الرئيسيةبحث

إحياء علوم الدين/كتاب آداب الكسب والمعاش/الباب الثالث



الباب الثالث
في بيان العدل واجتناب الظلم في المعاملة


اعلم أن المعاملة قد تجري على وجه يحكم المفتي بصحتها وانعقادها ولكنها تشتمل على ظلم يتعرض به المعامل لسخط الله تعالى، إذ ليس كل نهي يقتضي فساد العقد، وهذا الظلم يعني به ما استضر به الغير، وهو منقسم إلى ما يعم ضرره وإلى ما يخص المعامل.

القسم الأول

فيما يعم ضرره وهو أنواع

النوع الأول:

الاحتكار فبائع الطعام يدخر الطعام ينتظر به غلاء الأسعار، وهو ظلم عام، وصاحبه مذموم في الشرع. قال رسول الله ﷺ "من احتكر الطعام أربعين يوماً ثم تصدق به صدقته كفارة لاحتكاره" وروى ابن عمر عنه ﷺ أنه قال "من احتكر الطعام أربعين يوماً فقد برىء من الله وبرىء الله منه" وقيل: فكأنما قتل الناس جميعاً، وعن علي رضي الله عنه: من احتكر الطعام أربعين يوماً قسا قلبه. وعنه أيضاً أنه أحرق طعام محتكر بالنار. وروي في فضل ترك الاحتكار عنه ﷺ "من جلب طعاماً فباعه بسعر يومه فكأنه تصدق به" وفي لفظ آخر "فكأنما أعتق رقبة" وقيل في قوله تعالى "ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم" إن الاحتكار من الظلم وداخل تحته في الوعيد. وعن السلف أنه كان بواسطة فجهز سفينة حنطة إلى بصرى وكتب إلى وكيله: بع هذا الطعام يوم يدخل البصرى ولا تؤخره إلى غد؛ فوافق سعة في السعر فقال له التاجر: لو أخرته جمعة ربحت فيه أضعافه، فأخره جمعة فربح فيه أمثاله، وكتب إلى صاحبه بذلك؛ فكتب إليه صاحب الطعام: يا هذا، إنا كنا قنعنا بربح يسير مع سلامة ديننا، وإنك قد خالفت وما نحب أن نربح أضعافه بذهاب شيء من الدين فقد جنيت علينا جناية؛ فإذا أتاك كتابي هذا فخذ المال كله فتصدق به على فقراء البصرة، وليتني أنجو من إثم الاحتكار كفافاً لا علي ولا لي. واعلم أن النهي مطلق ويتعلق النظر به في الوقت والجنس، أما الجنس فيطرد النهي في أجناس الأقوات، أما ما ليس بقوت ولا هو معين على القوت كاللحم والفواكه وما يسد مسداً يغني عن القوت في بعض الأحوال وإن كان لا يمكن المداومة عليه، فهذا في محل النظر؛ فمن العلماء من طرد التحريم في السمن والعسل والشيرج والجبن والزيت وما يجري مجراه؛ وأما الوقت فيحتمل أيضاً طرد النهي في جميع الأوقات، وعليه تدل الحكاية التي ذكرنا في الطعام الذي صادف بالبصرة سعة في السعر، ويحتمل أن يخصص بوقت قلة الأطعمة وجاحة الناس إليه حتى يكون في تأخير بيعه ضر ما؛ فأما إذا اتسعت الأطعمة وكثرت واستغنى الناس عنها ولم يرغبوا فيها إلا بقيمة قليلة فانتظر صاحب الطعام ذلك ولم ينتظر قحطاً؛ فليس في هذا إضرار. وإذا كان الزمان زمان قحط كان في ادخار العسل والسمن والشيرج وأمثالها إضرار؛ فينبغي أن يقضى بتحريمه ويعول في نفي التحريم وإثباته على الضرار فإنه مفهوم قطعاً من تخصيص الطعام، وإذا لم يكن ضرار فلا يخلوا احتكار الأقوات عن كراهية، فإنه ينتظر مبادىء الضرار وهو ارتفاع الأسعار، وانتظار مبادىء الضرار محذور كانتظار عين الضرار ولكنه دونه، وانتظار عين الضرار فبقدر درجات الإضرار تتفاوت درجات الكراهية والتحريم. وبالجملة التجارة في الأقوات مما لا يستحب لأنه طلب ربح، والأقوات أصول خلقت قواماً، والربح من المزايا، فينبغي أن يطلب الربح فيما خلق من جملة المزايا التي لا ضرورة للخلق إليها ولذلك أوصى بعض التابعين رجلاً وقال: لا تسلم ولدك في بيعتين ولا في صنعتين: بيع الطعام، وبيع الأكفان فإنه يتمنى الغلاء وموت الناس. والصنعتان. أن يكون جزاراً فإنها صنعة تقسي القلب، أو صواغاً فإنه يزخرف الدنيا بالذهب والفضة.

