الرئيسيةبحث

الكتاب (سيبويه)/الجزء الثامن


باب ما جاء من الأدواء

على مثال وجع يوجع وجعاً وهو وجع لتقارب المعاني وذلك: حبط يحبط حبطاً وهو حبطٌ وحبج يحبج حبجاً وهو حبجٌ. وقد يجيىء الاسم فعيلاً نحو مرض يمرض مرضاً وهو مريض. وقالوا: سقم يسقم سقماً وهو سقيمٌ وقال بعض العرب: سقم كما قالوا: كرم كرماً وهو كريمٌ وعسر عسراً وهو عسيرٌ. وقالوا: السقم كما قالوا: الحزن. وقالوا: حزن حزناً وهو حزينٌ جعلوه بمنزلة المرض لأنه داء. وقالوا: الحزن كما قالوا: السقم وقالوا في مثل وجع يوجع في بناء الفعل والمصدر وقرب المعنى: وجل يوجل وجلاً وهو وجلٌ. ومثله من بنات الياء ردى يردى ردىً وهو ردٍ ولوى يلوى لوىً وهو لوٍ ووجى يوجى وجىً وهو وجٍ وعمى قلبه يعمى عمىً وهو عمٍ. إنما جعله بلاءً أصاب قلبه. وجاء ما كان من الذعر والخوف على هذا المثال لأنه داء قد وصل إلى فؤاده كما وصل ما ذكرنا إلى بدنه وذلك قولك: فزعت فزعاً وهو فزعٌ وفرق يفرق فرقاً وهو فرقٌ ووجل يوجل وجلاً وهو وجلٌ ووجر وجراً وهو وجرٌ. وقالوا: أوجر فأدخلوا أفعل ههنا على فعل لأن فعلاً وأفعل قد يجتمعان كما يجتمع فعلان وفعلٌ. وذلك قولك: شعثٌ وأشعث وحدبٌ وأحدبٌ وجربٌ وأجرب. وهما في المعنى نحوٌ من الوجع. وقالوا: كدرٌ وأكدر وحمقٌ وأحمق وقعسٌ وأقعس. فأفعل دخل في هذا الباب كما دخل فعلٌ في أخشن وأكدر وكما دخل فعلٌ في باب فعلان. ويقولون: خشنٌ وأخشن. واعلم أن فرقته وفزعته إنما معناهما فرقت منه ولكنهم حذفوا منه كما قالوا: أمرتك الخير وقالوا: خشيته خشيةً وهو خاشٍ كما قالوا: رحم وهو راحمٌ فلم يجيئوا باللفظ كلفظ ما معناه ولكن جاءوا بالمصدر والاسم على ما بناء فعله كبناء فعله. وجاءوا بضد ما ذكرنا على بنائه. قالوا: أشر يأشر أشراً وهو أشرٌ وبطر يبطر بطراً وهو بطرٌ وفرح يفرح فرحاً وهو فرحٌ وجذل يجذل جذلاً وهو جذلٌ. وقالوا: جذلان كما قالوا: كسلانٌ وكسلٌ وسكران وسكرٌ. وقالوا: نشط ينشط وهو نشيطٌ كما قالوا: الحزين. وقالوا: النشاط كما قالوا: السقام. وجعلوا السقام والسقيم كالجمال والجميل. وقالوا: سهك يسهك سهكاً وهو سهكٌ وقنم قنماً وهو قنمٌ جعلوه كالداء لأنه عيبٌ. وقالوا: قنةٌ وسهكةٌ. وقالوا: عقرت عقراً كما قالوا: سقمت سقماً. وقالوا: عاقرٌ كما قالوا: ماكثٌ. وقالوا: خمط خمطاً وهو خمطٌ في ضد القنم. والقنم: السهك. وقد جاء على فعل يفعل وهو فعلٌ وهو فعلٌ أشياء تقاربت معانيها لأن جملتها هيج. وذلك قولهم: أرج يأرج أرجاً وهو أرجٌ وإنما أراد تحرك الريح وسطوعها. وحمس يحمس حمساً وهو حمسٌ وذلك حين يهيج ويغضب. وقالوا: أحمس كما قالوا: أوجر وصار أفعل ههنا وقد يدخل أفعل على فعلان كما دخل فعلٌ عليهما فلا يفارقهما في بناء الفعل والمصدر كثيراً ولشبه فعلان بمؤنث أفعل. وقد بينا ذلك فيما ينصرف وما لا ينصرف. وزعم أبو الخطاب أنهم يقولون: رجلٌ أهيم وهيمان يريدون شيئاً واحداً وهو العطشان. وقالوا: سلس يسلس سلساً وهو سلسٌ وقلق يقلق قلقاً وهو قلقٌ ونزق ينزق نزقاً وهو نزقٌ جعلوا هذا حيث كان خفةً وتحركاً مثل الحمس والأرج. ومثله: غلق يغلق غلقاً لأنه طيشٌ وخفةٌ. وكذلك الغلق في غير الأناسي لأنه قد خف من مكانه. وقد بنوا أشياء على فعل يفعل فعلاً وهو فعلٌ لتقاربها في المعنى وذلك ما تعذر عليك ولم يسهل. وذلك: عسر يعسر عسراً وهو عسرٌ وشكس يشكس شكساً وهو شكسٌ. وقالوا: الشكاسة كما قالوا: السقامة. وقالوا: لقس يلقس لقساً وهو لقسٌ ولحز يلحز لحزاً وهو لحزٌ. فلما صارت هذه الأشياء مكروهةً عندهم صارت بمنزلة الأوجاع وصار بمنزلة ما رموا به من الأدواء. وقد قالوا: عسر الأمر وهو عسيرٌ كما قالوا: سقم وهو سقيمٌ. وقالوا: نكد ينكد نكداً وهو نكدٌ وقالوا: أنكد كما قالوا: أجرب وجربٌ. وقالوا: لحج يلحج لحجاً وهو لحجٌ لأن معناه باب فعلان ومصدره وفعله أما ما كان من الجوع والعطش فإنه أكثر ما يبنى في الأسماء على فعلان ويكون المصدر الفعل ويكون الفعل على فعل يفعل. وذلك نحو: ظمىء يظمأ ظمأ وهو ظمآن وعطش يعطش عطشاً وهو عطشان وصدى يصدى صدىً وهو صديان. وقالوا: الظماءة كما قالوا: السقامة لأن المعنيين قريبٌ كلاهما ضررٌ على النفس وأذىً لها. وغرث يغرث غرثاً وهو غرثان وعله يعله علهاً وهو علهان وهو شدة الغرث والحرص على الأكل. وتقول: عله كما تقول: عجلٌ ومع هذا قرب معناه من وجع. وقالوا: طوى يطوى طوىً وهو طيان. وبعض العرب يقول: الطوى فيبينه على فعلٍ لأن زنة فعلٍ وفعلٍ شيء واحد وليس بينهما إلا كسرة الأول. وضد ما ذكرنا يجيء على ما ذكرنا قالوا: شبع يشبع شبعا وهو شبعان كسروا الشبع كما قالوا: الطوى وشبهوه بالكبر والسمن حيث كان بناء الفعل واحداً. وقالوا: روى يروى رياً وهو ريان فأدخلوا الفعل في هذه المصادر كما أدخلوا الفعل فيها حين ومثله خزيان وهو الخزي للمصدر وقالوا: الخزي في المصدر كما قالوا: العطش اتفقت المصادر كاتفاق بناء الفعل والاسم. وقد جاء شيءٌ من هذا على خرج يخرج قالوا: سغب يسغب سغبا وهو ساغبٌ كما قالوا: سلف يسفل سفلا وهو سافلٌ. ومثله جاع يجوع جوعا وهو جائع وناع ينوع نوعا وهو نائعٌ. وقالوا: جوعان فأدخلوها ههنا على فاعل لأن معناه غرثان. ومثل ذلك أيضاً من العطش: هام يهيم هيماً وهو هائمٌ لأن معناه عطشان. ومثل هذا قولهم: ساغبٌ وسغابٌ وجائعٌ وجياعٌ وهائمٌ وهيامٌ لما كان المعنى معنى غراث وعطاش بني على فعال كما أدخل قوم عليه فعلان إذ كان المعنى معنى غراثٍ وعطاشٍ. وقالوا: سكر يسكر سكراً وسكراً وقالوا: سكران لما كان من الامتلاء جعلوه بمنزلة شبعان. ومثل ذلك ملآن. وزعم أبو الخطاب أنهم يقولون: ملئت من الطعام كما يقولون: شبعت وسكرت. وقالوا: قدحٌ نصفان وجمجمةٌ نصفى وقدحٌ قربان وجمجمةٌ قربى جعلوا ذلك بمنزلة الملآن لأن ذلك معناه معنى الامتلاء لأن النصف قد امتلأ والقربان ممتلىءٌ أيضاً إلى حيث بلغ. ولم نسمعهم قالوا: قرب ولا نصف اكتفوا بقارب ونصف ولكنهم جاءوا به كأنهم يقولون: قرب ونصف كما قالوا: مذاكير ولم يقولوا: مذكير ولا مذكارٌ وكما قالوا: أعزل وعزلٌ ولم يقولوا: أعازل. وقالوا: رجلٌ شههوان وشهوى لأنه بمنزلة الغرثان والغرثى. وزعم أبو الخطاب أنهم يقولون: شهيت شهوةً فجاءوا بالمصدر على فعلة كما قالوا: حرت تحار حيرةً وهو حيران. وقد جاء فعلان وفعلى في غير هذا الباب: قالوا خزيان وخزيا ورجلان ورجلى وقالوا عجلان وعجلى. وقد دخل في هذا الباب فاعلٌ كما دخل فعلٌ فشبهوه بسخط يسخط سخطاً وهو ساخطٌ كما شبهوا فعلٌ يفزع يفزع فزعا وهو فزعٌ وذلك قولهم نادمٌ وراجلٌ وصادٍ. وقالوا: غضبان وغضبى وقالوا: غضب يغضب غضباً جعلوه كعطش يعطش عطشاً وهو عطشان لأن الغضب يكون في جوفه كا يكون العطش. وقالوا: ملآنةٌ شبهوه بخمصانةٍ وندمانةٍ. وقالوا: ثكل يثكل ثكلاً وهو ثكلان وثكلى جعلوه كالعطش لأنه حرارةٌ في الجوف. ومثله لهفان ولهفى ولهف يلهف لهفاً. وقالوا: حزنان وحزنى لأنه غمٌّ في جوفه وهو كالثكل لأن الثكل من الحزن. والندمان مثله وندمى. وأما جربان وجربى فإنه لما كان بلاءً أصيبوا به بنوه على هذا كما بنوه على أفعل وفعلاء نحو أجرب وجرباء. وقالوا: عبرت تعبر عبراً وهي عبرى مثل ثكلى فالثكل مثل السكر والعبر مثل العطش. وقالوا: عبرى ما قالوا: ثكلى. وأما ما كان من هذا من بنات الياء والواو التي هي عينٌ فإنما تجيىء على فعل يفعل معتلةً لا على الأصل وذلك عمت تعام عتمةً وهو عيمان وهي عيمى جعلوه كالعطش وهو الذي يشتهي اللبن كما يشتهي ذاك الشراب وجاءوا بالمصدر على فعلةٍ لأنه كان في الأصل على فعلٍ كما كان العطش ونحوه على فعلٍ وكلنهم أسكنوا الياء وأماتوها كما فعلوا ذلك في الفعل فكأن الهاء عوضٌ من الحركة. ومثل ذلك: غرت تغار غيرةً وهو في المعنى كالغضبان. وقالوا: حرت تحار حيرةً وهو حيران وهي حيرى هو في المعنى كالسكران لأن كليهما مرتجٌ عليه.

باب ما يبنى على أفعل

أما الألوان فإنها تبنى على أفعل ويكون الفعل على فعل يفعل والمصدر على فعلةٍ أكثر. وربما جاء الفعل على فعل يفعل وذلك قولك: أدم يأدم أدمةً ومن العرب من يقول: أدم يأدم أدمةً وشهب يشهب شهبةً وقهب يقهب قهبةً وكهب يكهب كهبةً. وقالوا: كهب يكهب كهبةً وشهب يشهب شهبةً. وقالوا: صدىء يصدأ صدأةً وقالوا: أيضاً صدأ كما قالوا: الغبس. والأغبس: البعير الذي يضرب إلى البياض. وقالوا: الغبسة كما قالوا: الحمرة. واعلم أنهم يبنون الفعل منه على افعال نحو اشهاب وادهام وايدام. فهذا لا يكاد ينكسر في الألوان. وإن قلت فيها: فعل يفعل أو فعل يفعل. وقد يستغنى بافعال عن فعل وفعل وذلك نحو ارزاق واخضار واصفار واحمار واشراب وابياض واسواد. واسود وابيض واخضر واحمر واصفر أكثر في كلامهم لأنه كثر فحذفوه والأصل ذلك. وقالوا: الصهوبة فشبهوا ذلك بأرعن والرعونة. وقالوا: البياض والسواد كما قالوا: الصباح والمساء لأنهما لونان بمنزلتهما لأن المساء سوادٌ والصباح وضحٌ. وقد جاء شتى من الألوان على فعل قالوا: جون ووردٌ وجاءوا بالمصدر على مصدر بناء وقد جاء شيء منه على فعيل وذلك خصيفٌ وقالوا: أخصف وهو أقيس. والخصيف: سوادٌ إلى الخضرة. وقد يبنى على أفعل ويكون الفعل على فعل يفعل والمصدر فعلٌ وذلك ما كان داءً أو عيباً لأن العيب نحو الداء ففعلوا ذلك كما قالوا: أجرب وأنكد. وذلك قولهم: عور يعور عوراً وهو أعور وأدر يأدر أدراً وهو آدر وشتر يشتر شتراً وهو أشتر وحبن يحبن حبناً وهو أحبن وصلع يصلع صلعاً وهو أصلع. وقالوا: رجلٌ أجذم وأقطع وكأن هذا على قطع وجذم وان لم يتكلم به كما يقولون شتر وأشتر وشترت عينه. فكذلك قطعت يده وجذمت يده. وقد يقال لموضع القطع: القطعة والقطعة والجذمة والجذمة والصلعة والصلعة للموضع. وقالوا: امرأةٌ سهاء ورجلٌ أسته فجاءوا به على بناء ضده وهو قولهم: رجل أرسح ورسحاء وأخرم وخرماء وهو الخرم كما قال بعضهم: أهضم وهضماء وهو الهضم. وقالوا: أغلب أزبر والأغلب: العظيم الرقبة والأزبر: العظيم الزبرة وهو موضع الكاهل على الكتفين. فجاءوا بهذا النحو على أفعل كما جاء على أفعل ما يكرهون. وقالوا: آذن وأذناء كما قالوا: سكاء. وقالوا: أخلق وأملس وأجرد كما قالوا: أخشن فجاءوا بضده على بنائه. وقالوا: الخشنة كما قالوا: الحمرة وقالوا: الخشونة كما قالوا: الصهوبة. واعلم أن مؤنث كل أفعل صفة فعلاء وهي تجري في المصدر والفعل مجرى أفعل وقالوا: مال يميل وهو مائلٌ وأميل فلم يجيئوا به على مال يميل وإنما وجه فعل من أميل ميل كما قالوا: في الأصيد: صيد يصيد صيداً. وقالوا: شاب يشيب كما قالوا: شاخ يشيخ وقالوا: أشيب كما قالوا: أشمط فجاءوا بالاسم على بناء ما معناه كمعناه وبالفعل على ما هو نحوه أيضاً في المعنى. وقالوا: أشعر كما قالوا: أجرد للذي لا شعر عليه وقالوا: أزب كما قالوا: أشعر. فالأجرد بمنزلة الأرسح. وقالوا: هوج يهوج هوجاً وهو أهوج كما قالوا: ثول يثول ثولاً وأثول وهو الجنون.

