم صدقه بطل تخصيصه ذلك بما يخلقه منفصلا عنه من الآيات، وإن أراد بذلك نوعا مخصوصا مع اشتراك الجميع في الدلالة ظهر بطلان نفيه.

وأما ما يوجد بدونها كما يوجد معها كالأمور التي تكون للصادق في دعوى النبوة، والكاذب في دعوى النبوة، فهذه لا تدل، وما يظهره الله على يد النبي من الأنواع التي بها يعرف صدقه، ليس فيها شيء يكون للكاذب.

بل الكاذب لا يكون له من الأدلة إلا ما يستلزم كذبه فكل ما يدل على كذب الكاذب لا يدل على صدق الصادق، وبالعكس، فإن دليل الكذب مستلزم له، ودليل الصدق مستلزم له، وهما ضدان يمتنع أن يكون مدعي النبوة نبيا صادقا، ومتنبئا كاذبا، والضدان لا يجتمعان، فيمتنع أن يكون شيء واحد يدل على الضدين، وهذه القاعدة ينتفع بها في مواضع:

منها: أن كثيرا من الناس إذا رأوا الكاذب، وسمعوا كلامه، تبين لهم كذبه تارة بعلم ضروري، وتارة بعلم استدلالي، وتارة بظن قوي، وكذلك النبي الصادق إذا رأوه وسمعوا كلامه فقد تبين لهم صدقه بعلم ضروري أو نظري، وقد يكون أولا بظن قوي ثم يقوى الظن حتى يصير يقينيا كما في العلوم بالأخبار المتواترة والتجارب، فإن خبر الأول يفيد نوعا من الظن، ثم يقوى بخبر الثاني والثالث حتى يصير يقينا.

وهذا الطريق سلكها طوائف من الناس، وممن نبه على ذلك القاضي عياض قال القاضي عياض: إذا تأمل المتأمل المنصف ما قدمنا من جميل أثره، وحميد سيره، وبراعة علمه، ورجاحة عقله، وحلمه، وجملة كماله، وجميع خصاله، وشاهد حاله، وصواب مقاله، لم يمتر في صحة نبوته، وصدق دعوته قال: " وقد كفى هذا غير واحد في إسلامه، والإيمان به. فروينا عن الترمذي، وابن قانع، وغيرهما بأسانيدهم أن عبد الله بن سلام قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة جئته لأنظر إليه، فلما استبنت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب. رواه غير واحد كعبد الوهاب الثقفي، ومحمد بن جعفر، وابن أبي عدي، ويحيى بن سعيد عن عوف بن أبي جميلة الأعرابي عن زرارة بن أوفى عن عبد الله بن سلام.

وعن أبي رمثة البلوي قال: أتيت النبي ﷺ ومعي لي ابن لي فأريته فلما رأيته قلت: هذا نبي الله.

وروى مسلم في صحيحه، وغيره عن ابن عباس أن ضمادا قدم مكة، وكان من أزد شنوءة، وكان يرقى من هذا الريح، فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمدا مجنون. فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي. قال: فلقيه فقال: يا محمد إني أرقي من هذه الريح، وإن الله يشفي على يدي من شاء الله، فهل لك؟ فقال رسول الله ﷺ: إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد. فقال: أعد علي كلماتك هؤلاء. فأعادهن رسول الله ﷺ ثلاث مرات. قال: فقال: لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت بمثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن قاموس البحر. هات يدك أبايعك على الإسلام. فبايعه فقال رسول الله ﷺ: وعلى قومك. قال: وعلى قومي..... الحديث.

وقال جامع بن شداد: كان منا رجل يقال له طارق فأخبر أنه رأى النبي ﷺ بالمدينة فقال: هل معكم شيء تبيعونه؟ قلنا: هذا البعير، قال: بكم؟ قلنا: بكذا وكذا وسقا من تمر. فأخذ بخطامه وسار إلى المدينة فقلنا: بعنا رجلا لا ندري من هو، ومعنا ظعينة فقالت: أنا ضامنة لثمن البعير، رأيت وجه رجل مثل القمر ليلة البدر، لا يخيس بكم. فأصبحنا فجاء رجل بتمر فقال: أنا رسول رسول الله إليكم يأمركم أن تأكلوا من هذا التمر وتكتالوا حتى تستوفوا، ففعلنا.

