الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 130/بعض مواطن الخفاء في التاريخ الإسلامي

مجلة الرسالة/العدد 130/بعض مواطن الخفاء في التاريخ الإسلامي

مجلة الرسالة - العدد 130
بعض مواطن الخفاء في التاريخ الإسلامي
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 30 - 12 - 1935

2 - بعض مواطن الخفاء في التاريخ الإسلامي

للأستاذ محمد عبد الله عنان

- 4 -

وفي عصر الحاكم بأمر الله تدنو أساليب الخلافة الفاطمية، وتدنو شخصية الخلفاء الفاطميين من ذروة الخلفاء؛ وكما أن الدعوة السرية الشيعية لقيت على يد الخلافة الفاطمية أعظم مظاهر ظفرها الديني والسياسي، فكذلك تلقى الدعوة السرية الفاطمية في عصر الحاكم بأمر الله أغرب مظاهرها، وأشدها إمعاناً في الغموض والخفاء؛ وفي هذه الفترة بالذات ينفجر بركان الدعوات السرية التي لبثت تضطرم قبل ذلك بأكثر من قرن، وتحقق بعض غاياتها العملية بصور جريئة مروعة

ولقد كانت شخصية الحاكم بأمر الله مثال الخفاء ذاته؛ ولم تكن مظاهر الغموض والتناقض التي تنتاب هذه الشخصية الغريبة في كثير من المواطن، لتحجب مظاهر القوة المادية والمعنوية التي تتمتع بها في أحيان كثيرة، بيد أنا نلاحظ أن الخفاء يغمر هذه المظاهر جميعا، سواء في فترات قوتها أو ضعفها. كان الحاكم ذهناً هائماً، يشغف بنظريات الخفاء والعالم الآخر، وينكب على دراسة التنجيم والفلك، ويهم في ميدان المباحث الفلسفية والروحية؛ وكان هذا الخفاء المروع يصحب الحاكم في حياته الخاصة، وفي تصرفاته العامة، في أقواله وأعماله؛ وأي خفاء أشد من ذلك الذي تنفثه حولها شخصية ترتفع في سماء التفكير حتى لتزعم السمو فوق البشر، وتهيم في دعوى الألوهية، وتنحط مع ذلك في بعض نزعتها وتصرفاتها إلى نوع من الجنون الغامض؟ لقد يجرؤ الدعاة في كثير من المواطن على انتحال الرسالة أو النبوة، وقد يزعم المشعوذون المغامرون أنهم يتمتعون بمواهب خارقة، ولدينا من هؤلاء وهؤلاء ثبت حافل في جميع العصور والأمم، بل إنا لنراهم ينبثون في القرن الثامن عشر في المجتمعات الأوربية يزاولون السحر والتنجيم، ويعتصمون بأذيال الخفاء والروع؛ ولكنا لا نعرف مثلا عملياً ذهب فيه الداعي إلى انتحال الألوهية، وأثمرت فيه الدعوة ثمرتها العملية كمثل الحاكم بأمر الله

احتشد الدعاة السريون بمصر في عصر الحاكم، وازدهرت الدعوات السرية، واتخذت سبلا ومظاهر شتى؛ وكان المجتمع القاهري يعيش في الواقع على هامش تلك الدعوات الغريبة التي تتخذ سبلها في الخفاء إلى أذهان الهائمين والمنافقين؛ وقد تمخضت هذه الحركة السرية الملحدة في عصر الحاكم ذاته عن نتائج مدهشة، ففي أواخر عصر الحاكم ظهر دعاة يدعون إلى ألوهية الحاكم بأمر الله؛ وزعم حمزة بن علي رأس أولئك الدعاة وأشدهم جرأة أن الحاكم ليس بشرا، وإنما هو (المولى سبحانه هو هو في كل عصر وزمان) ونعته بأنه (قائم الزمان)، وأنه هو أي حمزة نبيه ورسوله، وذهب الدعاة في جرأتهم إلى حد التبشير بهذا الهراء في جامع القاهرة (الأزهر) علناً، وكادت تضطرم من جراء ذلك فتنة خطيرة لولا أن بادر الحاكم بصرف الدعاة وإبعادهم إلى الشام، وهنالك أسفرت دعوتهم عن تأسيس مذهب الدروز الذي ما زال قائماً إلى اليوم، وقوامه القول بالتناسخ وحلول الأرواح، وأن الحاكم بأمر الله هو الإله، وهو قائم الزمان، تجسمت فيه روح آدم، بعد أن تجسمت من قبل في علي بن أبي طالب