باب أيضاً في الخصال التي تكون في الأشياء

أما ما كان حسناً أو قبحاً فإنه مما يبنى فعله على فعل يفعل ويكون المصدر فعالاً وفعالةً وفعلاً وذلك قولك: قبح يقبح قباحةً وبعضهم يقول قبوحةً فبناه على فعولةٍ كما بناه على فعالةٍ. ووسم يوسم وسامةً وقال بعضهم: وساماً فلم يؤنث كما قالوا: السقام والسقامة. ومثل ذلك جمل جمالاً. وقالوا: حسنٌ فبنوه على فعل كما قالوا بطلٌ. ورجلٌ قدمٌ وامرأةٌ قدمةٌ يعني أن لها قدماً في الخير فلم يجيئوا به على مثال جريء وشجاع وكميٍّ وشديد. وأما الفعل من هذه المصادر فنحو: الحسن والقبح والفعالة أكثر. وقالوا: نضر وجهه ينضر فبنوه على فعل يفعل مثل خرج يخرج لأن هذا فعل لا يتعداك إلى غيرك كما أن هذا فعلٌ لايتعداك إلى غيرك. وقالوا: ناضر كما قالوا: نضر. وقالوا: نضيرٌ كما قالوا وسيمٌ فبنوه بناء ما هو نحوه في المعنى وقالوا: نضرٌ كما قالوا حسن غلا أن هذا مسكن الأوسط. وقالوا: ضخمٌ ولم يقولوا: ضخيمٌ كما قالوا: عظيمٌ. وقالوا: النضارة كما قالوا الوسامة. ومثل الحسن: السبط والقطط. وقالوا: سبط سباطةً وسبوطةً. ومثل النضر الجعد. وقالوا: رجلٌ سبطٌ كما بنوه على فعل. وقالوا: ملح ملاحةً ومليحٌ وسمح سماحةً وسمحٌ. وقالوا: بهو يبهو بهاءً وبهيٌّ كجمل جمالاً وهو جميلٌ. وقالوا: شنع شناعةً وهو شنيع. وقالوا: أشنع فادخلوا أفعل في هذا إذ كان خصلةً فيه كاللون. وقالوا: شنيعٌ كما قالوا خصيف فأدخلوه على أفعل. وقالوا: نظف نظافةً ونظيفٌ كصبح صباحةً وصبيحٌ. وقالوا: طهر طهراً وطهارةً وطاهرٌ كمكث مكثاً وماكثٌ. قال: هذيلٌ تقول: سميجٌ ونذيلٌ أي نذلٌ وسمجٌ. وقالوا: طهرت المرأة كما قالوا: طمثت أدخلوها في باب جلست ومكثت لأن مكثت نحو جلست في المعنى. وما كان من الصغر والكبر فهو نحوٌ من هذا قالوا: عظم عظامةً وهو عظيمٌ ونبل نبالةً وهو نبيلٌ وصغر صغارةً وهو صغيرٌ وقدم قدامةً وهو قديمٌ. وقد يجيىء المصدر على فعلٍ وذلك قولك: الصغر والكبر والقدم والعظم والضخم. وقد يبنون الاسم على فعلٍ وذلك نحو ضخمٍ وفخمٍ وعبلٍ. وجهمٌ نحوٌ من هذا. وقد يجيىء المصدر على فعولةٍ كما قالوا القبوحة وذلك قولهم: الجهومة والملوحة والبحوحة. وقالوا: كثر كثارةً وهو كثيرٌ وقالوا الكثرة: فبنوه على الفعلة والكثير نحو من العظيم في المعنى إلا أن هذا في العدد. وقد يقال للإنسان قليلٌ كما يقال قصيرٌ فقد وافق ضده وهو العظيم ألا ترى أن ضد العظيم الصغير وضد القليل الكثير فقد وافق ضد الكثير ضد العظيم في البناء. فهذا يدلك على أنه نحو الطويل والقصير ونحو العظيم والصغير. والطول في البناء كالقبح وهو نحوه في المعنى لأنه زيادةٌ ونقصانٌ. وقالوا: سمنٍ سمناً وهو سمينٌ ككبر كبراً وهو كبيرٌ. وقالوا: كبر علي الأمر كعظم. وقالوا: بطن يبطن بطنةً وهو بطينٌ كما قالوا: عظيمٌ وبطن ككبر. وما كان من الشدة والجرأة والضعف والجبن فإنه نحوٌ من هذا قالوا: ضعف ضعفاً وهو ضعيفٌ وقالوا: شجع شجاعةً وهو شجاعٌ وقالوا: شجيعٌ. وفعالٌ أخو فعيلٍ. وقد بنوا الاسم على فعالٍ كما بنوه على فعلوٍ فقالوا: جبانٌ وقالوا: وقورٌ وقالوا: الوقارة كما قالوا: الرازانة. وقالوا: جرء يجرؤ جرأةً وجراءةً وهو جريء وقالوا: غلظ يغلظ غلظاً وهو غليظٌ كما قالوا: عظم يعظم عظماً وهو عظيمٌ إلا أن الغلظ للصلابة والشدة من الأرض وغيرها. وقد يكون كالجهومة وقالوا: سهل سهولةً وسهلٌ لأن هذا ضد الغلظ كما أن الضعف ضد الشدة. وقالوا: سهلٌ كما قالوا: ضخمٌ. وقد قال بعض العرب: جبن يجبن كما قالوا: نضر ينضر. وقالوا: قوي يقوى قوايةً وهو قويٌّ كما قالوا: سعد يسعد سعادةً وهو سعيدٌ. وقالوا: القوة كما قالوا: الشدة إلا أن هذا مضموم الأول. وقالوا: سرع يسرع سرعاً وهو سريعٌ وبطؤ بطأ وهو بطيءٌ كما قالوا: غلظ غلظاً وهو غليظٌ. وإنما جعلناهما في هذا الباب لأن أحدهما أقوى على أمره وما يريد. وقالوا: البطء في المصدر كما قالوا: الجبن وقالوا: السرعة كما قالوا القوة والسرع كما قالوا: الكرم. ومثله ثقل ثقلاً وهو ثقيلٌ. وقالوا: كمش كماشةً وهو كميشٌ مثل سرع. والكماشة: الشجاعة. وقالوا: حزن حزونةً للمكان وهو حزنٌ كما قالوا: سهل سهولةً وهو سهل. وقالوا: صعب صعوبةً وهو صعبٌ لأن هذا إنما هو الغلظ والحزونة. وما كان من الرفعة والضعة وقالوا: الضعة فهو نحوٌ من هذا قالوا: غنى يغنى غنىً وهو غنيٌّ كا قالوا: كبر يكبر كبراً وهو كبيرٌ وقالوا: فقيرٌ كما قالوا: صغيرٌ وضعيفٌ وقالوا: الفقر كما قالوا: الضعف وقالوا: الفقر كما قالوا: الضعف. ولم نسمعهم قالوا: فقر كما لم يقولوا في الشديد شدد استغنوا باشتد وافتقر كما استغنوا باحمار عن حمر وهذا هنا نحوٌ من الشديد والقوي والضعيف. وقالوا: شرف شرفاً وهو شريفٌ وكرم كرما وهو كريمٌ ولؤم لآمةً وهو لئيمٌ كما قالوا: قبح قباحةً وهو قبيحٌ ودنؤ دناءةً وهو دنيءٌ وملؤ ملاءةً وهو مليءٌ. وقالوا: وضع ضعةً وهو وضيعٌ. والضعة مثل الكثرة والضعة مثل الرفعة. وقالوا: رفيعٌ ولم نسمعهم قالوا: رفع وعليه جاء رفيعٌ وإن لم يتكلموا به واستغنوا بارتفع. وقالوا: نبه ينبه وهو نابهٌ وهي النباهة كما قالوا: نضر ينضر وجهه وهو ناضرٌ وهي النضارة وقالوا: نبيه كما قالوا: نضيرٌ جعلوه بمنزلة ما هو مثله في المعنى وهو شريفٌ. وقالوا: سعد يسعد سعادةً وشقي يشقى شقاوةً وسعيدٌ وشقيٌّ فأحدهما مرفوعٌ والآخر وقالوا: رشد يرشد رشداً وراشد وقالوا: الرشد كما قالوا: سخط يسخط سخطاً والسخط وساخط. وقالوا: رشيدٌ كما قالوا: سعيدٌ وقالوا: الرشاد كما قالوا: الشقاء. وقالوا: بخل يبخل بخلاً. فالبخل كاللؤم والفعل كفعل شقي وسعد. وقالوا: بخيلٌ. وبعضهم يقول: البخل كالفقر والبخل كالفقر وبعضهم يقول البخل كالكرم. وقالوا: أمر علينا أمير كنبه وهو نبيهٌ والإمرة كالرفعة والإمارة كالولاية. وقالوا: وكيلٌ ووصيٌّ وجريٌّ كما قالوا: أميرٌ لأنها ولاية. ومثل هذا لتقاربه: الجليس والعديل والضجيع والكميع والخليط والنزيع. فأصل هذا كله العديل ألا ترى أنك تقول من هذا كله فاعلته. وقد جاء فعلٌ قالوا: خصمٌ. وقالوا: خصيمٌ. وما أتى من العقل فهو نحوٌ من ذا قالوا: حلم يحلم حلماً وهو حليمٌ فجاء فعل في هذا الباب كما جاء فعل فيما ذكرنا. وقالوا: ظرف ظرفاً وهو ظريفٌ كما قالوا: ضعف ضعفا وهو ضعيفٌ وقالوا في ضد الحلم: جهل جهلاً وهو جاهلٌ كما قالوا: حرد حرداً وهو حاردٌ فهذا ارتفاعٌ في الفعل واتضاع. وقالوا: علم علماً فالفعل كبخل يبخل والمصدر كالحلم وقالوا: علامٌ كما قالوا في الضد: جاهلٌ وقالوا: عليمٌ كما قالوا: حليمٌ. وقالوا: فقه وهو فقيهٌ والمصدر فقهٌ كما قالوا: علم علماً وهو عليمٌ. وقالوا: اللب واللبابة ولبيبٌ كما قالوا: اللؤم واللآمة ولئيمٌ. وقالوا: فهم يفهم فهماً وهو فهم ونقه ينقه نقهاً وهو ننقهٌ وقالوا: النقاهة والفهامة كما قالوا: اللبابة. وسمعناهم يقولون: ناقةٌ كما قالوا: عالمٌ. وقالوا: لبق يلبق لباقةً وهو لبقٌ لأن ذا علمٌ وعقلٌ ونفاذٌ فهو بمنزلة الفهم والفهامة. وقالوا: الحذق كما قالوا: العلم وقالوا: حذق يحذق كما قالوا: صبر يصبر. وقالوا: رفق يرفق رفقاً وهو رفيقٌ كما قالوا: حلم يحلم حلماً وهو حليمٌ وقالوا: رفق كما قالوا: فقه. وقالوا: عقل يعقل عقلاً وهو عاقلٌ كما قالوا: عجز يعجز عجزاً وهو عاجزٌ. وقالوا: العقل كما قالوا: الظرف أدخلوه في باب عجز يعجز لأنه مثله في أنه لا يتعدى الفاعل. وقالوا: رزن رزانةً وهو رزينٌ ورزينةٌ. وقالوا للمرأة: حصنت حصناً وهي حصانٌ كجبنت جبناً وهي جبانٌ. وإنما هذا كالحلم والعقل. وقالوا: حصنا كما قالوا: علما وقالوا: حصنا مثل قولهم: جبنا. ويقال لها أيضاً ثقالٌ ورزان. وقالوا: صلف يصلف صلفاً وهو صلفٌ كقولهم: فهم فهماً وفهمٌ. وقالوا: رقع رقاعةً ورقيع كقولهم: حمق حماقةً لأنه مثله في المعنى. وقالوا: الحمق كما قالوا: الجبن وقالوا: أحمق كما قالوا: أشنع وقالوا: خرق خرقا وأخرق وقالوا: أحمق وحمقاء وحمقٌ. وقالوا: النواكة وأنوك وقالوا: استنوك ولم نسمعهم يقولون: نوك كما لم يقولوا فقر. وقالوا: حمقٌ فاجتمعا كما قالوا: نكدٌ وأنكد. واعلم أن ما كان من التضعيف من هذه الأشياء فإنه لا يكاد بكون فيه فعلت وفعل لأنهم قد يستثقلون فعل والتضعيف فلما اجتمعا حادوا إلى غير ذلك وهو قولك: ذل يذل ذلاً وذلةً وذليلٌ فالاسم والمصدر يوافق ما ذكرنا والفعل يجيء على باب جلس يجلس. وقالوا: شحيحٌ والشح كالبخيل والبخل وقالوا: شح يشح. وقالوا: شححت كما قالوا: بخلت وذلك لأن الكسرة أخف عليهم من الضمة ألا ترى أن فعل وقالوا: ضننت ضناً كرفقت رفقا وقالوا: ضننت ضنانة كسقمت سقامةً. وليس شيءٌ أكثر في كلامهم من فعلٍ. ألا ترى أن الذي يخفف عضداً وكبداً لا يخفف جملاً. وقالوا: لب يلب وقالوا: اللب واللبابة واللبيب. وقالوا: قل يقل قلةً ولم يقولوا فيه كما قالوا في كثر وظرف. وقالوا: عف يعف عفة وعفيفٌ. وزعم يونس أن من العرب من يقول لببت تلب كما قالوا: ظرفت تظرف وإنما قل هذا لأن هذه الضمة تستثقل فيما ذكرت لك فلما صارت فيما يستثقلون فاجتمعا فروا منهما.

باب علم كل فعل تعداك إلى غيرك

اعلم أنه يكون كل ما تعداك إلى غيرك على ثلاثة أبنية: على فعل يفعل وفعل يفعل وفعل يفعل وذلك نحو ضرب يضرب وقتل يقتل ولقم يلقم. وهذه الأضرب تكون فيما لا يتعداك وذلك نحو جلس يجلس وقعد يقعد وركن يركن. ولما لا يتعداك ضربٌ رابع لا يشركه فيه ما يتعداك وذلك فعل يفعل نحو كرم يكرم وليس في الكلام فعلته متعديا. فضروب الأفعال أربعةٌ يجتمع في ثلاثةٍ ما يتعداك وما لا يتعداك ويبين بالرابع مالا يتعدى وهو فعل يفعل. وليفعل ثلاثة أبنية يشترك فيها ما يتعدى وما لا يتعدى: يفعل ويفعل ويفعل نحو يضرب ويقتل ويلقم. وفعل على ثلاثة أبنية وذلك فعل وفعل وفعل نحو قتل ولزم ومكث. فالأولان مشتركٌ فيها المتعدي وغيره والآخر لما لا يتعدى كما جعلته لما لا يتعدى حيث وقع رابعاً. وقد بنوا فعل على يفعل في أحرف كما قالوا: فعل يفعل فلزموا الضمة وكذلك فعلوا بالكسرة فشبه به. وذلك حسب يحسب ويئس ييئس ويبس ييبس ونعم ينعم. سمعنا من العرب من يقول: وهل ينعمن من كان في العصر الخالي وقال: واعوج غصنك من لحوٍ ومن قدم لا ينعم الغصن حتى ينعم الورق وقال الفرزدق: وكومٍ تنعم الأضياف عيناً وتصبح في مباركها ثقالا وقد جاء في الكلام فعل يفعل في حرفين بنوه على ذلك كما بنوا فعل على يفعل لأنهم قد قالوا في فعل فأدخلوا الضمة كما تدخل في فعل. وذلك فضل يفضل ومت تموت. وفضل يفضل ومت تموت أقيس. وقد قال بعض العرب: كدت تكاد فقال فعلت تفعل كما قال فعلت أفعل وكما ترك الكسرة كذلك ترك الضمة. وهذا قول الخليل وهو شاذٌ من بابه كما أن فضل يفضل شاذ من بابه فكما شركت يفعل يفعل كذلك شركت يفعل يفعل. وهذه الحروف من فعل يفعل إلى منتهى الفصل شواذ.

هذا باب ما جاء من المصادر

وفيه ألف التأنيث وذلك قولك: رجعته رجعى وبشرته بشرى وذكرته ذكرى واشتكيت شكوى وأفتيته فتيا وأعداه عدوى والبقيا. فأما الحذيا فالعطية والسقيا ما سقيت وأما الدعوى فهو ما ادعيت. وقال بعض العرب: اللهم أشركنا في دعوى المسلمين. ولت ودعواها كثيرٌ صخبه فدخلت الألف كدخول الهاء في المصادر. وقالوا: الكبرياء للكبر. وأما الفعيلى فتجىء على وجهٍ آخر تقول: كان بينهم رمياً فليس يريد قوله: رمياً ولكنه يريد ما كان بينهم من الترامي وكثرة الرمي ولا يكون الرميا واحداً. وكذلك الحجيزي. وأما الحثيثي فكثرة الحث كا أن الرميا كثرة الرمى ولا يكون من واحد. وأما الدليلي فإنما يراد به كثرة علمه بالدلالة ورسوخه فيها. وكذلك القتيتي والهجيري: كثرة الكلام والقول بالشيء. والخليفي: كثرة تشاغله بالخلافة وامتداد أيامه فيها.