وفي خبر الجلندي ملك غسان لما بلغه رسول رسول الله ﷺ يدعوه إلى الإسلام فقال الجلندي: والله لقد دلني على هذا النبي الأمي أنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به، ولا ينهى عن شر إلا كان أول تارك له، وأنه يغلب فلا يبطر، ويغلب فلا يضجر، ويفي بالعهد، وينجز بالموعود، وأشهد أنه نبي.

وقال نفطويه في قوله تعالى: يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار؛ هو مثل ضربه الله لنبيه، يقول: يكاد منظره يدل على نبوته، وإن لم يتل قرآنا، كما قال ابن رواحة:

لو لم يكن فيه آيات مبينة

كانت بديهته تنبيك بالخبر

قلت: وإيمان خديجة، وأبو بكر، وغيرهما من السابقين الأولين كان قبل انشقاق القمر، وقبل إخباره بالغيوب، وقبل تحديه بالقرآن، لكن كان بعد سماعهم القرآن الذي هو نفسه آية مستلزمة لصدقه، ونفس كلامه وإخباره بأني رسول الله مع ما يعرف من أحواله مستلزم لصدقه إلى غير ذلك من آيات الصدق، وبراهينه.

بل خديجة قالت له: كلا، والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق؛ فكانت عارفة بأحواله التي تستلزم نفي كذبه وفجوره وتلاعب الشيطان به.

وأبو بكر كان من أعقل الناس وأخيرهم، وكان معظما في قريش لعلمه وإحسانه وعقله، فلما تبين له حاله علم علما ضروريا أنه نبي صادق، وكان أكمل أهل الأرض يقينا وعلما، وحالا.

وكذلك هرقل ملك النصارى لما أرسل إليه النبي ﷺ يدعوه إلى الإسلام سأل عن عشرة خصال كما في الصحيحين عن ابن عباس قال: حدثني أبو سفيان بن حرب من فيه إلى في، قال: انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فبينا أنا بالشام إذ جيء بكتاب من رسول الله ﷺ إلى هرقل قال: وكان دحية الكلبي جاء به فدفعه إلى عظيم بصرى فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل

فقال هرقل: هل هنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قالوا: نعم

قال: فدعيت في نفر من قريش فدخلنا على هرقل فأجلسنا بين يديه

فقال: أيكم أقرب نسبا من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟

قال أبو سفيان: فقلت: أنا. فأجلسوني بين يديه، وأجلسوا أصحابي خلفي فدعا بترجمانه فقال:

قل لهم: إني سائل هذا عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، فإن كذبني فكذبوه.

قال: فقال أبو سفيان: وأيم الله لولا مخافة أن يؤثر علي الكذب لكذبت عليه.

ثم قال لترجمانه: سله كيف حسبه فيكم؟

قال: قلت: هو فينا ذو حسب.

قال: فهل كان من آبائه ملك؟

قلت: لا.

قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟

قلت: لا.

قال: ومن اتبعه؟ أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟

قلت: بل ضعفاؤهم.

قال: أيزيدون أم ينقصون؟

قلت: لا بل يزيدون

قال: فهل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه، سخطة له؟

قال: قلت: لا

قال: فهل قاتلتموه؟

قلت: نعم

قال: فكيف كان قتالكم إياه؟

قال: قلت: يكون الحرب بيننا وبينه سجالا، يصيب منا، ونصيب منه.

قال: فهل يغدر؟

قلت: لا، ونحن منه على مدة ما ندري ما هو صانع فيها. قال: فوالله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه

قال: فهل قال هذا القول أحد قبله؟

قال: قلت: لا

قال لترجمانه: قل له: إني سألتك عن حسبه، فزعمت أنه فيكم ذو حسب، وكذا الرسل تبعث في أحساب قومها، وسألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فزعمت أن لا، فقلت: لو كان من آبائه ملك قلت: رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك عن أتباعه: أضعفاؤهم أم أشرافهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم، وهم أتباع الرسل، وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت أن لا، فقد عرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب ويكذب على الله، وسألتك: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ فزعمت أن لا، فكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب، وسألتك: هل يزيدون أم ينقصون؟ فزعمت أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم، وسألتك: هل قاتلتموه؟ فزعمت أنكم قاتلتموه فيكون الحرب بينكم وبينه سجالا، ينال منكم وتنالون منه، وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة، وسألتك: هل يغدر؟ فزعمت أنه لا يغدر، وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك: هل قال هذا القول أحد قبله؟ فزعمت أن لا، فقلت: لو قال هذا القول أحد قبله قلت: رجل ائتم بقول قيل قبله.

