الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 518/الحديث ذو شجون

مجلة الرسالة/العدد 518/الحديث ذو شجون

بتاريخ: 07 - 06 - 1943


للدكتور زكي مبارك

في دار المفوضية الأفغانية - مع النحاس باشا - مع الدكتور طه حسين - مع الشيخ مصطفى عبد الرازق باشا - نفحات عراقية

في دار المفوضية الأفغانية

كانت عصرية الخميس الماضي موعد الاحتفال بعيد استقلال أفغانستان، فأقبل على دار المفوضية الأفغانية بالزمالك جمهور من رجال السياسة والأدب والدين، وشعر الزائرون جميعاً بأنهم في دارهم، بفضل المودة التي يضمرها سعادة السيد محمد صادق المجددي لأهل هذه البلاد، وبفضل ما يكنه المصريون لهذا الرجل من الإجلال

ولكن ما القيمة الصحيحة للسيد المجددي، القيمة التي توجب أن يبقى في مصر مدة لم تتفق لغيره من السفراء؟

التوفيق بيد الله، ومع هذا فمن الواجب أن نحاول وزن الرجل من الوجهة الأخلاقية، فقد يكون في ذلك ما ينفع بعض الديبلوماسيين من رجال الشرق

المجددي ذكيٌ جداً، ولكن ذكاءه يشبه النبع الذي يترقرق تحت الرمال، فهو يرى الأمور على ما هي عليه من قُرب أو من بُعد، ثم يؤدي واجبه بلا جَلَبة ولا صياح

والمجددي سفيرٌ مسلم في أمة إسلامية، مسلم صادق إلى أبعد حدود الصدق، وقد يُعَدْ من النوادر في بعض السِّمات، وإلا فمن يصدِّق أن وزيراً مفوضاً ينزل من سيارته ليساعد على حمل نعش، عساه يظفر بموعود الثواب؟

والمجددي يقيم حفلات موسمية متصلة بالأعياد القومية في أفغانستان، ولكنه لا يُلقي خطبة إلا في الحفلة التي يقيمها بمناسبة المولد النبوي

وهو يعتكف أياماً من كل سنة في أحد المساجد اعتكافاً لا يسمع به غير الخواصّ. وأين من يصبر على الاعتكاف بالمساجد في هذا الزمان؟

وإسلام المجددي إسلام لطيف فهو يحيا حياة ذوقية قليلة الأمثال

دخلت المفوضية الأفغانية مع السيد خالد الشوربجي، فلما جاء السيد المجددي لاستقبالنا قدَّم إليه الشوربجي سبحة، فقال المجددي: وأين القرنفلة؟ وكان ذلك لأن المجددي نسِي في المفوضية العراقية سبحة وقرنفلة، ولم يفته حين ترّد إليه السبحة أن يذكر القرنفلة، كأنها أُهديتْ إليه في ساعة صفاء

ويظهر ذوق المجددي في أحاديثه الإخوانية، الذوق المطول بندى الوجدان، فهو يحادثك بروحه وقلبه حديث الرجل المفطور على صدق الطوية، ولا تلمح في بشاشته أي تكلف أو افتعال

وقد ربى أبناءه في مصر تربية عربية إسلامية، ليكون اتجاههم إلى المشرق لا إلى المغرب، وليضمن انتفاعهم بالإقامة في وطن الأزهر الشريف

لم تكن لمصر مفوضية في أفغانستان، فسعى السيد المجددي لحمل الحكومة المصرية على إنشاء مفوضية هناك، ثم لاحظ أنها تتردد، فأعلن أن هذا التردد قد يقهره على مفارقة مصر بعد أن أحبها أصدق الحب. وبهذه اللمحة الوجدانية وصل إلى ما يريد

أما بعد فهذه كلمة نكتبها لوجه الله في تحية رجل من المؤمنين بالله

مع النحاس باشا

كانت مصادفة جميلة في ذلك اليوم الجميل، فقد جلست مع رفعة النحاس باشا على مائدة واحدة وتجاذبنا أطراف الأحاديث والنحاس باشا يترسل حين يتحدث، ويحرص على أن يقدم لمحدثه أطايب من المعاني اللطاف

مرَّ اسم (عباد الشمس) بالحديث فقال إن اسمه بالفرنسية لأنه يدور مع الشمس، وهو رمز الرياء

فقلت: إن عباد الشمس يدور مع الشمس بإرادة لا تعرف التقلب، فمن الظلم أن نضيفه إلى زمرة المرائين، وإن سمح رفعة الرئيس فأنا أذكر أن رمز الرياء هو (أبو رياح) لأنه يدور مع الرياح بلا إحساس، وبهذا الوصف عرفه العرب، وكان له مكان فوق أبواب القصور وأسوار البساتين