وقد وضع أولئك الدعاة كتباً ورسائل سرية مدهشة انتهى إلينا بعضها؛ ولم يك ثمة ريب في أن الحاكم بأمر الله كان يرعى هذه الدعوة ويغذيها من وراء ستار، وأنه تأثر بها في أواخر عهده، وأذكت هيامه، واضطرام عقله وروحه، وكان لها أكبر أثر في تطور الدعوات السرية الإسماعيلية

- 5 -

وكان اختفاء الحاكم كحياته لغزا مدهشا، بل كان ذروة الخفاء والروع؛ وما زالت قصة هذا الاختفاء وظروفه وحقيقة عوامله مثار الريب والجدل. ركب الحاكم ذات مساء في بعض جولاته الليلية التي كان يشغف بها ولا يصبر عنها، وقصد ناحية في جبل المقطم اعتاد أن يرتادها لرصد النجوم، بعد أن صرف الحشم المرافقين له؛ ثم لم ير بعد ذلك قط لا حياً ولا ميتا، ولم يوجد له بعد ذلك أثر قط؛ ولم توجد جثته قط. ولم تقدم إلينا الروايات المعاصرة أو المتأخرة أية رواية حاسمة عن مصرعه أو اختفائه، ولكنا لا نتردد رغم خفاء الحادث وغموض ظروفه في الاعتقاد بأن الحاكم ذهب ضحية مؤامرة، وأن مقتله لم يك سوى جريمة سياسية ارتكبت لتحقيق شهوات الملك والسياسة؛ وهذا ما تقرره بعض الروايات المعاصرة على اختلافها في الشرح والتفصيل؛ وفي ظروف الحاكم، وفي عنفه واضطرام أهوائه، وغريب تصرفاته، وفي قسوته وصرامته نفسه ما يفسر مثل هذا الرأي، وما يسبغ عليه مسحة من الرجحان. ومعظم الروايات المعاصرة على أن الذي دبر المؤامرة هي الأميرة ست الملك أخت الحاكم؛ وكانت تأخذ عليه عنفه وإغراقه، وتحذره من عواقب أهوائه؛ وكان الحاكم يشدد عليها الحجر والرقابة وينعى عليها سوء مسلكها وفضائحها الغرامية؛ وكانت تخشى بطشه وفتكه، وترقب الفرص لتدبير اغتياله؛ وكان حليفها وعونها في تدبير المؤامرة وتنفيذها، سيف الدولة بن دواس زعيم قبيلة كتامة القوية التي فقدت في ظل الحاكم ما كانت تتمتع به من النفوذ والجاه. وفي ليلة الاثنين 27 شوال سنة 411هـ (1020م) ركب الحاكم إلى المقطم، بعد أن طاف حيناً في أنحاء القاهرة، وسار إلى الجبل ومعه ركابيان فقط؛ وكان أبن دواس قد اتخذ أهبته ورتب للفتك بالأمير عبدين من أخلص عبيده؛ وتوغل الحاكم في الجبل إلى حيث اعتاد أن يرصد النجوم ومعه ركابي فقط؛ أما الركابي الآخر فصرفه مع بعض ذوي حاجة اعترضوه في طريقه، وهنالك في جوف الجبل تمت الجريمة وقتل الحاكم ووصيفه، وقطعت قوائم حماره الأشهب؛ وحملت جثة الحاكم في جوف الظلام إلى أخته ست الملك فدفنته في نفس مجلسها؛ واتخذت كل ما يجب لكتمان الجريمة، وأذاعت أن أخاه سيغيب أياماً؛ وخرج الناس إلى الجبل فلم يعثروا بأثر للحاكم أو حماره أو ركابيه؛ ورتبت ست الملك في نفس الوقت اغتيال أبن دواس وكل من اشترك في الجريمة أو وقف على السر، وذهب السر مع الجناة إلى القبر

وقضى رجال الدولة ثلاثة أيام متوالية يبحثون عن الحاكم دون جدوى، وفي اليوم الرابع توغلوا في الجبل فعثروا بحماره الأشهب وقد قطعت قوائمه، وتابعوا بحثهم حتى وصلوا إلى البركة الواقعة شرقي حلوان، فنزلها البعض، وعثروا فيها بثياب الحاكم مزررة لم تحل أزرارها وفيها أثر الطعان. فعندئذ أيقن الناس بقتله