ثم قال: بم يأمركم؟

قلت: يأمرنا بالصلاة، والزكاة، والصلة، والعفاف.

قال: إن يكن ما تقول فيه حقا إنه نبي، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظنه منكم، ولو أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، وليبلغن ملكه ما تحت قدمي. ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ فقرأه فإذا فيه:

" بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، و { قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون }

وفي رواية: فماذا يأمركم به؟ قال: يأمرنا أن نعبد الله وحده، ولا نشرك به شيئا، وينهانا عما كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة، والصدقة، والعفاف، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وقال: فهذه صفة نبي.

وما استدل به ملك النصارى هرقل من العلم بصفاته هو استدلال على عينه فإن الناس في النبوة على درجات: منهم من يحتاج إلى أن يعلم جنس النبوة فيصدق بجنس الرسل من البشر لا يكذب بالجنس كما كذب بذلك من كذب من قوم نوح، وعاد، وثمود، وغيرهم، ولهذا يقول تعالى:

كذبت قوم نوح المرسلين

كذبت عاد المرسلين

كذبت ثمود المرسلين

لأن تكذيبهم لم يكن لشخص واحد بل كانوا مكذبين لجنس الرسل، وهؤلاء يخاطبهم الله في السور المكية، كقوله تعالى: وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس

فاحتج بإنزال كتاب موسى لما تواتر في خبره من الآيات الباهرات الدالة على صدقه، والإنجيل تبع للتوراة.

ثم قال: وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه؛

لما قام من الآيات الدالة على نزوله، ولهذا يذكر سبحانه في السور المكية من تثبيت أمر الرسل، وآياتهم، وبراهينهم، وحسن عاقبتهم، ومن ضلال مخالفيهم، وجهلهم، وغيهم، وخذلانهم، وسوء عاقبتهم ما فيه عبرة.

ومن الناس من يقر بالرسل في الجملة لكن لا يؤمن بما يجب من حقيقة إرسالهم كالملاحدة وأهل البدع الذين يعظمون الأنبياء مع اعتقادهم في الباطن ما يناقض بعض ما جاءوا به لشبهات انعقدت في قلوبهم ظنوها علوما عقلية، وهي مناقضة لما أخبرت به الرسل فيحتاجون إلى أن يوفقوا بينهما. وهؤلاء يشبهون الذين قال الله فيهم:

ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا * وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا * فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا * أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا

وقد أخبر الله أنه جعل للأنبياء من يعاديهم من الإنس والجن فقال تعالى:

وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون * ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون * أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين * وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم وقال تعالى: وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا

وهؤلاء الذين عندهم ما يناقض بعض ما أخبرت به الرسل هم ثلاثة أصناف:

أهل التخييل من الملاحدة المتفلسفة والباطنية الذين يقولون: إن الرسل أخبروا من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر بما يخالف الحق في نفس الأمر ليخيلوا إلى الجمهور ما ينتفعون به، ويعدون هذا من فضائل الرسل، وقد بسط الرد على هؤلاء في غير موضع.

وأهل التحريف والتأويل: الذين يؤولون كلامهم على ما يخالف مرادهم، ويزعمون أنهم أرادوا ذلك المعنى مع أنه ليس في كلامهم ما يدل على إرادة ذلك المعنى، بل كلامهم يدل على إرادة خلافه.

وأهل التجهيل: الذين يقولون ذلك الكلام ليس له معنى يعلمه الرسول، ولا غيره، وإنما يعلمه الله وحده، وهذان القولان يقول بكل منها طوائف معظمين للرسل، وقد تبين فسادهما في غير هذا الموضع.

وأما من قال: إن الرسل وغيرهم يعلمون المعنى الذي بينه الله لهم بكلامه، ولكن استأثر الله بعلم أمر آخر لا يعلمونه كما استأثر بعلم غيب الساعة، فهذا قول السلف والأئمة، وبسط هذا له موضع آخر.