النوع الثاني:

ترويج الزيف من الدراهم في أثناء النقد فهو ظلم، إذ يستضر به المعامل إن لم يعرف، وإن عرف فسيروجه على غيره، فكذلك الثالث والرابع، ولا يزال يتردد في الأيدي ويعمم الضرر ويتسع الفساد ويكون وزر الكل ووباله راجعاً عليه، فإنه هو الذي فتح هذا الباب، قال رسول الله ﷺ "من سن سنة سيئةً فعمل بها من بعده كان عليه وزرها ومثل وزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيئاً" وقال بعضهم: إنفاق درهم زيف أشد من سرقة مائة درهم، لأن السرقة معصية واحدة وقد تمت وانقطعت، وإنفاق الزيف بدعة أظهرها في الدين وسنة سيئة يعمل بها من بعده فيكون عليه وزرها بعد موته إلى مائة سنة، أو مائتي سنة. . إلى أن يفنى ذلك الدرهم، ويكون عليه ما فسد من أموال الناس بسنته، وطوبى لمن إذا مات ماتت معه ذنوبه، والويل الطويل لمن يموت وتبقى ذنوبه مائة ومائتي سنة أو أكثر يعذب بها في قبره ويسئل عنها إلى آخر انقراضها، وقال تعالى "ونكتب ما قدموا وآثارهم" أي نكتب أيضاً ما أخروه من آثار أعمالهم كما نكتب ما قدموه، وفي مثله قوله تعالى "ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر" وإنما أخر آثار أعماله من سنة سيئة عمل بها غيره. وليعلم أن في الزيف خمسة أمور:

الأول: أنه إذا رد عليه شيء منه فينبغي أن يطرحه في بئر بحيث لا تمتد إليه اليد، وإياه أن يروجه في بيع آخر. وإن أفسده بحث لا يمكن التعامل به جاز.

الثاني: أنه يجب على التاجر تعلم النقد لا ليستقصي لنفسه ولكن لئلا يسلم إلى مسلم زيفاً وهو لا يدري فيكون آثماً بتقصيره في تعلم ذلك العلم. فكل علم عمل به يتم نصح المسلمين. فيجب تحصيله ولمثل هذا كان السلف يتعلمون علامات النقد نظراً لدينهم لا لدنياهم.

الثالث: أنه إن سلم وعرف المعامل أنه زيف لم يخرج عن الإثم. لأنه ليس يأخذه إلا ليروجه على غيره ولا يخبره، ولو لم يعزم على ذلك لكان لا يرغب في أخذه أصلاً. فإنما يتخلص من إثم الضرر الذي يخص معامله فقط.

الرابع: أن يأخذ الزيف ليعمل بقوله ﷺ "رحم الله امرأً سهل البيع سهل الشراء سهل القضاء سهل الاقتضاء" فهو داخل في بركة هذا الدعاء إن عزم على طرحه في بئر. وإن كان عازماً على أن يروجه في معاملة فهذا شر روجه الشيطان عليه في معرض الخير فلا يدخل تحت من تساهل في الاقتضاء.

