الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 241/فلسفة التربية

مجلة الرسالة/العدد 241/فلسفة التربية

بتاريخ: 14 - 02 - 1938


كما يراها فلاسفة الغرب

للأستاذ محمد حسن ظاظا

- 9 -

(يتفتح الطفل باللعب كما تتفتح الزهرة)

(فروبل)

(الفرق بين مخ أرقى قرد وأحط إنسان أكبر بكثير من الفرق

بين مخ أرقى إنسان وأحط إنسان)

(البيولوجيا)

الناحيتان البيولوجية والفسيولوجية

شرحنا في المقالات السالفة عملية التربية على ضوء الفلسفة وأشرنا إلى بعض (ما يجب أن يكون) وعلينا اليوم أن نرجع إلى (مجموعة العلوم) التي تتناول (الإنسان) بالدراسة والتحليل لنسمع كلمتها فيه، ولنتخذ من نتائجها المحتومة كل ما يفيدنا في تكوين (بطلنا المنشود)! وفي ذلك بالطبع من زيادة الشرح وتكميل النقص ما فيه

ستسأل: وما هذه (العلوم)؟ وسأجيبك بأن ما يهمنا منها هو علوم الحياة ووظائف الأعضاء والنفس والاجتماع؛ ثم ستسأل: وما علاقة ذلك بالفلسفة؟ وسأقول إن من خصائص الفلسفة الحديثة النظر في مبادئ العلوم ونتائجها، والخروج منها بوحدة متسقة منسجمة فيها من المعنى الجامع، والتفسير الشامل، والاتجاه العام، الشيء الكثير. وما دمنا في التربية حيال تلك القطعة الفذة من الخليقة (وأعني بها الإنسان) فلا بد لنا أولاً من أن نحاول فهمها وكشف خفاياها، حتى لا تكون أقوالنا عنها خيالية غير مجدية، وحتى نستطيع بعد حل لغزها بالعلوم المختلفة أن نسير بها إلى كل ما تتطلبه طبيعتها، وتحتمله قواها ويسمح به استعدادها. فترى ما هي كلمة البيولوجيا والفسيولوجيا في الإنسان؟ الجواب كما يلي: الناحية البيولوجية

وقد أصبحت هذه الناحية هامة وجديرة بالاعتبار في التربية ولا سيما بعد أن ظهرت (نظرية التطور) ووضعت الإنسان في مكانه بين سائر المخلوقات. ولعلك تعرف أن محور البحث هنا يدور حول الكائن الحي من حيث ملاءمته بين نفسه وبين بيئته. ومع كل فلا يهمنا من ذلك في التربية إلا المخ، والطفولة، والعقل

(1) فأما المخ فقد ثبت نهائياً أنه في (الإنسان) أكبر الأمخاخ بالنسبة للجسم، وأن الفرق بين مخ أرقى قرد وأحط إنسان أكبر بكثير من الفرق بين مخ أرقى إنسان. وقد لوحظ أن القابلية للتعلم والتهذيب تتمشى من كبر المخ تمشياً مطرداً، وإذن فمعنى كبر المخ في الإنسان هو القابلية العظمى للتربية، وقيام المخ ذاته مقام الانتخاب الطبيعي وجوهرية عملية التعليم ذاتها بالنسبة للإنسان والقدرة الكبيرة على التخلص من الغرائز أو تهذيبها ما دام المخ يستطيع أن يقوم مقامها.

(2) وأما طفولة الإنسان فهي أطول طفولة معروفة، إذ بينا يصير فرخ الطير قادراً على الاستقلال بنفسه بعد أيام قليلة، لا يصير ابن الإنسان كذلك إلا في سن لا تقل عن العشرين في الشعوب الراقية على الخصوص. وإذن فالتربية السليمة هنا أداة لا مندوحة عنها لأحكام عملية النمو وتحقيق آمال الجماعة في أفرادها

(3) بقي (العقل) وقد أثبتت جميع تجارب الباتولوجيا والتشريح والفصل الجزئي علاقته التامة بالمخ المشتمل على المراكز العليا التي تقوم بالعمل المُروي تاركة الأفعال العكسية واستجابات الغرائز للمراكز السفلى في العمود الفقري. وهذا (المخ) قابل للتربية كما يقول الأستاذ ولا سيما في سن الطفولة والشباب لأنه يكون حينذاك (مرناً) سريع التأثر، وإذاً فميسور تقوية نسيجه وقواه بتكوين عادات عصبية توفر الوقت وتترك للعقل فرصة للتفكير فيما هو أرقى من (الدفاع) الذي يبدو أنه الوظيفة الأساسية للجهاز العصبي عند الحيوانات جميعاً. والتربية هنا توقظ القوى النائمة، وتحفز المستيقظة، وتربط الرذيلة بالألم، والفضيلة باللذة؛ وتغرس العادات الحسنة التي قد تعادل الغرائز في قوتها. ويؤكد الأستاذ بعد هذا أن الجهاز العصبي في الأمم المتعلمة أقدر على قبول التربية منه في الأمم الأخرى. وإذاً فالفرق بين الوحشية والتمدن هو في الحقيقة فرق بين مخ يستجيب صاحبه للغرائز الطبيعية استجابة الحيوان، ومخ يستجيب صاحبه لها استجابات حرة مهذبة معدلة فيها التسامي والتعويض، والكبت والتحوير!