والمقصود هنا أن الكلام في النبوات تارة في جنسها، وتارة في شخص النبي المعين، وهرقل ملك الروم لم يكن محتاجا إلى الإيمان بجنس النبوات فإنه كان من أهل الكتاب، وأهل الكتاب يقرون بجنس النبوة فإنهم يقرون نبوة نوح، والخليل، وموسى، وأنبياء بني إسرائيل، والنصارى تقر مع ذلك بالمسيح والإنجيل.

والذين يحتاجون إلى معرفة النبي المعين نوعان:

نوع عرفوا أنه يبعث نبي، وقد يعرفون بعض نعوته فيحتاجون أن يعرفوا عينه، وهرقل وأمثاله من أهل الكتاب كانوا من هذا النوع، وكانوا يعلمون أن نبيا سيبعث، وإنما كانت حاجتهم أن يعرفوا هل هو هذا النبي المذكور أم غيره، فيكون ما يحتاجون إليه من دلائل صدقه أيسر ما يحتاج إليه من لا يؤمن بالرسل أو لا يعرف أن نبيا سيبعث، ومن كان يعلم جنس الرسل، ولا يدري هل يبعث نبي أم لا يحتاج إلى تعلم أن هذا المعين هل هو من جنس الأنبياء الصادقين أو من جنس المتنبئين الكاذبين، وهذا يعرف بما يخصه من آيات صدقه، وباعتبار ما جاء به الأنبياء قبله، فإن أصول ذلك مما لا يمكن اختلاف الأنبياء فيه، وهي الأمور التي لا تقبل النسخ كالإخبار عن الله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، فهذا مما لا يمكن اختلاف الأنبياء فيه، إذ كان كل ما يخبر به النبي فهو صدق، والأخبار الصادقة لا تتناقض ولا تقبل النسخ، ولكن قد يكون بعض الأنبياء أعلم ببعض ذلك من بعض، وفي كلام بعضهم من الأخبار ببعض ذلك ما ليس في كلام بعض.

وما أخبر به محمد ﷺ هو أكمل وأكثر مما أخبر به موسى، والمسيح صلوات الله وسلامه عليهم.

وقد يظن بعض الغالطين تناقض بعض أخبار الأنبياء كما يظن بعض الغالطين معارضة العقل لما أخبروا به، وهذا ممتنع، بل لا بد أن يكون المعارض العقلي خطأ، ليس بمعقول صحيح، أو السمعي لم يثبت عنهم لفظه أو دلالته، وكذلك الأخبار لا بد أن يكون أحد الخبرين كذبا أو غير دال على مناقضة الخبر الآخر، وأما الأصول الجامعة كالأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، وبر الوالدين، والصدق، والعدل، وتحريم الأجناس الأربعة، وهي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق، والإشراك بالله وأن يقال عليه غير الحق، وذلك مثل ما ذكره في سورة الأنعام والأعراف وبني إسرائيل.

وقد تنازع الناس في مثل هذا: هل يمكن نسخه وتنوع الشرائع به؟ على قولين: فمن جوز أن يأمر الله بكل شيء وينهى عن كل شيء رد ذلك إلى محض المشيئة لا إلى صفات تقتضي الأمر بهذا دون هذا، فإنهم جوزوا دخول النسخ في هذا، وتنوع الشرائع فيه، كما يقوله جهم بن صفوان، والأشعري، ومن وافقه من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، وإن كانوا يقولون إنه لم يقع فيه نسخ.

وأما جمهور الناس من السلف والخلف فإنهم لا يجوزون دخول النسخ في هذا، ولا تنوع الشرائع فيه، ولهذا كان دين الأنبياء واحدا، كما قال تعالى: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم * وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون

وقال تعالى: شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه

وقال تعالى: فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون

وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد.

وهذا مبسوط في موضع آخر.

هامش

  1. وفسرت بالدعوة إلى المباهلة.
  2. قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره.
  3. الملوك الثاني 2: 8-11
  4. روى الحديث الترمذي في كتاب الدعوات وقال "هذا حديث حسن صحيح غريب"، أما الرواية وقول عثمان فأخرجها البيهقي في الدلائل.
  5. سبقه 1- آيات العالم العلوي، 2- آيات الجو، 3- تصرفه في الحيوان.
  6. متى 12: 39
  7. الخروج 4: 21