الرئيسيةبحث

ابن عبد الحكم

عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم ، أبو القاسم ، مؤرخ من أهل العلم بالحديث. مصري المولد والوفاة (187- 257هـ )وكان والده يشغل إذ ذاك منصب صاحب المسائل, وهي وظيفة لا ينالها إلا العلماء الأمناء. وأسرة ابن عبد الحكم إحدى الأسر العربية التي جاءت إلى مصر في القرن الأول الهجري ، ونزلت في بلدة الحقل بالقرب من العقبة. وفي القرن الثاني الهجري انتقل أفراد الأسرة إلى الفسطاط التي أصبحت بعد الفتح الإسلامي عاصمة البلاد وقلبها النابض ، وقد أسهم أبناء هذه الأسرة في خدمة وطنهم حيث اشتغلوا بالدراسات الدينية, كما تولوا المناصب الكبرى في البلاد وقاموا بدور هام في توجيه أحداثها السياسية كذلك. وكان المجد العلمي والسياسي قد تجمع لأفراد هذه الأسرة, وبذلك أتيح لعبد الرحمن فرصة نادرة درس فيها عن كثب أحوال وطنه وجيرانه في الميدان الفكري والمجال السياسي.

فهرس

سيرته

لما بلغ عبد الرحمن الثانية عشرة من عمره حضر وصول الإمام الشافعي إلى مصر سنة 199هـ ، ونزل ضيفا على والده. وكان أن فتحت هذه المناسبة الأبواب أمام عبد الرحمن لينتفع من الحركة الفكرية والدينية التي أحدثها الإمام في ربوع مصر. ولم تلبث الأحداث أن فتحت أمام الصبي سبلا أخرى نحو المعرفة, وذلك حين تولى والده عبد الله رئاسة جماعة المالكية ، إذ جاء علماء الأندلس يدرسون على يديه مذهب مالك والتقوا بالتالي في منزل عبد الله أستاذهم بابنه عبد الرحمن ، فتزود منهم بالأخبار وسمع منهم أحوال أوطانهم. وقد وجد عبد الرحمن في إخوته الكبار ، وكانوا ثلاثة من أفضل علماء مصر وفقهائها ، شيوخا وأساتذة أيضا ، ونال على أيديهم قدرا عظيما من الثقافة والدربة. ولما كان عبد الرحمن قد أفاد من نشاط أسرته العلمي ومكانته الدينية والسياسية ، فقد ناله ما نالها من أذى ، فقد حدث ، وكان في السابعة والعشرين من عمره ، أن اعترض جماعة من العلماء من أهل مصر على تعيين الخليفة المأمون لأخيه المعتصم حاكما على مصر وكتبوا إليه بذلك. ولما دخل المعتصم مصر, أُلقي القبض على نفر من كبار أهل مصر وكان بينهم عبد الله بن عبد الحكم ، فسيق عبد الله إلى السجن وبقي فيه إلى حين وفاته سنة 214هـ وقد أثارت هذه الفاجعة في نفس عبد الرحمن أثرا شديدا وجعلته يكره الاشتغال بالسياسة ، ويعكف إلى مجال التاريخ.