الخامس: أن الزيف نعني به مالا نقره فيه أصلاً بل هو مموه. أو مالا ذهب فيه أعني في الدنانير. أما ما فيه نقرة فإن كان مخلوطاً بالنحاس وهو نقد البلد فقد اختلف العلماء في المعاملة عليه، وجل رأينا الرخصة فيه إذا كان ذلك نقد البلد، سواء علم مقدار النقرة أو لم يعلم. وإن لم يكن هو نقد البلد لم يجز إلا إذا علم قدر النقرة، فإن كان في ماله قطعة نقرتها ناقصة عن نقد البلد فعليه أن يخبر به معامله، وأن لا يعامل به إلا من لا يستحل الترويج في جملة النقد بطريق التلبيس، فأما من يستحل ذلك فتسليمه إليه تسليط له على الفساد، فهو كبيع العنب ممن يعلم أنه يتخذه خمراً، وذلك محظور وإعانة على الشر ومشاركة فيه، وسلوك طريق الحق بمثال هذا في التجارة أشد من المواظبة على نوافل العبادات والتخلي لها، ولذلك قال بعضهم: التاجر الصدوق أفضل عند الله من المتعبد، وقد كان السلف يحتاطون في مثل ذلك حتى روي عن بعض الغزاة في سبيل الله أنه قال: حملت على فرسي لأقتل علجاً، فقصر بي فرسي فرجعت ثم دنا مني العلج فحملت ثانية فقصر فرسي فرجعت، ثم حملت الثالثة فنفر مني فرسي وكنت لا أعتاد ذلك منه، فرجعت حزيناً وجلست منكس الرأس منكسر القلب لما فاتني من العلج وما ظهر لي من خلق الفرس، فوضعت رأسي على عمود الفسطاط وفرسي قائم فرأيت في النوم كأن الفرس يخاطبني ويقول لي: بالله عليك أردت أن تأخذ على العلج ثلاث مرات وأنت بالأمس اشتريت لي علفاً ودفعت في ثمنه درهماً زائفاً لا يكون هذا أبداً. قال: فانتبهت فزعاً فذهبت إلى العلاف وأبدلت ذلك الدرهم، فهذا مثال ما يعم ضرره وليقس عليه أمثاله.

القسم الثاني

ما يخص ضرره المعامل

فكل ما يستضر به المعامل فهو ظلم، وإنما العدل لا يضر بأخيه المسلم، والضابط الكلي فيه: أن لا يحب لأخيه إلا ما يحب لنفسه؛ فكل ما لو عومل به شق عليه وثقل على قلبه فينبغي أن لا يعامل غيره به؛ بل ينبغي أن يستوي عنده درهمه ودرهم غيره. قال بعضهم: من باع أخاه بدرهم وليس يصلح له لو اشتراه لنفسه إلا بخمسة دوانق فإنه قد ترك النصح المأمور به في المعاملة ولم يحب لأخيه ما يحب لنفسه، هذه جملته.

فأما تفصيله ففي أربعة أمور. أن لا يثني على السلعة بما ليس فيها، وأن لا يكتم من عيوبها وخفايا صفاتها شيئاً أصلاً، وأن لا يكتم في وزنها ومقدارها شيئاً، وأن لا يكتم من سعرها ما لو عرفه المعامل لامتنع عنه:

أما الأول، فهو ترك الثناء؛ فإن وصفه للسلعة إن كان بما ليس فيها فهو كذب، فإن قبل المشتري ذلك فهو تلبيس وظلم مع كونه كذباً، وإن لم يقبل فهو كذب وإسقاط مروءة، إذ الكذب الذي لا يروج قد لا يقدح في ظاهر المروءة، وإن أثنى على السلعة بما فيها فهو هذيان وتكام بكلام لا يعنيه. وهو محاسب على كل كلمة تصدر منه أنه لم تكلم بها. قال الله تعالى "ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد" إلا أن يثني على السلعة بما فيها مما لا يعرفه المشتري ما لم يذكره، كما يصفه من حفى أخلاق العبيد والجواري والدواب؛ فلا بأس بذكر القدر الموجود منه من غير مبالغة وإطناب، وليكن قصده منه أن يعرفه أخوه المسلم فيرغب فيه وتنقضي بسببه حاجته، ولا ينبغي أن يحلف عليه البتة؛ فإنه إن كان كاذباً فقد جاء باليمين الغموس وهي من الكبائر التي تذر الديار بلاقع، وإن كان صادقاً فقد جعل الله تعالى عرضة لأيمانه، وقد أساء فيه، إذ الدنيا أخس من أن يقصد ترويجها بذكر اسم الله من غير ضرورة، وفي الخبر "ويل للتاجر من بلى والله ولا والله، وويل للصانع من غد وبعد" وفي الخبر "اليمين الكاذبة منفقة للسلعة ممحقة للبركة" وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة. عتل مستكبر، ومنان بعطيته، ومنفق سلعته بيمينه" فإذا كان الثناء على السلعة مع الصدق مكروهاً من حيث إنه فضول لا يزيد في الرزق فلا يخفى التغليظ في أمر اليمين، وقد روي عن يونس بن عبيد وكان خزازاً: أنه طلب منه خز للشراء، فأخرج غلامه سقط الخز ونشره ونظر إليه وقال: اللهم ارزقنا الجنة، فقال لغلامه: رده إلى موضعه ولم يبعه، وخاف أن يكون ذلك تعريضاً بالثناء على السلعة، فمثل هؤلاء الذين اتجروا في الدنيا ولم يضيعوا دينهم في تجاراتهم، بل علموا أن ربح الآخرة أولى بالطلب من ربح الدنيا.

