الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 669/البريد الأدبي

مجلة الرسالة/العدد 669/البريد الأدبي

مجلة الرسالة - العدد 669
البريد الأدبي
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 29 - 04 - 1946


في مقالين:

أرسل ألينا الأستاذ الشيخ محمود أحمد الغمراوي شيخ معهدي دسوق والزقازيق سابقاً مقالاً بهذا العنوان يناقش فيه ما كتبناه وكتبه الأستاذ العقاد في موضوع الأزهر. وقد جاءنا المقال بعد طبع الملازم الأولى من (الرسالة) فاضطررنا أن نرجئه إلى العدد المقبل.

. . . . ولا تقولن ذاك هناك:

في الرسالة الغراء (666) في المقالة البليغة ذات العنوان (أين الأقلام) لصاحب الفضيلة العالم الأديب الأستاذ (الشيخ علي الطنطاوي) الدمشقي - هذا القول:

(أين تلك الأقلام تفضح أكبر خدعة سربت إلينا، وترد أفظع كذبة جازت علينا، وهي دعواهم أن من الخير أن نأخذ المدنية الغربية بكل ما فيها، وأن كل ما جاء من أوربة فهو خير ورشاد، وكل ما بقى لنا من الشرق فهو شر وفساد.

وهذا من أقبح ما خلفه فينا الاستعمار.

فأين تلك الأقلام تدل الناس على مزايانا لنحتفظ بها، وشرور الغرب لنتجنبها، ونقيم لهم الميزان العادل، ونحكم فيهم الحكم السديد، فنرتفع عن أن نكون قردة مقلدين، ونرجع عقلاء مميزين، يعرفون ما يأخذون وما يدعون).

وقد ذكرني كلام القاضي الفاضل بشيء سمعته في خطبة خطيب في بيروت سنة (1343 هـ) فرأيت روايته في الرسالة الكريمة، وهو يظاهر مذهب الشيخ.

سمعت ذلك الخطيب منذ ثلاث وعشرين سنة يقول:

(. . . فقد اعتقدت العربية العقد لبنيها وكنزت، واحتشدت لهم في تأثير خير المال وورثت. فما أجن من ضيع هذا الميراث وما الأمة. وإذا استجديت (يا هذا) غيرك بعد فقدان ثروتك لا يجديك، وإذا انتميت إلى غير جدك وأبيك لا يعليك ذلك لكن يعطيك. وهل يسوغ لعاقل أن ينسى نفسه (ونفسه كريمة لديه يوم الذكر) ويجحد صنيعه أهله وقد أحسنوا إليه فيغدو مثلاً مضروباً في السفه واللؤم والكفر؟ ومن يجنح إلى الخسران وفي يده الريح، ومن يقبل الخذلان وقد ماشاه النجح؟ ومن يستحب على العدم، وأن تضمحل أمته في الأمم؟

فيا أيها العربي، إنك عربي ولا يراك سواك إلا عربياً، وإن شئت أن تأبق إباق من بيت عربيتك وتسل ثيابها، وتصرم أسبابها، فلن يعطيك الغرب ذلك ولن يضعك وأن أبيت إلا هنالك، وهو إما يلقاك حياً قمياً، وإما يلقاك عربياً قوياً، فيحتقرك ضعيفاً صغيراً، ويوقرك عظيماً كبيراً، ويتعبدك ذليلاً، ويؤاخيك جليلاً، فالبس البس جلد القوة، وجد كما جد الغربي، واستعد بما استعد، واعلم علمه واخبر فنه، وابل نظامه، وحقق (يا هذا) تحقيقه، وأسلك في الكون طريقه - وقبيح الشرق قبيح الغرب. فلا تجهل ولا تقبح ولا تقولن ذاك هناك، فثمة داء، وهناك دواء. فيا عليل أطلب هذا ودع السم - وجود عيشك تجويدة، وأتقن صنعك إتقانه؛ فلن يفلح بعد اليوم إلا التقن واقتصد في دنياك اقتصاده، وجد إما وفر مالك جودة، وأخلص أخلص في كل عمل إخلاصه.

وذر السخفاء من العظاميين وانبذ عبيد الجهل، والزم العصاميين وخالص أهل الفضل، فليس من يهدم دعائم عربيتك كمن يشيد، ولا الأفين كالرجل الحازم الرشيد، وما جاهل أمر مثل عالمه. . .)

السهمي

إنها مشكلة التعليم كله لا الأزهر وحده!

نحن في حاجة إلى المصلح المثقف الذي يتفرغ إلى دراسة المشاكل الاجتماعية دراسة فهم وخبرة ورغبة، قبل أن يخرج إلينا وفي يده مشروعات مرتجلة. ونحن في حاجة إلى الكاتب الذي يحسن التوجيه ويجيد الكشف عن خفايا الأدواء ويصدق في وصف الدواء.

حياتنا. . . كلها ارتجال. . . وما ينفع الارتجال في إصلاح حياتنا الاجتماعية وملاك الأمر فيها - كما يقول الأستاذ الكبير الزيات - (الدرس والروية والمشورة والعزيمة والنفاذ، على أن يكون كل رأي في وجهه، وكل عمل في وقته، وكل أمر في أهله. . .)

أجل لقد صدق الأستاذ في وصفه أسباب فشل وسائل الإصلاح في مصر. . . ولقد صدق أيضاً وبلغ الغاية في مقاله عن مشكلة الأزهر. . .

