الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 776/على ذكر حوادث فلسطين!

مجلة الرسالة/العدد 776/على ذكر حوادث فلسطين!

بتاريخ: 17 - 05 - 1948


عار لا يمحى

للأستاذ شكري فيصل

حين فتحت عينيّ في الصباح كنت كالذي يستيقظ من حلم مرعب. . . لم أكن شهدت ما يؤرقني ويزعجني، ولكني أعلم أني أويت إلى فراشي وعلى شفتيّ هذه الأسئلة التي يدور بها ذهني وينطلق بها لساني: ماذا تفعل هنا؟ أي شيء هذا العلم الذي تجهد له، وتعني فيه الوقت والصحة والشباب؟ ما يكون من شأن العربية التي تعمل لها وتنطوي جنديا من جنودها إن قدر لصهيون أن تحقق أحلامها، وأن ترفع أعلامها، وأن تنشيء سلطانها في هذه البقعة من البلاد العربية. . . أين يقع هذا العمل الذي تحبس نفسك عليه من هذه المعارك التي تدوي، والنفوس التي تستشهد، والبلاد التي توشك أن تضيع بين حمق القيادات، وحقد الزعامات وأطماع السياسات، وحقارة الأغراض. . . أين أنت. . . وما شأنك وهذا الطريق؛ لا طريق غيره قبل أن تسوى معالمه، وترفع صواه، وينتهي إلى غايته من طرد العدوان، وصد الطغيان، ورد الغزو الأحمق.

ولم تكن هذه هي الليلة الأولى التي أواجه فيها هذا الحساب العسير. . . فقد كانت هذه الأسئلة تتخذ ألف لون، وتصطبغ ألف صبغة. . . وكانت تأخذ عليَّ مسالكي في النهار إذا ابتدأ النهار، وفي الضحى إذا ارتفع الضحى، وفي الظهيرة حين أقطع في الظهيرة هذا الطريق الذي تستلقي عليه الظلال مكدودة ممزقة، بين الجامعة وهذا البرج العاجي القريب الذي أعيش فيه. . . وكانت تسد عليَّ دروبي كلما هممت أن أعمل أو أفكر أو أكتب، فلا يكون في طاقتي أن أخلص منها أو أنتهي بها إلى رأي حاسم. كانت تتجاذبني موجات من لهبة الروح وخمود الجسم، من دفقة القلب وخور الأطراف، من قسوة الواقع ومن رخاوة النشأة. . فلم يكن لي أكثر من أن أرتد إلى هذا الماضي ألعن هؤلاء الذين سيطروا على ثقافتنا من رجال الانتداب، فزينوا لنا الحياة جنة وحريرا، وما كانت إلا لهباً وسعيرا، وجهاداً كبيرا. . .

وفي خطى مضطربة سريعة، كنت أمضي لأمد يدي إلى الباب أجذب الجريدة التي ترك الموزع نصفها ممتداً إلى داخل البيت ونصفها الآخر على العتبة الخارجية، فعل الرج المعجل المسرع

وبدأت أقرأ. . . وكان نبأ. . . وكانت لحظات هي مزيج من الذهول العميق والدمعة الثرة.

