الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 178/كل امرئ وما خلق له

مجلة الرسالة/العدد 178/كل امرئ وما خلق له

مجلة الرسالة - العدد 178
كل امرئ وما خلق له
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 30 - 11 - 1936


للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني

عرفت شاباً حفيت قدماه من السعي حتى فاز (بوعد) بأن يستخدم (ساعياً) أو نحو ذلك بعد أن يقر البرلمان ميزانية الدولة. ووافق البرلمان عليها وأصبحت معمولاً بها وراح صاحبنا يستنجز الوعد ويستعجل التعيين فلم يجد إلا مطاولة وإخلافاً، فمل ذلك وجاءني يوماً وذكر لي جيرة أهله لنا في بعض ما مضى ورجا أن أدله على وسيلة تبلغه ما يريد. فقلت له يا أخي: أما الحكومة فلا صلة لي بها، وأنا أراك لا تستنكف أن تعمل فيها عمل الخدم وإن كنت شاباً متعلماً، فإذا كان هذا هكذا فما أظن أن الدنيا تضيق بك في غير الحكومة ولن تعدم عملاً في شركة أو متجر أو ما شابه ذلك. ولم أزل به حتى صرفته عن الحكومة، فمضى عني وفي نيته أن يلتمس الرزق من العمل الحر. ولم يكد يفعل حتى ساورتني الوساوس، فقد رأيته شاباً حيياً طيب القلب سليم النية مستقيم الفطرة لا يكاد يعرف عن الدنيا شيئاً؛ ومثل هذا خليق أن يغرق في محيطها الطاغي، ولكني لم أكن أستطيع أن أصلح ما اعتقدت أني أفسدت، لأني لا أعرف أين يسكن حتى كنت ألحق به وأمحو ما وقر في نفسه من كلامي. ولم يعد هو إلى بعد ذلك فذهب كل أمل، فجعلت ألوم نفسي وأوسعها تقريعاً وتأنيباً، ثم شغلتني الحياة فنسيته.

ومضت شهور لا أراه ولا أسمع به - وأعترف فأقول: ولا يرد له ذكر على بالي. وجاء الصيف واحتجت أن أقضي بضعة أيام في الإسكندرية فنزلت في فندق جديد على البحر عند شاطئ (ستانلي)، فأتفق يوماًُ أني خرجت أتمشى فعدت متعباً فقلت أستلقي على السرير ففعلت وأخرجت سيجارة احتجت لإشعالها أن انهض قليلاً لأمد يدي إلى الكبريت، وكان على منضدة صغيرة قريبة من السرير، فما راعني إلا حذاءان ضخمان لا حق لمخلوق في أن يكون له مثيل ما فيهما من القدمين، ففزعت ثم تذكرت أن الذي يختبأ تحت السرير يكون هو الخائف الفزع، ففي وسعي أن أطمئن قليلاً، فقمت فقعدت على كرسي ودعوت صاحب القدمين الكبيرتين أن يخرج بالعفو عنه، فخرج القهقري - أعني أن الساقين ظهرتا أولاً ثم الجزع ثم الكتفان ثم الدماغ.

وبعد أن خرج هذا كله رفع صاحبه وجهه إلي فإذا هو الشاب الذي غاب وانقطعت أخب عني فصحت به: (حامد! ماذا جاء بك إلى هنا؟)

وكان الواجب أن ينهض وينفض التراب ويشرح لي الأمر ويفسر لي كيف دس نفسه تحت سريري، ولكنه لم يفعل شيئاً من هذا كله بل بقي قائماً على ركبتيه وراحتيه فضحكت وقلت له: (أظن أن على أنفك شيئاً من التراب)

فقال: (صحيح؟) وشرع يمسحه بكفه.

فقلت وقد سرني المنظر: (وهل تظن أني أكذب عليك في أمر مهم كهذا؟. ولكنك حين مسحت انفك وضعت على وجهك نحو طن من التراب لأن يدك كما لا أحتاج أن أنبهك غير نظيفة)

فاتكأ على كف ورفع كفه الأخرى إلى عينه لينظر وقال: (صحيح)

فقلت: (أظن أن هنا حوض وماء ففي وسعك أن تغتسل وتعود نظيفاً كما كنت. . . وبعد ذلك نستطيع أن نتفاهم).

فغسل وجهه ورأسه وسرح شعره، ونفض التراب عن ثيابه ثم ألتفت إلي وقال: (الحقيقة أن الرقاد تحت السرير حماقة).