ولكن هل ترمي التربية إلى جعل جميع أعمالنا آلية عديمة الشعور؟ الجواب كلا! ذلك أن العقل الآلي لا يصلح قط للظروف الاجتماعية الدائمة التغير والتشكل. وإذاً فهي ترمي إلى إدخال عنصر (الشعور) في الأعمال حتى يمكنها إحكام التصرف على ضوئه المنير، وحتى تستطيع أن تشرق به على (اللاشعور) فتضيء ظلمته، وعلى الزمن فتنبهنا إليه، وعلى (المثل الأعلى) فتطمح بنا نحوه. وهناك لا نكون مجرد (آلات) تذهب إلى العمل وتعود منه إلى البيت، ثم تخرج إلى المقهى، وهكذا دواليك على نحو أوتوماتيكي خاص؛ وإنما نكون في أعمالنا كائنات حساسة شاعرة تحيا حياة اجتماعية خصبة فيها التقليد النافع، والتضحية السامية، والمحبة النابضة، والمنافسة السليمة، والقابلية لإصلاح أنفسنا وعاداتنا كلما شعرنا بالنقص ورأينا الكمال

أما النظرة العامة التي نخرج بها من هذه الناحية البيولوجية فهي العيش أولاً ثم الكماليات، العيش ثم الفلسفة والفن؛ هذا إلى جعل (الطفل) موجباً يؤثر لا سالباً (يتأثر)، لأن المخلوقات الحية قد تشكلت بردود أفعالها أكثر مما تشكلت بالبيئة. ويقتضي بالطبع جعل المدارس دور (نشاط) نظري وعملي لا دور حشو واستماع، والنظر إلى التربية ذاتها كمعوض أساسي يسد للإنسان ذلك النقص الهائل الذي لا نجده في الحيوان، وكأسلوب من (المواءمة المثلى بين المرء وبيئته) كما يقول الأستاذ هورن

الناحية الفسيولوجية

أما هذه الناحية فتقول مع بعض مذاهب الفلسفة إن الحياة قد بدأت بالمادة ثم بالروح، وإن الجسم والعقل لم يتلاشى بعضهما في بعض بالرغم من شدة امتزاجهما، فهما يكونان وحدة متسقة ويؤثر بعضهما في بعض تأثيراً كبيراً. ألا تنمو قوى العقل بالحس والحركة؟ أو ليست الإرادة حركة مُروًّى فيها؟ أو ليس (الشعور) - بعد هذا - صدى للإرادة والمعرفة؟

ولذلك تنحصر مهمة التربية هنا في تسليح الجهاز العصبي بردود أفعال حرة منها الاعتيادي - عن طريق العمود الفقري - ومنها المروّي فيه - عن طريق المخ - وفي الاستفادة من نتائج التجارب القائلة بأن العمل ينهك المخ فلا يكون لعمله بعد أربع ساعات قيمة ما، وبأن المخ يحتاج إلى غذاء خاص من الهواء النقي وغيره، وبأن القوى العقلية تمر في مراحل تمتاز أولاها بسيادة (الذاكرة)، وثانيتها بسيطرة (الخيال)، وثالثتها بحكم (الفكر)، وبأن التعب العقلي يمكن أن يجتنب إلى حد كبير بتنويع العمل على المراكز المخية المختلفة، وبأن صحة الجسم واجبة والعدل بين مجهود الجسم والعقل أوجب، وبأن وبأن مما يتسع المقام لذكره. . .

هذا إلى أنها - تمشياً مع الحقائق أيضاً - تنصح بإدخال (العمل اليدوي) و (اللعب) في عملية التدريس. ذلك أنها تعتبر الأول خير أداة للتعبير عن النفي، ولتنمية العقل وتدريب الحواس، وربط المواد، وتقوية الإرادة، واكتساب الذوق الجميل، وغرس القدرة على الإنتاج، وتعويد الدقة، وحب العمل واحترام العمال، وتقدير العاملين!. وأنا لثاني - وهو اللعب - فيقول عنه (فروبل) إنه يجعل الطفل يتفتح كالزهرة ويقول عنه شلر (إن الإنسان لا يكون إنساناً إلا به) ذلك أنه بعيد الغور في طبيعة الإنسان، حتى أن الشعوب نفسها لتلعب أحياناً وتلهو كالأطفال، وأنه ذو وظيفة أساسية في الحياة وإن اختلف العلماء في كنهها، وأنه إذا ما دخل في العمل الجدي جعله سهلاً مستساغاً وهيناً محبوباً. أليس الفن نفسه صدى للعب الخيال المنتج؟ وإذاً فلا مندوحة لنا من العناية به في المدرسة والتدريس، ولا مندوحة لنا من أخذ الجميع بالألعاب التي تقوي شخصيتهم، وتجمل أجسامهم، وتبث فيهم الروح الاجتماعية والجرأة والحرية والديمقراطية والإقدام وضبط النفس والإيثار. ولكن ليكن مبدؤنا دائماً في المباريات العامة والخاصة هو أن (الخسارة بحق خير من الفوز بباطل!)، ولنتجنب ما استطعنا ألعاب المنافسات الحقيرة والعصبيات التافهة والإنهاك الشديد؛ وبذلك تكون المدرسة فردوساً يحفه المرح ويسري فيه العمل الصحي بجميع نواحيه، وتكون التربية (مواءمة عليا بين المرء النامي الجسم وبين بيئته)

وإلى اللقاء حيث أحدثك عن الناحية النفسية فالناحية الاجتماعية

(يتبع)

محمد حسن ظاظا

مدرس الفلسفة بالمدارس الثانوية الأميرية