حيفا!. . . إن كل صورة من صورها تنتثر أمام عيني في وضوح شائك حاد. . . إن أطيافها التي كانت في ذهني كالضباب المعتم تشرق في لحظة سريعة من مثل لهب النار المتأججة، وتسطع في مثل تألق البرق النير. . . إن أصواتها التي كانت صدى ضئيلاً، نحيلاً، بعيداً، في خاطري لترن في أذني في مثل القصف المفزع. إني لأنظر في الصحيفة التي بين يدي ولكني لا أرى حروفاً ولا أشهد كلمات. . . وإنما أرى هذه المدينة التي مررت بها مرات ومرات في طريقي إلى القاهرة، وفي طريقي إلى دمشق. إني لا أحس ما حولي. . . لكأني في هذه اللحظات أذرع هذا الشارع، شارع الملوك، وأنحني أدخل في الشوارع القديمة التي تمتد وراءه. . . إني لا أسمع هذه الأصوات التي تتعالى هنا تحت نافذتي، وإنما أنا أستمع إلى هذه الأصوات التي (كنت أعيش معها يوماً من كل عام. . . إن آلافاً من الصور السريعة، المتتابعة، المتلاحقة، تغزوني: الفندق والمطعم وسكة الحديد، المحطة القديمة التي أقامها العثمانيون، والمحطة الجديدة التي أقامها اللصوص المنتدبون. . . المدينة القديمة والدكاكين الواطئة والأسواق المغطاة والتجار الدمشقيون وأبناؤهم وإخوانهم وجيرانهم. . . باعة الكتب هؤلاء الذين كنت أرقب عندهم مطبوعات فلسطين وما يتيح الوضع القلق للمؤلفين الفلسطينيين أن ينتجوه. . . المسجد الجامع الذي كنت أصعد إليه على سلم رخامي عريض، والمسجد الآخر الذي كنت أجتاز إليه سوقاً ضيقة مغلفة بالعتمة. . . آلاف العمال العرب، والوجوه العربية، واللسان العربي بهذه اللهجة التي كانت تضم في حيفا كل لهجات فلسطين؛ هذه كلها كانت تنثال عليّ وتنطلق من ذاكرتي كالنبع الفوار المضطرم. . . لم يبق في حيفا شارع أو طريق، مشهد، أو موقف، (كان حقير أو جليل، شيخ كبير أو عامل صغير، عامل دءوب من عمال المحطة، أو صديق كريم من التجار، أو مجاهد نازح منذ نزح فيصل العظيم عن دمشق. . . لم يبق في حيفا القديمة أو حيفا الجديدة هذه التي كنا نسعى إليها في مقر المراقبة لنعرض جوازاتنا وأوراقنا وأقلامنا ونتاج عامنا الدراسي على قوم بكم عجم نستأذنهم المرور بها في بلادنا وأوطاننا. . . هذه كلها عاشت في ذهني مرة واحدة. . . لقد انتفضت كما ينتفض العصفور الجريح بعد أن تكون مرت به سكين بارقة بيضاء وخرجت وردية حمراء.

والآن. . . ماذا بقى من حيفا هذه التي عرفنا. . . ماذا أبقت منها بلاغات الزعماء، وتصريحات الرؤساء، وأحقاد قادة العرب. يا ويلي حيت أتمثل أي شيء أبقت الحادثات من حيفا. . . إني لأجد النار التي تكويني، والسياط التي تؤذيني. . . إني أهرب من نفسي لأني أخجل من نفسي أن أقول الذي كان. . . ليس في يدي هذه الأداة الطيعة التي تنساب فوق هذه الأوراق، فقد كفرت بالأقلام والأوراق. . . وماذا يقول الكاتبون إن كتبوا. . . ويح الذين يسألونهم أن يكتبوا، كأنما يسألونهم أن يقصوا عليهم قصة من تاريخ قديم لأمة منقرضة، يزينون حواشيها ببلاغة القول، ويفيضون على أطرافها بريق الأدب، ويذهبون ببعض مواقفها في شطحات الخيال، وينمقون نظمها بروعة الأساليب، ثم يدعونهم أن ينعموا بما فيها من فن أو بيان؛ والمصيبة التي تحل في فلسطين مصيبتهم، والموطن الذي يُغتصب وطنهم، والأعراض التي تنتهك أعراضهم، ومواكب الذين أجلوا عن ديارهم أمام أعينهم في كل عاصمة من عواصم العرب. . . كأنما لا يزال هناك حاجة إلى حمية تستثار، وحماسة توقظ، ومقالات تكتب وتنشر.

وماذا يكتب الكاتبون؟ هل يسجلون الخزي، ويؤرخون العار؟. . . هل يقولون كان هنا مسجد فاندثر المسجد، وكان هنا سوق فسويت السوق بالتراب، وكان هنا حرمات وذكريات فديست الحرمات ودفنت الذكريات. . . أفيستطيع القائلون أن يقولوا كان هنا أعراض فانتهكت الأعراض، وكان أطفال ونساء فهام الأطفال والنساء على وجوههم؟ كان هنا مدينة عربية ثانية الموانئ العربية على البحر العربي ثم مرت بها ساعات مجنونة مسحورة فانتزعت من أهلها، وأطبق عليها الأعداء من فوق، في مثل سرعة اللص الغادر، وخفة المجرم المدرب، وتنظيم الكيد الميت. . . فلم يدعوا فيها أثراً لعروبتها. . . ثم طفقوا يغنون ويرقصون ويشربون على أشلاء القتلى وأنفاس المنكوبين الحرى. . . ثم مضوا يفعلون ويفعلون، وتتصاعد عشرة آلاف (وا معتصماه) من عشرة آلاف قلب، قلب طفلة غريرة، وفتاة نضيرة، وزوجة وفية، وامرأة حامل. . . ثم لا يكون في أمراء العرب، ورؤساء العرب، وأقطاب العرب، من مشارق الحجاز وهضاب نجد، وغوطة دمشق، وغابة بيروت، وظلال الوادي، (معتصم) واحد يسرع إليها بجيشه، لا يحميها، ولكنما يتخذها جنة ووقاء لأعراضه وأوطانه التي سيسري إليها الداء. . . وإنما يكون فيها (معتصمون) بالهدوء يخافون لوم اللائمين في الدنيا ولا يخافنون عذاب الله في الآخرة وذلكة الخزي في التاريخ. . . ويرجون السيادة بعد أن انتزعت منهم صرة السيادة، ويأملون لذراريهم الخير ولن يبقى شيء من الخير لهم حتى يورثونه ذراريهم؛ ويلتزمون الحذر، وما هو إلا الضعف والخور. . . ويتدفقون بالأحاديث ولا يزالون، لا تحس فيها وهج النار، ولا تجد لها رائحة البارود، ولا تسمع لها قصف المدفع وثقل العتاد، ولا تشعر أن وراءها جلبة جيش ودوي تكبير. . . وإنما هي لا تزال تنضح بالعطف، وتنشر السلم، وتنثر الأزاهير، ثم لا تنسى أن تحتمي بآيات من كتاب الله وأحاديث رسول الله. . . والويل لهم من يوم الله. . . ما كان الله ليرتضي منهم هدوء الموت وسياسة الضعف، وحذر الجبناء.