فقلت: (هذا يردنا إلى الموضوع، فلماذا كنت راقداً تحتسريري؟؟ وماذا جاء بك إلى هنا على كل حال؟)

فقال: (تحت السرير؟ أنا؟. . . آه)

فقلت: (نعم. تحت السرير. . . . . هذا سرير؟ أليس كذلك؟ اتفقنا أذن! وأنت كنت تحته. . . فماذا كنت تصنع تحته. . . أعني تحت هذا السرير؟ سريري أنا. .؟)

فقال: (أهي غرفتك؟)

قلت: (ليس أسمي مكتوب عليها لا بأحرف من نور ولا بالطباشير ولا بالدهان، ولكن أظن صاحب الفندق يشهد بأنها غرفتي إذا شئت أن تسأله. . . . على كل حال يمكنك أن تصدقني وتكتفي بما أقول)

فقال: (طبعاً. . . طبعاً. . . لا شك. . . لا شك)

فراقني هذا جداً، وأدركني العطف على هذا الشاب الذي قذفت به نصيحتي في عباب حياة لا قبل له به، وقلت (الآن نعود - إذا سمحت - إلى السؤال) فقال: (لقد كنت أظنها خالية.

وخطر لي أن خير ما أفعل هو أن أرقد تحت السرير)

فقلت: (الأمزجة تختلف، ولكن ألا تقول لي لماذا رأيت هذا خير ما يمكن أن تصنع؟ أو فلنبدأ من البداية. . . . ماذا جاء بك إلى الإسكندرية؟)

قال: (هذه قصة طويلة. . .)

قلت: (إني رجل واسع الصدر. . ومع ذلك، في وسعك أن تحذف قصة ميلادك وطفولتك، وأن تقفز إلى ما بعد اليوم الذي زرتني فيه)

قال: (لقد عملت بنصيحتك)

قلت: (ظاهر. . . . ولكني - على قدر ما أذكر، فأن ذاكرتي ضعيفة كما تعلم أو لا تعلم، - لم أوصك بالتسلل إلى الغرف التي تظنها خالية وأن كانت فيها حقيبة كبيرة وثياب معلقة، ولا بالنوم تحت أسرة الناس)

قال: (لا لا لا. لست أعني هذا. إني آسف لإزعاجك)

قلت: (استغفر الله. . . بل آنستني. . . البيت بيتك. . . أعني الفندق. . نعم؟)

قال: (خطر لي أن اهرب من مصر)

قلت: (هل ارتكبت جريمة؟)

قال: (لا لا. . . أعوذ بالله! إنما أعني أن الناس يعرفونني في مصر وقد اخجل أن يروني أزاول عملاً غير لائق. . .)

قلت: (صحيح. . . مصر صغيرة جداً. . . ليس فيها إلا مليون وربع مليون من الناس. . . ومثلك لا يمكن إلا أن يبرز جداً في مثل هذا العدد الضئيل. . . . معك حق. . . والى أين ذهبت؟)

قال: (جئت إلى الإسكندرية. . . لا يعرفني فيها أحد. . . وبدأت بأن صرت أبيع أوراق (اليانصيب) ولكن الناس كانوا يستريبون بي لأني ألبس بذلة، ويشترون من الصعيدي لابس الجلابية. . . لا أدري لماذا؟ فتركت هذا وعملت خادماً في مطعم. . . لم أبقى فيه سوى أسبوع واحد. . . الحقيقة أني لا أدري كيف يستطيع أن يحمل المرء كل هذه الصحون والملاعق ولا يكسر منها شيئاً. . .)

قلت: (هل كسرت الصحون، وحطمت الأواني؟) قال: (لم أكسرها، إنما كانت هي تسقط مني)

قلت: (هذه مسألة دقيقة جداً. فلنقف عندها قليلاً. . . أنها تذكرني بابني. . . كان معي يوم زرتني، فلا شك أنك تعرفه)

فقال وقد أضاء السرور والإعجاب وجهه: (أكان هذا أبنك؟)

قلت: (لا يزال أبني على الرغم من كل شيء)

قال: (ما شاء الله. . .)

قلت: (أشكرك. . . وأعود فأقول إن بائع تين مر ببيتنا يوماً فوزن لنا أقة، فأخذها منه الصبي - اعني أبني فقد كان صبياً صغيراً كما لا بد أن تعرف - واكل منها تينات في طريقه ألينا. . . بلعها بلا مضغ على ما أظن، فقد كانت المسافة أقصر من أن تسمح بالأكل الصحيح - أعني الصحي. . . المضغ اثنتين وثلاثين مرة إلى آخره - فلم يعجبنا التين فأعدناه إلى صاحبه، ولا أدري كيف عرف، ولكنه تبين أن التين أنقص مما كان، فسألنا الغلام، فقال أنه لم يأخذ شيئاً، ولكن التين كان يثب من الطبق إلى فمه. . . فهذا من ذاك يا صاحبي! ثم ماذا أيضاً بعد أن طردت من المطعم. . . لا بد أن تكون طردت. . . أم تراك قدمت استقالة مسببة ذكرت فيها أنك لا تستطيع أن تعمل مع هذه الصحون والأطباق اللعينة التي تأبى إلا أن تعاكسك وتحاورك وتغافلك وتسقط من يدك؟)

فتمتم قليلاً ثم قال إنه أشتغل بائع للبن الزبادي - اليغورت كما يسمى في أحياء الرمل - فضحكت وقلت: (لابد أن تكون قد عانيت من سلاطين اللبن مثل ما عانيت من صحون المطعم. . . الطبيعة واحدة، ولست أحتاج منك إلى بيان ما حدث، فأني أعرف روح هذه المادة التي تصنع من الصحون والسلاطين)