باب ما جاء من المصادر على فعول

وذلك قولك: توضأت وضوءاً حسناً وأولعت به ولوعا. وسمعنا من العرب من يقول: وقدت النار وقوداً عالياً وقبله قبولاً والوقود أكثر. والوقود: الحطب. وتقول: إن على فلان لقبولاً فهذا مفتوح. ومما جاء مخالفاً للمصدر لمعنىً قولهم: أصاب شبعه وهذا شبعه إنما يريد قدر ما يشبعه. وتقول: شبعت شبعاً وهذا شبعٌ فاحشٌ إنما تريد الفعل. وطعمت طعماً حسناً وليس له طعمٌ إنما يريد ليس للطعام طيبٌ. وتقول: ملأت السقاء ملئاً شديداً وهو ملء هذا أي قدر ما يملأ هذا. وقد يجيىء غير مخالف تقول: رويت رياً وأصاب ريه وطعمت طعماً وأصاب طعمه ونهل نهلاً وأصاب نهله. وتقول: خرصه خرصاً وما خرصه أي ما قدره. وكذلك الكيلة. وقالوا: قته قوتاً. والقوت: الرزق فلم يدعوه على بناء واحد كما قالوا: الحلب في الحليب والمصدر. وقد يقولون الحلب وهم يعنون اللبن. ويقولون: حلبت حلباً يريدون الفعل الذي هو مصدر. فهذه أشياء تجيء مختلفة ولا تطرد. وقالوا: مريتها مرياً إذا أرادوا عمله. ويقول: حلبتها مريةً لا يريد فعلةً ولكنه يريد نحواً من الدرة والحلب. وقالوا لعنةٌ للذي يلعن. واللعنة المصدر. وقالوا: الخلق فسووا بين المصدر والمخلوق. فاعرف وقالوا: كرع كروعاً. والكرع: الماء الذي يكرع فيه. وقالوا: درأته درءاً وهو ذو تدرإٍ أي ذو عدة ومنعةٍ لا تريد العمل. وكاللعنة السبة إذا أرادوا المشهور بالسب واللعن فأجروه مجرى الشهرة. وقد يجيء المصدر على المفعول وذلك قولك: لبنٌ حلبٌ إنما تريد محلوبٌ وكقولهم: الخلق إنما يريدون المخلوق. ويقولون للدرهم: ضرب الأمير إنما يريدون مضروب الأمير. ويقع على الفاعل وذلك قولك يومٌ غمٌّ ورجلٌ نومٌ إنما تريد النائم والغام. وتقول: ماءٌ صرىً إنما تريد صرٍ خفيفٌ إذا تغير اللبن في الضرع. وهو صرىً. فتقول: هذا اللبن صرىً وصرٍ. وقالوا: معشرٌ كرمٌ فقالوا هذا كما يقولون: هو رضى وإنما يريدون المرضي فجاء للفاعل كما جاء للمفعول. وربما وقع على الجميع. وجاء واحد الجميع على بنائه وفيه هاء التأنيث كما قالوا: بيضٌ وبيضةٌ وجوز وجوزةٌ وذلك قولك: هذا شمطٌ وهذه شمطةٌ وهذا شيبٌ وهذه شيبةٌ. باب ما تجيء فيه الفعلة تريد بها ضربا من الفعل وذلك قولك: حسن الطعمة. وقتلته قتلة سوءٍ وبئست الميتة وإنما تريد الضرب الذي أصابه من القتل والضرب الذي هو عليه من الطعم. ومثل هذا الركبة والجلسة والقعدة. وقد تجيء الفعلة لا يراد بها هذا المعنى وذلك نحو الشدة والشعرة والدرية. وقد قالوا: الدرية. وقالوا: ليت شعري في هذا الموضع استخفافاً لأنه كثر في كلامهم كما قالوا: ذهب بعذرتها وقالوا: هو أبو عذرها لأن هذا أكثر وصار كالمثل كما قالوا: تسمع بالمعيدي لا أن تراه لأنه مثل وهو أكثر في كلامهم من تحقير معدىٍّ في غير هذا المثل. فإن حقرت معدىٌّ ثقلت الدال فقلت معيدىٌّ. وتقول: هو بزنته تريد أنه بقدره. وتقول: العدة كما تقول القتلة. وتقول: الضعة والقحة يقولون: وقاحٌ بين القحة لا تريد شيئاً من هذا. كما تقول: الشدة والدرية والردة وأنت تريد الارتداد. وإذا أردت المرة الواحدة من الفعل جئت به أبداً على فعلةٍ على الأصل لأن الأصل فعل. فإذا قلت الجلوس والذهاب ونحو ذلك فقد ألحقت زيادةً ليست من الأصل ولم تكن في الفعل. وليس هذا الضرب من المصادر لازماً بزيادته لباب فعل كلزوم الإفعال والاستفعال ونحوهما لأفعالهما. فكان ماجاء على فعل أصله عندهم الفعل في المصدر فإذا جاءوا بالمرة جاءوا بها على فعلةٍ كما جاءوا بتمرةٍ على تمرٍ. وذلك: قعدت قعدةً وأتيت أتيةً. وقالوا: أتيته إتيانةً ولقيته لقاءةً واحدةً فجاءوا به على المصدر المستعمل في الكلام. كما قالوا: أعطى إعطاءةً واستدرج استدراجةً. ونحو إتيانةٍ قليلٌ والاطراد على فعلةٍ. وقالوا غزاةٌ فأرادوا عمل وجه واحد كما قيل: حجةٌ يراد به عمل سنةٍ. ولم يجيئوا به على الأصل ولكنه اسمٌ لذا. وقالوا: قنمةٌ وسهلكةٌن وخمطةٌ جعلوه اسماً لبعض الريح كالبنة والشهدة والعسلة ولم يرد به فعل فعلة.

هذا باب نظائر ما ذكرنا من بنات الياء والواو التي الياء والواو منهن في موضع اللامات

قالوا: رميته رمياً وهو رامٍ كما قالوا: ضربته ضرباً وهو ضاربٌ ومثل ذلك: مراه يمريه مرياً وطلاه يطليه طلياً وهو مارٍ وطالٍ. وغزا يغزوه غزواً وهو غازٍ ومحاه يمحوه محوا وهو ماحٍ وقلاه يقلو قلواً وهو قالٍ. وقالوا: لقيته لقاءً كما قالوا: سفدها سفاداً وقالوا: اللقى كما قالوا النهوك. وقالوا: قليته فأنا أقليه قلىً كما قالوا: شريته شرىً. وقالوا: لمي يلمى لمياً إذا اسودت شفته. وقد جاء في هذا الباب المصدر على فعلٍ قالوا: هديته هدىً ولم يكن هذا في غير هدىً وذلك لأن الفعل لا يكون مصدراً في هديت فصار هدىً عوضا منه. وقالوا: قليته قلىً وقريته قرىً فاشركوا بينهما في هذا فصار عوضا من الفعل في المصدر فدخل كل واحد منهما على صاحبه كما قالوا: كسوةً وكسىً وجذوةٌ وجذىً وصوةٌ وصوىً لأن فعلٌ وفعلٌ أخوان. ألا ترى أنك إذا كسرت على فعل فعلةً لم تزد على أن تحرك العين وتحذف الهاء. وكذلك فعلةٌ في فعل فكل واحدٍ منهما أخٌ لصاحبه. ألا ترى أنه إذا جمع كل واحد منهما بالتاء جاز فيه ما جاز في صاحبه إلا أن أول هذا مكسور وأول هذا مضموم فلما تقاربت هذه الأشياء دخل كل واحد منهما على صاحبه. ومن العرب من يقول: رشوةٌ ورشاً ومنهم من يقول: رشوةٌ ورشاً وحبوةٌ وحباً والأصل رشاً. وأكثر العرب يقول: رشاً وكسىً وجذىً. وقالوا: شريته شرىً ورضيته رضىً. فالمعتل يختص بأشياء وستراه فيما تستقبل إن شاء الله. وقالوا: عتا يعتو عتواًن كما قالوا خرج يخرج خروجاً وثبت ثبوتاً. ومثله دنا يدنو دنواًن وثوى يثوي ثوياً ومضى يمضي مضياً وهو عاتٍ دانٍ وثاوٍ وماضٍ. وقالوا: نمى ينمي نماءً وبدا يبدو بداءً ونثا ينثو نثاءً وقضى يقضي قضاءً. وإنما كثر الفعال في هذا كراهية الياءات مع الكسرة الواوات مع الضمة مع أنهم قد قالوا: الثبات والذهاب. فهذا نظير للمعتل. وقد قالوا: بدا يبدو بداً ونثا ينثو نثاً كما قالوا: حلب يحلب حلباً سلب يسلب سلباً وجلب يجلب جلباً. وقالوا: جرى جرياً وعدا عدواً كما قالوا: سكت سكتاً. وقالوا: زنى يزني زناً وسرى يسري سرىً والتقى فصارتا ههنا عوضاً من فعلٍ أيضاً فعلى هذا يجري المعتل الذي حرف الاعتلال فيه لام. وقالوا: السقاء والجناء كما قالوا: الجلاس والعباد والنساك. وقالوا: بهو يبهو بهاءً وهو بهيٌّ مثل جمل جمالاً وهو جميل. وقالوا: سروا يسرو سرواً وهو سريٌّ كما قالوا: ظرف يظرف ظرفاً وهو ظريفٌ. وقالوا: بذو يبذو بذاءً وهو بذيٌّ كما قالوا: سقم سقاماً وهو سقيم وخبث وهو خبيثٌ. وقالوا: البذاء كما قالوا الشقاء. وبعض العرب يقول: بذيت كما تقول: شقيت. ودهوت دهاءً وهو دهيٌّ كما قالوا: ظرفت وهو ظريفٌ. وقالوا: الدهاء كما قالوا: سمح سماحاً. وقالوا: داهٍ كما قالوا: عاقل. ومثله في اللفظ عقر وعاقرٌ. وقالوا: دها يدهو وداهٍ كما قالوا: عقل وعاقلٌ. وقالوا: دهيٌّ كما قالوا: لبيبٌ.

هذا باب نظائر ما ذكرنا من بنات الياء والواو التي الياء والواو فيهن عينات

تقول: بعته بيعاً وكلته كيلاً فأنا أكيله وأبيعه وكائلٌ وبائعٌ كما قالوا: ضربه ضرباً وهو ضاربٌ. وقالوا: زرته زيارةً وعدته عيادةً وحكته حياكةً كأنهم أرادوا الفعول ففروا إلى هذا كراهية الواوات والضمات. وقد قالوا مع هذا: عبده عبادةً فهذا نظير عمرت الدار عمارةً. وقالوا: خفته فأنا أخافه خوفاً وهو خائفٌ جعلوه بمنزلة لقمته فأنا ألقمه لقماً وهو لاقمٌ وجعلوا مصدره على مصدره لأنه وافقه في الفعل والتعدي. وقالوا: هبته فأنا أهابه هيبةً وهو هائبٌ كما قالوا: خشيته وهو خاشٍ والمصدر خشيةٌ وهيبةٌ. وقد قال بعض العرب: هذا رجلٌ خافٌ شبهوه بفرقٍ وفزع إذ كان المعنى واحداً. وقالوا: نلته فأنا أناله نيلاً وهو نائل كما قالوا: جرعه جرعاً وهو جارعٌ وحمده حمداً وهو حامدٌ. وقالوا: ذمته فأنا أذيمه ذاماً وعبته أعيبه عاباً كما قالوا: سرقه يسرقه سرقا. وقالوا: عيباً. وقالوا: سؤته سوءاً وقته قوتاً وساءني سوءاً تقديره فعلاً كما قالوا: شغلته شغلاً وهو شاغلٌ. وقالوا: عفته فأنا أعافه عيافةً وهو عائفٌ كما قالوا: زدته زيادةً. وبناء الفعل بناء نلت. وقالوا: سرته فأنا أسوره سؤوراً وهو سائرٌ. وقالوا: غرت فأنا أغور غؤوراً وهو غائرٌ كما قالوا: جمد جموداً وهو جامدٌ وقعد قعوداً وهو قاعدٌ وسقط سقوطاً وهو ساقط. وقالوا: غرت في الشيء غؤوراً وغياراً إذا دخلت فيه كقولهم: يغور في الغور. وقال الأخطل: لما أتوها بمصباحٍ ومبزلهم سارت إليهم سؤور الأبجل الضاري وقال العجاج: ورب ذي سرادقٍ محجور سرت إليه في أعالي السور وقالوا: غابت الشمس غيوباً وبادت تبيد بيوداً كما قالوا: جلس يجلس جلوساً ونفر ينفر نفوراً. وقالوا: قام يقوم قياماً وصام يصوم صياماًن كراهية للفعول. وقالوا: آبت الشمس إياباً وقال بعضهم: أؤوباً كما قالوا: الغؤور والسؤور ونظيرها من غير المعتل الرجوع. ومع هذا أنهم أدخلوا الفعال كما قالوا: النفار والنفور وشب شباباً وشبوبا فهذا نظيره من العلة. وقالوا: ناح ينوح نياحةً وعاف يعيف عيافةً وقاف يقوف قيافة فراراً من الفعول. وقالوا: صاح صياحاً وغابت الشمس غيابا كراهية للفعول في بنات الياء كما كرهوا في بنات الواو. وقالوا: دام يدوم دواما وهو دائمٌ وزال يزول زوالاً وهو زائلٌ وراح يروح رواحا وهو رائحٌ كراهية للفعول. وله نظائر أيضاً: الذهاب والثبات. وقالوا: حاضت حيضا وصامت صوما وحال حولاً كراهية الفعول ولأن له نظيراً نحو سكت يسكت سكتا وعجز يعجز عجزاً ومثل ذلك مال يميل ميلاً. فعىل ما ذكرت لك يجري المعتل الذي حرف الاعتلال فيه عينه. وقالوا: لعت تلاع لاعاً وهو لاعٌ كما قالوا: جزع يجزع جزعاً وهو جزعٌ. وقالوا: دئت تداء داء وهو داءٌ فاعلم كا قالوا: وجع يوجع وجعا وهو وجعٌ. وقالوا: لعت وهو لاعئٌ مثل بعت وهو بائعٌ ولاعٌ أكثر.

هذا باب نظائر بعض ما ذكرنا من بنات الواو التي الواو فيهن فاءٌ

تقول: وعدته فأنا أعده وعداً ووزنته فأنا أزنه وزناًن ووأدته فأنا أئده وأداً كما قالوا: كسرته فأنا أكسره كسراً. ولا يجيء في هذا الباب يفعل وسأخبرك عن ذلك إن شاء الله. وإعلم أن ذا أصله على قتل يقتل وضرب يضرب فلما كان من كلامهم استثقال الواو مع الياء حتى قالوا: ياجل ويبجل كانت الواو مع الضمة أثقل فصرفوا هذا الباب إلى يفعل فلما صرفوه إليه كرهوا الواو بين ياء وكسرةٍ إذ كرهوها مع ياء فحذفوها فهم كأنهم إنما يحذفونها من يفعل. فعلى هذا بناء ما كان على فعل من هذا الباب. وقد قال ناسٌ من العرب: وجد يجد كأنهم حذفوها من يوجد وهذا لا يكاد يوجد في الكلام. وقالوا: ورد يرد وروداً ووجب يجب وجوباً كما قالوا: خرج يخرج خروجاً وجلس يجلس جلوساً. وقالوا: وجل يوجل وهو وجلٌ فأتموها لأنها لا كسرة بعدها فلم تحذف فرقوا بينها وبين يفعل. وقالوا: وضؤ يوضؤ ووضع يوضع فأتموا ما كان على فعل كما أتموا ما كان على فعل لأنهم لم يجدوا في فعل مصرفاً إلى يفعل كما وجدوه في باب فعل نحو ضرب وقتل وحسب فلما لم يكن يدخله هذه الأشياء وجرى على مثالٍ واحد سلموه وكرهوا الحذف لئلا يدخل في باب ما يختلف يفعل منه فألزموه التسليم لذلك. وقالوا: ورم يرم وورع يرع ورعاً وورماً ويورع لغة ووغر صدره يغر ووحر يحر وحراً ووغراً ووجد يجد وجداً ويوغر ويوحر أكثر وأجود يقال يوغر ويوحر ولا يقال يورم وولي يلي أصل هذا يفعل فلما كانت الواو في يفعل لازمة وتستثقل صرفوه من باب فعل يفعل إلى باب يلزمه الحذف فشركت هذه الحروف وعد كما شركت حسب يحسب وأخواتها ضرب يضرب وجلس يجلس. فلما كان هذا في غير المعتل كان في المعتل أقوى. وأما ما كان من الياء فإنه لا يحذف منه وذلك قولك يئس ييئس ويسر ييسر ويمن ييمن وذلك أن الياء أخف عليهم ولأنهم قد يفرون من استثقال الواو ومع الياء إلى الياء في غير هذا الموضع ولا يفرون من الياء إلى الواو فيه وهي أخف. وسترى ذلك إن شاء الله. فلما كان أخف عليهم سلموه. وزعموا أن بعض العرب يقول: يئس يئس فاعلم فحذفوا الياء من يفعل لاستثقال الياءات ههنا مع الكسرات فحذف كما حذف الواو. فهذه في القلة كيجد. وإنما قل مثل يجد لأنهم كرهوا الضمة بعد الياء كما كرهوا الواو بعد الياء فيما ذكرت لك فكذلك ما هو منها فكانت الكسرة مع الياء أخف عليهم كما أن الياء مع الياء أخف عليهم في مواضع ستبين لك إن شاء الله من الواو. وأما وطئت ووطىء يطأ ووسع يسع فمثل ورم يرم وومق يمق ولكنهم فتحوا يفعل وأصله الكسر كما قالوا: قلع يقلع وقرأ يقرأ فتحوا جميع الهمزة وعامة بنات العين. ومثله وضع يضع.

