الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 881/رسالة النقد

مجلة الرسالة/العدد 881/رسالة النقد

مجلة الرسالة - العدد 881
رسالة النقد
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 22 - 05 - 1950


الأعماق للخميسي

للأستاذ يوسف الحطاب

لا نريد أن نقول أن فن القصة القصيرة الذي ولدته ظروف معينة مرت بأوربا فن مستحدث في أدبنا ككل لون فني جاءنا ضمن ألوان الثقافة الغربية، ولكنا نريد أن نسجل ظاهرة غريبة هي أنه رغم الأزمة التي يعانيها هذا الفن هناك، فأنا نجده هنا يلقى انتعاشا كبيراً عند آبائنا الشيوخ والشبان على السواء. وليس لهذه الظاهرة من تعليل سوى أن هؤلاء الأدباء يمرون بالحالة التي ولدت هذا اللون من الفن بأوربا.

نسوق هذا الكلام بمناسبة كتاب (الأعماق) - آخر مجموعة من القصص القصير ظهرت لعبد الرحمن الخميسي وذلك حتى نتبين دوافعه إلى كتابة القصة وطريقته في كتابتها وأسلوبه فيها وتحقيقه لها.

وكل من يقرأ هذه المجموعة يدرك أنها سجل تجارب مؤلفها في الفن. فالقصة الأولى قصة شاعرة وتتلوها قصة مؤلف موسيقي وقصة ممثل. ولا أدري لماذا وقف الكاتب عند هذه الفنون ولم يتناول بقية الفنون الأخرى! أهو ارتباطها بالجو القصصي؟ أم أن المؤلف لا يريد إلا أن يصور التجارب التي مرت به والفنون التي عالجها؟.

ولعل مما يؤكد الرأي الأخير العنوان الذي اختاره لكتابه ليدل به على محاولته في الاستبطان والوقوف عند تصوير الحالات النفسية للشخصيات التي يعرضها. وسنناقش هذه المسألة بعد أن نقول إنه لا يقف عند رجال الفن ويترك سواهم من رجال المجتمع بل إنه ليتناولهم ومجتمعهم من خلال نظرته إلى الفن والفنانين.

أما الاستبطان فيحتاج إلى وقفة كبيرة يحسن أن نترك ضيحها للمؤلف الذي يرى أن القصة جولة نفسية لا تتحقق إلا إذا استحضر القصاص إلى خياله حالة شعورية لبطل القصة ينزلها إلى وجدانه ويديرها في أعصابه وذهنه. حتى لينقلب الكاتب إلى شخص آخر. . وأن عليه بعد أن يخرج من ذاته. أن يصبح شخصين. ولا يستطيع الناقد إلا أن يقف عند هذا التعريفلأن المؤلف ينقد نفسه ويحدد اتجاهه، وهو اتجاه طيب إذا نظرنا إلى سيل القصص الذي أخذت المكتبة العربية تغص به، لأن أصحابه لم يتحددوا بعد ولم يقفوا جدياً عند اللون الفني الذي يتفق وإمكانياتهم.

أما (الخميسي) فله شأن آخر: فهو حين بدأ حياته الفنية كان يصوغ تجاربه النفسية قصائد شعرية، ولم يتزحزح عن موقفه في كل ما كتب حتى إننا نستطيع أن نقول دون تحرز أن قصصه ذات طابع شعري، وأن القصاص فيه امتداد للشاعر القديم مع تغير الشكل الفني - هذا الشكل الذي أمده به الأدب الأوربي الحديث والذي يبدو وعي المؤلف به واضحاً حتى أنه حين يؤرخ المجموعة في مقدمة الكاتب يروي هذا التاريخ بشكل قصصي بديع، بل أنه في أكثر قصصه يمهد لجو القصة بخلق راو لها يكسبها طابع الحكاية الفنية. ثم لا يقف عند هذا بل أنه يبدأ القصة من قمتها حتى يثير شوق القارئ إلى متابعته في روايتها، ويظل في إثاراته للقارئ، بأن يملأ القصة بالمواقف والعقد حتى ليقطع بالقارئ شوطاً طويلاً تنبهر فيه أنفاسه - أن لم تتقطع. ولكنه رغم ذلك يظل محتفظاً بالقارئ إلى آخر الرواية دون أن يدعه يفلت من يده حتى يشهد له بأنه كامل السيطرة على طريقة أدائه للقصة. وهو إذ يصنع كل هذا لا يصطنع الرواية كالكتاب الذين يفتعلون جو القصة حين يسيرون حسب قواعد البناء القصصي المحبوك، بل لأن القصة تعيش في نفسه وتمسك به دون هوادة إلى حد يدفعه إلى أن يظهر نفسه بأن يكتبها يرويها لغيره. ولهذا تراه يبدأ الكثير من قصصه من النهاية حتى يعيش القارئ التجربة معايشته الزمنية لها في اللحظة الصادقة التي يكتبها فيها. ولا نريد أن نقول إن هذا أسلوب العصر الذي نعيش فيه ونستشهد بالقصة السينمائية - آخر أشكال القصة الفنية، ولكنا نقول أن هذه هي الرواية وهذا هو فن الراوي الصحيح.

