الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 270/البحث عن غد

مجلة الرسالة/العدد 270/البحث عن غد

بتاريخ: 05 - 09 - 1938


للكاتب الإنكليزي روم لاندو

للأستاذ علي حيدر الركابي

- 3 -

الفجر في سورية

سورية وفرنسا

لقد قبل أهل لبنان الانتداب الفرنسي بلا مقاومة عنيفة، بينما بقي السوريون يعتبرونه حالة لا مبرر لها. وقد عبروا عن كراهيتهم له بمقاومات مستمرة مشروعة وغير مشروعة. وكانت ثورة سنة 1925 أبلغ هذه المقاومات أثراً، ولم ينجح الفرنسيون في قمعها إلا بعد عامين. وقد بدأت بعصيان قادة الزعيم الدرزي سلطان باشا الأطرش في جبل الدروز الواقع في الجنوب الشرقي من سورية. إلا أن هذا العصيان ما لبث أن توسع حتى عم البلاد كلها. وقد أدت هذه الثورة التي كانت سادس حركة تحريرية قام بها السوريون إلى ضرب الفرنسيون دمشق بالقنابل في شهر أكتوبر سنة 1925م إذ ضربت مدافعهم بعض أحياء المدينة كما ألحقت الضرر الجسيم بكثير من الأماكن ذات الأهمية التاريخية مثل (الطريق المسمى بالمستقيم)

وسار السوريون في جهادهم للحصول على حقوقهم الطبيعية إلى أن منحهم الفرنسيون عام 1930 رئيساً للجمهورية ووزارة دستورية ومجلساً نيابياً. على أن الدستور الجديد لم يقض على سلطة المندوب السامي الواسعة، فهو ما زال يدير شئون سورية من مركزه في بيروت، كما أنه لم يخرج الجيش الفرنسي من البلاد. أما معاهدة سنة 1936 التي ستوضع موضع التنفيذ بعد ثلاث سنوات من عقدها فهي تتعهد بمنح سورية استقلالها التام. والتحالف السوري الفرنسي بموجب هذه المعاهدة ليس مؤبداً كتحالف لبنان، بل هو موقت بخمس وعشرين سنة

يوجد بين الأهلين في مصر والعراق والسودان أناس يعترفون بفضل بريطانيا العظمى عليهم في الماضي، ولا يشعرون بكره نحو الأفراد البريطانيين. أما هنا فالعداوة بي السوريين والفرنسيين ذات صفة شخصية؛ وهي ليست موجهة ضد الأفراد الفرنسيين فحسب، بل إنها تتعداهم إلى أسرهم. وقد شرح لي أحد السوريين الشعور الذي يحمله أبناء وطنه بهذه العبارة: (أنني أحب فرنسا وأحترم الفرنسيين في بلادهم، ولكي أكرههم في بلادي التي باتت تئن من سوء إدارتهم)

أن أهم ما يتذمر منه السوريون هو أن فرنسا تسعى لجر المغانم المادية من وراء سورية. وهم يحملون الفرنسيين مسؤولية تأخر سورية الاقتصادي منذ عام 1920؛ وهم يتهمون موظفي فرنسا وجنودها باستعمال مراكزهم الرسمية لابتزاز المال. وقد قلت مرة لسوري: أن الرشوة وسوء الاستعمال هما عند الموظفين من التقاليد التي اشتهرت بها الإدارة الوطنية. فأجاب: (من المحتمل أن تكون مصيباً في ملاحظتك، وأنا أؤكد لك أن الذين يؤمنون إيماناً صحيحاً بنزاهة موظفينا في عهد الاستقلال الآتي هم قليلون؛ ولكن إذا كان لا مفر لنا من الخيانة فإننا نفضل أن تذهب الرشوة إلى جيوب السوريين دون جيوب الأجانب فان صرفها في بلادنا لأرجح من صرفها في فرنسا)

ويقال أن هناك سبباً آخر ذا علاقة بالأخلاق يزيد في موقف السوريين العدائي؛ فالأسرة تلعب دوراً مهماً في حياتهم، والفساد الجنسي عندهم أقل مما هو عليه عند الأكثرية من جيرانهم العرب، ولهذا فأن معظم سكان سورية يعترضون بشدة على وجود الجنود الفرنسيين (الملونين) بينهم أن بقاء الجند الأجنبي في البلاد في أيام السلم لابد أن يأتي بنتائج مضرة، وخصوصاً إذا كانت جيوش الاحتلال منسوبة إلى أقوام يشتد عند أفرادها الميل الجنسي