باب افتراق فعلت وأفعلت في الفعل

للمعنى تقول: دخل وخرج وجلس. فإذا أخبرت أن غيره صيره إلى شيء من هذا قلت: أخرجه وأدخله وأجلسه. وتقول: فزع وأفزعته وخاف وأخفته وجال وأجلته وجاء وأجأته فأكثر ما يكون على فعل إذا أردت أن غيره أدخله في ذلك يبنى الفعل منه على أفعلت. ومن ذلك أيضاً مكث وأمكثته. وقد يجيى الشيء على فعلت فيشرك أفعلت كها أنهما قد يشتركان في غير هذا وذلك قولك: فرح وفرحته وإن شئت قلت أفرحته وغرم وغرمته وأغرمته إن شئت كما تقول: فزعته وأفزعته. وتقول: ملح وملحته وسمعنا من العرب من يقول: أملحته كما تقول: أفزعته. وقالوا: ظرف وظرفته ونبل ونبلته ولا يستنكر أفعلت فيهما ولسكن هذا أكثر واستغني به. ومثل أفرحت وفرحت: أنزلت ونزلت قال الله عز وجل: " لولا أنزل عليه آيةٌ من ربه قل إن الله وأما طردته فنحيته وأطردته: جعلته طريداً هارباً وطردت الكلاب الصيد أي جعلت تنحيه. ويقال طلعت أي بدوت وطلعت الشمس أي بدت. وأطلعت عليهم أي هجمت عليهم. وشرقت: بدت وأشرقت: أضاءت. وأسرع: عجل. وأبطأ: احتبس. وأما سرع وبطؤ فكأنهما غريزة كقولك: خف وثقل ولا تعديهما إلى شيء كما تقول: طولت الأمر وعجلته. وتقول: فتن الرجل وفتنته وحزن وحزنته ورجع ورجعته. وزعم الخليل أنك حيث قلت فتنته وحزنته لم ترد أن تقول: جعلته حزيناً وجعلته فاتناً كما أنك حين قلت: أدخلته أردت جعلته داخلاًن ولكنك أدرت أن تقول: جعلت فيه حزناً وفتنةً فقلت فتنته كما قلت كحلته أي جعلت فيه كحلاً ودهنته جعلت فيه دهناً فجئت بفعلته على حدةٍ ولم ترد بفعلته ههنا تغيير قوله حزن وفتن. ولو أردت ذلك لقلت أحزنته وأفتنته. وفتن من فتنته كحزن من حزنته. ومثل ذلك: شتر الرجل وشترت عينه فإذا أردت تغيير شتر الرجل لم تقل إلا أشترته كما تقول: فزع وأفزعته. وإذا قال: شترت عينه فهو لم يعرض لشتر الرجل فإنما جاء ببنناء على حدة. فكل بناء مما ذكرت لك على حدةٍ. كما أنك إذا قلت طردته فذهب فاللفظان مختلفان. ومثل حزن وحزنته: عورت عينه وعرتها. وزعموا أن بعضهم يقول: سودت عينه وسدتهأ وقد اختلفوا في هذا البيت لنصيبٍ فقال بعضهم: سودت فلم أملك سوادي وتحته قميصٌ من القوهي بيضٌ بنائقه وقال بعضهم: سدت يعني فعلت. وقال بعض العرب: أفتنت الرجل وأحزنته وأرجعته وأعورت عينه أرادوا جعلته حزيناً وفاتناًن فغيروا فعل كما فعلوا ذلك في الباب الأول. وقالوا: عورت عينه كما قالوا: فرحته وكما قالوا: سودته. ومثل فتن وفتنته: جبرت يده وجبرتها وركضت الدابة وركضتها ونزحت الركية ونزحتها وسار الدابة وسرتها. وقالوا: رجس الرجل ورجسته ونقص الدرهم ونقصته. ومثله غاض الماء وغضته. وقد جاء فعلته إذا أردت أن تجعله مفعلاً وذلك: فطرته فأفطر وبشرته فأبشر. وهذا النحو قليل. فأما خطأته فإنما أردت سميته مخطئاً كما أنك حيث قلت: فسقته وزنيته أي سميته بالزنا والفسق. كما تقول: حييته أي استقبلته بحياك الله كقولك: سقيته ورعيته أي قلت له: سقاك الله ورعاك الله كما قلت له يا فاسق. وخطأته قلت له يا مخطىء. ومثل هذا: لحنته. وقالوا: أسقيته في معنى سقيته فدخلت على فعلت كما تدخل فعلت عليها يعني في فرحت ونحوها. وقال ذو الرمة: وقفت على ربعٍ لمية ناقتي فما زلت أبكي حوله وأخاطبه وأسقيه حتى كاد مما أبثه تكلمني أحجاره وملاعبه وتجيء أفعلته على أن تعرضه لأمر وذلك قولك: أقتلته أي عرضته للقتل. ويجيء مثل قبرته وأقبرته فقبرته: دفنته وأقبرته: جعلت له قبراً. وتقول: سقيته فشرب وأسقيته: جعلت له ماءً وسقيا. ألا ترى أنك تقول: أسقيته نهراً. وقال الخليل: سقيته وأسقيته أي جعلت له ماءً وسقيا. فسقيته مثل كسوته وأسقيته مثل ألبسته. ومثله: شفيته وأشفيته فشفيته: أبرأته وأشفيته: وهبت له شفاءً كما جعلت له قبراً. وتقول: أجرب الرجل وأنحز وأحال أي صار صاحب جربٍ وحيالٍ ونحازٍ في ماله. وتقول لما أصابه: هذا نحزٌ وجربٌ وحائلٌ للناقة. ومثل ذلك: مشدٌّ ومقطفٌ: ومقوٍ أي صاحب قوةٍ وشدةٍ وقطافٍ في ماله. ويقال: قوي الدابة وقطف. ومثل ذلك قول الرجل: ألام الرجل أي صار صاحب لائمةٍ. ومثل هذا قولهم: أسمنت وأكرمت فاربط وألامت. ومثل هذا أصرم النخل وأمضغ وأحصد الزرع وأجز النخل وأقطع أي قد استحق أن تفعل به هذه الأشياء كما استحق الرجل أن تلومه. فإذا أخبرت أنك قد أوقعت به قلت: قطعت وصرمت وجززت وأشباه ذلك. وقالوا: حمدته أي جزيته وقضيته حقه فأما أحمدته فتقول وجدته مستحقاً للحمد مني فإنما تريد أنك استبنته محموداً كما أن أقطع النخل استحق القطع وبذلك استنبت أنه استحق الحمد كما تبين لك النخل وغيره فكذلك استبنته فيه. وقالوا: أراب كما قالوا: ألام أي صار صاحب ريبةٍ كما قالوا: ألام أي استحق أن يلام. وأما رابني فإنه يقول: جعل لي ريبةً كما تقول: قطعت النخل أي أوصلت إليه القطع واستعملته فيه. ومثل ذلك: أبقت المرأة وأبق الرجل وبقت ولداً وبققت كلاماً كقولك: نثرت ولداً ونثرت كلاماً. ومثل المجرب والمقطف: المعسر والموسر والمقل. وأما عسرة فتقول ضيقت عليه ويسرته: تقول وسعت عليه. وقد يجيء فعلت وأفعلت المعنى فيهما واحد إلا أن اللغتين اختلفتا. زعم ذلك الخليل. فيجيء به قوم على فعلت ويلحق قوم فيه الألف فيبنونه على أفعلت. كما أنه قد يجيء الشيء على أفعلت لا يستعمل غيره وذلك قلته البيع وأقلته وشغله وأشغله وصر أذنيه وأصر أذنيه وبكر وأبكر وقالوا: بكر فأدخلوه مع أبكر وبكر كأبكر فقالوا أبكر كما قالوا: أدنف الرجل فبنوه على أفعل وهو من الثلاثة ولم يقولوا: دنف كما قالوا: مرض. وأبكر كبكر. وكما قالوا: أشكل أمرك. وقالوا: حرثت الظهر واحرثته. ومثل أدنفت: أصبحنا وأمسينا وأسحرنا وأفجرنا شهوه بهذه التي تكون في الأحيان. ومثل ذلك: نعم الله بك عيناً وأنعم الله بك وزلته من مكانه وأزلته. وتقول: غفلت أي صرت غافلاً وأغفلت إذا أخبرت أنك تركت شيئاً ووصلت غفلتك إليه. وإن شئت قلت: غفل عنه فاجتزأت بعنه عن أغفلته لأنك إذا قلت عنه فقد أخبرت بالذي وصلت غفلتك إليه. ومثل هذا: لطف به وألطف غيره ولطف به كغفل عنه وألطفه كأغفله. ومثل ذلك بصر وما كان بصيراً وأبصره إذا أخبر بالذي وقعت رؤيته عليه. وقد يجيء فعلت وأفعلت في معنى واحدٍ مشتركين كما جاء فيما صيرته فاعلاً ونحوه وذلك وعزت إليه وأوعزت إليه وخبرت وأخبرت وسميت وأسميت. وقد يجيئان مفترقين مثل علمته وأعلمته فعلمت: أدبت وأعلمت: آذنت وآذنت: أعلمت وأذنت: النداء والتصويت بإعلانٍ. وبعض العرب يجري أذنت وآذنت مجرى سميت وأسميت. وتقول: أمرضته أي جعلته مريضاً ومرضته أي قمت عليه ووليته. ومثله أقذيت عينه أي جعلتها قذيةً وقذيتها: نظفتها. وتقول: أكثر الله فينا مثلك أي أدخل الله فينا كثيراً مثلك وتقول للرجل: أكثرت أي جئت بالكثير وأما كثرت فأن تجعل قليلاً كثيراً وكذلك قللت وكثرت. وإذا جاء بقليلٍ قلت: أقللت وأوتحت. وتقول: أقللت وأكثرت أيضاً في معنى قللت وكثرت. وتقول: أصبحنا وأمسينا وأسحرنا وأفجرنا وذلك إذا صرت في حين صبحٍ ومساءٍ وسحرٍ وأما صبحنا ومسينا وسحرنا فتقول: أتيناه صباحاً ومساءً وسحراً ومثله بيتناه: أتيناه بياتا. وما بني على يفعل: يشجع ويجبن ويقوى أي يرمى بذلك ومثله قد شنع الرجل أي رمي بذلك وقيل له. وقالوا: أغلقت الباب وغلقت الأبواب حين كثروا العمل وسترى نظير ذلك في باب فعلت إن ما زلت أغلق أبواباً وأفتحها حتى أتيت أبا عمرو بن عمار ومثل غلقت وأغلقت أجدت وجودت وأشباهه. وكان أبو عمرو أيضاً يفرق بين نزلت وأنزلت. ويقال أبان الشيء نفسه وأبنته واستبان واستبنته والمعنى واحدٌ وذا هاهنا بمنزلة حزن وحزنته في فعلت وكذلك بين وبينته.

باب دخول فعلت على فعلت لا يشركه في ذلك أفعلت

تقول: كسرتها وقطعتها فإذا أردت كثرة العمل قلت: كسرته وقطعته ومزقته. ومما يدلك على ذلك قولهم: علطت البعير وإبلٌ معلطةٌ وبعيرٌ معلوطٌ. وجرحته وجرحتهم. وجرحته: أكثرت الجراحات في جسده. وقالوا: ظل يفرسها السبع ويؤكلها إذا أكثر ذلك فيها. وقالوا: موتت وقومت إذا أردت جماعة الإبل وغيرها. وقالوا: يجول أي يكثر الجولان ويطوف أي يكثر التطويف. واعلم أن التخفيف في هذا جائز كله عربي إلا أن فعلت إدخالها ههنا لتبيين الكثير. وقد يدخل في هذا التخفيف كما أن الركبة والجلسة قد يكون معناهما في الركوب والجلوس ولكن بينوا بها هذا الضرب فصار بناءً له خاصاً كما أن هذا بناءٌ خاصٌّ للتكثير وكما أن الصوف والريح قد يكون فيه معنى صوفةٍ ورائحة. قال الفرزدق: ما زلت أفتح أبواباً وأغلقها حتى أتيت أبا عمرو بن عمار وفتحت في هذا أحسن كما أن قعدة في ذلك أحسن. وقد قال جل ذكره: " جنات عدنٍ مفتحةً لهم الأبواب " وقال تعالى: " وفجرنا الأرض عيوناً ". فهذا وجه فعلت وفعلت مبيناً في هذه الأبواب وهكذا صفته.

باب ما طاوع الذي فعله على فعل

وهو يكون على انفعل وافتعل وذلك قولك: كسرته فانكسر وحطمته فانحطم وحسرته فانحسرن وشويته فانشوى وبعضهم يقول: فاشتوى. وغممته فاغتم وانغم عربية. وصرفته فانصرف وقطعته فانقطع. ونظير فعلته فانفعل وافتعل: أفعلته ففعل نحو أدخلته فدخل وأخرجته فخرج ونحو ذلك. وربما استغني عن انفعل في هذا الباب فلم يستعمل وذلك قولهم: طردته فذهب ولا يقولون: فانطرد ولا فاطرد. يعني أنهم استغنوا عن لفظه بلفظ غيره إذ كان في معناه. ونظير هذا فعلته فتفعل نحو كسرته فتكسر وعشيته فتعشى وغديته فتغدى. وفي فاعلته فتفاعل وذلك نحو ناولته فتناول وفتحت التاء لأن معناه معنى الانفعال والافتعال قال يقول معناه معنى يتفعل في فتحة الياء في المضارع. كذلك تقول: تناول يتناول فتفتح الياء ولا تكون مضمومة كما كانت يناول لأن المعنى للمطاوعة معنى انفعل وافتعل. ونظير ذلك في بنات الأربعة على مثال تفعلل نحو دحرجته فتدحرج وقلقلته فتقلقل ومعددته فتمعدد وصعررته فتصعرر. وأما تقيس وتنزر وتتمم فإنما يجري على نحو كسرته فتكسر وكذلك كل شيء جاء على زنة فعلله عدد حروفه أربعة أحرف ما خلا أفعلت فإنه لم يلحق ببنات الأربعة.

باب ما جاء فعل منه على غير فعلته

وذلك نحو: جن وسل وزكم وورد. وعلى ذلك قالوا: مجنونٌ ومسلولٌ ومزكومٌ ومحمومٌ ومورودٌ. وإنما جاءت هذه الحروف على جننته وسللته وإن لم يستعمل في الكلام كما أن يدع على ودعت ويذر على وذرت وإن لم يستعملا استغني عنهما بتركت واستغني عن قطع بقطع. وكذلك استغني عن جننت ونحوها بأفعلت. فإذا قالوا جن وسل فإنما يقولون جعل فيه الجنون والسل. كما قالوا: حزن وفسل ورذل. وإذا قالوا: جننت فكأنهم قالوا جعل فيك جنونٌ كما أنه إذا قال أقبرته فإنما يقول: وهبت له قبراً وجعلت له قبرا. وكذلك أحزنته وأحببته. فإذا قلت محزونٌ ومحبوبٌ جاء على غير أحببت. وقد قال بعضهم: حببت فجاء به على القياس.