كان مصرع الحاكم فيما يرجح إذاً جريمة سياسية دبرت ونفذت بأحكام؛ ولكن ذلك التعليل لم يكن حاسما في عصر ذاعت فيه الدعوات والأساطير السرية، ونودي فيه بألوهية ذلك الذي اختفى على هذا النحو الغامض. ومن ثم فقد زعم بعض الغلاة والمغامرين من الدعاة أن الحاكم لم يمت ولكنه اختفى وسيظهر آخر الزمان، أو أنه رفع إلى السماء كما رفع المسيح بل لقد وجدت هذه الأساطير المغرقة سبيلها إلى بعض دوائر البحث الحديث، فنرى المستشرق فون ميللر مثلا يعلق على اختفاء الحاكم بما يأتي: (أما أن أخته قد دبرت قتله لخوفها من تنفيذ وعيده لها بالقتل، فهو حديث خرافة. والواقع أن مصيره لم يعرف قط. وعندي أنه طبقا لكل ما نعرفه من حياته، قد رأى استحالة تحقيق مبادئه في مصر، فاعتزال الحياة واختفى في مكان ما ليقضي حياته بعيداً عن الأنظار، لكي يعتقد أنصاره على الأقل أنه هو (الناطق) حقيقة (ناطق الزمان) وأنه سيعود من رمسه آخر الزمان في شخص الإمام أو المهدي؛ وهذا ما لا يزال ماثلا إلى اليوم في عقائد الدروز)

والواقع أن هذه الأساطير رغم بطلانها وإغراقها، كانت أخصب مستقى لمذهب الدروز. وإذا كنا لا نستطيع أن نؤمن بهذا التعليل الغريب لاختفاء الحاكم، ففي وسعنا أن نعتقد أن اختفاء الحاكم كان نتيجة جريمة دبرها الدعاة السريون لإذكاء دعوتهم، ولكي يسبغوا عليها بإخفاء الحاكم من هذا العالم قوة الدلائل المادية، فيقال إن ناطق الزمان قد اختفى ولن يظهر إلا في آخر الزمان. على أنه مهما قيل في مصرع الحاكم وفي تعليل اختفائه، فلا ريب أنه من أغرب حوادث التاريخ الإسلامي، وأشدها غموضاً وروعة وخفاء

- 6 -

هذه خلاصة منوعة لبعض مواطن الخفاء في التاريخ الإسلامي وهنالك الكثير منها مما لا يتسع المقام لذكره. ولا تقتصر هذه المواطن الخفية الغامضة على حوادث التاريخ الإسلامي؛ ولكنها تمثل في تواريخ معظم الأمم والعصور؛ فما من عصر إلا وله أساطيره، وما من أمة إلا ولها أساطيرها القومية، وقد كانت هذه الأساطير وهذه المواطن الخفية تمت في الغالب بصلة إلى الدين أو إلى الأطماع والمشاريع السياسية، وكان يستغلها دائما دعاة مهرة ومغامرون لهم من الجرأة والإقدام، ما يكفل تحقيق مشاريعهم؛ وكان السلطان الروحي أو السياسي دائما مطمح أولئك الدعاة أو المغامرين؛ وفي أحوال كثيرة نرى الأسطورة الدينية أو الدعوة الخفية تنتهي بانفجار تعقبه انقلابات سياسية واجتماعية خطيرة، وفي بعض الأحيان نرى الأسطورة أو الدعوة تفضي إلى قيام دولة جديدة أو مذهب ديني أو سياسي جديد

ولا ريب أن هذه الأساطير والدعوات والحوادث الخفية تبدو في عصرنا حديث خرافة، ومن المستحيل أن تشق طريقها بعد في أمة متمدنة أو مجتمع مستنير. ولكن يجب أن نذكر فوارق العصر والظروف، وأن نحكم على هذه الظواهر الغريبة بمعيار العصر الذي حدثت فيه. على أننا نجد في التاريخ الحديث، وفي المجتمعات الحديثة المتمدنة أيضاً أمثلة مدهشة من هذه الأساطير والظواهر الخفية تشق طريقها إلى أرقى المجتمعات وتثير الدهشة والروع في نفوس الكبراء فضلا عن العامة؛ ففي القرن الثامن عشر ظهر في ألمانيا والنمسا وفرنسا عدة من الدعاة والمغامرين السريين مثل يعقوب فرنك (أو الكونت أوفناخ) والدكتور فوك، ويوسف بلسابو (أو الكونت كاجليوسترو)، والكونت سان جرمان وغيرهم، وجابوا المجتمعات الأوربية الرفيعة، وأثارت مزاعمهم ودعاواهم في الخلود وعلم الغيب، ومزاولة السحر، والخوارق، كثيراً من الدهشة والروع؛ بيد أن هؤلاء المغامرين الدهاة لم يحاولوا أكثر من تحقيق مطامع محلية وشخصية؛ وذلك أن العصر الذي كانت فيه جرأة الدعاة تتجه إلى إنشاء المذاهب الدينية أو الدولة السياسية، كان قد انتهى منذ بعيد، ولم يبقى أمام الأواخر من الدعاة والمشعوذين إلا أن يعملوا في ميدان متواضع جدا لتحقيق المآرب والأهواء الشخصية.

(تم البحث)

محمد عبد الله عنان