وعند ذلك قال عبد الفتاح باشا الطويل، ولا يزال أبو رياح معروفاً عند باعة الحلويات، ويكثر وجوده في الموالد والأسواق

وسأل أحد الحاضرين من الأجانب رفعة الرئيس عن موعد اصطياف الحكومة بالإسكندرية فأجاب: سيُحدد الموعد بعد استئذان جلالة الملك في أن يكون انتقال الحكومة إلى هناك بصفة رسمية، فقال السائل: وما الفرق بين الصفة الرسمية وغير الرسمية في الاصطياف؟ فأجاب رفعة الرئيس: الاصطياف الرسمي يوجب انتقال الهيئة الديبلوماسية إلى هناك

فقلت في نفسي: هذا بعض ما كنت أجهل من تأثير الرسميات

ثم اعتذر الرئيس بأن عليه أن يحضر حفلة يونانية وانصرف قبل نهاية الاحتفال

مع الدكتور طه حسين

والتفت فرأيت الدكتور طه بك قريباً مني فمضيت للتسليم عليه، ودار الحديث:

- هل يعرف سيدي الدكتور أن ورق الطباعة قد انعدم أو كاد؟

- إنها فرصة ثمينة جداً

- انعدام الورق فرصة ثمينة جداً؟

- بالتأكيد، لأنه يريح الناس من مؤلفات زكي مبارك سنة أو سنتين!

- ولكن ما رأيك في الكتب المدرسية؟

- هذا ما نفكر فيه؛ وقد نصل إلى شيء، فليس من الصعب أن نقنع الحكومة بأن استيراد السماد لا يغني عن استيراد الورق

- وهل يعرف سيدي الدكتور أن إرسال المطبوعات المصرية إلى الشرق قُيِّد بقيود ثقال؟

- أعرف ذلك وقد انتهينا إلى حَل

- ما هو ذلك الحل؟

- قيدنا إصدار المؤلفات القديمة، وأبحنا إصدار المؤلفات الحديثة بلا قيد ولا شرط، تشجيعاً للتأليف الحديث، فليس من الرفق ولا من العدل أن تصد المواهب المصرية عن الاتصال بأمم الشرق، ويكفيها ما تعاني من أزمة الورق وغلاء المطبوعات

- ولكن ما الموجب لتقييد التصدير بالنسبة للمؤلفات القديمة، ولبعضها أهمية لا تحتاج إلى بيان؟

- المؤلفات القديمة موجودة في أكثر بقاع الشرق، فمن واجب كل أمة عربية أو إسلامية أن تنشر ما تحتاج إليه من تلك المؤلفات. وهل تظن أن الجاحظ مثلاً يحتاج إلى تشجيع الحكومة المصرية؟ إنما يحتاج إلى التشجيع جماعة المؤلفين من الأحياء، وقد نشأوا في زمن لا ينقل فيه الفكر بغير الطباعة والتوزيع.

وما كدنا نفرغ من هذا الحوار الهادئ حتى رأينا رجلاً يقول: يا دكتور طه بك، عندي مؤلفات عميقة جداً لا يفهمها أحد غيرك، فمتى أعرضها عليك، لأعرف رأيك؟

فقلت: اسمع يا حضرة المؤلف العميق، إن الدكتور طه مشغول في هذه الأسابيع، فانتظر إجازته الصيفية ليَفرُغ لك ولأمثالك من أهل العمق العميق!

وتفضل حضرة المؤلف فمنح الدكتور طه بطاقته الغالية ليذكره حين يستريح في إجازة الصيف!

قال الجراح الدكتور محمد كامل حسين وهو يتأمل تلك البطاقة المزخرفة: يجب على وزارة المعارف أن تؤلف لجنة لدرس مؤلفات هذا المؤلف العميق!

فقلت: ومن أجل هذا المؤلف توصد الأبواب في وجه الجاحظ!