أي عار هذه المذلة التي يلقاها العرب في محنتهم الحاضرة!. أي قدرة على الحياة هذه التي يستطيعون أن يباهوا بها، أن يتقدموا بها إلى العالم المتمدن برهاناً إذا ظل الكرمل هو الكرمل، وظلت حيفا في قبضته في إسار الذل وذل الهوان!. . . أي خديعة أرادها لهم هؤلاء الحياديون الذين يصدر عنهم الشر وينتهي إليهم الشر.

أي بلاهة سيرميهم بها التاريخ إن لم يرفعوا هذا الإصر، ويحطموا هذا الغل، ويستنقذوا الشرف الذي غلب عليه المكر، واصطلحت عليه عوامل الغزو والسلب، وبات طريداً شريداً تنزف من جراحه الدماء، من ورائه نار ومن أمامه بحر، ومن دونه ودون الإنقاذ قوم ينامون عى الوعود، ويستكينون للثقة، ويلينون لمعسول الأحاديث الخلب، ويؤاثرون أعداءهم بالأمن ويحملون إليهم السلام حملا على جثت من قتلاهم، وأشلاء من موتاهم، ودماء من دمائهم!!

كانت في هذه البقعة من الأرض حيفا عربية. . . ولن يكون في قدرة أحد من الذين يتطلعون إلى المجد العربي، ويعملون ليقظة الإسلام أن يتحدث عن الشعب العربي، عن توثبه، عن أمله العريض، عن جامعته ووحدته، قبل أن تعود حيفا عربية من ذروة الجبل إلى قدميه اللتين تستلقيان على شاطئ البحر وأمواجه، قبل أن يغسل هذا العار الذي يكسو كل هضبة من هضاب الكرمل ويقف عند كل ثنية من ثناياه، ثم يرمي بأرجاسه وأحجاره بعيداً، بعيداً، في سط البحر. . . قبل أن يقف عشرات المؤذنين في عشرات المساجد ينادون من جديد: الله أكبر، الله أكبر.

لن يكون في أعناقنا ولاء لأي واحد من هؤلاء الذين يتمثل فيهم سلطان العرب قبل أن يمحي هذا العار. . إن في يد كل زعيم عربي أثرا من رجس، وإن أيدينا لن تصافح من جديد إلا أولئك الذين طهروا أيديهم من هذا الرجس وغمسوها في دم أعدائهم سبع مرات متواليات.

لا الذين يحمون بيوت الله، ولا الذين ينقمون لرسول الله، ولا الذين يحيون شرع الله، ولا الذين يدعون العروبة قبل محمد نبي الله. . . ليس أحد من هؤلاء جميعاً أهلا لأن يكون حيث يريد أن يكون حتى يكشف غمة هذا الخزي الذي يعيش في وطأته كل هذا الملايين. . . وحينذاك. . . حينذاك فقط سيكون في الخالدين. . . سيكون في هذه الصفحة المشرقة التي يشع فيها وهج محمد، والتي تنثال عليها بحروف متوهجة نيرة أسماء سعد وعمرو وطارق وموسى وصلاح الدين ونور الدين وإبراهيم باشا. أما قبل ذلك. . . فدعونا نردد قول الله: ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل. . . ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً.

شكري فيصل