فقال بلهجة الجد المضحك: (الحقيقة أنه أمر غريب. . لقد كان يخيل إلي أن شيئاً فوق رأسي يحرك الطبلية ويميلها فتتسابق السلاطين إلى الأرض)

قلت: (معقول. . . . معقول. . . . شيطنة معهودة من كل ما يصنع من هذه المادة المكهربة)

ولا أطيل، فما أردت من إثبات هذا الحوار إلا أن يرى القارئ مبلغ سذاجة هذا الشاب وبراءة نفسه وطيب خيمها، وقد علمت منه انه يشتغل، خادماً أو (ساعياً) عند قصاب، وأنه جاء إلى الفندق - كما يفعل اليوم - بمقدار اللحم المطلوب فوضعه قرب باب المطبخ قبل أن يسلمه إلى رجال الفندق، ووقف يحادث اللبان، فجاء كلبان ضخمان وأعملا أسنانهما في اللحم، وأقبلت القطط - لا يدري من أين - فاختطفت ما بقي؛ وظهر صاحب الفندق، وذهب صاحبنا يعدو، بلا عقل، فإذا به يرى نفسه بين الغرف، وكان اليوم يوم أحد، وليس عليه بعد ذلك عمل، وقد قبض أجره الأسبوعي، فرأى أن يرتدي بذلته، ليتسنى له بعد أن يسلم الرسالة أن يخرج للرياضة والتنزه من غير أن يحتاج أن يعود إلى غرفته في (المكس).

والتقى في طريقه بين الغرف بأحد النازلين في الفندق خارجاً من غرفته، فخاف ودخل غرفتي فألفاها خالية، فدس نفسه تحت السرير، بلا تفكير، حتى أخرجته. . .

فسألته: (ألا يمكن أن يكون هناك عمل تصلح له، ويصلح لك. . . كالحلاقة مثلاً؟)

فحدق في وجهي مستغرباً وقال (إيه. . أعني. . معذرة. .)

قلت: (لا بأس. . . أردت أن أقول ألا يمكن أن تكون شيخ طريقة مثلاً؟؟، ولكن هذا يحتاج إلى ذكاء وحذق وبراعة وجرأة. . . ولا شك أنك ذكي حاذق، وشجاع وبارع، ولكن الأمر يحتاج إلى ضرب آخر من هذه المزايا، فقل لي. . لا بد أن يكون هناك شيء تتقنه. . . فماذا هو؟ فكر. . . أقدح زناد هذا الفكر. . . أرنا همتك. . .)

فأطرق ملياً ثم قال: (لو كان عندي رأس مال لاقتنيت غيّة. . . ولكن. . .)

فقلت: (هل سمعتك تقول (غيّة)؟)

قال: (نعم. . . غيّة. . .)

قلت: (مفهوم، ولكن ألا يمكن أن تجعلها أسهل. . . . أعني أن تفسرها؟. .) قال: (غيّة. . . ألا تعرفها؟)

قلت: (لا بد أن أكون أعرفها. . . ولكن ينقصني أن أعرف ماذا هي؟ فماذا هي؟) قال: (الغيّة هي. . . هي الغيّة)

قلت: (هذا أحسن. . .)

قال: (تعرف ما أعني. . . الحمام. . . تبني له بيتاً من الخشب فوق السطح، وتعنى به)

ففهمت وسألته (ولكن هل هذا عمل يربح منه الإنسان، أم هو تسلية فقط؟) قال: (لست أثني على نفسي، ولكني لو وجدت المال اللازم أستطيع أن أستولده. . .)

قلت: (تستولد المال؟)

قال: (لا لا. . . الحمام. . . أربيه وأستولده. . . وأبيع منه. . . عمل رابح جداً) فخطر لي أن لعله صادق، وأن هذا شيء يحسنه فسألته عما يحتاج إليه من المال فقال: أنه ادخر نحو جنيهين، وانه يستطيع أن يقترض من أهله نحو عشرة لكنه ينقصه مثل هذا القدر للبناء وشراء الحمام اللازم، فاقترحت عليه أن نجعلها شركة مساهمة فانطلق يحدثني عن الحمام وطباعه ومزاياه، ويصف لي أنواعه ويذكر لي أسماء لم أسمع بها من قبل، فاطمأن قلبي وأيقنت انه اهتدى إلى ما يحسن، وعدت به إلى القاهرة وجمعت له من أخوان لي ما يكفي (لمشروعه).

ولم أكن أظن أن الحمام تجارة رابح، ولكنه بعد عام واحد استطاع أن يرد ما أقترض من أهله ومنا، وان يخبرني أنه موفق، وانه يعيش عيشة راضية، لا ترف فيها ولا بذخ، ولكنها - على كونها عيشة كفاف - هي التي كان يصبو إليها، لفرط حبه لهذا الطير. . . .

فلا يزال صحيحاً أن المرء ميسر لما خلق له.

إبراهيم عبد القادر المازني