فقد كان في مقاله ذاك باحثاً يسير في هدى عقيدة، ويمضي في ظل معرفة، ويقرر في ثقة الدارس الواعي المتبصر. . .

قرأت المقال فأثار في نفسي خواطر شتى كلها تدور حول أصول التعليم ووسائل التربية في مصر. . . أحببت أن أسارع فأعرض بعضها عرضاً سريعاً.

رأيت أن اتجاهات التعليم في مصر اتجاهات تنكبت سبيل الصواب وبعدت عن مقتضيات الأحوال فلم تساير طبيعة الواقع، ولم تتساوق مع واقع الظروف. . . كلها ارتجال في ارتجال. . أو لنكن أكثر صراحة فنقول إنها برامج فرضتها ظروف أطل من بين ثناياها شبح المستعمر يملي رغبته تارة من بعيد تلميحاً، وتارة أخرى من قريب تصريحاً. . .

وما ظنك ببرامج جاءت أصولها على هذه الحال وفي هذه الظروف. . . ولغرض معروف؟ إنها تهدف أول ما تهدف إلى تقييد العقلية الفتية المصرية بقيود الاستعمار. . . ولقد أثرت حقاً وكان تأثيرها الإيجابي مركزاً في قهر روح الابتكار في الشبيبة المصرية، وقتل روح الاختراع والتجديد. . . بفرض نظام مدرسي عقيم لا يعمل على اكتشاف مواهب الطفل صغيراً، ولا يهدف إلى توجيه رغبة الشاب يافعاً.

نظام مقسم تقسيماً عقيماً. . . خدعنا بما فيه مقاييس للسن فليست المسألة مسألة تقسيم مراحل تعليمية أولية وابتدائه. . . وثانوية وعالية.

المشكلة مشكلة تقسيم الوسائل التربوية. . .

والمشكلة مشكلة مسايرة هذه الوسائل التربوية للظروف الاجتماعية والمادية والثقافية والنفسية.

والمشكلة مشكلة التطبيق السليم لهذه الوسائل السليمة.

فهل أدرك رجالنا هذه الحقائق؟ هل عملوا على تلافي الأخطاء؟

الواقع أنهم تركوا الأمور تسير سيراً مرتجلاً كما ارتجلت من قبل البرامج؛ ففي كل عام نظام جديد يهدم نظاماً قديماً. . . وحتى هذا الجديد لا يلبث طويلاً، وقبل أن ينتج أثراً يمكن الحكم به على صلاحيته يقذف به في أغوار النسيان ليحتل مكانه غيره. . .

قد يقال إننا أخذنا عن الغرب طرائق التربية. . . نعم أخذنا ولكن كان تقليدنا في الشكل لا في الجوهر. . . غيرنا البرامج بيد أننا لم نحسن التطبيق. . . ولم نستطع أن نفهم أن المدرسة توجيه وإرشاد وخلق وإصلاح. . .

فالإعداد فاسد، لأنه يمهد السبيل لنيل شهادة النجاح في المدرسة فحسب، ولكنه لا يسلح الطالب بما يظمن له أسباب النجاح في خضم الحياة. . . فالمدرسة المصرية تعني كل العناية بالامتحان وتغفل عن خلق روح الاجتماع والكفاح في الحياة.

والمدرس المصري يأمر ويبطش ليطاع، على حين أن المدرس الأوربي يوجه ويشجع ويعطف ليطاع عن حب متبادل. . . وشتان بين طاعة أنت مجبر عليها ومحبة أنت راغب فيها. . .

إن إعداد المدرس في مصر إعداد مرتجل. والأمل لم يزل معقوداً على معهد التربية ودار العلوم والآداب والأزهر. . . ولكن على شريطة أن تأخذ وزارة المعارف بما اقترحه الأستاذ الكبير صاحب الرسالة.

إسكندرية

آنسة عواطف بيومي

الفيلسوف جحا:

على أثر المحاضرة التي ألقاها الأستاذ كامل كيلاني عن جحا وتاريخه وفلسفته ارتجل الأستاذ محمود غنيم هذه الأبيات:

أني حسبتّ (جحا) مجانة ماجن ... فإذا به رجل جليلّ الشأنِ

هو فيلسوف قام ينشر ذكره ... بين البريَةِ فيلسوف ثان

ما زال يطريه ويعلي شأنهّ ... متحدثاً عنه بكل لسان

حتى حسبتّ (جحا) رشيداً ثانياً ... أو من أقارب (كامل كيلاني)

وارتجل كذلك الأستاذ حليم دموس هذه الأبيات:

يا حارس الفصحى وناشرَ من طوى ... من تالدٍ منها ومن مستطرفِ

ألفتَ بين فكاهة ونباهة ... وكشفت عن ذهن نقي مرهفي

وجعلت هزل (جحا) دروساً للحجى ... فإذا الحقائق تنجلي في أحرفِ

وعصرت منها للعصور وأهلها ... كأساً من الأدب الرفيع الألطف

فوقفت في الوادي أمامك خاشعاً ... وعرفتّ أنيَ جاهل لم أعرفِ

فأهنأ بحكمتك التي دونتها ... لتنير من سبل الهداية ما خِفي

والبيت الأخير لسعادة أحمد حلمي باشا مدير بنك الأمة العربية