ويحق لنا وقد أبدينا إعجابنا ببدايات قصصه أن نتناول بالتحليل طريقة إنهائه لها. وهنا نجده يجعل تلك النهايات في بعض القصص نهايات حاسمة ليس فيها فرجة يستطيع القارئ أن ينفذ خلالها. وهذه طريقة يخرج عليها في بعض القصص الأخرى ولا يسعنا إلا أن نشير عليه بضرورة استمراره في الطريقة السليمة التي تجعل القصة مفتوحة أمام القارئ بما تحمله من عناصر الرمز والإيحاء.

وتخلص من الشكل الفني للقصص إلى الجانب الموضوعي فيها فنجد أنه يخشى أن يفوت القارئ ما ترمي إليه القصة من فكرة، ولذا نجد عنصر الفكر واضحاً في قصصه حتى إنه يقول في المقدمة (كل ما أرجو هو أن أكون قريبا من جوهر الفن. من حقيقة الفكر. . وعندئذ تهون كل قرابين الحياة) ورغم أننا لا نستطيع أن ننفي أن الأدب فيه جانب فكري فإن المؤلف لا يفكر أن القصة موضوعها الحياة، والحياة أرحب من أن تضغطها فكرة.

وندع هذا كله لتنتقل إلى مضمون القصص نفسه، ومعظمه يدور حول اليأس والانتحار والموت: فهذه (رسالة المنتحرة) و (رأيت بعد موتي) و (ليتني ما كنت) و (الموتى يتحكمون في الأحياء) الخ. . . وهذا تشاؤم أملاه التزامه لجانب الفكر وطلبه لأعماق المجتمع الذي تتحرك فيه شخصياته. ومن هنا تراه يهتم بالواقع النفسي لهذا المجتمع ليصور من خلاله واقع الناس. وعالم الأعماق مهما كان الكاتب موضوعياً في تصويره فإنه لا يستطيع إلا أن يقدم نماذج من الشخصيات القريبة إلى نفسه، ولا يستطيع إلا أن يلونها بألوان هذه النفس. ولكن المؤلف استطاع أن يخرج مع كل ذلك بأن ابتعد عن الرموز والغوامض التي تهوم في عالم الأعماق السحيق.

ويأتي بعد ذلك الأسلوب وهو أسلوب مشرق يغلب فيه ضمير المتكلم بحكم أن عالم الأعماق لغته الأنا ولا بدمعه من تقديم المونولوج الداخلي الذي تمتلئ به نفوس الشخصيات وتجد ألا مندوحة لها عن الإفضاء إلينا به. وهنا نجد المؤلف يصل إلى القمة التي يهدف إليها من تقديم هذا اللون النفسي من القصص.

وعبد الرحمن الخميسي الذي لم يقفز إلى عالم القصة طفرة كما قفز سواه - بل دخله دخولاً طبيعياً: بعد أن عالج الشعر وأعاد صياغة بعض قصص ألف ليلة، قد حقق بهذه المجموعة القصة الفنية كأحسن ما تكون القصة في المادة والشكل.

يوسف الحطاب

دنيا الناس

تأليف الأستاذ نقولا يوسف

للأستاذ منصور جاب الله

حرص الأستاذ نقولا يوسف أن يثبت في ذيل كتابه (دنيا الناس) هذه العبارة التي نوردها بنصها وهي: (مل ما ورد في هذا الكتاب من أسماء الأماكن والأشخاص خيالي ولا يصف شخصية معينة بالذات. فنرجو المعذرة إذا وقع تشابه غير مقصود بين الأسماء أو الصفات أو الحوادث).

