الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 881/القصص

مجلة الرسالة/العدد 881/القصص

بتاريخ: 22 - 05 - 1950


بنات الهيدروجين. .!

عن المجلة القصصية

بقلم الأستاذ يوسف يعقوب حداد

تزوجت - جاك هرسن - كما تتزوج الفتيات في عصر الذرة والهيدروجين!. . أي أننا، أنا وجاك، تزوجنا في مكتب من مكاتب الزواج المنبثة في الشوارع، كأنها دكاكين الفاكهة، أو بيع السلع القديمة!!

لم يكن ذلك الزواج كما تخيلته في ساعة من الساعات التي تستلقي فيها العذارى على مضاجعهن، ويطلقن لأفكارهن العنان تصور لهن مستقبلهن كما تشاء رغباتهن الساذجة، وعقولهن التي لم تهذبها الحياة بعد!

لا شك إنكم تعرفون أن أسعد أيام المرأة هو ذلك اليوم الذي ترتدي فيه ثوبها الحريري الناصع البياض، ومن حولها ضيوفها، يشاركونها نشوتها ويتمنون لها سعادة كاملة، وحياة طيبة!. . مع ذلك، حين خرجنا من مكتب الزواج، واحتوتنا السيارة وصرنا وحدنا، شعرت أنني سعيدة كل السعادة، وأحسست بالنشوة تتمشى في جسدي، حين راح جاك يهمس في أذني بكلمات الحب - مرحبا بزوجة - جاك - الجميلة. . . إنها تستحق أن يسجد لها هذا العالم، وتنثر على قدميها ما فيه من زهور ورياحين!

وأقلتنا السيارة تواً إلى لندن، حيث أجر جاك شقة (صغيرة) لنقضي فيها شهر العسل القصير الأجل!

قال لي جاك، إنه أحد رؤساء شركة كبيرة للإعلان، وأنه سينقل عن قريب إلى الجنوب ليترأس فرعاً من فروع الشركة. . . هنالك ستستقر بنا الحياة، أو نعمل على ترويض الحياة، ليلين قيادها، ونكيفها كما نشاء، ونجعلها لنا أمةذليلة، لا أن نكون لها إماء أذلاء!

هكذا تزوجنا، وهكذا استقر بنا المقام زوجين سعيدين. وتبخر الوقت كما تتبخر الأحلام من الرؤوس!. . . لقد عاملني - جاك - كما تعامل الملكات السعيدات، ذهبنا إلى كل مكان جميل يسره أن يحتضن عاشقين، وتمتعنا بكل منظر يسر العشاق أن يتبادلوا الحب بين أحضانه!. . ولم يكن أمر المال أو العمل يعنينا كثيراً، فقد شئنا أن نستغل الوقت للمتعة، بعيداً عن ضجة الأعمال، حتى كان ذلك اليوم الذي تلقى فيه - جاك - رسالة قصيرة. تلاها بسرعة، ثم دسها في جيبه، وجاء إلي، وجلس على حافة المقعد الذي كنت غارقة فيه، وطوق خصري بذراعه القوية، وهمس في أذني - ايف. . يا حياتي. . أريدك أن تساعديني هذا الصباح. يجب أن أذهب لأرى محامياً عجوزاً وسأصحبك معي. . المسألة مسألة فلوس، فقد شاء والدي. وقد رآني لا أعير الزواج شيئاً من اهتمامي، أنلا أصيب شيئاً من ثروته إلا إذا استقرت بي الحياة إلى جانب زوجة، لهذا أريد أن أصحبك معي إلى المحامي لتكوني دليلاً ناطقاً على استحقاقي!. . سيريدونك أن توقعي على أوراق كثيرة، ولكن لا تقلقي. . آه، لشد ما كرهت أن أتزوج من أجل الحصول على المال!. . . أتدرين أنني في وقت ما كنت قد قررت أن أفرط في هذه الثروة الطائلة لرغبتي الشديدة عن الزواج بواحدة من النساء!. . ولكن أنت، أنت وحدك يا ايف العزيزة، استطعتي أن تهدمي ما شيدت من رغبات، وما بنيت من مستقبل، ابتسامة واحدة من شفتيك استطاعت أن تقلب الأمور رأساً على عقب. . أوه! يا لأسلحة النساء!

وسألته في سذاجة - ولكن كم تبلغ هذه الثروة، وماذا سنفعل بها؟

أجابني - أظنها عشرة آلاف جنيه، وحتى حصلنا عليها وأصبحت في قبضتنا، فسنرحل بعيداً، إلى بلاد جميلة، فنقضي شهر عسل حقيقي!. . ألا يروقك هذا؟

فألقيت برأسي على صدره، وقلت له - أوه يا عزيزي، لا يهمني أن نرحل أو نبقى هنا. . إن كل مكان أكون معك وتكون فيه معي لهو جنة التي وعدنا بها!

وفي طريقنا إلى المحامي، أصدر إلي تعليمات جديدة:

. . عزيزتي، إن الأعمال الرسمية شديدة التعقيد عادة، ويلوح لي أن والدي من هواة التعقيد في جميع أعماله. . ولا شك أنهم سيطلبون شهادة الزواج، فهل لكي أن تتركيها معي؟. . لم لا تتركين كل شئ لي؟

فسألته - أتعني حتى حين يوجهون إلي بعض الأسئلة؟ فقال - نعم، سأرد على أسئلتهم السخيفة بدلاً عنك!

وجرت المعاملات بسهولة، وحين انتهينا منها، قال لنا المحامي - ستستلمون المال عن طريق المصرف، وسيصلكم دفتر الشيكات بعد يوم أو يومين!