مشاكل وزعماء ومجاهدون

كنت أود الاطلاع على المشاكل التي سيكون لها أثر في حياة سورية المستقبلة، ولهذا قصدت زيادة كل من: بطريرك الروم الأرثوذكس وهو رئيس أكبر طائفة مسيحية في سورية، وفارس الخوري وهو أكبر رجال السياسة في البلاد، والدكتور الكيالي وزير المعارف وعميد الجامعة، وفخري البارودي زعيم الشباب السوري وهو السياسي الذي يحتل المكانة الأولى في قلوب الجماهير

حديث فارس الخوري فارس الخوري هو رئيس مجلس النواب وزعيم الحزب الوطني وقد تمكن بفضل تجاربه الكثيرة في ميدان السياسة التي مارسها مدة طويلة أن يتمتع بنفوذ عظيم بين رجال السياسة في البلاد. وهو من خريجي الجامعة الأمريكية في بيروت وأستاذ في الحقوق في الجامعة السورية. وهو رجل قد أسبغت عليه مقدرته العقلية بالاشتراك مع مظهره المهيب حلة من الوقار. إلا أن جملة لم تكن خالية من الزخرف اللفظي الذي بمبل إليه بصورة جلية. وقد ذكرني وهو جالس وراء منضدته في مكتبة الخالص في دار البرلمان الجديدة بالأستاذ نيكولاس ماراي بتلر. قال بلغته الإنكليزية الصحيحة:

(أن سورية في نظرنا لا تنحصر بالمقاطعة المعروفة بهذا الاسم اليوم، بل هي تشمل كل البلاد التي كانت في وقت من الأوقات جزءاً منها: أي لبنان وفلسطين والعراق. إن حدودنا الحقيقة يجب أن تتاخم حدود تركيا والحجاز ومصر والبحر الأبيض المتوسط وإيران. إننا لا ننكر أن توحيد هذه الأقطار مستحيل الآن، ولهذا فإن همنا موجه أولاً إلى تشكيل اتحاد للدولة العربية تكون أعضاؤه مستقلة. إن اتحادنا مع لبنان هو أول خطوة لتحقيق هذه الغاية، فان انفصالنا عنه أمر غير طبيعي. إن اللبنانيين الذين يتحدثون عن الاختلاف بيننا في الأصل وفي المصالح الاقتصادية لمبالغون. فالواقع أن وجوه الاختلاف بيننا أقل من وجوه الشبه

(إن أمامنا مهمتين رئيسيتين، ألا وهما تشكل الجيش الوطني وتحقيق الإنعاش الاقتصادي. أما الجيش فهو ضروري لحفظ كرامتنا، وفرقة واحدة منه تكفينا الآن إذ أن الجيش الفرنسي الذي لا يوجد عندنا غيره في الوقت الحاضر قد يوجه في يوم من الأيام ضد مصلحتنا وذلك عندما تفكر فرنسا في تحويلنا إلى سفتجة تعرضها عند اللزوم على بريطانيا أو تركيا أو - حتى - إيطاليا. وبالإضافة إلى ذلك فلسنا كالإناث حتى نحتاج حماية جيش أجنبي، فنحن قادرون على حماية أنفسنا) وهنا رفع صوته ليؤكد جملته الأخيرة، وأجال بصره حول الغرفة كأنه يستعرض تلك (الفرقة الواحدة) ثم تابع كلامه بلهجة هادئة فقال:

(أما المهمة الثانية وهي تقوية دعائم البلاد الاقتصادية فان الوحدة العربية ستبقى خيالا إذا لم تسبقها هذه التقوية. إن ما نستورده في الوقت الحاضر من الخارج يساوي أربعة أمثال ما نصدره، وعليه فلا بد لكل دولة عربية من تحقيق توازنها الاقتصادي قبل تحقيق الوحدة العربية المنشودة. ولن تنجح سورية في تعديل ميزانها الاقتصادية ما لم تعمل على تخفيض مقدار ما تستورده تخفيضاً شديداً، وتسعَ إلى خلق صناعات جديدة في البلاد وتحسين الزراعة

(إن نسبة تقدمنا الثقافي تكاد تفوق نسبة ما تتحمله البلاد من تقدم اقتصادي. فالسوري ذو ميل فطري للدراسة؛ ونحن نثقف أولادنا في الجامعات الأوربية حتى أوشك عدد المتعلمين عندنا أن يزيد على الأعمال المفتوحة لهم)

(يتبع)

علي حيدر الركابي