باب دخول الزيادة في فعلت للمعاني

ومثل ذلك: ضاربته وفارقته وكارمته وعازني وعاززته وخاصمني وخاصمته. فإذا كنت أنت فعلت قلت: كارمني فكرمته. واعلم أن يفعل من هذا الباب على مثال يخرج نحو عازني فعززته أعزه وخاصمني فخصمته أخصمه وشاتمني فشتمته أشتمه. وتقول: خاصمني فخصمته أخصمه. وكذلك جميع ما كان من هذا الباب إلا ما كان من الياء مثل رميت وبعت وما كان من باب وعد فإن ذلك لا يكون إلا على أفعله لأنه لا يختلف ولا يجيء إلا على يفعل. وليس في كل شيء يكون هذا. ألا ترى أنك لا تقول نازعني فنزعته استغني عنها بغلبته وأشباه ذلك. وقد تجيء فاعلت لا تريد بها عمل اثنين ولكنهم بنوا عليه الفعل كما بنوه على أفعلت وذلك قولهم: ناولته وعاقبته وعافاه الله وسافرت وظاهرت عليه وناعمته. بنوه على فاعلت كما بنوه على أفعلت. ونحو ذلك: ضاعفت وضعفت مثل ناعمت ونعمت فجاءوا به على مثال عاقبته. وتقول: تعاطينا وتعطينا فتعاطينا من اثنين وتعطينا بمنزلة غلقت الأبواب أراد أن يكثر العمل. وأما تفاعلت فلا يكون إلا وأنت تريد فعل اثنين فصاعداً ولا يجوز أن يكون معملاً في مفعولٍ ففي تفاعلنا يلفظ بالمعنى الذي كان في فاعلته. وذلك قولك: تضاربنا وترامينا وتقاتلنا. وقد يشركه افتعلنا فتريد بهما معنىً واحدا وذلك قولهم: تضاربوا واضطربوا وتقاتلوا واقتتلوا وتجاوروا واجتوروا وتلاقوا والتقوا. وقد يجيىء تفاعلت على غير هذا كما جاء عاقبته ونحوها لا تريد بها الفعل من اثنين. وذلك قولك: تماريت في ذلك وتراءيت له وتقاضيته وتعاطيت منه أمراً قبيحاً. وقد يجيىء تفاعلت ليريك أنه في حالٍ ليس فيها. من ذلك: تغافلت وتعاميت وتعاييت وتعاشيت وتعارجت وتجاهلت. قال: إذا تخازرت وما بي من خزر فقوله: وما بي من خزر يدلك على ما ذكرنا. وقالوا: تذاءبت الريح وتناوحت وتذأبت كما قالوا: تعطينا وتقديرها: تذعبت وتذاعبت. باب استفعلت تقول: استجدته أي أصبته جيداً واستكرمته أي أصبته كريماً. واستعظمته أي أصبته عظيماً واستسمنته أي أصبته سميناً. وقد يجيىء استفعلت على غير هذا المعنى كما جاء تذاءبت وعاقبت تقول: استلأم واستخلف لأهله كما تقول أخلف لأهله المعنى واحد. وتقول: استعطيت أي طلبت العطية واستعتبته أي طلبت إليه العتبى. ومثل ذلك استفهمت واستخبرت أي طلبت إليه أن يخبرني ومثله: استثرته. وتقول: استخرجته أي لم أزل أطلب إليه حتى خرج. وقد يقولون: اخترجته شبهوه بافتعلته وانتزعته. وقالوا: قر في مكانه واستقر كما يقولون: جلب الجرح وأجلب يريدون بهما شيئاً واحداً كما بني ذلك على أفعلت بني هذا على استفعلت. وأما استحقه فإنه يكون طلب حقه وأما استخفه فإنه يقول طلب خفته. وكذلك استعمله أي طلب إليه العمل وكذلك استعجلت ومر مستعجلاً أي مر طالباً ذاك من نفسه متكلفاً إياه. وأما علا قرنه واستعلاه فإنه مثل قر واستقر وقالوا في التحول من حالٍ إلى حال هكذا وذلك قولك: استنوق الجمل واستتيست الشاة. وإذا أراد الرجل أن يدخل نفسه في أمرٍ حتى يضاف إليه ويكون من أهله فإنك تقول: تفعل وذلك تشجع وتبصر وتحلم وتجلد وتمرأ وتقديرها تمرع أي صار ذا مروءة وقال حاتم تحلم عن الأدنين واستبق ودهم ولن تستطيع الحلم حتى تحلما وليس هذا بمنزلة تجاهل لأن هذا يطلب أن يصير حليما. وقد يجيء تقيس وتنز وتعرب على هذا. وقد دخل استفعل ههنا قالوا: تعظم واستعظم وتكبر واستكبر. كما شاركت تفاعلت تفعلت الذي ليس في هذا المعنى ولكنه استثباتٌ وذلك قولهم: تيقنت واستيقنت وتبينت واسبنت: وتثبت واستثبت. ومثل ذلك - يعني تحلم - تقعدته أي ريثته عن حاجته وعقته. ومثله: تهيبني كذا وكذا وتهيبتني البلاد وتكاءدني ذاك الأمر تكاؤداً أي شق علي. وأما قوله: تنقصته وتنقصني فكأنه الأخذ من الشيء الأول فالأول. وأما تفهم وتبصر وتأمل فاستثباتٌ بمنزلة تيقن. وقد تشركه استفعل نحو استثبت. وأما يتجرعه ويتحساه ويتفوقه فهو يتنقصه لأنه ليس من معالجتك الشيء بمرة ولكنه في مهلةٍ. وأما تعقله فهو نحو تقعده لأنه يريد أن يختله عن أمرٍ يعوقه عنه. ويتملقه نحو ذلك لأنه إنما وقال: تظلمني أي ظلمني مالي فبناه في هذا الموضع على تفعل كما قالوا: جزته وجاوزته وهو يريد شيئاً واحداً وقلته وأقلته ولقته وألقته وهو إذا لطخته بالطين وألقت الدواة ولقتها. وأما تهيبه فإنه حصرٌ ليس فيه معنى شيءٍ مما ذكرنا كما أنك تقول استعليته لا تريد إلا معنى علوته. وأما تخوفه فهو أن يوقع أمراً يقع بك فلا تأمنه في حالك التي تكلمت فيها أن يوقع أمراً. وأما خافه فقد يكون وهو لا يتوقع منه في تلك الحال شيئاً. وأما تخونته الأيام فهو تنقصته وليس في تخونته من هذه المعاني شيءٌ كما لم يكن في تهيبه. وأما يتسمع ويتحفظ فهو يتبصر. وهذه الأشياء نحو يتجرع ويتفوق لأنها في مهلة. ومثل ذلك تخيره. وأما التعمج والتعمق فنحوٌ من هذا. والتدخل مثله لأنه عملٌ بعد عملٍ في مهلة. وأما تنجز حوائجه واستنجز فهو بمنزلة تيقن واستيقن في شركة استفعلت. فالاستثبات والتقعد والتنقص والتنجز وهذا النحو كله في مهلة وعمل بعد عمل. وقد بينا ما ليس مثله في تفعل. تقول: اشتوى القوم أي اتخذوا شواءً. وأما شويت فكقولك: أنضجت. وكذلك اختبز وخبز واطبخ وطبخ واذبح وذبح. فأما ذبح فمبنزلة قوله قتله وأما ذبح فبمنزلة اتخذ ذبيحةً. وقد يبنى على افتعل ما لا يراد به شيء من ذلك كما بنوا هذا على أفعلت وغيره من الأبنية وذلك افتقر واشتد فقالوا هذا كما قالوا استلمت فبنوه على افتعل كما بنوا هذا على أفعل. وأما كسب فإنه يقول أصاب وأما اكتسب فهو التصرف والطلب. والاجتهاد بمنزلة الاضطراب. وأما قولك: حبسته فبمنزلة قولك: ضبطته وأما احتبسته فقولك: اتخذته حبيساً كأنه مثل شوى واشتوى. وقالوا: ادخلوا واتلجوا يريدون يتدخلون ويتولجون. وقالوا: قرأت واقترأت يريدون شيئاً واحداً كما قالوا: علاه واستعلاه. ومثله خطف واختطف. وأما انتزع فإنما هي خطفة كقولك استلب وأما نزع فإنه تحويلك إياه وإن كان على نحو الاستلاب. وكذلك قلع واقتلع وجذب اجتذب بمعنىً واحدٍ. وأما اصطب الماء فبمنزلة اشتوه كأنه قال: اتخذه لنفسك. يعرضن إعراضاً لدين المفتن

باب افعوعلت وما هو على مثاله مما لم نذكره

قالوا: خشن وقالوا: اخشوشن. وسألت الخليل فقال: كأنهم أرادوا المبالغة والتوكيد كما أنه إذا قال: اعشوشبت الأرض فإنما يريد أن يجعل ذلك كثيراً عاماً قد بالغ. وكذلك احلولى. وربما بني عليه الفعل فلم يفارقه كما أنه قد يجيء الشيء على أفعلت وافتعلت ونحو ذلك لا يفارقه بمعنى ولا يستعمل في الكلام إلا على بناء فيه زيادة. ومثل ذلك: اقطر النبت واقطار النبت لم يستعمل إلا بالزيادة وابهار الليل وارعويت واجلوذت واعلوطت من نحو اذلولى. والجوذ واعلوط إذا جدبه السير. واقطار النبت إذا ولى وأخذ يجف. وابهار الليل إذا كثرت ظلمته وإبهار القمر إذا كثر ضوءه. واعلوطته إذا ركبته بغير سرج. واعروريت الفلو إذا ركبته عرياً وكذلك البعير. ونظير اقطار من بنات الأربعة: اقشعرت واشمأززت. وأما اسحنكك: اسود فبمنزلة اذلولى. وأرادوا بافعنلل أن يبلغوا به بناء احرنجم كما أرادوا بصعررت بناء دحرجت. فكذلك هذه الأبواب فعلى نحو ما ذكرت لك فوجهها.

باب ما لا يجوز فيه فعلته

إنما هي أبنيةٌ بنيت لا تعدى الفاعل كما أن فعلت لا يتعدى إلى مفعول فكذلك هذه الأبنية التي فيها الزوائد. فمن ذلك انفعلت ليس في الكلام انفعلته نحو انطلقت وانكمشت وانجردت وانسللت. وهذا موضعٌ قد يستعمل فيه انفعلت وليس مما طاوع فعلت نحو كسرته فانكسر ولا يقولون في ذا: طلقته فانطلق ولكنه بمنزلة ذهب ومضى كما أن افتقر بمنزلة ضعف. وأي المعنيين عنيت فإنه لا يجيء فيه انفعلته. وليس في الكلام احرنجمته لأنه نظير انفعلت في بنات الثلاثة زادوا فيه نونا وألف وصل كما زادوهما في هذا. وكذلك: افعنللت لأنهم أرادوا أن يبلغوا به احرنجمت. وليس في الكلام افعنللته وافعلنليته ولا افعاللته ولا افعللته وهو نحو احمررت واشهاببت. ونظير ذلك من بنات الأربعة: اطمأننت واشمأززت لم نسمعهم قالوا: فعلته في هذا الباب. فلما أتى عامان بعد انفصاله عن الضرع واحلولى دماناً يرودها وكذلك افعول قالوا: اعلوطته. وكذلك فعللته صعررته لأنهم أرادوا بناء دحرجته. وقال: سودٌ كحب الفلفل المصعرر وكذلك فوعلته مفوعلةً نحو مكوكبة لأنهم أرادوا بناء بنات الأربعة فجعلوا من هذه التي هي ذات زوائد أبنية الأربعة وهي أقل مما يتعدى من ذوات الزوائد كما أن ما لا يتعدى من فعلت وفعلت أقل. وإنما كان هذا أكثر لأنهم يدخلون المفعول في الفعل ويشغلونه به كما يفعلون ذلك بالفاعل فكما لم يكن للفعل بدٌّ من فاعل يعمل فيه كذلك أرادوا أن يكثر المفعول الذي يعمل فيه. وقالوا: اعروريت الفلو واعروريت منى أمراً قبيحاً كما قالوا: احلولى ذلك. فذلك في موضع المفعول.

باب مصادر ما لحقته الزوائد من الفعل من بنات الثلاثة

فالمصدر على أفعلت إفعالاً أبداً. وذلك قولك: أعطيت إعطاءً وأخرجت إخراجاً. وأما افتعلت فمصدره عليه افتعالاً وألفه موصولةٌ كما كانت موصولةً في الفعل وكذلك ما كان على مثاله. ولزوم الوصل ههنا كلزوم القطع في أعطيت. وذلك قولك: احتبست احتباساً وانطلقت انطلاقاً لأنه على مثاله ووزنه واحمررت احمراراً. فأما استفعلت فالمصدر عليه الاستفعال. وكذلك ما كان على زنته ومثاله يخرج على هذا الوزن وهذا المثال كما خرج ما كان على مثال افتعلت. وذلك قولك: استخرجت استخراجاً واستصعبت استصعاباً واشهاببت اشهيباباً واقعنست اقعنساساً واجلوذت اجلواذاً. وأما فعلت فالمصدر منه على التفعيل جعلوا التاء التي في أوله بدلاً من العين الزائدة في فعلت وجعلت الياء بمنزلة ألف الإفعال فغيروا أوله كما غيروا آخره. وذلك قولك: كسرته تكسيراً وعذبته تعذيباً. وقد قال ناسٌ: كلمته كلاماً وحملته حمالاً أرادوا أن يجيئوا به على الإفعال فكسروا أوله وألحقوا الألف قبل آخر حرفٍ فيه ولم يريدوا أن يبدلوا حرفاً مكان حرف ولم يحذفوا كما أن مصدر أفعلت واستفعلت جاء فيه جميع ما جاء في استفعل وأفعل من الحروف ولم يحذف ولم يبدل منه شيءٌ. وقد قال الله عز وجل: " وكذبوا بآياتنا كذاباً ". وأما مصدر تفعلت فإنه التفعل جاءوا فيه بجميع ما جاء في تفعل وضموا العين لأنه ليس في الكلام اسم على تفعلٍ ولم يلحقوا الياء فيلتبس بمصدر فعلت ولا غير الياء لأنه أكثر من من ذلك قولك: تكلمت تكلماً وتقولت تقولاً. وأما الذين قالوا: كذاباً فإنهم قالوا: تحملت تحمالاً أرادوا أن يدخلوا الألف كما أدخلوها في أفعلت واستفعلت وأرادوا الكسر في الحرف الأول كما كسروا أول إفعالٍ واستفعال ووفروا الحروف فيه كما وفروهما فيهما. وأما فاعلت فإن المصدر منه الذي لا ينكسر أبداً: مفاعلةٌ جعلوا الميم عوضاً من الألف التي بعد أول حرف منه والهاء عوضٌ من الألف التي قبل آخر حرف وذلك قولك: جالسته مجالسةً وقاعدته مقاعدةً وشاربته مشاربةً وجاء كالمفعول لأن المصدر مفعول. وأما الذين قالوا هذا فقالوا: جاءت مخالفةً الأصل كفعلت وجاءت كما يجيء المفعل مصدراً والمفعلة إلا أنهم ألزموها الهاء لما فروا من الألف التي في قيتالٍ وهو الأصل. وأما الذين قالوا: تحملت تحمالاً فإنهم يقولون: قاتلت قيتالاً فيوفرن الحروف ويجيئون به على مثال إفعالٍ وعلى مثال قولهم كلمته كلاماً. وقد قالوا: ماريته مراءً وقاتلته قتالاً. وجاء فعالٌ على فاعلت كثيراً كأنهم حذفوا الياء التي جاء بها أولئك في قيتالٍ ونحوها. وأما المفاعلة فهي التي تلزم ولا تنكسر كلزوم الاستفعال استفعلت. وأما تفاعلت فالمصدر التفاعل كما أن التفعل مصدر تفعلت لأن الزنة وعدة الحروف واحدة وتفاعلت من فاعلت بمنزلة تفعلت من فعلت وضموا العين لئلا يشبه الجمع ولم يفتحوا لأنه ليس في الكلام تفاعلٌ في الأسماء.

باب ما جاء المصدر فيه على غير الفعل

لأن المعنى واحد وذلك قولك: اجتوروا تجاوراً تجاوروا اجتواراً لأن معنى اجتوروا وتجاوروا واحد. ومثل ذلك: انكسر كسراً وكسر انكساراً لأن معنى كسر وانكسر واحد. وقال الله تبارك وتعالى: " والله أنبتكم من الأرض نباتاً " لأنه إذا قال: أنبته فكأنه قال: قد نبت وقال عز وجل: " وتبتل إليه تبتيلاً " لأنه إذا قال تبتل فكأنه قال: بتل. وزعموا أن في قراءة ابن مسعود: " وأنزل الملائكة تنزيلاً " لأن معنى أنزل ونزل واحد. وقال القطامي: وخير الأمر ما استقبلت منه وليس بأن تتبعه اتباعا لأن تتبعت واتبعت في المعنى واحد وقال رؤبة: وقد تطويت انطواء الحضب لأن معنى تطويت وانطويت واحد ومثل هذه الأشياء: يدعه تركاً لأن معنى يدع ويترك واحدٌ.

