الرئيسيةبحث

الرسائل ( Epistles )


الرسائل فن أدبي قديم ازدهر وانتشر في القرنين الثالث والرابع الهجريين وهو فن نثري جميل يظهر مقدرة الكاتب وموهبته الكتابية وروعة أساليبه البيانية المنمقة القوية. لم تكن الكتابة شائعة بين العرب في الجاهلية، ولهذا السبب لم يكن للرسائل دور في حياتهم الأدبية في ذلك العصر. وإنما ازدهر عندهم الشعر والخطابة والأمثال. وعندما جاء الإسلام تغيرت الحال. فالرسول ﷺ وهو الأمي الذي لا يكتب، كان يشجع المسلمين على تعلم القراءة والكتابة، وقد اتخذ كتَّابًا يكتبون له القرآن الكريم، ويكتبون رسائله التي كان يبعث بها إلى رؤساء القبائل، وزُعَماء المناطق، وملوك الدول. لم يكن الشِّعر والخطابة قادرين على أداء الدور العملي الذي تؤديه الرسالة حين تنقل ما يتصل بسياسة الدولة من مراسيم سياسية أو توجيهات أو تعليمات إدارية. ومن هذا التاريخ نافس الكاتبُ الشاعرَ والخطيبَ.

شجع الخلفاء الراشدون على تعلم الكتابة واتخذوا لهم كتَّابًا. وعندما قامت الدولة الأموية وأراد معاوية بن أبي سفيان أن يطور شؤون الدولة الإسلامية ؛ أنشأ ـ ضمن ما أنشأ ـ ديوان الرسائل. وهذا الديوان يعنى بشؤون المكاتبات التي تصدر عن الخليفة إلى ولاته وأمرائه وقادة جنده وملوك الدول الأخرى. وقد كان الخليفة ـ في أول الأمر ـ هو الذي يُملي الرسائل على كاتبه، ثم بمرور الزمن أخذ الكاتب يستقل بكتابة الرسائل، ثم يعرضها على الخليفة. وكان أسلوب الرسائل آنذاك تغْلب عليه البساطة والوضوح، ويخلو من التأنق والتصنّع.

شهد فنَّ الكتابة نقلة كبيرة في عهد هشام بن عبد الملك عندما تولى مولاه سالم رئاسة ديوان الرسائل في عهده، ثم في عهد مروان بن محمد، آخر خلفاء بني أمية، الذي تولى أمر ديوانه عبد الحميد بن يحيى الكاتب. ★ تَصَفح: عبد الحميد الكاتب. فقد عُرِف عبد الحميد بالبراعة في فن الترسل حتى غدت مكاتباته مضرب المثل في الجودة والإتقان، حتى قيل: " بدئت الكتابة بعبد الحميد ". ومن رسائله المشهورة رسالته التي كتبها عن مروان إلى ابنه وولي عهده عبدالله حين وجهه إلى محاربة الضحاك بن قيس الشيباني الذي ثار في العراق، ورسالته التي وجهها إلى عمال مروان بن محمد بالأمصار يأمرهم بمحاربة لعبة الشطرنج، ورسالته التي وجهها إلى الكُتَّاب وأصبحت دستورًا لمهنة الكتابة.

وعندما قامت الدولة العباسية أخذ خلفاؤها يولون كتابة الرسائل عناية أكثر من سابقيهم، ولهذا السبب كثر الكُتَّاب، ونبغ كثير منهم في فن الترسل، وازداد التنافس بينهم. ولاغرابة في هذا، لأن العمل في ديوان الرسائل أصبح مصدر رزق لهم، وغدا التفوق في فن الترسل وسيلة للحصول على ولاية أحد الأقاليم، بل إنه غدا مؤهِّلاً للوصول إلى منصب الوزارة، ونستحضر في هذا المجال أسماء: يحيى بن خالد البرمكي، وابنه جعفر، ومحمد بن عبد الملك الزيات، وأحمد بن يوسف الكاتب، وابن العميد، والصاحب بن عباد، وعبد العزيز بن يوسف، وضياء الدين بن الأثير وغيرهم.

وقد بلغ فنُّ كتابة الرسائل أَوْجَهُ في القرنين الثالث والرابع الهجريين، بحيث يمكن لنا أن نصف هذين القرنين بأنهما يمثلان الفترة الذهبية لهذا الفن.

تسمى الرسائل التي تصدر عن ديوان الرسائل الرسائل الديوانية نسبة إليه. وموضوعات هذه الرسائل متنوعة، فهي تشمل: الرسائل التي تصدر مشتملة على تولية العهد، وتولية القضاة، والولاة، وما يتصل بأمور الرعية. كما أنها تشمل أيضا الرسائل التي تكتب عن الخليفة أو الملك أو الوزير إلى من هو مثله من أجل التهنئة أو البشارة أو المعاتبة أو التعزية وما أشبه ذلك.

وفي مقابل الرسائل الديوانية، يوجد نوع آخر من الرسائل يعرف بالرسائل الإخوانية، وهي التي يكتبها الناس بعضهم إلى بعض في موضوعات إخوانية، كالتهنئة، والتعزية والبشارة والعتاب، وغير ذلك من أمور الحياة.

وهناك رسائل أخرى ليست ديوانية ولا إخوانية وإنما هي رسائل وعْظية، ونعني بها تلك التي يكتبها بعض الأتقياء إلى الخلفاء والسلاطين والأمراء يحثونهم على الصلاح والتقوى والرأفة بالرعية، والاستعداد للموت، وما أشبه ذلك. وبالإضافة إلى هذه الأنواع هناك نوع آخر من الرسائل خُصص للحديث عن بعض الموضوعات الأدبية أو العلمية أو الدينية أو التاريخية، وهذا النوع من الرسائل يدخل في باب التأليف ولايدخل في باب الترسل، ومن أمثلته بعض رسائل أبي العلاء المعرِّي، مثل رسالة الغفران ورسالة الصاهل والشاحج ورسالة الملائكة. وقد عُرف هذا اللون بالرسائل الأدبية، وكان الجاحظ أمير بيانه غير منَازع. وتُعد رسالته التربيع والتدوير أشهر الرسائل الأدبية إذ فتحت الباب لمن جاء بعده من الكتاب للإبداع في هذا اللون من الترسل في المشرق والأندلس على السّواء.

المصدر: الموسوعة العربية العالمية