الثاني: أن يظهر جميع عيوب المبيع خفيها وجليها ولا يكتم منها شيئاً، فذلك واجب، فإن أخفاه كان ظالماً غاشاً والغش حرام، وكان تاركاً للنصح في المعاملة والنصح واجب، ومهما أظهر أحسن وجهي الثوب وأخفى الثاني كان غاشاً، وكذلك إذا عرض الثياب في المواضع المظلمة، وكذلك إذا أعرض عرض أحسن فردي الخف أو النعل وأمثاله ويدل على تحريم الغش ما روي: أنه مر عليه الصلاة والسلام برجل يبيع طعاماً فأعجبه، فأدخل يده فيه فرأى بللاً، فقال: "ما هذا? "قال: أصابته السماء، فقال: "فهلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس، من غشنا فليس منا" ويدل على وجوب النصح بإظهار العيوب ما روي أن النبي ﷺ لما بايع جريراً على الإسلام ذهب لينصرف فجذب ثوبه واشترط عليه النصح لكل مسلم، فكان جرير إذا قام إلى السلعة يبيعها بصر عيوبها ثم خيره وقال: إن شئت فخذ وإن شئت فاترك، فقيل له: إنك إذا فعلت مثل هذا لم ينفذ لك بيع، فقال إنا بايعنا رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم. وكان واثلة بن الأسقع واقفاً فباع رجل ناقةً له بثلثمائة درهم، فغفل واثلة وقد ذهب الرجل بالناقة، فسعى وراءه وجعل يصيح به: يا هذا، اشتريتها للحم أو للظهر? فقال: بل للظهر، فقال: إن بخفها نقباً قد رأيته، وإنها لا تتابع السير، فعاد فردها فنقضها البائع مائة درهم وقال لواثلة: رحمك الله أفسدت علي بيعي، فقال: إنا بايعنا رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل لأحد يبيع بيعاً إلا أن يبين آفته، ولا يحل لمن يعلم ذلك إلا تبيينه" فقد فهموا من النصح أن لا يرضى لأخيه إلا ما يرضاه لنفسه، ولم يعتقدوا أن ذلك من الفضائل وزيادة المقامات، بل اعتقدوا أنه من شروط الإسلام الداخلة تحت بيعتهم، وهذا أمر يشق على أكثر الخلق، فلذلك يختارون التخلي للعبادة والاعتزال عن الناس، لأن القيام بحقوق الله مع المخالطة والمعاملة مجاهدة لا يقوم بها إلا الصديقون، ولن يتيسر ذلك على العبد إلا بأن يعتقد أمرين"أحدهما"أن تلبيسه العيوب وترويجه السلع لا يزيد في رزقه بل يمحقه ويذهب ببركته وما يجمعه من مفرقات التلبيسات يهلكه الله دفعة واحدة فقد حكى أن واحداً كان له بقرة يحلبها ويخلط بلبنها الماء ويبيعه فجاء سيل فغرق البقرة فقال بعض أولاده:إن تلك المياه المتفرقة التي صببناها في اللبن اجتمعت دفعة واحدة وأخذت البقرة. كيف وقد قال ﷺ: البيعان إذا صدقا ونصحا بورك لهما في بيعهما، وإذا كتما وكذبا نزعت بركة بيعهما" وفي الحديث: "يد الله على الشريكين ما لم يتخاونا، فإذا تخاونا رفع يده عنهما" فإذاً لا يزيد مال من خيانة، كما لا ينقص مال من صدقة، ومن لا يعرف الزيادة والنقصان إلا بالميزان لم يصدق بهذا الحديث. ومن عرف أن الدرهم الواحد قد يبارك فيه حتى يكون سبباً لسعادة الإنسان في الدنيا والدين، والآلاف المؤلفة قد ينزع الله البركة منها حتى تكون سبباً لهلاك مالكها بحيث يتمنى الإفلاس منها ويراه أصلح له في بعض الأحوال، فيعرف معنى قولنا: إن الخيانة لا تزيد في المال والصدقة لا تنقص منه.