وأسرع الدكتور طه فانصرف قبل أن يتم الحديث

مع الشيخ مصطفى باشا

ولقيت فضيلة الأستاذ الجليل مصطفى عبد الرازق باشا عند الباب فرجعت معه لآنس بحديثه لحظات، ولم أكن رأيته منذ شهور طوال فاقترحت عليه أن يقيم في كل سنة موسماً دراسياً بالرواق العباسي، إحياء لذكرى الشيخ محمد عبده، فقال إن ذكرى الشيخ تقع في يونية. فقلت ليس المهم ذكرى الوفاة وإنما المهم ذكرى الدرس، وهي مقيدة بالعام الدراسي

- في النية أن تقام في مباني الأزهر الجديدة قاعة محاضرات باسم الشيخ محمد عبدة

- أهم من هذا أن يقترن الرواق العباسي باسم الشيخ محمد عبده، ففي ذلك الرواق تألق نجم الشيخ، وفيه دارت المساجلات بين طلاب الحق واليقين

- ما الذي يمنع من أن تقدم هذا الاقتراح لفضيلة الشيخ المراغي؟

- الشيخ المراغي يرحب كل الترحيب، فاستعد أنت، وليستعد من انتفعوا بآراء الشيخ محمد عبده، عساكم تحيون ذكراه بأبحاث متصلة بالمعضلات العقلية في هذا الجيل

ثم تحدثنا في تأثير الشيخ عبده في زمانه، فقال الشيخ مصطفى: كان السلطان حسين كامل يحمل المصحف دائماً. وكان يقول: أنا مسلم على مذهب الشيخ عبده

وتحدثنا عن صنيع الشيخ رشيد رضا في نشر مؤلفات الأستاذ الإمام فقال الشيخ مصطفى: خدمات الشيخ رشيد لا تنكر، ولكنه ظل بعيداً عن روح الشيخ عبده، فقد كان يسرع إلى تكفير المسلمين لأقل الشبهات، مع أن الشيخ كان يحكم بأن الرأي الذي يحتمل الكفر من تسعة وتسعين وجهاً ويحتمل الإيمان من وجه واحد يجعل صاحبه من المؤمنين

وعرفت من حديث الشيخ مصطفى أن أوراق الشيخ عبده قدمت إلى الشيخ رشيد لينتفع بها في تدوين تاريخه بعد أن اعتذر الشيخ عبد الكريم سلمان، وأن تاريخ الشيخ عبده روعيت في تدوينه أشياء، فلم يدوَّن على الوجه الصحيح فيما يمس تلك الأشياء

ثم ماذا؟ ثم أذكر أن المستر بلنت قال في مذكراته: لقد وجب عليَّ أن أسجل شعوري نحو الشيخ محمد عبده، فهو في نظري أصدق رجل عرفته في الشرق

وأنا أشعر بمثل هذه العاطفة نحو الشيخ مصطفى عبد الرازق فهو في نظري أصدق الاوفياء، وهو معي في كل وقت، وإن كنا لا نلتقي إلا في القليل من الأحايين

الصديق الحق هو الذي يجعل الصداقة في مكانة من القدسية لا تتأثر بالقرب أو البعد، ولا تختلف باختلاف الظروف، ولا يزيدها تقادم العهد إلا صفاء إلى صفاء

نفحات عراقية

أصدرت مجلة (الغَرِيّ) عدداً خاصاً بالوفد العلمي، وفد الأساتذة المصريين إلى النجف، وهو مجموعة من الخطب النفيسة والقصائد الجياد، وفيه ذُكِرتْ مصر بالخير على ألسنة فصاح، وأفئدة صحاح

قرأت تلك المجموعة حرفاً حرفاً، ومتعت خاطري بذكريات النجف والموصل والبصرة والحلة وبغداد، وهي بلاد الأهل والاحباب، ثم سرني أن أرى خطباء النجف وشعراء النجف بعافية، وإن لم أر اسم السيد عبود شلاش بين الخطباء

وتذكرت الصديق الذي زرت معه النجف، فمن ذلك الصديق؟

لن أنسى أبداً أني زرت النجف مع السيد صادق الوكيل، ولن ينقضي حزني عليه، وكان أكرم صاحب وأكرم أليف

لو عاش هذا الفتى لوصل إلى خفايا الدقائق من التاريخ الإسلامي

ولو كنت أعرف أنه سيُخْتَضَر لأديت إليه بعض حقوق الوفاء

كان طيِّع القلم في الرسائل الإخوانية، فكنت أتلقى منه خطاباً في كل أسبوع، برغم تقصيري في الجواب، لأنه كان يعرف أن الوقت لا يوافيني بما أريد، والصديق الذي يعتذر عن أخيه نادر الوجود

إن زرت العراق بعد حين أو أحايين فسأمر على كربلاء، لأقرأ الفاتحة على قبرك يا صادق، ولأعزي أهلك، إن جاز لمن يفقدك أن يجد العزاء

أترك هذه اللواعج وأشكر لمجلة الغَرّي لطفها مع الأساتذة المصريين، راجياً أن تلوح فرصة قريبة نجزي فيها العراق لطفاً بلطف، وجميلاً بجميل

زكي مبارك