وهتفت في دهشة - دفتر الشيكات؟!!

ولكن - جاك - عاجلني بنظرة محذرة، وقال - نعم، يا عزيزتي. . فأنا أريدك أن تكوني كالمليونيرات، تشترين حاجة ثم تكتبين للبائع شيكاً!!

ولكن دفتر الشيكات المزعوم لم يصلني، لا بعد يوم ولا بعد يومين، وإنما حمل إلى جاك المزيد من الأوراق لتوقيعها!. . . لم يكن قد مضى على زواجنا أكثر من أسابيع معدودة. وكنت غارقة في الحب حتى أذني. . . لو سألني جاك أن أوقع على ورقة إعدامي، لفعلت

ومضت أيام أخرى، وذات يوم أعطاني جاك بضع جنيهات وسألني أن أشتري بها ما أشتهي ثم التقى به في أحد المطاعم التي اعتدنا تناول الطعام فيها.

لقد قضيت وقتاً طويلاً انتقل من مخزن إلى مخزن، الصق أنفي بزجاجها، وأحلق بعيني في معروضاتها. . لقد وقع اختياري على أشياء كثيرة، أقسمت أن أشتريها بعد أن نستلم الثروة مباشرة، واشتريت جملة أشياء لم تكن بينها حاجة واحدة ضرورية، اللهم إلا الهدية التي اشتريتها لجاك!

وذهبت إلى المطعم، واتخذت مجلسي في الركن الذي اعتدنا الجلوس فيه، وانحنى لي الخادم الفرنسي وعلى شفتيه ابتسامة طويلة، وقال بلغة إنكليزية تشوبها اللهجة الفرنسية الساحرة - لست أرى المسيو معك هذا اليوم؟. . هل تأمرني سيدتي بشيء؟

فابتسمت له، وقالت - سأنتظر قليلاً ريثما يحضر زوجي!

ولكن ساعة مضت، وتلتها أخرى، ولم يظهر أي أثر لجاك، والخادم الفرنسي لا ينفك النظر إلي. وعندئذ أشرت إليه وأمرته أن يقدم إلي الطعام، فقد كان الجوع قد استفحل أمره، ولكني مع شدة رغبتي في الطعام، لم أجد شهية له، لم أجد له طعماً في فمي. كنت أشعر سحابة من الانقباض قد خيمت على صدري. . رباه، ما الذي أخر جاك عن الحضور؟

وقفزت من مكاني كالمذعورة، حتى كدت أقلب المائدة بما تحمل، وأسرعت إلى التليفون أطلب مكتب الإعلانات الذي يشتغل فيه زوجي، ولكن عاملة التليفون أجابتني بأنها لا تعرف مكتباً للإعلانات بهذا الاسم الذي قدمته إليها!. . سألتها في توسل أن تجرب الرقم مرة أخرى، ولكن جوابها الثاني لم يختلف عن سابقه! وكدت أنفجر باكية، وأسرعت أريد الخروج للبحث عن جاك، ولكن خادم المطعم استوقفني عند الباب، وسألني أن أدفع له الحساب!. . ولكني لم أكن أحمل نقوداً معي، ورجوته أن يتركه لفرصة أخرى!

وبسحر ساحر ظهر المدير أمامي، فأشر إليه الخادم بشيء التفت إلي على أثره، وقال لي - لا شك أن للمدام حاجة تتركها هنا. . إن الناس لا يؤمن جانبهم في هذه الأيام. . لا، لست أنت، ولكن الأخضر يذهب بسعر اليابس!

ورأيته يوجه نظراته إلى يدي. . إلى أناملي، فتذكرت عندئذ أن جاك لم يشتر لي خاتماً يوم زفافنا، فقد ادعى أن دكاكين الصاغة لا تضم خاتماً يليق أن يزين يد امرأة مثلي!!

قلت لمدير المطعم - ولكن زوجي زبون دائم يتردد كثيراً هنا؟!

فابتسم المدير ابتسامة ساخرة، وقال - والسيد جاك يأتينا بنساء كثيرات. . كلهن ادعين أنهن زوجاته!!

واضطررت إلى أن أترك ما كنت أحمله معي من حاجات، وخرجت إلى الشارع كالعاصفة المزمجرة، وذهبت تواً إلى (شقتنا) حيث يمكن أن أجد جاك، ولكن مفاجأة مدهشة كانت تنتظرني هناك!

استقبلتني صاحبة الشقة بوجه مقطب، وسألتني بقحة أن أعيد إليها مفاتيح الشقة - هل لسيدتي أن تعيد إلي مفاتيح الشقة لأعيد لها حقائبها التي تركها هنا السيد جاك قبيل رحيله؟

فصحت فيها كالمجنونة - هل رحل جاك من هنا؟!

فابتسمت المرأة، وأجابتني - إنها عادته يا سيدتي. . لقد خدع نساء كثيرات من قبلك. .

ثم ابتعدت عني وهي تداعب سلسة المفاتيح، وسمعتها تقول - مسكينة!!

وحملت حقائبي، ونزلت درجات السلم في خطوات مشلولة. . كل درجة كنت أنزلها. كنت أحس أنني أفقد معها سنة من شبابي!

وما كدت أرتمي بين أحضان الشرع، حتى كان المذياع يذيع شيئاً عن عصر الهيدروجين.

وسمعت أحد المارة يعلق على ذلك، قائلاً: - لم يعد في الدنيا شئ عجيب!

البصرة

عراق يوسف يعقوب حداد