والمعنى الثاني: الذي لا بد من اعتقاده ليتم له النصح ويتيسر عليه: أن يعلم أن ربح الآخرة وغناها خير من ربح الدنيا، وأن فوائد أموال الدنيا تنقضي بانقضاء العمر وتبقى مظالمها وأوزارها فكيف يستجير العاقل أن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، والخير كله في سلامة الدين، قال رسول الله ﷺ :"لا تزال لا إله إلا الله تدفع عن الخلق سخط الله ما لم يؤثروا صفقة دنياهم على آخرتهم" وفي لفظ آخر: "ما لم يبالوا ما نقص من دنياهم بسلامة دينهم، فإذا فعلوا ذلك وقالوا: لا إله إلا الله، قال الله تعالى: كذبتم لستم بها صادقين" وفي حديث آخر "من قال :لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنة" قيل: وما إخلاصه? قال: "أن يحرزه عما حرم الله" وقال أيضاً: "ما آمن بالقرآن من استحل محارمه"، ومن علم أن هذه الأمور قادحة في إيمانه، وإن إيمانه رأس ماله في الآخرة لم يضيع رأس ماله المعد لعمر لا آخر له بسبب ربح ينتفع به أياماً معدودة. وعن بعض التابعين أنه قال: لو دخلت الجامع وهو غاص بأهله وقيل لي: من خير هؤلاء? لقلت: من أنصحهم لهم? فإذا قيل: هذا،قلت: هو خيرهم. ولو قيل لي: من شرهم? قلت: من أغشهم لهم? فإذا قيل: هذا، قلت: هو شرهم. والغش حرام في البيوع والصنائع جميعاً، ولا ينبغي أن يتهاون الصانع بعمله على وجه لو عامله به غيره لما ارتضاه لنفسه، بل ينبغي أن يحسن الصنعة ويحكمها، ثم يبين عيبها إن كان فيها عيب، فبذلك يتخلص. وسأل رجل حذاء بن سالم فقال: كيف لي أن أسلم في بيع النعال? فقال : اجعل الوجهين سواء،ولا تفضل اليمنى على الأخرى وجود الحشو،وليكن شيئاً واحداً تاماً،وقارب بين الخرز،ولا تطبق إحدى النعلين على الأخرى ومن هذا الفن ما سئل عنه أحمد بن حنبل رحمه الله من الرفو بحيث لا يتبين،قال: لا يجوز لمن يبيعه أن يخفيه،وإنما يحل للرفا إذا علم أنه يظهره أو أنه لا يريده للبيع فإن قلت:فلا تتم المعاملة مهما وجب على الإنسان أن يذكر عيوب المبيع،فأقول:ليس كذلك،إذ شرط التاجر أن لا يشتري للبيع إلا الجيد الذي يرتضيه لنفسه لو أمسكه ثم يقنع في بيعه بربح يسير،فيبارك الله فيه،ولا يحتاج إلى تلبيس،وإنما تعذر هذا لأنهم لا يقنعون بالربح اليسير،وليس يسلم الكثير إلا بتلبيس،فمن تعود هذا لم يشتري المعيب،فإن وقع في يده معيب نادراً فليذكره وليقنع بقيمته . باع ابن سيرين شاة فقال للمشتري:أبرأ إليك من عيب فيها إنها تقلب العلف برجلها . وباع الحسن بن صالح جارية فقال للمشتري: إنها تنخمت عندنا دماً، فهكذا كانت سيرة أهل الدين،فمن لا يقدر عليه فليترك المعاملة أو ليوطن نفسه على عذاب الآخرة

