الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 103/القصص

مجلة الرسالة/العدد 103/القصص

بتاريخ: 24 - 06 - 1935


من أساطير الأغريق

مجازفات هِرَ قل

للأستاذ دريني خشبة

1 - إلى غابة نيميا

كانت الغابة تثير الرعب في قلوب الجن، وكانت الظلمات تضرب في أنحائها فتجعلها تيهاً يعج بالأفاعي، ويضج بالتنانين

وكان ملكها الضرغامة يربض في المغارة المفزعة، المنشقة كالقبر في أول الطريق المؤدي إليها؛ وكان يخرج في أول الليل فيصول في القرى المجاورة ويجول؛ وكان الأهلون التعساء يلقون من بطشه وشدة أذاه الشيء الكثير؛ فلم يكن يبقى على دابة في الأرض، ولا إنسان في الطريق. ينقض كالقضاء على فريسته فيجندلها، ثم يحتملها إلى كهفه فيلتهم منها، وينبذ الباقي لخدمه وعبيده الكثيرين من سائر السباع

ولم يكن كهذه الأسود الضئيلة التي يتحدث عنها السودان هذه الأيام، بل كان أسداً في جرم الفيل وقوته، ورشاقة النمر وخفته، وخباثة الثعلب وحيلته. . . يثور فينقدح الشرر من مقلتيه، وتمور الأرض وتسجد الجبال بين يديه. وكانت له لبدة نسجتها له الآلهة من أشواك الجحيم، وبطنّها بحمّى المنية!

وكان زئيره يقصف كالرعد فيزلزل شعاف الجبل؛ ويهز جوانب السماء، ويهيج الجنون والفزع في رؤوس الوحوش، فترى إلى الغابة كأنها ترقص على فوهة بركان!!

ولقى هرقل أصدقاءه فنصحوا له ألا يلقى هذا الأسد، وأن يضنّ بشبابه. . . على أنيابه؛ وبماء الحياة المتدفق في بردتيه، على جمر الغضى المتأجج في حدقتيه. . .

ولكنه أبى!! وانطلق كالعاصفة إلى حيث يربض أبو أسامة. . . وإنه لعلى خطوات من الكهف، وإنه لينظر إلى السيف الذي كان إلى هذه اللحظة في يمينه فلا يجده!!

(أين؟ أين سيفي؟. . . آه! ها ها. . . لقد سرقته حيرا!! أرادت الخبيثة أن تجردني من السلاح الذي أنازل به خصمي! خاب فألك يا حيرا!! سأنازله بغير ما سلاح. . . سأحطمه.

سأشدّ لسانه حتى أنتزعه من غلاصمه. . . إليّ يا سبع نيميا. . . إليّ يا ملك الغابة وسيد وحوشها. . . الساعة ساعتك. . . لا مفر لك يا أبا لبدة!. . . . . . . . .)

وطفق هرقل يرعد كالمجنون؛ وكان سبع نيميا نائماً فاستيقض على هذه الصيحات الداويات، ووثب وثبة هائلة كان بها أمام هرقل، وجهاً لوجه. . .

وبدأت الزوبعة. . .

والتقى الجبل بالجبل، وتصارع الجبّاران ساعة، لا هذا ينال من ذاك، ولا ذاك يصل إلى وطر من هذا. . . وأقبلت وحوش الغابة تشهد المعركة وتتعجب. . . وغضب أبو أسامة، وهالة ألا يقوى على رجل بمفرده يكاد يصرعه. . .

وتعب هرقل. . . ونال منه الجهد، ورأى أن لا بد من آلة، فدار دورة اقترب بها من شجرة باسقة، فانتزعها، وألقى بجذعها في شدقي الأسد، ثم أسرع فقبض على لسانه العظيم فانتزعه، وانقذف الدم يتدفق من هنا وهناك. . . وتسيل به أودية الأرض!!

وكأن نشوة الظفر قد ضاعفت قوة هرقل، فقبض على فكّي الأسد، وشدّ على الرأس الكبير فتحطّمت عظام المخ، وخرّ ملك الغابة يتقلّب في لجة من دمه الغزير!.

وهمهمت الوحوش مشدوهة!

لقد قتل ملكها. . . فلا خوف عليها بعد اليوم! ستكون حرة طليقة، تجيء وتروح، وتقتات لنفسها غير منتظرة ما كان ينبذه لها أبو أسامه!! ونظر هرقل، فرأى سيفه وراء ظهره!!

لقد جاءت به حيرا بعد إذ شهدت من جبروت البطل ما بهرها وتناول السيف باسماً، ثم تقدم إلى الأسد فسلخ جلده الكبير، وأبقى على اللبدة الهائلة، وعاد أدراجه إلى يوريذوس، ملتفعاً دثاره الغريب الذي كان إلى لحظة قريبة يضم جثمان ملك الغابة وسيد وحوشها.