باب ما لحقته هاء التأنيث عوضا لما ذهب

وذلك قولك: أقمته إقامةً واستعنته استعانة وأريته إراءة. وإن شئت لم تعوض وتركت الحروف على الأصل. قال الله عز وجل: " لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ". وقالوا: اخترت اختياراً فلم يلحقوه الهاء لأنهم أتموه. وقالوا: أريته إراءً مثل أقمته إقاماً لأن من كلام العرب أن يحذفوا ولا يعوضوا. وأما عزيت تعزيةً ونحوها فلا يجوز الحذف فيه ولا فيما أشبهه لأنهم لا يجيئون بالياء في شيءٍ من بنات الياء والواو مما هما فيه في موضع اللام صحيحتين. وقد يجيء في الأول نحو الإحواذ والاستحواذ ونحوه. ولا يجوز الحذف أيضاً في تجزئةٍ وتهنئةٍ وتقديرهما تجزعةٌ وتهنعةٌ لأنهم ألحقوهما بأختيهما من بنات الياء والواو كما ألحقوا أرأيت باب ما تكثر فيه المصدر من فعلت فتلحق الزوائد وتبنيه بناءً آخر كما أنك قلت في فعلت فعلت حين كثرت الفعل. وذلك قولك في الهذر: التهذار وفي اللعب: التلعاب وفي الصفق: التصفاق وفي الرد: الترداد وفي الجولان: التجوال والتقتال والتسيار. وليس شيء من هذا مصدر فعلت ولكن لما أردت التكثير بنيت المصدر على هذا كما بنيت فعلت على فعلت. وأما التبيان فليس على شيء من الفعل لحقته الزيادة ولكنه بني هذا البناء فلحقته الزيادة كما لحقت الرئمان وهو من الثلاثة وليس من باب التقتال ولو كان أصلها من ذلك فتحوا التاء فإنما هي من بينت كالغارة من أغرت والنبات من أنبت. ونظيرها التلقاء وإنما يريدون اللقيان. وقال الراعي: أملت خيرك هل تأتي مواعده فاليوم قصر عن تلقائك الأمل

باب مصادر بنات الأربعة

فاللازم لها الذي لا ينكسر عليه أن يجيء على مثال فعللةٍ. وكذلك كل شيء ألحق من بنات الثلاثة بالأربعة وذلك نحو: دحرجته دحرجةً وزلزلته زلزلةً وحوقلته حوقلةً وزحولته زحولةً. وإنما ألحقوا الهاء عوضاً من الألف التي تكون قبل آخر حرف وذلك ألف زلزالٍ. وقالوا زلزلته زلزالاً وقلقلته قلقالاً وسرهفته سرهافاً كأنهم أرادوا مثال الإعطاء والكذاب لأن مثال دحرجت وزنتها على أفعلت وفعلت. وقد قالوا الزلزال والقلقال ففتحوا كما فتحوا أول التفعيل فكأنهم حذفوا الهاء وزادوا الألف في الفعللة. والفعللة ههنا بمنزلة المفاعلة في فاعلت والفعلال بمنزلة الفيعال في فاعلت وتمكنهما ههنا كتمكن ذينك هناك. وأما ما لحقته الزيادة من بنات الأربعة وجاء على مثال استفعلت. وما لحق من بنات الثلاثة ببنات الأربعة فإن مصدره يجيء على مثال استفعلت. وذلك احرنجمت احرنجاماً واطمأننت اطمئناناً. والطمأنينة والقشعريرة ليس واحدٌ منهما بمصدر على اطمأننت واقشعررت كما أن النبات ليس بمصدر على أنبت فمنزلة اقشعررت من القشعريرة واطمأننت من الطمأنينة بمنزلة أنبت من النبات. ورميته رمية من هذا الباب فنظير فعلت فعلةً من هذه الأبواب أن تقول: أعطيت إعطاءةً وأخرجت إخراجةً. فإنما تجيء بالواحدة على المصدر اللازم للفعل. ومثل ذلك افتعلت افتعالةً وما كان على مثالها وذلك قولك: احترزت اخترازةً واحدةً وانطلقت انطلاقةً واحدةً واستخرجت استخراجةً واحدة. وما جاء على مثاله وزنته بمنزلته وذلك قولك: اقعنسس اقعنساسةً واغدودن اغديدانةً. وكذلك جميع هذا. وفعلت بهذه المنزلة تقول: عذبته تعذيبةً وروحته ترويحةً. والتفعل كذلك وذلك قولهم: تقلبت تقلبةً واحدةً. وكذلك التفاعل تقول: تغافل تغافلةً واحدة. وأما فاعلت فإنك إن أردت الواحدة قلت: قاتلته مقاتلةً وراميته مراماةً تجيء بها على المصدر اللازم الأغلب. فالمقاتلة ونحوها بمنزلة الإقالة والاستغاثة لأنك لو أردت الفعلة في هذا لم تجاوز لفظ المصدر لأنك تريد فعلةً واحدةً فلابد من علامة التأنيث. ولو أردت الواحدة من اجتورت فقلت تجاورةٌ جاز لأن المعنى واحد فكما جاز تجاوراً كذلك يجوز هذا. وكذلك يجوز جميع هذا الباب. ومثل ذلك يدعه تركةً واحدةً.

باب نظير ما ذكرنا من بنات الأربعة وما ألحق ببنائها من بنات الثلاثة

فتقول: دحرجته دحرجةً واحدة وزلزلته زلزلةً واحدة تجيء بالواحدة على المصدر الأغلب الأكثر.

باب اشتقاقك الأسماء لمواضع بنات الثلاثة

التي ليست فيها زيادة من لفظها أما ما كان من فعل يفعل فإن موضع الفعل مفعلٌ وذلك قولك: هذا محبسنا ومضربنا ومجلسنا كأنهم بنوه على بناء يفعل فكسروا العين كما كسروها في يفعل. فإذا أردت المصدر بنيته على مفعلٍ وذلك قولك: إن في ألف درهم لمضرباً أي لضرباً. قال الله عز وجل: " أين المفر " يريد: أين الفرار. فإذا أراد المكان قال: المفر كما قالوا: المبيت حين أرادوا المكان لأنها من بات يبيت. وقال الله عز وجل: " وجعلنا النهار معاشاً " أي جعلناه عيشاً. وقد يجيء المفعل يراد به الحين. فإذا كان من فعل يفعل بنيته على مفعلٍ تجعل الحين الذي فيه الفعل كالمكان. وذلك قولك: أتت الناقة على مضربها وأتت على منتجها إنما تريد الحين الذي فيه النتاج والضرب. وربما بنوا المصدر على المفعل كما بنوا المكان عليه إلا أن تفسير الباب وجملته على القياس كما ذكرت لك وذلك قولك: المرجع قال الله عز وجل: " إلى ربكم مرجعكم " أي رجوعكم. وقال: " ويسئلونك عن المحيض قل هو أذىً فاعتزلوا النساء في المحيض " أي في الحيض. وقالوا: المعجز يريدون العجز. وقالوا: المعجز على القياس وربما ألحقوا هاء التأنيث فقالوا: المعجزة والمعجزة كما قالوا: المعيشة. وكذلك أيضاً يدخلون الهاء في المواضع. قالوا: المزلة أي موضع زلل. وقالوا: المعذرة والمعتبة فألحقوا الهاء وفتحوا على القياس. وقالوا: المصيف كما قالوا: أتت الناقة على مضربها أي على زمان ضرابها وقالوا: المشتاة فأنثوا وفتحوا لأنه من يفعل. وقالوا: المعصية والمعرفة كقيلهم: المعجزة. وربما استغنوا بمفعلةٍ عن غيرها وذلك قولهم: المشيئة والمحمية. وقالوا: المزلة. وقال الراعي: بنيت مرافقهن فوق مزلةٍ لا يستطيع بها القراد مقيلا يريد: قيلولةً. وأما ما كان يفعل منه مفتوحاً فإن اسم المكان يكون مفتوحا كما كان الفعل مفتوحا. وذلك قولك: شرب يشرب. وتقول للمكان مشربٌ. ولبس يلبس والمكان الملبس. وإذا أردت المصدر فتحته أيضاً كما فتحته في يفعل فإذا جاء مفتوحاً في المكسور فهو في المفتوح أجدر أن يفتح. وقد كسر المصدر كما كسر في الأول قالوا: علاه المكبر. ويقولون المذهب للمكان. وتقول: أردت مذهباً أي ذهاباً فتفتح لأنك تقول: يذهب فتفتح. ويقولون: محمدةٌ فأنثوا كما أنثوا الأول وكسروا كما كسروا المكبر. وأما ما كان يفعل منه مضموما فهو بمنزلة ما كان يفعل منه مفتوحا ولم يبنوه على مثال يفعل لأنه ليس في الكلام مفعلٌ فلما لم يكن إلى ذلك سبيل وكان مصيره إلى إحدى الحركتين ألزموه أخفهما. وذلك قولك: قتل يقتل وهذا المقتل. وقالوا: يقوم وهذا المقام. وقالوا: أكره مقال الناس وملامهم. وقالوا: الملامة والمقالة فأنثوا. وقالوا: المرد والمكر يريدون الرد والكرور. وقالوا: المدعاة والمأدبة إنما يريدون الدعاء إلى الطعام. وقد كسروا المصدر في هذا كما كسروا في يفعل قالوا: أتيتك عند مطلع الشمس أي عند طلوع الشمس. وهذه لغة بني تميم وأما أهل الحجاز فيفتحون. وقد كسروا الأماكن في هذا أيضاً كأنهم أدخلوا الكسر أيضاً كما أدخلوا الفتح. وذلك: المنبت والمطلع لمكان الطلوع. وقالوا: البصرة مسقط رأسي للموضع. والسقوط المسقط. وأما المسجد فإنه اسم للبيت ولست تريد به موضع السجود وموضع جبهتك لو أردت ذلك لقلت مسجدٌ. ونظير ذلك: المكحلة والمحلب والميسم لم ترد موضع الفعل ولكنه اسمٌ لوعاء الكحل. وكذلك المدق صار اسماً له كالجلمود. وكذلك المقبرة والمشرقة وإنما أراد اسم المكان. ولو أراد موضع الفعل لقال مقبرٌ ولكنه اسم بمنزلة المسجد. والمظلمة بهذه المنزلة إنما هو اسم ما أخذ منك ولم ترد مصدراً ولا موضع فعل. وقالوا: مضربة السيف جعلوه اسماً للحديدة وبعض العرب يقول: مضربةٌ كما يقول: مقبرة ومشربة فالكسر في مضربةٍ كالضم في مقبرةٍ. والمنخر بمنزلة المدهن كسروا الحرف كما ضم ثمة. وقالوا: المسربة فهو الشعر الممدود في الصدر وفي السرة بمنزلة المشرقة لم ترد مصدراً ولا موضعاً لفعل وإنما هو اسم مخط الشعر الممدود في الصدر. وكذلك: المأثرة والمكرمة والمأدبة. وقد قال قوم معذرةٌ كالمأدبة ومثله: " فنظرةٌ إلى ميسرةٍ ". ويجيء المفعل اسماً كما جاء في المسجد والمنكب وذلك: المطبخ والمربد. وكل هذه الأبنية تقع اسماً للتي ذكرنا من هذه الفصول لا لمصدرٍ ولا لموضع العمل.

باب ما كان من هذا النحو من بنات الياء والواو التي الياء فيهن لام

فالموضع والمصدر فيه سواءٌ وذلك لأنه معتل وكان الألف والفتح أخف عليهم من الكسرة مع الياء ففروا إلى مفعلٍ إذ كان مما يبنى عليه المكان والمصدر. ولا يجي مكسوراً أبداً بغير الهاء لأن الإعراب يقع على الياء ويلحقها الاعتلال فصار هذا بمنزلة الشقاء والشقاوة وتثبت الواو مع الهاء وتبدل مع ذهابها. وأما بنات الواو فيلزمها الفتح لأنها يفعل ولأن فيها ما في بنات الياء من العلة.

هذا باب ما كان من هذا النحو من بنات الواو التي الواو فيهن فاءٌ

فكل شيءٍ كان من هذا فعل فإن المصدر منه من بنات الواو والمكان يبنى على مفعلٍ وذلك قولك للمكان: الموعد والموضع والمورد. وفي المصدر الموجدة والموعدة. وقد بين أمر فعل هناك وذلك من قبل أن فعل من هذا الباب لا يجيء إلا على يفعل ولا يصرف عنه إلى يفعل لعلة قد ذكرناها فلما كان لا يصرف عن يفعل وكان معتلاً ألزموا مفعلاً منه ما ألزموا يفعل وكرهوا أن يجعلوه بمنزلة ما ليس بمعتلٍّ ويكون مرةً يفعل ومرةً يفعل فلما كان معتلاً لازما لوجه واحد ألزموا المفعل منه وجها واحداً. وقال أكثر العرب في وجل يوجل ووحل يوحل: موحلٌ وموحلٌ وذلك أن يوجل ويوحل وأشباههما في هذا الباب من فعل يفعل قد يعتل فتقلب الواو ياءً مرةً وألفا مرة وتعتل لها الياء التي قبلها حتى تكسر فلما كانت كذلك شبهوها بالأول لأنها في حال اعتلال ولأن الواو منها في موضع الواو من الأول. وهم مما يشبهون الشيء بالشيء وإن لم يكن مثله في جميع حالاته. وحدثنا يونس وغيره أن ناسا من العرب يقولون في وجل يوجل ونحوه: موجلٌ وموحلٌ وكأنهم الذين قالوا يوجل فسلموه فلم سلم وكان يفعل كيركب ونحوه شبهوه به. وقالوا: مودةٌ لأن الواو تسلم ولا تقلب. وموحد فتحوه إذ كان اسما موضوعا ليس بمصدر ولا مكان إنما هو معدول عن واحد كما أن عمر معدول عن عامر فشبهوه بهذه الأسماء وذلك نحو موهب. وكموهبٍ: موألة اسم رجل ومورق وهو اسم. وأما بنات الياء التي الياء فيهن فاءٌ فإنها بمنزلة غير المعتل لأنها تتم ولا تعتل وذلك أن الياء مع الياء أخف عليهم ألا تراهم يقولون ميسرةٌ كما يقولون المعجزة وقال بعضهم: ميسرةٌ.

هذا باب ما يكون مفعلةٌ لازمة لها الهاء والفتحة

وذلك إذا أردت أن تكثر الشيء بالمكان وذلك قولك: أرضٌ مسبعةٌ ومأسدةٌ ومذأبةٌ. وليس في كل شيء يقال إلا أن تقيس شيئاً وتعلم أن العرب لم تكلم به. ولم يجيئوا بنظير هذا فيما جاوز ثلاثة أحرف من نحو الضفدع والثعلب كراهية أن يثقل عليهم ولأنهم قد يستغنون بأن يقولوا: كثيرة الثعالب ونحو ذلك وإنما اختصوا بها بنات الثلاثة لخفتها. ولو قلت من بنات الأربعة على قولك ماسدةٌ لقلت: مثعلبةٌ لأن ما جاوز الثلاثة يكون نظير المفعل منه بمنزلة المفعول. وقالوا: أرضٌ مثعلبةٌ ومعقربةٌ. ومن قال ثعالةٌ قال مثعلةٌ. ومحياةٌ ومفعاةٌ: فيها أفاعٍ وحياتٌ. ومقثاةٌ: فيها القثاء. باب ما عالجت به أما المقص فالذي يقص به. والمقص: المكان والمصدر. وكل شيءٌ يعالج به فهو مكسور الأول كانت فيه هاء التأنيث أو لم تكن وذلك قولك: محلبٌ ومنجلٌ ومكسحةٌ ومسلة والمصفى والمخرز والمخيط. وقد يجيء على مفعالٍ نحو: مقراضٍ ومفتاحٍ ومصباحٍ.