وكان لا بد من هذه اللفتة من المؤلف، فقد جاء في المقدمة التي وضعها الأستاذ محمود تيمور بك لهذا الكتاب قوله (لا نرى صاحبنا - أي المؤلف - في كتابه هذا يتابع لنا مناجياته العاطفية التي ألفناها من قبل في شعره المنثور. . . فقد نزل إلى الشارع، وخالط خلق الله، وعاد إلينا في (دنيا الناس) يسجل استجابته النفسية لما رأى وما سمع، فتجلت مهارته في التقاط الصور، وانتزاع المشاهد، والتفطن إلى المواطن الاجتماعية التي تلين للغمز واللمز.

فالطابع الواقعي هو الذي يغلب على أقاصيص دنيا الناس، بل هو الذي يرين عليها جميعاً، من قصته (شوكت المثال) إلى قصة (الباشا الأديب) وحسنا فعل الأستاذ نقولا يوسف بتوجيهه ذهن القارئ إلى أن الأسماء والأماكن كلها خيالية، وإلا لتركه في تيه يخبط خبط عشواء وهو يبحث عن الأستاذ بهلول الأديب (النائب) أو عنبر أفندي الذي أفنى حياته في التدريس أو الأستاذ رمزي الشعرور!

وأكبر الظن أن الذي أعان الأستاذ نقولا يوسف على النجاح في أقاصيصه أمران: فهو مدرس استطاع أن يخالط شكولاً من الناس وأنماطاً من الخلائق، أما الأمر الآخر فإنه تنقل بين طائفة من الأقاليم في مصر، فقد ولد في دمياط ودرج في المنصورة ثم دلف إلى الصعيد الأعلى والقاهرة، وأخيراً استقر به النوى في الإسكندرية. فهذه الرحلات المتقاربة صقلت مواهبه، وبصرته بالطبائع وعرفته غرائز الناس ومواطن القوة والضعف فيهم.

فالمؤلف حين يصف جلسة تحضير الأرواح في منزل (الأستاذ الدقدوسي) يتكلم عن علم ويشرح مشاهد رآها بنفسه، وكذلك حين يصف (بابا خميس) إنما يصف رجالاً نعرفهم بذواتهم، يجمعون المال في مصر ثم ينفقونه على نزواتهم في أوربا.

ولم يوفق الأستاذ المؤلف في سبك القصص فحسب وإنما تجلت براعته في الأسماء التي يضفيها على أبطاله إذ يتحدث عن (حسين الكشكي) السباك و (عبد النبي البحرة) الحلاق صاحب (صالون البرنسات) و (فجلة)، (مكوحي الفنون الجميلة) وغير ذلك من الأسماء المتداولة في الأحياء ذات الطابع (البلدي). . .

ولقد وصف تيمور بك المؤلف بأنه كان (رفيقاً بالكثير من شخصياته، لا يدعها سادرة تشرب كأسها حتى الثمالة، وإنما تدركه بها رحمة فيوقظ ضميرها. ويردها إلى صوابها، حتى يسدل عليها الستار وقد رضى عنها المجتمع الموقر، وأنست بها مراسم الأخلاق!)

ويا ليت الأستاذ نقولا فعل هذا في كل أقاصيصه، إذن لأرضى المثل العالي الذي يستهدفه، بيد أننا نستميحه عذراً إذا زعمنا أنه أطلق لقلمه العنان في بعض الصور التي نشرها على الناس، فإنزلق انزلاقاً يسيراً كما في قصة (الغارة الجوية). ولكن مؤلفنا رجل حصيف رزين، فلا يكاد قارئه يأخذه البهر، ويحتقن وجهه خوفاً على (البطل) حتى يردء إلى سواء السبيل، ويأخذ بيده من هوة كاد يتردى فيها، فإذا هو في طريق الأمان.

وإذ غضضنا الطرف عن هفوات يسيرة في (دنيا الناس) كان لنا أن نقول مع تيمور بك (مصرية هذه الأقاصيص بموضوعاتها مصرية بشخصياتها، مصرية بما تناولت من التعبير عن أهواء النفوس، وما أبانت عنه من مزاولة تجارب الحياة. . . ولكن المصرية في هذه الأقاصيص تتمثل على أر في ما تكون في تلك الروح المرحة النقادة التي تبرأ من التكلف والتعقيد، وفي ذلك الحديث الفكه الذي يحسنه ظرفاء المصريين في مجالس السمر، يبتغون المؤانسة والإمتاع).