معاناته

وتتالت المآسي على ابن عبد الحكم فلم يكد يمضي ثلاثة عشر عاما على وفاة أبيه ، حتى حل بإخوته نكبة فضيعة بسبب أزمة خلق القرآن التي أثارها المعتزلة أيام الخليفة المأمون العباسي. واشتدت هذه الأزمة في مصر حين ولي المعتصم بعد المأمون فبعث الخليفة الجديد إلى قاضي مصر محمد بن أبي الليث في امتحان الناس في القول بخلق القرآن. ولما كان أخوة عبد الرحمن على المذهب المالكي ، فقد نالهم نصيب من الأذى وشهر بهم ، ثم حدثت الطامة الكبرى حين أرسلت الخلافة عمالها إلى مصر للتحري عن أموال أحد الثائرين عليها, ويعرف بابن الجروي ، بعد أن ألقت عليه القبض في تلك البلاد ، وكانت الشائعات قد ترامت بأن ابن الجروي قد أخفى قسما كبيرا من أمواله في حرز ابن عبد الحكم ، ولذا أمر الخليفة بالقبض على أفراد الأسرة ومن بينهم المؤرخ عبد الرحمن وعقدت بع ذلك محكمة لتتولى النظر فيهم ترأسها القاضي ابن أبي الليث الذي شهر بهم من قبل في أثناء محنة خلق القرآن وقد عرفت هذه الدعوة باسم " قضية بني عبد الحكم " بسبب الأحكام القاسية التي نزلت بهم إذ حكم القاضي على أبناء هذه الأسرة بغرامة مقدارها ( 1.404.000) ، ثم تبع ذلك اتخاذ الإجراءات القضائية لتحصيل تلك الغرامة من حيث مصادرة أموال وممتلكات الأسرة ، وزج بهم في السجن ، حيث مات الأخ الأكبر عبد الحكم. بعد أشهر ثلاثة من هذه المحاكمة التعسفية ، اتضحت براءة أفراد الأسرة فأمرت الخلافة بإلقاء القبض على القاضي ابن أبي الليث ومحاكمته لأنه لم يتحرّ الحقيقة في حكمه ، ثم أمر بالإفراج عن أبناء عبد الحكم وإعادة ممتلكاتهم إليهم. وأثارت الأسرة بعد توالي هذه النكبات العزلة عن الحياة العامة حتى لا تصاب بنكبات ثانية.

مؤلفاته

كان هدف ابن عبد الحكم تجريد الأخبار المتعلقة بمصر وأفرادها بالتآليف حتى يكون كتابه الحجة التي يرجع إليها المعاصرون له ، ومن يأتي بعدهم من الباحثين في تاريخ مصر. وبالطبع لم تكن مهمته يسيرة لسبب كثرة ما روي في تاريخ مصر, سواء عن طريق الرواة أو القصاص أو المخطوطات التي دأب الباحثون على تدوينها طوال النصف الأخير من القرن الثاني ومطلع القرن الثالث الهجري. لكن عبد الرحمن عزم على المضي في تدوين التاريخ متسلحا بالصبر والجلادة على العمل لدراسة تاريخ مصر قبل الإسلام ، والفتح الإسلامي لها ، ثم حالها مع جيرانها في ظل الحكم الإسلامي ، وقد انتهى في سرد بعض الحقائق التاريخية إلى سنة 246هـ أي قبل وفاته بعشر سنين.

انفرد ابن عبد الحكم من بين مؤرخي القرن الثالث الهجري بتجنيب المتلقي الغوص في بحر الصفحات العديدة فجمع الروايات المتعلقة بتاريخ مصر في كتاب أسماه " فتوح مصر " وكان هدفه بيان الدور الذي لعبه المسلمون في نشر الدين الإسلامي في هذه البلاد وما جاورها ، مع ذكر سنة الرواية المتعلقة بالأحداث كافة التي حدثت في تلك السنة. وقد ابتكر أيضا طريقة جديدة في معالجة المادة التاريخية ، وهو الأمر الذي كان له عظيم الأثر في تدوين التاريخ الإسلامي في مصر وغير مصر من البلاد التي دخلها الإسلام.

قسم ابن عبد الحكم موضوع كتابه في تاريخ مصر إلى سبعة أقسام:

وقد غلبت على ابن عبد الحكم روح التاريخ وهو يروي أحاديث الصحابة ، فأسهب في ذكر الوقائع التي أحاطت بتلك الأحاديث أو المناسبات التي تعلقت بها, كما أشار إلى الأحاديث التي أنفرد بها الصحابة في مصر وعدد كل منها ، واستطاع بذلك أن يدوّن تاريخ مدرسة الصحابة في مصر وأن يحفظ لرجالها الأجلاء ما أسهموا به من نصيب في خدمة الحضارة الإسلامية والدين القويم.*

مصادر