2 - مع الأفعوان الهائل (هيدرا)

ولقي صديقه يولوس، وتحدث عما كان من أمره مع سبع نيميا، فأخذه العجب، ونذر ليصحبن هرقل في جميع مجازفاته.

ثم فصلا، وما كاد يفعلان حتى قابلهما رسول الملك برسالة تأمر هرقل بالتوجه إلى مستنقعات ليرنا حيث الأفعوان الأرقم هيدرا: (. . . فإذا لقيته ثمّة فعليك به، ولا تعودن إلا برأسه. فقد حدثنا من عرفه إنه لا يبقي على دابة ولا بهيمة، ولا يعفي من القتل أحداً. . .

ونحن أرفق برعايانا من أن ندعهم فرائس لهذا الأفعوان. . .)

وانطلقا، حتى إذا كانا عند المستنقعات المترامية، شهد هرقل حيواناً ضخم الجثة فضيع المنظر، يتقلب فوق صفحة الماء المغطاة بزهرات اللوتس وأوراقه العريضة النامية. وأيقن إنه هيدرا، فتناول قوسه الكبيرة، وأرسل إلى الوحش سهماً يهيجه به، ليخرج من الماء، وليأخذ معه في نزال وقتال. . . وتم له ما أراد. وخرج هيدرا الفظيع يقلب رؤوسه السبعة.

ويقلب في كل فم لساناً طوله ذراعان، وبرزت أنيابه تنفث سمها الزعاف، وأرسلت العيون الصغيرة البراقة شررها، وشرع الفحيح المرعب يصم أذني هرقل وأذني صاحبه

وبدأت المعركة. . .

وامتشق هرقل سيفه الكبير المرهف، وبضربة قاضية أطاح رأساً من الرؤوس السبعة. . .

ولكن. . . يا للعجب!! لقد نبتت في لحظات قليلة، في مكان الرأس المقطوع، رؤوس سبعة أخرى، أخذت تنمو بسرعة فائقة، حتى أوشكت أن تساوي الرؤوس الكبيرة في حجمها. . .

وريع هرقل، وهتف بصاحبه يولوس قائلاً: (أوقد النار يا صاح، وأجج هذا الجذع فاكو به كل رأس يطيح. . . إنني أخشى أن ينبت لهيدرا ألف رأس!)

ونفخ في النار وأجج الجذع؛ وأخذ كلما طاح رأس كوى مكانه بالنار وحدث ما لم يكن بالحسبان. . . لقد أرسلت حيرا سرطانا بحرياً يعض قدما هرقل وهو يحارب هيدرا، تود بذلك لو تشغله فيستطيع الأفعوان الظفر بخصمها العنيد. . . ولكن هرقل تنبه للسرطان فوطأه، وسحق عظامه سحقاً وانتصر هرقل. . .

وطفق يغمس سهامه في دم الأفعوان ليسممها، حتى إذا أصابت رمية لم تفلتها من الموت. وعاد إلى يوريذوس ثملاً بخمرة النصر

3 - ظبي سيرينيا

وأسقط في يد يوريذوس حين رأى هرقل يختال في بردة السبع ويتيه، وفي قبضته القوية رؤوس هيدرا هامدة خامدة

وكان في مقاطعة سيرينيا ظبي له قرنان من ذهب، وأيطلان من نحاس، وساقان من معدن ليس له فيما نعرف من المعادن من ضريب. وكان الملوك إذ أرادوا إعجاز أحد من الناس ليقتلوه، كلّفوه باقتفاء ظبي سيرينيا وإمساكه؛ فإن لم يفعل، ولن يستطيع أحد أن يفعل، لشدة عدو هذا الظبي، كان جزاءه القتل. وقد أراد ملك أرجوس أن يعجز هرقل هذه المرة، فأمره باقتفاء ظبي سيرينيا: (. . . فإن لم تعد إلينا به، فأنت أعلم بما ينتظرك من الموت الزؤام. . . .)

ولم يستطع هرقل أن يمسك الظبي، لأنه كان يعدو كزوبعة، فما تكاد حوافره تلمس الأرض إلا كما تلمس السماء كف سكران، فلجأ إلى الحيلة؛ واحتفر في طريق الحيوان حفرة عميقة غطّاها بوشائج رقيقة من الثلج، وطارد الظبي حتى ألجأه إلى الحفرة، ووقع فيها، فنزل إليه واحتمله، ومضى به إلى الملك الغاشم

