الرئيسيةبحث

جنون التوليب

يعود لفظ جنون أبصال التوليب إلى الكلمة الإنكليزية (tulip mania أو tulipomania) وهو اسم يشير إلى فقاعة اقتصادية كبيرة أتت تسميتها أصلاً من مرحلة في التاريخ الهولندي تزايد فيها الطلب على أبصال زهرة التوليب إلى حد فظيع. وقعت أحداث هذه الجائحة الاقتصادية في القرن السابع عشر، ما بين 1635 و عام 1637.

و قد كتب صحافي بريطاني كتاباً بعنوان "جنون القطيع، و أوهام العامة" عام 1843، بعد مرور قرنين على الحادثة. ليتناولها بالنقد و التحليل، لكنه تجنب الحديث عن الطاعون الذي أصاب البلاد في نفس المرحلة، و كذلك غض النظر أثناء تحاليله عن حرب الثلاثين عام، الأمر الذي جعل الكثير من الباحثين المعاصرين، يعطي للحادثة شأناً أقل مما توحي به بعض التحاليل.

الحادثة تاريخياً

تعاظمت شعبية التوليب في هولندا، بعد أن تعرفت عليه أوروبا عن طريق الإمبراطورية العثمانية في منتصف القرن 16، و انطلقت علية القوم في تنافس لامتلاك أكثر الأبصال ندرة، و تعاظمت المنافسة حتى وصلت الأسعار حدوداً عالية.

يعتقد أن زراعة التوليب بدأت في هولندة التي كانت تعرف آنذاك باسم (الأقاليم المتحدة) في عام 1593، عندما تمكن تشارلز دي لوكلوس من تحسن نوعية قادرة على تحمل صعوبة المناخ في المناطق المنخفضة اعتماداً على أبصال أرسلها إليه من تركيا أوجير دي بوسبيق. سرعان ما تحولت الزهرة إلى موضوع تفاخر و رمز للرفعة. أصناف محددة من النبتة حملت أسماءً خاصة مميزة اشتق بعضها من أدميرالات البحرية الهولندية. و قد ظهرت أكثرها روعة بما حملته من ألوان حية، و خطوط، بدت كألسنة اللهب، و ذلك بعد أن تعرضت بعض أنواعها لعدوى فيروس خاص بأبصال التوليب.

قيمته في أعين العامة

لو رغبت بشراء نوع محدد من أبصال التوليب في عام 1623 ، أو بالأحرى بصلة واحدة منها، فذلك سيكلفك نحو ألف فلورينة، و هي العملة المستخدمة آنذاك في المنطقة، و لتقدر ذلك يكفي أن تعرف أن متوسط الدخل السنوي للفرد آنذاك كان يعادل 150 فلورينة. لم يقتصر تداول التوليب على النقود، بل تمت مقايضتها بالأراضي و المواشي والبيوت. و يزعم بأن المتداول الجيد كان يحقق أرباحاً تصل إلى 60 ألف فلورينة في الشهر الواحد.

سجلت في العام 1635 صفقة تم من خلالها تداول 40 بصلة مقابل 100.000 فلورينة. و للمقارنة نذكر بأن طناً من الزبدة لا يكلف سوى 100 فلورينة، أما 240 فلورينة فيمكنها شراء ثمانية خنازير سمينة، و سجل رقم قياسي ببيع بصلة شهيرة باسم "سمبر أوغسطين" مقابل 6.000 فلورينة.

مع حلول عام 1636 دخلت الأبصال السوق المالي في كثير من بلدات هولندا ليتم تداولها هناك، مما شجع كافة فئات المجتمع على الدخول بأموالهم أو بممتلكاتهم للمضاربة عليها. و حقق بعض المضاربين أرباحاً ضخمة. و آخرون خسروا كل أو ما يزيد على ما كانوا يملكونه. لقد قام البعض ببيع أبصال التوليب التي زرعوها للتو، و باع آخرون أبصال التوليب التي ينوون زراعتها!! فيما يشبه تداول العقود الآجلة، و قد وصفت هذه الظاهرة بأنها (قبض ريح) أو "تداول الهواء".

في شباط/فبراير من عام 1637 لم يعد متداولو البصل يحصلون على عروض شراء أعلى مقابل البصل، و بدأوا البيع. لقد انفجرت الفقاعة. و أخذ الشك يراود الناس بأن الطلب على بصل التوليب سيختفي، و هذا ولد ذعراً عارماً. أصحاب العقود الآجلة باتوا يحملون عقوداً لا يساوي سعرها الحالي عشر ما نصت عليه العقود، و كثيرون آخرون ما لبثوا أن وجدوا أنفسهم يحملون أبصالاً لا تساوي قيمتها جزءاً صغيراً من السعر الذي دفعوه للحصول عليها. و حسب ما زعم، فإن آلاف الهولنديين، بمن فيهم رجال الأعمال و أصحاب المناصب، انهاروا مالياً.

بذلت محاولات لتصحيح الوضع بما فيه مصلحة كل الأطراف لكنها باءت بالفشل. بعض الأفراد تورطوا بالأبصال بعد أن حصل الانهيار، و ما من محكمة ستجبر أحداً على تسديد قيمة العقود الآجلة، فالقضاة اعتبروها عقود مقامرة، لا تحظى بحماية القانون.

نسخ مشابه من جنون التوليب اجتاحت باقي مناطق أوروبا، لكنها لم تبلغ ما بلغته الأمور في هولندا. ففي إنكلترة عام 1800 كان من الشائع أن يشتري المرء بصلة توليب واحدة بمبلغ يكفي عاملاً وعائلته حاجتهم من الطعام و الشراب و الملبس طوال 6 أشهر.