الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 632/اللحن الحزين!

مجلة الرسالة/العدد 632/اللحن الحزين!

بتاريخ: 13 - 08 - 1945


للأديب إبراهيم محمد نجا

(قبلت رثاء فقيد العروبة والإسلام الأستاذ أحمد محرم بمناسبة مرور أربعين يوما على وفاته).

نبأ ألمَّ فهاج كامن دائي ... إذ كنت أستشفي من الأدواء

متعزيا بمواجعي، متفرداً ... بمدامعي، متوحداً بعنائي

نبأ به تدمى النفوس، وإنما ... تدمى النفوس بفاجع الأنباء

قالوا لقد ذهب الردى بمحرم ... في غير ما ريث ولا إبطاء

عجِلا به إذ كان يحمل مهجة ... كالشمس قرب سنًي وبعد سناء

والأهل يبكون الفقيد، وإنما ... يبكون خير مشيَّع ببكاء

ما بال هذا النعش يسرع بالخطى ... في لهفة محفوفة برجاء؟

كمسافر نِضو السِّفار بدت له ... وقت الهجيرة واحة الصحراء

والناس أنضاء الحياة، وإنما ... تلك المقابر واحة الأنضاء

ما بال هذا الجمع يرجع مطرقا ... في وحشة وكآبة خرساء؟

أين الفقيد؟. . . لقد نأى متغربا ... وا رحمتاه للغريب النائي

تركوه في قلب الثرى متفردا ... إن التفرد شيعة الشعراء

يا شاعراً عرف الحياة مآسياً ... مصبوغة بمدامع ودماء

يا شاعراً عرف النفوس وما بها ... من جامح النزعات والأهواء

ورأى الزمان وكيف يخترم الورى ... بفواجع النكبات والأرزاء

ورأى الفناء حقيقة عُلْويَّةً ... ورأى البقاء ضلالة الأحياء

فأتى يصور في القصائد ما رأى ... ببراعة عزت على النظراء

في كل طارقة، وكل مُلِمَّةٍ ... غراءُ تخلب أنْفُس الفصحاء

معنى كنور الشمس. . . فيه من السبي ... روح الحياة، وجوهر الأشياء

يوحي إلى النفس العلاء، وإنما ... تعلو النفوس بقوة الإيحاء

وكريم لفظ صيغ من محض الشذى ... ومن السنا والظل والأنداء طوراً كرقراق النسيم، وتارة ... كالعاصفات يثرن في البيداء

وخيال منشور الجناح محلِّق ... كالنسر فوق القمة الشماء

شعر يخلَّد في الصدور، وغيره ... يفنى كما يفنى حَباب الماء

أبقى لنا الصوت القوي، وغيره ... لم يُبق إلا خافت الأصداء

وهدى إلى سبل السلام مباركا ... كمنارة في ليلة ظلماء

والشعر مثل النفس. . . منه مظلم ... يعمى القلوب، ومنه ذو أضواء

يا شاعراً مسَّ القلوب بشعره ... فإذا بها تصحو من الإغفاء

كالغيثُ باكر في الصباح سباسباً ... فتألقت برياضها الغناء

شعر كما تهوى النفوس، موكل ... بالنفس يكشفها لعين الرائي

أبصرت فيه سرائري فعشقته ... عشق النفوس لغادة حسناء

وجعلته سلوى حياتي كلها ... وملاذ أحلامي، وحصن رجائي

من أي شيء صغت شعرك، إنه ... طب الجراح وبلسم الأدواء؟

إني عرفتك في الحياة مجاهداً ... بعزيمة وقادة ومضاء

تمضي على الأحداث تدفع موجها ... عن منكبيك بهمة قعساء

ولقد أراك - وأنت لَهْبٌ للأسى - ... تخفي الهموم ببسمة غراء

كالسيف يبدو في غبار عجاجةٍ ... متألقا كالكوكب الوضَّاء

ما هنت يوماً في الحياة، وإن تكن ... قد عشت بين براثن اللأواء

يا للحياة، وما يكلِّف حبُّها ... من حمل مكروه، وبذل فداء

عجباً لنا نهوى الحياة، وإن تكن ... بالغدر مولعة وبالإيذاء

كالغادة الحسناء تذكي حبهَّا ... في القلب بالهجران والإقصاء

سيان في حب الحياة منعَّمٌ ... جمُّ الثراء، ومعدم البؤساء

سيان في شرع الحياة وذينها ... حزن الشقي، وفرحة السعداء

وإذا طلبت من الحياة عدالة ... فلقد طلبت قلائد الجوزاء

ما العدل من شيم الحياة، وإن تكن ... تخفي مظالمها على الفطناء

أيها فقيد الشعر في البلد الذي ... لم يرْعَ حق الشعر والشعراء! وأساء عيش ذوي البصائر والنهى ... حسداً، وأحسن عيشة الدهماء!

ويموت فيه الماجدون فيحتمي ... بالسيئين: الصمت والإغضاء!

ما أنصفوك من الزمان إذا همو ... جعلوا نصيبك منه حفل رثاء

هل ينصفونك في الممات، وإنهم ... ما أنصفوك وأنت في الأحياء؟

جهلوك إذ كانت حياتك بينهم ... والدر مجهول من الدأماء

لا تعتبن على الزمان وأهله ... ما دمت لا تحظى بطول بقاء

وكفاك أنك قد فرغت من الأسى ... وسلمت من حسد ومن بغضاء

وخلصت من قيد السنين، وإنه ... صنع الحياة، ومن قيود الداء

ولقيت ربك ذا الجلال، وعنده ... ما شئت من أجر وحسن جزاء

نم في رحاب الخلد، وأنعم بالرضى ... في ظل تلك الجنة الفيحاء

واذكر مريديك الذين تركتهم ... حتى يكون الموتَ يومَ لقاء

(دمنهور)

إبراهيم محمد نجا