الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 270/بين اللغة والأدب والتاريخ

مجلة الرسالة/العدد 270/بين اللغة والأدب والتاريخ

مجلة الرسالة - العدد 270
بين اللغة والأدب والتاريخ
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 05 - 09 - 1938


الفالوذج

للأستاذ محمد شوقي أمين

- 1 -

لفظه. تعريفه. الإبدال من حروفه. مستعمله في الأدب. واحده. جمعه. معناه. رحلته إلى العرب. إطعامه الناس. تهيب ذوي الورع إياه. رحلة أعرابي إليه.

- 1 -

الفالوذج كلمة فارسية النشأة، أصل على ألسنة أهلها: بالوذة، فأول حروفها: الباء التي بين الباء والفاء، أو المخلوطة بالفاء على تعبير الشهاب الخفاجي. وختامها: الهاء الساكنة على اصل اللسان الفارسي. ومن حروفها الذال المعجمة كما في الكثير الأكثر من كتب اللغة وأقوال الأئمة. ولكن الشيرازي محمداً علياً قال: إن الفالوذج معرب عن بالودة بالدال المهملة. وهذا يؤيد ما نقلته المعجمات المؤلفة لهذا العهد من قولها: إن الفالوذج بالمهملة، لغة فيها بالمعجمة. والشيرازي من نبعة الفرس، فهو يتحدث عن لغة قومه. فحقيق بنا أن نرجع إليه، ونعول عليه، وندع ما لكسرى لقوم كسرى!

وقد عرّب العرب هذه الكلمة، بعد تشذيب وتثقيف، مبالغة في تحقيق الجنسية اللغوية، كما يقول الرافعي، فقد سَمَوْا بالحرف الأول المترجح بين الفاء والباء، إلى الفاء، إذ كان هذا الحرف المذبذب ليس في عداد الأصلي من حروف الفصحى، واستبدلوا الذال بالدال، كما صنعوا في سَذَاب وساذَج وباذَق، فالذال عوض من الدال الفارسية في هذا الألفاظ. ثم جعلوا الهاء جيماً، على أسلوبهم الأغلبيّ في التعريب. فقالوا: فالوذج، ولم يرتض هذا الإبدال الأخير جمع من نقدة اللغة، فقالوا: بل تبدل الهاء قافا، وهي طريقة العرب كذلك، أو تحذف الهاء دون إبدال، وعلى هذا القول المخِّير بين أثنتين من الحذف أو إلحاق القاف: تماسَح فقهاء اللغة، فما إن تجد في المعجمات الوثيقة وما في حكمها إلا: الفالوذ، أو الفالوذق

فأما مناهل الأدب والتاريخ، ومكانز النوادر والطرف، فقد آثرت كلمة الفالوذج على هذا الوجه، فهي ثَمَّ مستعملة سائرة، لا يُعدل عنها إلا في الندرة والفلتات. وهي كذلك في أكث شعر الشعراء بين القديم ومحدث، ولا سيما عصر بني العباس. وما أجدر ذلك على اجتماعه أن يكون برهاناً قائماً على أن جمهور الأمة العربية كان يجري على إبدال الهاء جيماً، وأن اللفظ قد ذاع على هذه الصورة أول ما ذاع. فتلقفته الألسن بعد ذلك عصراً في أثر عصر، وفي التصحيح اللغوي أثراً مهجوراً لا يقتفيه أحد في صحراء المعجمات!

والطائفة من هذه الحلواء: فالوذجة، كما قال السيرافي، وهذا قول يَعُدَّ كلمة الفالوذج في أسماء الأجناس التي يُفرق بينها وبين وأحدها بالتاء، كتمر وتمرة، وبطيخ وبطيخة. وهي قياس في المخلوقات، سماع في المصنوعات، فما يجئ من هذه مُشَبَّه بما جاء من تلك

ولو أريد جمع الفالوذج جميعاً صناعياً على ما ينقاس في مثله، لكان أقرب شيء متناوَلاً جمع الألف والتاء، كما هو مفهوم قول سيبويه، وصريح رأي أبن عصفور. فيكون: الفالوذجات. ولم يقع لي هذا الجمع فيما قرأت. بيد أن الزمخشري أثبت جمع الفالوذ على فواليذ، في سجعة من أسجاعه الرقاق. ولست أحُق: أذلك تطبيق على القواعد وصناعة، أم نقل لمأثور، أم تقييد لسماع؟. لم ينته إليّ من علم ذلك إلا أن الجمع صحيح على أية خطة!