الثالث:أن لا يكتم في المقدار شيئاً وذلك بتعديل الميزان والاحتياط فيه وفي الكيل، فينبغي أن يكيل كما يكتال قال الله تعالى: "ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون" ولا يخلص من هذا إلا بأن يرجح إذا أعطى، وينقص إذا أخذ، إذ العدل الحقيقي قلما يتصور، فليستظهر بظهور الزيادة والنقصان، فإن من استقصى حقه بكامله يوشك أن يتعداه وكان بعضهم يقول، لا أشتري الويل من الله بحبة فكان إذا أخذ نقص نصف حبة، وإذا أعطى زاد حبة، وكان يقول: ويل لمن باع بحبة جنة عرضها السموات والأرض، وما أخسر من باع طوبى بويل وإنما بالغوا في الاحتراز من هذا وشبهه لأنها مظالم لا يمكن التوبة منها، إذ لا يعرف أصحاب الحبات حتى يجمعهم ويؤدى حقوقهم، ولذلك لما اشترى رسول الله ﷺ شيئاً قال للوازن لما كان يزن ثمنه: "زن وأرجح"،ونظر فضيل إلى ابنه وهو يغسل ديناراً يزيد أن يصرفه ويزيل تكحيله وينقيه حتى لا يزيد وزنه بسبب ذلك فقال: يا بني فعلك هذا أفضل من حجتين وعشرين عمرة وقال بعض السلف: عجبت للتاجر والبائع كيف ينجو، يزن ويحلف بالنهار، وينام بالليل وقال سليمان عليه السلام لابنه: يا بني كما تدخل الحبة بين الحجرين، كذلك تدخل الخطيئة بين المتبايعين وصلى بعض الصالحين على مخنث، فقيل له: إنه كان فاسقاً، فسكت، فأعيد عليه فقال: كأنك قلت لي: كان صاحب ميزانين يعطي بأحدهما ويأخذ بالأخر، أشار به إلى أن فسقه مظلمة بينه وبين الله تعالى، وهذا من مظالم العباد، والمسامحة والعفو فيه أبعد، والتشديد في أمر الميزان عظيم، والخلاص منه يحصل بحبة ونصف حبة وفي قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه "لا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن باللسان ولا تخسروا الميزان "أي لسان الميزان، فإن النقصان والرجحان يظهر بميله، وبالجملة، كل من ينتصف لنفسه من غيره ولو في كلمة ولا ينصف بمثل ما ينصف، فهو داخل تحت قوله تعالى: "ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون" الآيات، فإن تحريم ذلك في المكيل ليس لكونه مكيلاً، بل لكونه أمراً مقصوداً ترك العدل والنصفة فيه، فهو جار في جميع الأعمال، فصاحب الميزان في خطر الويل، وكل مكلف فهو صاحب موازين في أفعاله وأقواله وخطراته، فالويل له إن عدل عن العدل ومال عن الاستقامة، ولولا تعذر هذا واستحالته لما ورد قوله تعالى: "وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً" فلا ينفك عبد ليس معصوماً عن الميل عن الاستقامة،إلا أن درجات الميل تتفاوت تفاوتاً عظيماً، فلذلك تتفاوت مدة مقامهم في النار إلى أوان الخلاص، حتى لا يبقى بعضهم إلا بقدر تحلة القسم، ويبقى بعضهم ألفاً وألوف سنين،فنسأل الله تعالى أن يقربنا من الاستقامة والعدل، فإن الاشتداد على متن الصراط المستقيم من غير ميل عنه، غير مطموع فيه، فإنه أدق من الشعرة وأحد من السيف، ولولاه لكان المستقيم عليه لا يقدر على جواز الصراط الممدود على متن النار الذي من صفته أنه أدق من الشعرة وأحد من السيف، وبقدر الاستقامة على هذا الصراط المستقيم يخف العبد يوم القيامة على الصراط، وكل من خلط بالطعام تراباً أو غيره ثم كاله فهو من المطففين في الكيل، وكل قصاب وزن مع اللحم عظماً لم تجر العادة بمثله، فهو من المطففين في الوزن، وقس على هذا سائر التقديرات، حتى في الذرع الذي يتعاطاه البزاز، فإنه إذا اشترى أرسل الثوب في وقت الذرع ولم يمده مداً، وإذا باعه مده في الذرع ليظهر تفاوتاً في القدر، فكل ذلك من التطفيف المعرض صاحبه للويل.