هذا باب نظائر ما ذكرنا مما جاوز بنات الثلاثة بزيادة أو بغير زيادة

فالمكان والمصدر يبنى من جميع هذا بناء المفعول وكان بناء المفعول أولى به لأن المصدر مفعولٌ والمكان مفعولٌ فيه فيضمون أوله كما يضمون المفعول لأنه قد خرج من بنات الثلاثة فيفعل بأوله ما يفعل بأول مفعوله كما أن أول ما ذكرت لك من بنات الثلاثة كأول مفعوله مفتوحٌ وإنما منعك أن تجعل قبل آخر حرف من مفعوله واواً كواو مضروبٍ أن ذلك ليس من كلامهم ولا مما بنوا عليه يقولون للمكان: هذا مخرجنا ومدخلنا ومصبحنا وممسانا وكذلك إذا أردت المصدر. قال أمية بن أبي الصلت: الحمد لله ممسانا ومصبحنا بالخير صبحنا ربي ومسانا ويقولون للمكان: هذا متحاملنا ويقولون: ما فيه متحامل أي ما فيه تحاملٌ. ويقولون: مقاتلنا وكذلك تقول إذا أردت المقاتلة قال مالك بن أبي كعب أبو كعب بن مالك الأنصاري: أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلاً وأنجو إذا غم الجبان من الكرب اقاتل حتى لا أرى لي مقاتلاً وأنجو إذا لم ينج إلا المكيس وقال في المكان: هذا موقانا. وقال رؤبة: إن الموقى مثل ما وقيت يريد التوقية. وكذلك هذه الأشياء. وأما قوله: دعه إلى ميسوره ودع معسوره فإنما يجيء هذا على المفعول كأنه قال: دعه إلى أمر يوسر فيه أو يعسر فيه. وكذلك المرفوع والموضوع كأنه يقول: له ما يرفعه وله ما يضعه. وكذلك المعقول كأنه قال: عقل له شيءٌ أي حبس له لبه وشدد. ويستغنى بهذا عن المفعل الذي يكون مصدراً لأن في هذا دليلا عليه.

باب ما لا يجوز فيه ما أفعله

وذلك ما كان أفعل وكان لوناً أو خلقةً. ألا ترى أنك لا تقول: ما أحمره ولا ما أبيضه. ولا تقول في الأعرج: ما أعرجه ولا في الأعشى: ما أعشاه. إنما تقول: ما أشد حمرته وما أشد عشاه. وما لم يكن فيه ما أفعله لم يكن فيه أفعل به رجلا ولا هو أفعل منه لأنك تريد أن ترفعه من غايةٍ دونه كما أنك إذا قلت ما أفعله فأنت تريد أن ترفعه عن الغاية الدنيا. والمعنى في أفعل به وما أفعله واحد وكذلك أفعل منه. وإنما دعاهم إلى ذلك أن هذا البناء داخلٌ في الفعل. ألا ترى قلته في الأسماء وكثرته في الصفة لمضارعتها الفعل. فلما كان مضارعاً للفعل موافقاً له في البناء كره فيه ما لا يكون في فعله أبدا. وزعم الخليل أنهم إنما منعهم من أن يقولوا في هذه ما أفعله لأن هذا صار عندهم بمنزلة اليد والرجل وما ليس فيه فعلٌ من هذا النحو. ألا ترى أنك لا تقول: ما أيداه ولا ما أرجله إنما تقول: ما أشد يده وما أشد رجله ونحو ذلك. ولا تكون هذه الأشياء في مفعالٍ ولا فعولٍ كما تقول رجلٌ ضروبٌ ورجلٌ محسانٌ لأن هذا في معنى ما أحسنه إنما تريد أن تبالغ ولا تريد أن تجعله بمنزلة كل من وقع عليه ضاربٌ وحسنٌ. وأما قولهم في الأحمق: ما أحمقه وفي الأرعن: ما أرعنه وفي الأنوك: ما أنوكه وفي الألد: ما ألده فإنما هذا عندهم من العلم ونقصان العقل والفطنة فصارت ما ألده بمنزلة ما أمرسه وما أعلمه وصارت ما أحمقه بمنزلة ما أبلده وما أشجعه وما أجنه لأن هذا ليس بلونٍ ولا خلقةٍ في جسده وإنما هو كقولك: ما ألسنه وما أذكره وما أعرفه وأنظره تريد نظر التفكر وما أشنعه وهو أشنع لأنه عندهم من القبح وليس بلون ولا خلقةٍ من الجسد ولا نقصانٍ فيه فألحقوه بباب القبح كما ألحقوا ألد وأحمق بما ذكرت لك لأن أصل بناء أحمق ونحوه أن يكون على غير بناء أفعل نحو بليدٍ وعليمٍ وجاهلٍ وعاقلٍ وفهمٍ وحصيفٍ. وكذلك الأهوج تقول: ما أهوجه كقولك: ما أجنه.

باب يستغنى فيه عن ما أفعله بما أفعل فعله وعن أفعل منه

بقولهم: هو أفعل منه فعلاً كما استغني بتركت عن ودعت وكما استغني بنسوةٍ عن أن يجمعوا المرأة على لفظها وذلك في الجواب. ألا ترى أنك لا تقول: ما أجوبه إنما تقول: ما أجود جوابه. ولا تقول هو أجوب منه ولكن هو أجود منه جواباً ونحو ذلك. وكذلك لا تقول: أجوب به وإنما تقول: أجود بجوابه. ولا يقولون في قال يقيل ما أقيله استغنوا بما أكثر قائلته. وما أنومه في ساعة كذا وكذا كما قالوا تركت ولم يقولوا ودعت.

باب ما أفعله على معنيين

تقول: ما أبغضني له وما أمقتني له وما أشهاني لذلك. إنما تريد أنك ماقتٌ وأنك مبغضٌ وأنك مشتهٍ. فإن عنيت قلت: ما أفعله إنما تعني به هذا المعنى. وتقول: ما أمقته وما أبغضه إلي إنما تريد أنه مقيتٌ وأن مبغضٌ إليك كما أنك تقول: ما أقبحه وإنما تريد أنه قبيح في عينك وما أقذره إنما تريد أنه قذرٌ عندك. وتقول: ما أشهاها أي هي شهيةٌ عندي كما تقول: ما أحظاها أي حظيت عندي. فكأن ما أمقته وما أشهاها على فعل وإن لم يستعمل كما تقول: ما أبغضه إلي وقد بغض. فجيء على فعل وفعل وإن لم يستعمل كأشياء فيما مضى وأشياء ستراها إن شاء الله.

باب ما تقول العرب فيه ما أفعله

وليس له فعل وإنما يحفظ هذا حفظا ولا يقاس قالوا: أحنك الشاتين وأحنك البعيرين كما قالوا: آكل الشاتين كأنهم قالوا: حنك ونحو ذلك. فإنما جاءوا بأفعل على نحو هذا وإن لم يتكلموا به. وقالوا: آبل الناس كلهم كما قالوا: أرعى الناس كلهم وكأنهم قد قالوا: أبل يأبل. وقالوا: رجلٌ آبل وإن لم يتكلموا بالفعل. وقولهم: آبل الناس بمنزلة آبل منه لأن ما جاز فيه أفعل الناس جاز وهذه الأسماء التي ليس فيها فعل ليس القياس فيها أن يقال أفعل منه ونحو ذلك. وقد قالوا فلانٌ آبل منه كما قالوا: أحنك الشاتين.

باب ما يكون يفعل ومن فعل فيه مفتوحا

وذلك إذا كانت الهمزة أو الهاء أو العين أو الحاء أو الغين أو الخاء لاماً أو عينا. وذلك قولك قرأ يقرأ وبذأ يبذأ وخبأ يخبأ وجبه يجبه وقلع يقلع ونفع ينفع وفرغ يفرغ وسبع يسبع وضبع يضبع وصنع يصنع وذبح يذبح ومنح يمنح وسلخ يسلخ ونسخ ينسخ. هذا ما كانت هذه الحروف فيه لامات. وأما ما كانت فيه عيناتٍ فهو كقولك: سأل يسأل وثأر يثأر وذأل يذأل وذهب يذهب - والذألان: المر الخفيف - وقهر يقهر ومهر يمهر وبعث يبعث وفعل يفعل ونحل ينحل ونحر ينحر وشحج يشحج ومغث يمغث وفغر يفغر وشغر يشغر وذخر يذخر وفخر يفخر. وإنما فتحوا هذه الحروف لأنها سفلت في الحلق فكرهوا أن يتناولوا حركة ما قبلها بحركة ما ارتفع من الحروف فجعلوا حركتها من الحرف الذي في حيزها وهو الألف وإنما الحركات من الألف والياء والواو. وكذلك حركوهن إذ كن عيناتٍ ولم يفعل هذا بما هو من موضع الواو والياء لأنهما من الحروف التي ارتفعت والحروف المرتفعة حيزٌ على حدةٍ فإنما تتناول للمرتفع حركةً من مرتفع وكره أن يتناول للذي قد سفل حركةٌ من هذا الحيز. وقد جاءوا بأشياء من هذا الباب على الأصل قالوا: برأ يبرؤ كما قالوا: قتل يقتل وهنأ يهنىء كما قالوا: ضرب يضرب. وهذا في الهمزة أقل لأن الهمزة أقصى الحروف وأشدها سفولاً وكذلك الهاء لأنه ليس في الستة الأحرف أقرب إلى الهمزة منها وإنما الألف بينهما. وقالوا: نزع ينزع ورجع يرجع كما قالوا: ضرب يضرب. وقالوا: نضح ينضح ونبح ينبح ونطح ينطح وقالوا: منح يمنح وقالوا: جنح يجنح كما قالوا: ضمر يضمر وصار الأصل في العين أقل لأن العين أقرب إلى الهمزة من الحاء. وقالوا: صلح يصلح وقالوا: فرغ يفرغ وصبغ يصبغ ومضغ يمضغ كما قالوا: قعد يقعد. وقالوا: نفخ ينفخ وطبخ يطبخ ومرخ يمرخ والأصل في هذين الحرفين أجدر أن يكون يعني الخاء والغين لأنهما أشد الستة ارتفاعاً. ومما جاء على الأصل مما فيه هذه الحروف عيناتٌ قولهم: زأر يزئر ونأم ينئم من الصوت كما قالوا: هتف يهتف. وقالوا: نهق ينهق ونهت ينهت مثل هتف يهتف. وقالوا: نعر ينعر ورعدت السماء ترعد كما قالوا: هتف يهتف وقعد يقعد. وقالوا: شحج يشحج ونحت ينحت مثل ضرب يضرب. وقالوا: شحب يشحب مثل قعد يقعد. وقالوا: نغرت القدر تنغر كما قالوا: طفر يطفر. وقالوا: لغب يلغب كما قالوا: خمد يخمد ومثل يلغب من بنات العين شعر يشعر. وقالوا: مخض بمخض ونخل ينخل مثل قتل يقتل. وقالوا: نخر ينخر كما قالوا: جلس يجلس: وقالوا: استبرأ يستبرىء وأبرأ يبرىء وانتزع ينتزع. وهذا الضرب إذا كان فيه شيءٌ من هذه الحروف لم يفتح ما قبلها ولا تفتح هي أنفسها إن كانت قبل آخر حرفٍ وذاك لأن هذا الضرب الكسر له لازمٌ في يفعل لا يعدل عنه ولا يصرف عنه إلى غيره وكذلك جرى في كلامهم. وليس فعل كذلك وذلك لأن فعل يخرج يفعل منه إلى الكسر والضم وهذا لا يخرج إلا إلى الكسر فهو لا يتغير كما أن فعل منه على طريقة واحدة وصار هذا في فعل لأن ما كان على ثلاثة أحرف قد يبنى على فعل وفعل وفعل وهذه الأبنية كل بناء منها إذا قلت فيه فعل لزم بناءً واحداً في كلام العرب كلها. وتقلو: صبح يصبح لأن يفعل من فعلت لازمٌ له الضم لا يصرف إلى غيره فلذلك لم يفتح هذا. ألا تراهم قالوا في جميع هذا هكذا قالوا: قبح يقبح وضخم يضخم وقالوا: ملؤ يملؤ وقمؤ يقمؤ وضعف يضعف وقالوا: رعف يرعف وسعل يسعل كما قالوا: شعر يشعر. وقالوا: ملؤ فلم يفتحوها لأنهم لم يريدوا أن يخرجوا فعل من هذا الباب وأرادوا أن تكون الأبنية الثلاثة فعل وفعل وفعل في هذا الباب فلو فتحوا لا لتبس فخرج فعل من هذا الباب. وإنما فتحوا يفعل من فعل لأنه مختلفٌ وإذا قلت فعل ثم قلت يفعل علمت أن أصله الكسر أو الضم إذا قلت فعل ولا تجد في حيز ملؤ هذا. ولا يفتح فعل لأنه بناء لا يتغير وليس كيفعل من فعل لأنه يجيء مختلفاً فصار بمنزلة يقرىء ويستبرىء. وإنما كان فعل كذلك لأنه أكثر في الكلام فصار فيه ضربان ألا ترى أن فعل فيما تعدى أكثر من فعل وهي فيما لا يتعدى أكثر نحو قعد وجلس.

باب ما هذه الحروف فيه فاءات

تقول: أمر يأمر وأبق يأبق وأكل يأكل وأفل يأفل لأنها ساكنةٌ وليس ما بعدها بمنزلة ما قبل اللامات لأن هذا إنما هو نحو الإدغام والإدغام إنما يدخل فيه الأول في الآخر والآخر على حاله ويقلب الأول فيدخل في الآخر حتى يصير هو والآخر من موضع واحد نحو قد تركتك ويكون الآخر على حاله فإنما شبه هذا بهذا الضرب من الإدغام فأتبعوا الأول الآخر كما اتبعوه ومع هذا أن الذي قبل اللام فتحته اللام في قرأ يقرأ حيث قرب جواره منها لأن الهمز وأخواته لو كن عينات فتحن فلما وقع موضعهن الحرف الذي كن يفتحن به لو قرب فتح. وكرهوا أن يفتحوا هنا حرفاً لو كان في موضع الهمز لم يحرك أبداً ولزمه السكون. فحالهما في الفاء واحدة كما أن حال هذين في العين واحدة. وقالوا: أبى يأبى فشبهوه بيقرأ. وفي يأبى وجهٌ آخر: أن يكون فيه مثل حسب يحسب فتحا كما كسرا. وقالوا: جبى يجبى وقلى يقلى فشبهوا هذا بقرأ يقرأ ونحوه وأتبعوه الأول كما قالوا: وعده يريدون وعدته أتبعوا الأول يعني في يأبى لأن الفاء همزة. وكما قالوا: مضجعٌ. ولا نعلم إلا هذا الحرف وأما غير هذا فجاء على القياس مثل عمر يعمر ويعمرن ويهرب ويحزر. وقالوا: عضضت تعض فإنما يحتج بوعده يريدون وعدته فأتبعوه الأول كقولهم أبى يأبى ففتحوا ما بعد الهمزة للهمزة وهي ساكنة. وأما جبى يجبى وقلى يقلى فغير معروفين إلا من وجيهٍ ضعيف فلذلك أمسك عن الاحتجاج لهما. وكذلك عضضت تعض غير معروف. قالوا: شأى يشأى وسعى يسعى ومحا يمحى وصغا يصغى ونحا ينحى فعلوا به ما فعلوا بنظائره من غير المعتل. وقالوا: بهو يبهو لأن نظير هذا أبداً من غير المعتل لا يكون إلا يفعل. ونظائر الأول مختلفات في يفعل. وقد قالوا: يمحو ويصغو ويزهوهم الآل أي يرفعهم ويزهو وينحو ويرغو كما فعلوا بغير المعتل. وقالوا: يدعو. وأما الحروف التي من بنات الثلاث نحو جاء يجيء وباع يبيع وتاه يتيه فإنما جاء على الأصل حيث أسكنوا ولم يحتاجوا إلى التحريك. وكذلك المضاعف نحو دع يدع وشح يشح وسحت السماء تسح لأن هذه الحروف التي هي عينات أكثر ما تكون سواكن ولا تحرك إلا في موضع الجزم من لغة أهل الحجاز وفي موضع تكون لام فعلت تسكن فيه بغير الجزم ننحو رددن ويرددن وهذا أيضاً تدغمه بكر بن وائلٍ فلما كان السكون فيه أكثر جعلت بمنزلة ما لا يكون فيه إلا ساكناً وأجريت على التي يلزمها السكون. وزعم يونس أنهم يقولون: كع يكع ويكع أجود لما كانت قد تحرك في بعض المواضع جعلت بمنزلة يدع ونحوها في هذه اللغة وخالفت باب جئت كما خالفتها في أنها قد تحرك. إذا كان واحد منها عيناً وكانت الفاء قبلها مفتوحة وكان فعلا إذا كان ثانيه من الحروف الستة فإن فيه أربع لغات: مطردٌ فيه فعلٌ وفعل وفعلٌ وفعلٌ. إذا كان فعلاً أو اسماً أو صفةً فهو سواء. وفي فعيلٍ لغتان: فعيلٌ وفعيلٌ إذا كان الثاني من الحروف الستة. مطردٌ ذلك فيهما لا ينكسر في فعيل ولا فعلٍ إذا كان كذلك كسرت الفاء في لغة تميم. وذلك قولك: لئيمٌ وشهيدٌ وسعيدٌ ونحيفٌ ورغيفٌ وبخيلٌ وبئيسٌ وشهدٌ ولعبٌ وضحكٌ ونغلٌ ووخمٌ. وكذلك فعلٌ إذا كان صفة أو فعلا أو اسماً. وذلك قولك: رجلٌ لعبٌ ورجلٌ محكٌ وهذا ماضغٌ لهمٌ وهذا رجلٌ وعكٌ ورجلٌ جئزٌ - يقال جئز الرجل غص - وهذا عيرٌ نعرٌ وفخذٌ. وإنما كان هذا في هذه الحروف لأن هذه الحروف قد فعلت في يفعل ما ذكرت لك حيث كانت لاماتٍ من فتح العين ولم تفتح هي أنفسها هنا لأنه ليس في الكلام فعيلٌ وكراهية أن يلتبس فعلٌ بفعلٍ فيخرج من هذه الحروف فعلٌ فلزمها الكسر ههنا وكان أقرب الأشياء إلى الفتح وكانت من الحروف التي تقع الفتحة قبلها لما ذكرت لك فكسرت ما قبلها حيث لزمها الكسر وكان ذلك أخف عليهم حيث كانت الكسرة تشبه الألف فأرادوا أن يكون العمل من وجه واحد. كما أنهم إذا أدغموا فإنما أرادوا أن يرفعوا ألسنتهم من موضع واحد. وإنما جاز هذا في هذه الحروف حيث كانت تفعل في يفعل ما ذكرت لك فصار لها في ذلك قوةٌ ليست لغيرها. وأما أهل الحجاز فيجرون جميع هذا على القياس وقالوا رؤفٌ ورءوفٌ فلا يضم لبعد الواو من الألف. فالواو لا تغلب على الألف إذ لم تقرب كقرب الياء منها. كما أنك تقول: ممثلك فتجعل النون ميما ولا تقول همثلك فتدعم لأن النون لها شبهٌ بالميم ليس للام. وسترى ذلك إن شاء الله في باب الإدغام. وسمعت بعض العرب يقول: بيس فلا يحقق الهمزة ويدع الحرف على الأصل كما قالوا شهد فخففوا وتركوا الشين على الأصل. وأما الذين قالوا مغيرةٌ ومعينٌ فليس على هذا ولكنهم أتبعوا الكسرة الكسرة كما قالوا: منتنٌ وأنبؤك وأجوءك يريد: أجيئك وأنبئك. وقالوا في حرف شاذٍ إحب ونحب ويحب شبهوه بقولهم منتنٌ وإنما جاءت على فعل وإن لم يقولوا حببت. وقالوا: يحب كما قالوا: يئبى فلما جاء شاذاً على بابه على يفعل خولف به كما قالوا: يا ألله وقالوا: ليس ولم يقولوا لاس فكذلك يحب ولم يجىء على أفعلت فجاء على ما لم يستعمل فأما أجىء ونحوها فعلى القياس وعلى ما كانت تكون عليه لو أتموا لأن هذه الألف يعني ألف أفعل لا يتحرك ما بعدها في الأصل فترك على ذلك.