وقد ذكر أبو علي الفارسي أن الكلمة الفارسية ترجمها: الحافظ للدماغ؛ ويبدو أن هذا التفسير كان متعارفاً للخاصة من العرب حين حلِيَت موائدهم بالفالوذج وحلَت. والدلالة على ذلك فيما حكى عن الخليفة الأموي: سليمان بن عبد الملك، فقد كان أعرابي على مائدته يسرع في الفالوذج. فمازحه سليمان بقوله: أأزيدك منه يا أعرابي، فانهم يذكرون أنه يزيد في الدماغ؟ فقال الأعرابي: كذبوك يا أمير المؤمنين، لو كان كذلك لكان رأسك مثل رأس البغل!

فلم يَنبس سليمان، واحتملها منه، ولم يحتملها له

- 2 -

وكلمة الفالوذج تدل على حلواء ليست من أطعمة العرب، وإنما هي من جملة ما اجتلبوه من موائد الفرس في مستهل الحضارة، قبيل فجر الإسلام. وقد حكى أن عبد الله بن جدعان التميمي، وهوالملقب بحاسي الذهب، لأنه كان يشرب في إناء ذهبي، وفد على كسرى مرة، وأكل عنده الفالوذج، فتعجب منه، وسأل عن حقيقته، فلما أجيب بصفته، ابتاع من بين الفرس غلاماً يحسنُ صنعه، ورجع به إلى مكه، ثم سَمًت به أرْيحِيَّته إلى أن يطعم الناس عامةً جديد هذه الحلواء. فبسط الموائد بالأبطح إلى باب المسجد، ثم نادى: من أراد أن يأكل الفالوذج فليحضر، فاستجاب له الخلق من كل فج، وكان ممن حضر أمية بن أبي الصلت

فقال يمدحه من قصيدة:

لكل قبيلة هاد ورأس ... وأنت الرأس تقدم كل هادِ

عماد الخيف قد علمت معدَّ ... وإن البيت يرفع بالعماد

له داع بمكه مُشْمَعِلٌ ... وآخر فوق دراته ينادي

إلى ردح الشَّنرى ملاء ... لباب البريُلْبَكُ بالشهادِ

ومالي لا أحييه وعندي ... مواهب يطَّلعن من النجاد؟.

ولما حفلت موائد العِلْية والسراة من العرب المتحضرين بالفالوذج، طوفت في شأنه الأقاويل، فتهيبه ذوو الورع، إذ كان المسلمون حديثي عهد بالحنيفية، يتعففون عن كل ما تطالعهم به الأمم الدخيلة في مختلف أسباب الحياة، وبخاصة المتع واللذائذ، قانعين من شئون اجتماعهم بما أشرقت عليه شمس الإسلام، وما رأي النبي صلوات الله عليه الناس يأكلونه فلم ينههم عنه. فإنه ليحكى أن الحسن البصري - إمام الفقه والفتوى - سمع رجلاً يعيب الفالوذج، فذكر له الحسن أخلاطه التي يبني عليها، وقال: ما عاب هذا مسلم!. . . وعلم الحسن كذلك أن رجلاً يتنزه أن يأكله، فراجعه، فقال الرجل: يا أبا سعيد، أخاف ألا أؤدي شكره، فقال الحسن: يالكع، وهل تؤدي شكر الماء البارد؟ ثم تلا عليه قول الله: يا أيها الذين آمنوا كلوا من طبيات ما رزقناكم

ويظهر أن انتشار الفالوذج في الأمصار العربية والحواضر، وتَضوع أخباره في البوادي، شوق الأعراب إلى استكناه هذا الطعام الموصوف، فأني لأنسي ولا أنسى نادرة يقطر منها ماء الظرف، وقعت لي في بعض القراءات، وهي أن أعرابيا خرج يضرب آباط الإبل إلى حضَر المسلمين، يسأل: ما الفالوذج؟. ومُ يُبَرَّدْ ظهر مطيته حتى وصف له، فلما سمع الوصف تَمَطَّق، ثم قال: أي والله لو نزلت هذه الصفة في القرآن لكانت موضع سجدة. . . وهكذا كشف تلك الرحلة الفالوذجية العاجبة، أمنية أدعى إلى العجب، وهي أن تنزل صفة الفالوذج في محكم الكتاب: سورة الحلوى!!

(للبحث صلة) محمد شوقي أمين