الرابع: أن يصدق في سعر الوقت ولا يخفي منه شيئاً، فقد نهى رسول الله ﷺ عن تلقي الركبان ونهى عن النجش، أما تلقي الركبان، فهو أن يستقبل الرفقة ويتلقى المتاع ويكذب في سعر البلد، فقد قال ﷺ: "لا تتلقوا الركبان" ومن تلقاها فصاحب السلعة بالخيار بعد أن يقدم السوق، وهذا الشراء منعقد، ولكنه إن ظهر كذبه ثبت للبائع الخيار، وإن كان صادقاً ففي الخيار خلاف لتعارض عموم الخبر مع زوال التلبيس، ونهى أيضاً أن يبيع حاضر لباد؛ وهو أن يقدم البدوي البلد ومعه قوت يريد أن يتسارع إلى بيعه، فيقول له الحضري اتركه عندي حتى أغالي في ثمنه وأنتظر ارتفاع سعره، وهذا في القوت محرم، وفي سائر السلع خلاف، والأظهر تحريمه لعموم النهي، ولأنه تأخير للتضيق على الناس على الجملة من غير فائدة للفضولي المضيق، ونهى رسول الله ﷺ عن النجش. وهو أن يتقدم إلى البائع بين يدي الراغب المشتري ويطلب السلعة بزيادة وهو لا يريدها، وإنما يريد تحريك رغبة المشتري فيها، فهذا إن لم تجر مواطأة مع البائع فهو فعل حرام من صاحبه والبيع منعقد، وإن جرى مواطأةً ففي ثبوت الخيار خلاف، والأولى إثبات الخيار لأنه تغرير بفعل يضاهي التغرير في المصراة وتلقي الركبان، فهذه المناهي تدل على أنه لا يجوز أن يلبس على البائع والمشتري في سعر الوقت ويكتم منه أمراً لو علمه لما أقدم على العقد، ففعل هذا من الغش الحرام المضاد للنصح الواجب، فقد حكي عن رجل من التابعين أنه كان بالبصرة وله غلام بالسوس يجهز إليه السكر، فكتب إليه غلامه: إن قصب السكر قد أصابته آفة في هذه السنة، فاشتر السكر، قال: فاشترى سكراً كثيراً، فلما جاء وقته ربح فيه ثلاثين ألفاً، فانصرف إلى منزله فأفكر ليلته وقال: ربحت ثلاثين ألفاً وخسرت نصح رجل من المسلمين، فلما أصبح غدا إلى بائع السكر فدفع إليه ثلاثين ألفاً وقال: بارك الله لك فيها، فقال: ومن أين صارت لي? فقال: إني كتمتك حقيقة الحال وكان السكر قد غلا في ذلك الوقت، فقال: رحمك الله قد أعلمتني الآن وقد طيبتها لك، قال: فرجع بها إلى منزله وتفكر وبات ساهراً وقال: ما نصحته، فلعله استحيا مني فتركها لي فبكر إليه من الغد وقال: عافاك الله، خذ مالك إليك فهو أطيب لقلبي، فاخذ منه ثلاثين ألفاً. فهذه الأخبار في المناهي والحكايات تدل على أنه ليس له أن يغتنم فرصةً وينتهز غفلة صاحب المتاع ويخفي من البائع غلاء السعر أو من المشتري تراجع الأسعار، فإن فعل ذلك كان ظالماً تاركاً للعدل والنصح للمسلمين، ومهما باع مرابحةً بأن يقول: بعت بما قام علي أو بما اشتريته، فعليه أن يصدق، ثم يجب عليه أن يخبر بما حدث بعد العقد من عيب أو نقصان، ولو اشترى إلى أجل وجب ذكره، ولو اشترى مسامحةً من صديقه أو ولده يجب ذكره. لأن المعامل يعول على عادته في الاستقصاء أنه لا يترك النظر لنفسه، فإذا تركه بسبب من الأسباب فيجب إخباره، إذ الاعتماد فيه على أمانته.