الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 130/اندفاعات

مجلة الرسالة/العدد 130/اندفاعات

بتاريخ: 30 - 12 - 1935


للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي

يعيش القريعُ الحُّر في البلد الحِّر ... فبالخير يجزى الخيرَ والشرَّ بالشرِّ

ويزري بعادات يراها مضرّة ... وأمّا بما فيه انتفاعٌ فلا يزري

وأَكْثِرْ بمغُترّ بما كان ظاهراً ... وأَقْلِلْ بمن قد كان ليس بمغتر

بمجتَمعٍ حّريةُ الفكر عنده ... وما عنده حُريةُ القول والجهر

ولم يك أسراً منع حُرّية الورى ... ولكنه شرٌّ عليهم من الأسر

وما خيرُ أرض هان فيها ذوو الحجا ... وذو الأفْن موصول الكرامة والقدر

تحّملتُ أعباَء ثقيلة ... فكانت كأخت الموت قاصمة الظهر

يعادونني من أجل تركي لمدحهم ... ومَن كان حُراً عاش للأدب الحُر

ومالي وثوق في العراق بصاحب ... مع المدّ يأتيني ويمضي مع الجَزْر

لقد نسبوا لي الوزرَ فيما أقوله ... وهل مُثقِلٌ غيري إذا صدقوا وزري

وللكفر والإيمان تجمع لحمةٌ ... وقد شرب الإيمان من منبع الكفر

ولو كنتُ أدري ما ألاقي من الأذى ... أخذت من الأيام قبل الأذى حِذري

أعاتب أيامي على ما أصابني ... وما في يد الأيام شيءُ من الأمر

ولست إذا لاقيتُ مكراً بنا كصٍ ... ولكنني أستقبل المكرَ بالمكر

إذا رمتَ أن تلقى من الناس حرمةً ... فكن سيداً للخير أو سيد الشر

وإن الفتى الخّوار في حومة الوغى ... إذا لم يمت بالسيف مات من الذعر

وليس يردّ العسكرَ المجرَ غازياً ... لمملكة مُثلى سوى العسكر المجر

وما أنس لا أنس الشبابَ فأنه ... على ما به من خفة غرّةُ العمر

صبوتُ إلى غُرّ الوجوه مُتيماً ... ومَن كان لا يصبو إلى الأوجه الغُرّ؟

وإني ليعروني اضطرابٌ لذكرهم ... كما اضطراب العصفور في مخلب الصقر

وإني كسارٍ ضلّ ليلاً طريقه ... بمذأبة خرقاء أو مهمةٍ قفر

ذكرتُ شباباً كان لي في زمانه ... سوابق آثام فأخجلني ذكرى

أثمتُ وبالطيش اعتذرتُ مُبرّراً ... وأكبرُ من إثمي الذي جئتهُ عذري ألامُ على حبي لدنيايَ هذه ... وما حيلتي إن كان قلبي بها يغري

صحوت غداةَ الشيب من سكرة الصبا ... ويا رُبّ صحوٍ كان شراً من السكر

وكان نصيبي في الشباب ابتسامةً ... تلوح على عين الحبيبة والثغر

قد ازدان بالألماس والزَهر فرعُها ... كما ازدان ليل الصيف بالأنجم الزُهر

ولما تفارقنا شجاني بكاؤها ... وما نثرت تلك المدامعُ من دُرّ

أذال هوانا الدمعَ والعقل صانه ... فموقفُه بين المذلّة والكبر

وماذا لليلي جدّ حتى تغيرت ... فأني وليلى كنت كالماء والخمر

تعيرني بالشيب وهو مصيرُها ... كأني وإياها إلى غايةٍ نجري

أبالقلب مني تهزئين إذا صحا ... ولكن هذا القلب ينبض بالشعر

منحتك حبي خالصاً فهجرتني ... وأسرفتِ يا ليلى الجميلة في الهجر

وللبلبل الصداح في كل روضة ... عرائسُ يبثثن الغرامَ من الزَهر

ويبسمن للصيداح من فرح به ... ويرمينني للشيب بالنظر الشزر

وللزهر مثل الغانيات لواحظٌ ... وفي تلكم الألحاظ شيءٌ من السحر

عيون رمتني بالسهام مريشةً ... بأهدابها من حيث أدري ولا أدري

سأهبط قبراً بعد حُمّى تميتني ... سلامٌ على الحمّى، سلامٌ على القبر

وإني لأخشى دفنهم لي بحفرة ... فيدُفن للنسيان فيها معي فكري

تموت اعتبارات الفتى عند موته ... فلا حسنَ في عُرفٍ ولا قبحَ في نكر

وأطْوِلْ بليل القبر والقبرُ ضيّقٌ ... ونوميَ في جوف التراب مدى الدهر

وددتُ لو أني قد يقضتُ من الكرى ... على صيحة الصيداح في مطلع الفجر

طريقُ حياتي لم يكن متساوياً ... فوعرٌ إلى سهل وسهلٌ إلى وعر

أرى المرَء مضطراً لما هو فاعَل ... وإن خال جهلاً أنه غير مضطرّ

ولستُ أخاف الشكَّ في كل ما رووا ... ولكنّ بعض الشكّ يأكل من حِجري

لمن تكتب الأرواحُ في اليمّ مألكاً ... فإني أرى الأمواجَ سطراً إلى سطر

مكانك لا تطلب من الدهر مخرجاً ... فأنك أَني سرت في قبضة الدهر

وليس أنيناً ما له أنت سامعٌ ... ولكنه شكوى الغريق إلى البحر لقد جرّد الدوحَ الخريفُ وليته ... لأطياره أبقى على الورق النضر

فَروضٌ ولكن لا رواء لزهره ... فهل فيه لاقى الزهرُ شحّاً من القطر

إذا لم تكن تشكو الأزاهيرُ كربةً ... فما بالها ليست بباسمة الثغر