4 - خنزير أرمنثيا

ثم أمره بقتل خنزير بري مخرب، كان يأوي إلى غابات أرمنثيا، ويقطع الطريق على القبائل الرحل، ويقتل كل من تحدثه نفسه بمحاربته أو الوقوف معه في ميدان. وكان ذلك الخنزير لا يبالي شيئاً في الأرض أو في السماء، وكانت بينه وبين قبائل السنتور مودّة في الشر، وتحالف على إيذاء الناس. فلما اشتبك هرقل وإياه في نزال تشيب من هوله الولدان، وشعر الخنزير إنه مقضي عليه لا محال، خار خواراً عالياً يستنجد حلفاؤه السنتور، ولكنهم لم يصلوا إلى مكان المعركة إلا بعد أن أجهز هرقل على خنزيرهم العزيز، فنشب قتال مروع بينهما، وأخذ هرقل البطل يسدد سهامه التي كان قد غمسها في دم هيدرا، إلى صدور أعدائه حتى كادوا يبيدون جميعاً. وأقبل شيرون - وهو كما علمنا مؤدّب هرقل وأستاذه - ليحسم النزاع بين قبيله وبين تلميذه، ولكن وا أسفاه! لقد أصماه هرقل بسهم مسموم فأراده وهو لا يعرفه! فلما أدرك إنه أستاذه، أقبل عليه، وعنى به، وجمع من الأعشاب الطبية ما حسب إنه ينقذ أستاذه من براثن الموت، ولكن بلا جدوى! ومات شيرون، وأهوى عليه هرقل يقبله، وفي عينيه دموع المحبة والاعزاز

وتعاون هرقل ومن بقي من السنتور فدفنوا القتلى، ثم أقاموا قبراً مشيّداً دفنوا في ثراه شيرون، ومضى كل لطّيته. .

5 - زرائب أوجياس ملك اليس

كان ملك أوجياس، ملك إليس، يقتني عدداً عظيماً من الماشية والخيل والغنم، تزدحم في زرائب متجاورة مع آلاف من الخنازير مؤلفة. وكانت النظافة في هذه الزرائب مهملة إهمالاً تاماً، حتى لكانت الروائح الخبيثة تنتشر منها فتصدم أنف عابر السبيل على فرسخ أو فرسخين، وأنتن الروث فأحدث طاعوناً مروعاً أوشك أن يأتي على جميع الأهلين، وقرر الأطباء أن لا سبيل إلى مقاومته إلا إذا عنى بتنظيف زرائب الملك. . .

وعلم يوريذوس بما شغل بال صديقه ملك إليس، فابتسم ابتسامة صفراء، وقال لهرقل وهو يحدثه حديث السينتور:

(إذن فعليك أن تتوجه إلى صديقي أوجياس، ملك إليس، فتنظّف زرائبه مما بها من خبث، وتكون بذلك قد أديت خمساً من المسائل الاثنتي عشرة، التي كتبتها عليك الآلهة)

وامتعض هرقل في أعماقه وعبس عبوسة كادت تنفجر بالسخط على هذا المالك الغبي؛ ولكنه ذكر نصيحة أريتية، فصدع بالأمر، وذهب من فوره إلى إليس، ليرى كيف ينظف زرائب الملك. . .

وثمة، رأى مجرى عظيماً من الماء، يتدفق من الجبل الشاهق إلى يمين الزرائب وينحدر انحداراً شديداً حتى ينتهي إلى البحر؛ فبدا له أن يغير مجرى الماء؛ بحيث ينصب في الزرائب نفسها، فيكتسح الروث، وينجو الناس من هذا الرهق الشديد وأنقذ هرقل مدينة الملك وثروته وحياة الأهلين!

وحاول ملك إليس أن يستبقيه ليجزيه، ولكن هرقل أبى شاكراً، وقصد إلى يوريذوس يتلقى أوامره

6 - عجل مينوس

وكان نيتيون إله البحار قد أهدى عجلاً جسداً لصديقه مينوس ملك كريد، كي يقدمه قربانا للآلهة في العيد الأكبر الذي يحتفل فيه بميلاد نيتيون؛ ولكن العجل راق مينوس الملك فانتقى من عجوله أحسنها، وضحّى به مكان هذا العجل الإلهي السمين، واستبقى لنفسه هدية الإله وغضب نيتيون، وأقسم ليكونن هذا العجل نقمة على مينوس وقومه، فسخّر عليه طائفاً من الجنون، فطفق العجل يخرّب ويدمّر، ويقتّل الناس تقتيلا. . .

وعلم يوريذوس بما كان من مصيبة صديقه ملك كريد في عجله، فلما قدم هرقل أرسله ليقتل العجل، أو على الأقل ليقيده فيرتفع عن الناس أذاه. . .

وأبحر هرقل، ولقيه مينوس فرحاً متهللاً، وذهب من فوره لينازل العجل، فكانت معمعة وكانت حرب عوان! لقد كان هرقل يحمل العجل فيرفعه، فيخبط به الأرض فتندك، مع ذاك ما استطاع أن يقتله! وأخيراً اكتفى بأن صفّده بسلاسل وأغلال، وعاد أدراجه إلى أرجوس، وودعته كريد كلها

(لها بقية)

دريني خشية