منصور جاب الله

هذا هو الإسلام

تأليف الأستاذ محمد عبد القادر العماوي

للأستاذ عبد المتعال الصعيدي

الكاتب الأديب الأستاذ محمد عبد القادر العماوي من شبابنا المثقف ثقافة ممتازة. وقد اتجه في كتابه هذا اتجاهات جديدة فبعد أن قدم لنا كتابه (أيامي وفلسفة الحياة). (ومحاكمة الزمن أو طه حسين (وهل أفلست حضارة أوربا) وكتاب سادس آخر هو (مع عقلاء الإنس ومجانين الجن) بعد كل هذه الكتب التي اعتزت بها المكتبة العربية أخرج لنا هذا الكتاب بعد غيبة طويلة وأتى فيه بنظريات دينية جديدة. فاستعرض أولاً الثورات الفكرية ولماذا كانت توجه ضد الدين، ثم حمل رجال الدين المسئولية في ذلك فقال (إن الذي يتحمل المسئولية وتنصب عليه كل التبعات في الانقلاب على الدين ومحاولة محوه من الوجود ووصفه بكل هذه الصفات كما رأيت، إنما هم رجال الدين أنفسهم لأنهم لم يحاولوا أن يفسروا الدين بعقلية حرة تجديدية وعلى ضوء نظام التطور والارتقاء). ثم يلي ذلك فصل آخر هو (هل الدين لازم للبشر) وفيه تأريخ لتطور العقيدة الإلهية، نشأتها وبواعثها عند الإنسان الأول والمؤثرات التي أثرت فيها ثم تكلم عن حالة الإنسانية قبل الإسلام. وأتى بنظرية أن التطور في الديانات يسير جنباً إلى جنب مع التطور البشري. وتكلم عن مكانة الإسلام بين الديانات. بعد دراسة طويلة منطقية الديانتين السماويتين (اليهودية والمسيحية) وما جاءتا تنشدان تحقيقه من غايات تختلف عن الغايات التي جاء يحققها الإسلام. ثم ختم هذا الفصل بقوله (والخلاصة التي نستطيع أن نخرج بها من موضوع دراستنا لمكانة الإسلام بين الديانات أنه الدين الذي جاء متمشياً مع العقل في تطوره ونهضاته. وأنه الدين الذي جاء يقرر الأخلاق الإنسانية، ويعمل للكرمة البشرية التي تلزمها الحضارات. والمدنيات الكبرى)

ونحن وأن كنا لا نوافقه على كل تلك الآراء والنظريات التي استنتجها وأتى بها، والتي جعلها محوراً لتفكيره في هذا الكتاب لا يمكن أن نخفي إعجابنا من هذه الاتجاهات التجديدية التي اتجه إليها الأديب الشاب.

وكنا نود ألا يغلو الأستاذ العماوي عند بحثه في فصل (لماذا تأخر المسلمون في أمر عثمان بن عفان) كما غلا غيره من المؤلفين الذين تناولوا تاريخه في عصرنا ونسوا أنه في خلافته يبين لنا ما في الإسلام من استعداد لمظاهر المدنية. إذ تمت الفتوح في عصره. وانتقلت ثروة الأكاسرة والقياصرة إلى أيدي المسلمين. فلم يعد يليق بهم حياة التقشف، ولم يعد يليق بهم مظاهر البداوة، وقد كان عثمان أجدر بأنصافنا له في مظاهر المدنية الحديثة، وأن تكون خيراً له من أولئك البدو المتقشفين الذين ثاروا عليه ظلماً باسم الدين، ولم يقدروا ظروف خلافته ولم يعرفوا أنها كانت غير ظروف خلافةأبيبكر وعمر. وعلى كل حال فهذا الكتاب يدل على عظيم إخلاص هذا الأستاذ لدينه كما يدل على دراسة واسعة لأحوال هذا الدين، وعناية عظيمة بالبحث عن أسباب نهوضه وانحطاطه، ليتوصل بهذا إلى الطريق الذي يعيد له مجده، وينهض به في هذا العصر.

عبد المتعال الصعيدي