الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 285/النارنجة الذابلة في الربيع

مجلة الرسالة/العدد 285/النارنجة الذابلة في الربيع

مجلة الرسالة - العدد 285
النارنجة الذابلة في الربيع
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 19 - 12 - 1938


لفقيد الشباب والأدب

المرحوم محمد الهمشري

كانت لنا عند السياج شجيرة ... ألف الغناَء بظلها الزرزور

طفق الربيعُ يزورها متخفياً ... فيفيض منها في الحديقة نور

حتى إذا حل الصباح تنفست ... فيها الزهور وزقزق العصفور

وسرى إلى أرض الحديقة كلها ... نبأ الربيع وركبه المسحور

كانت لنا. . . يا ليتها دامت لنا! ... أو دام يهتف فوقها الزرزور

قد كنت أجلس صوبها في شرفتي ... أو كنت أجلس تحتها في ظلتي

أو كنت أرقب في الضحى زرزورها ... متهللا يغشى نوافذ حجرتي

طوراً ينقِّر في الزجاج وتارة ... يسمو يزرزر في وكار سقيفتي

فإذا رآني طار في أغرودة ... بيضاء واستوفى غصون شجيرتي

فمتى يؤوب هتافه؟ ومتى أرى ... نوَّارك الثلجي يا نارنجتي؟!

ومتى أطير إليك. . . ترقص مهجتي ... فرحاً. . . وآخذ مجلسي من شرفتي؟!

هيهات لن أنسى بظلك مجلسي ... وأنا أراعى الأفق نصف مغمض

خنقت جفوني ذكريات حلوة ... من عطرك القمري والنغم الوضي

فانساب منك على كليل مشاعري ... ينبوع لحن في الخيال مفضض

وهفت عليك الروح من وادي الأسى ... لتعبَّ من خمر الأريج الأبيض

هيهات. . . لن أنسى ضحى (سبتمبر) ... والنحل يغشى نورك المتلالي

ومساء مارس كيف يهبط تلة ... شفقية. . . ممدودة الأظلال

نزل الحديقة تحت أرهام الندى ... وضفا عليك معطر الأذيال

فهناك كم ذهبية شغفت بها ... روحي فتاهت في مروج خيال

وهنا تحركت الشجيرة في أسى ... وبكى الربيعَ خيالها المهجور

وتذكرت عهد الصبى فتأوهت ... وكأنها بيد الأسى طنبور

وتذكرت أيام يرشف نورها ... ريق الضحى ويزرزر الزرزو وعرائس النارنج تحلم في الندى ... فيرف فيها طيفه المسحور

وتذكرت عند (السياج) أزاهراً ... صفراء رفت في ظلال العوسج

(زهر القطيفة) كيف خان عهودها ... نسى الهوى من عطرها المنبلج

وتذكرت. . في رعشة لما سبا ... زرزورها منها ولم يتحرج

وهنا نشبت في الشجيرة خلجة ... وبكت حنيناً للشذا المتأرج

وتذكرت شفقاً توهج حمرة ... خلل الغيوم على ربا الآصال

وبدت غصون الجزورين كأنها ... قلع ترفرف في بحار خيال!

وهنا تحركت الشجيرة في أسى ... وبكى الربيع خيالها المهجور

وتذكرت عهد الصبا فتنهدت ... وكأنها بيد الأسى طنبور

وتذكرت شجر النخيل وهدهداً ... قد كان يقصدها صباح مساَء

وتذكرت في اليوسفي يمامة ... كانت تنوح الليلة القمراء

وضفت على كل الغصون سحابة ... وزكا الغصين وفتَّح النوار

وتهلل الزرزور في أوراقها ... وزها السياج وفاحت الأعطار

حلمت بأرض في الخيال سحيقة ... في ذلك الأفق القصى النائي

خلدت إلى صمت هناك مخيم ... تسجوا عليه خوافق الافياء

هي جنة الأشجار والاظلال وال ... أعطار والأنغام والأنداء

يتزاهر البشنين فوق شطوطها ... ويغازل الدفلى زهر اللوتس

وعرائس النارنج فاح عبيرها ... بالنخل تحلم في السكون المشمس

وهناك زرزور يغرد دائماً ... ويقص أحلام الزهور النعس

يروى لها أسطورة سحرية ... مما يفوح به خيال النرجس

نارنجتي! والله مذ فارقتني ... وأنا حليف كآبة خرساء

أصبحت بعدك في انقباض موحش ... وكأنني منه مساء شتاء

تستشرف الأعطار في آفاقها ... روحي إليك وراء كل فضاء

وترف في دهليز كل أشعة ... قمراء أو ترنيمة بيضاء

قد كنت أرجو أن تكون نهايتي ... في ظل هذا السور حيث أراك ويكون آخر ما يخدر مسمعي ... زرزورك الهتاف فوق ذراك

ويطوف في غيبوبتي فيفيقني ... فجر قصير البعث من رياك

والآن إذ عجل القضاء فإنما ... سيقوم في الذكرى خيال شذاك

وسرى إلى أرض الحديقة كلها ... نبأ الربيع وركبه المسحور

كانت لنا. . . يا ليتها دامت لنا ... أو دام يهتف فوقها الزرزور

محمد الهمشري