باب ما تكسر فيه أوائل الأفعال المضارعة للأسماء

كما كسرت ثاني الحرف حين قلت فعل وذلك في لغة جميع العرب إلا أهل الحجاز وذلك قولهم: أنت تعلم ذاك وأنا إعلم وهي تعلم ونحن نعلم ذاك. وكذلك كل شيء فيه فعل من بنات الياء والواو التي الياء والواو فيهن لام أو عين والمضاعف. وذلك قولك: شقيت فأنت تشقى وخشيت فأنا إخشى وخلنا فنحن نخال وعضضتن فأنتن تعضضن وأنت تعضين. وإنما كسروا هذه الأوائل لأنهم أرادوا أن تكون أوائلها كثوانى فعل كما ألزموا الفتح ما كان ثانيه مفتوحاً في فعل وكان البناء عندهم على هذا أن يجروا أوائلها على ثواني فعل منها. وقالوا: ضربت تضرب وأضرب ففتحوا أول هذا كما فتحوا الراء في ضرب. وإنما منعهم أن يسكروا الثاني كما كسروا في فعل أنه لا يتحرك فجعل ذلك في الأول. وجميع هذا إذا قلت فيه يفعل فأدخلت الياء فتحت وذلك أنهم كرهوا الكسرة في الياء حيث لم يخافوا انتقاض معنىً فيحتمل ذلك كما يكرهون الياءات والواوات مع الياء وأشباه ذلك. ولا يكسر في هذا الباب شيءٌ كان ثانيه مفتوحا نحو ضرب وذهب وأشباههما. وقالوا: أبى فأنت تئبى وهو يئبى. وذلك أنه من الحروف التي يستعمل يفعل فيها مفتوحا وأخواتها وليس القياس أن تفتح وإنما هو حرفٌ شاذ فلما جاء مجيء ما فعل منه مكسور فعلوا به ما فعلوا بذلك وكسروا في الياء فقالو يئبى وخالفوا به في هذا باب فعل كما خالفوا به بابه حين فتحوا وشبهوه بيبجل حين أدخلت في باب فعل وكان إلى جنب الياء حرف الاعتلال. وهم ما يغيرون الأكثر في كلامهم ويجسرون عليه إذ صار عندهم مخالفاً. وقالوا: مره وقال بعضهم: أومره حين خالفت في موضع وكثر في كلامهم خالفوا به في موضع آخر. وجميع ما ذكرت مفتوح في لغة أهل الحجاز وهو الأصل. وأما يسع ويطأ فإنما فتحوا لأنه فعل يفعل مثل حسب يحسب ففتحوا الهمزة والعين كما فتحوا للهمزة والعين حين قالوا يقرأ ويفزع. فلما جاء على مثال ما فعل منه مفتوح لم يكسروا كما كسروا يأبى حيث جاء على مثال ما فعل منه مكسور. ويدلك على أن الأصل في فعلت أن يفتح يفعل منه على لغة أهل الحجاز سلامتها في الياء وتركهم الضم في يفعل ولا يضم لضمة فعل فإنما هو عارضٌ. وأما وجل يوجل ونحوه فإن أهل الحجاز يقولون يوجل فيجرونه مجرى علمت. وغيرهم من العرب سوى أهل الحجاز يقولون في توجل: هي تيجل وأنا إيجل ونحن نيجل. وإذا قلت يفعل فبعض العرب يقولون ييجل كراهية الواو مع الياء شبهوا ذلك بأيام ونحوها. وقال بعضهم: ياجل فأبدلوا مكانها ألفاً كراهية الواو مع الياء كما يبدلوننها من الهمزة الساكنة. وقال بعضهم: ييجل كأنه لما كره الياء مع الواو كسر الياء ليقلب الواو ياءً لأنه قد علم أن الواو الساكنة إذا كانت قبلها كسرة صارت ياءً ولم تكن عنده الواو التي تقلب مع الياء حيث كانت الياء التي قبلها متحركة فأرادوا أن يقلبوها إلى هذا الحد وكره أن يقلبها على ذلك الوجه الآخر. واعلم أن كل شيء كانت ألفه موصولة مما جازو ثلاثة أحرف في فعل فإنك تكسر أوائل الأفعال المضارعة للأسماء. وذلك لأنهم أرادوا أن يكسروا أوائلها كما كسروا أوائل فعل فلما أرادوا الأفعال المضارعة على هذا المعنى كسروا أوائلها كأنهم شبهوا هذا بذلك. وإنما منعهم أن يكسروا الثواني في باب فعل أنها لم تكن تحرك فوضعوا ذلك في الأوائل. ولم يكونوا ليكسروا الثالث فيلتبس يفعل بيفعل وذلك: قولك استغفر فأنت تستغفر واحرنجم فأنت تحرنجم واغدودن فأنت تغدودن واقعنس فأنا إقعنسس. وكذلك كل شيء من تفعلت أو تفاعلت أو تفعللت يجري هذا المجرى لأنه كان عندهم في الأصل مما ينبغي أن تكون أوله ألفٌ موصولة لأن معناه معنى الانفعال وهو بمنزلة انفتح وانطلق ولكنهم لم يستعملوه استخفافاً في هذا القبيل. وقد يفعلون هذا في أشياء كثيرة وقد كتبناها وستراها إن شاء الله. والدليل على ذلك أنهم يفتحون الياءات في يفعل ومثل ذلك قولهم: تقى الله رجلٌ يم يتقي الله أجروه على الأصل. وإن كانوا لم يستعملوا الألف حذفوها والحرف الذي بعدها. وجميع هذا يفتحه أهل الحجاز وبنو تميم لا يكسرونه في الياء إذا قالوا يفعل. وأما فعلٌ فإنه لا يضم منه ما كسر من فعلٍ لأن الضم أثقل عندهم فكرهوا الضمتين ولم يخافوا التباس معنيين فعمدوا إلى الأخف ولم يريدوا تفريقاً بين معنيين كما أردت ذلك في فعل - يعني في الإتباع - فيحتمل هذا فصار الفتح مع الكسر عندهم محتملا وكرهوا الضم مع الضم.

هذا باب ما يسكن استخفافاً

وهو في الأصل متحرك وذلك قولهم في فخذٍ: فخذٌ وفي كبدٍ: كبدٌ وفي عضدٍ: عضدٌ وفي الرجل: رجلٌ وفي كرم الرجل: كرم وفي علم: علم وهي لغة بكر بن وائل وأناسٍ كثير من بني تميم. وقالوا في مثلٍ: لم يحرم من فصد له. وقال أبو النجم: لو عصر منه البان والمسك انعصر يريد: عصر. وإنما حملهم على هذا أنهم كرهوا أن يرفعوا ألسنتهم عن المفتوح إلى المكسرو والمفتوح أخف عليهم فكرهوا أن ينتقلوا من الأخف إلى الأثقل وكرهوا في عصر الكسرة بعد الضمة كما يكرهون الواو مع الياء في مواضع. ومع هذا أنه بناءٌ ليس من كلامهم إلا في هذا الموضع من الفعل فكرهوا أن يحولوا ألسنتهم إلى الاستثقال. وإذا تتابعت الضمتان فإن هؤلاء يخففون أيضاً كرهوا ذلك كما يكرهون الواوين وإنما الضمتان من الواوين فكما تكره الواوان كذلك تكره الضمتان لأن الضمة من الواو. وذلك قولك: الرسل وكذلك الكسرتان تكرهان عند هؤلاء كما تكره الياءان في مواضع وإنما الكسرة من الياء فكرهوا الكسرتين كما تكره الياءان. وذلك في قولك في إبلٍ: إبلٌ. وأما ما توالت فيه الفتحتان فإنهم لا يسكنون منه لأن الفتح أخف عليهم من الضم والكسر كما أن الألف أخف من الواو والياء. وسترى ذلك إن شاء الله. وذلك نحو: جملٍ وحملٍ ونحو ذلك. ومما أشبه الأول فيما ليس على ثلاثة أحرف قولهم: أراك منتفخاً تسكن الفاء تريد: منتفخاً فما بعد النون بمنزلة كبدٍ. ومن ذلك قولهم: انطلق بفتح القاف لئلا يلتقي ساكنان كما فعلوا ذلك بأين وأشباهها حدثنا بذلك الخليل عن العرب وأنشدنا بيتاً وهو لرجل من أزد السراة: عجبت لمولودٍ وليس له أبٌ وذي ولدٍ لم يلده أبوان وسمعناه من العرب كما أنشده الخليل. ففتحوا الدال كي لا يلتقي ساكنان وحيث أسكنوا موضع العين حركوا الدال.

باب ما أسكن من هذا الباب

لأن الأصل عندهم أن يكون الثاني متحركا وغير الثاني أول الحرف. وذلك قولك: شهد ولعب تسكن العين كما أسكنتها في علم وتدع الأول مكسوراً لأنه عندهم بمنزلة ما حركوا فصار كأول إبل. سمعناهم ينشدون هذا البيت للأخطل هكذا: إذا غاب عنا غاب عنا فراتنا وإن شهد أجدى فضله وجدوا له ومثل ذلك: نعم وبئس إنما هما فعل وهو أصلهما. ومثل ذلك: فبها ونعمت إنما أصلها: فبها ونعمت. وبلغنا أن بعض العرب يقول: نعم الرجل. ومثل ذلك غزى الرجل لا تحول الياء واواً لأنها إنما خففت والأصل عندهم التحرك وأن تجرى ياءً كما أن الذي خفف الأصل عنده التحرك وأن يجرى الأول في خلافه مكسوراً.

باب ما تمال فيه الألفات

فالألف تمال إذا كان بعدها حرفٌ مكسور. وذلك قولك: عابدٌ وعالمٌن ومساجد ومفاتيح وعذافرٌ وهابيل. وإنما أمالوها للكسرة التي بعدها أرادوا أن يقربوها منها كما قربوا في الإدغام الصاد من الزاي حين قالوا صدر فجعلوها بين الزاي والصاد فقربها من الزاي والصاد التماس الخفة لأن الصاد قريبةٌ من الدال فقربها من أشبه الحروف من موضعها بالدال. وبيان ذلك في الإدغام. فكما يريد في الإدغام أن يرفع لسانه من موضع واحد كذلك يقرب الحرف إلى الحرف على قدر ذلك. فالألف قد تشبه الياء فأرادوا أن يقربوها منها. وإذا كان بين أول حرفٍ من الكلمة وبين الألف حرفٌ متحرك والأول مكسور نحو عمادٍ أملت الألف لأنه لا يتفاوت ما بينهما بحرف. ألا تراهم قالوا: صبقت فجعلوها صاداً لمكان القاف كما قالوا: صقت. وكذلك إن كان بينه وبين الألف حرفان الأول ساكنٌ لأن الساكن ليس بحاجز قويٍّ وإنما يرفع لسانه عن الحرف المتحرك رفعةً واحدة كما رفعه في الأول فلم يتفاوت لهذا كما لم يتفاوت الحرفان حيث قلت: صويقٌ. وذلك قولهم: سربالٌ وشملالٌ وعمادٌ وكلابٌ. وجميع هذا لا يميله أهل الحجاز. فإذا كان ما بعد الألف مضموماً أو مفتوحاً لم تكن فيه إمالةٌ وذلك نحو آجرٍ وتابلٍ وخاتمٍ. لأن الفتح من الألف فهو ألزم لها من الكسرة ولا تتبع الواو لأنها لا تشبهها. ألا ترى أنك لو أردت التقريب من الواو انقلبت فلم تكن ألفاً. وكذلك إذا كان الحرف الذي قبل الألف مفتوحاً أو مضموماً نحو: ربابٍ وجمادٍ والبلبال والجماع والخطاف. وتقول: الاسوداد فيميل الألف ههنا من أمالها في الفعال لأن وداداً بمنزلة كلابٍ. ومما يميلون ألفه كل شيءٍ من بنات الياء والواو كانت عينه مفتوحة. أما ما كان من بنات الياء فتمال ألفه لأنها في موضع ياء وبدلٌ منها فنحوا نحوها كما أن بعضهم يقول: قد رد. وقال الفرزدق: وما حل من جهلٍ حبى حلمائنا ولا قائل المعروف فينا يعنف فيشم كأنه ينحو نحو فعل. فكذا نحوا نحو الياء. وأما بنات الواو فأمالوا ألفها لغلبة الياء على هذه اللام لأن هذه اللام التي هي واوٌ إذا جاوزت ثلاثة أحرف قلبت ياءً والياء لا تقلب على هذه الصفة واواً فأميلت لتمكن الياء في بنات الواو. ألا تراهم يقولون معديّلإ ومسنيٌّ والقني والعصي ولا تفعل هذا الواو بالياء. فأمالوها لما ذكرت لك. والياء أخف عليهم من الواو فنحوا نحوها. وقد يتركون الإمالة فيما كان على ثلاثة أحرف من بنات الواو نحو قفاً وعصاً والقنا والقطا وأشباههن من الأسماء. وذلك أنهم أرادوا أن يبينوا أنها مكان الواو ويفصلوا بينها وبين بنات الياء. وهذا قليل يحفظ. وقد قالوا: الكبا والعشا والمكا وهو جحر الضب كما فعلوا ذلك في الفعل. والإمالة في الفعل لا تنكسر إذا قلت: غزا وصفا ودعا وإنما كان في الفعل متلئباً لأن الفعل لا يثبت على هذه الحال للمعنى. ألا ترى أنك تقول غزا ثم تقول غزى فتدخله الياء وتغلب عليه وعدة الحروف على حالها. وتقول أغزوا فإذا قلت أفعل قلت أغزى قلبت وعدة الحروف على حالها. فآخر الحروف أضعف لتغيره والعدة على حالها وتخرج إلى الياء تقول: لأغزين ولا يكون ذلك في الأسماء. فإذا ضعفت الواو فإنها تصير إلى الياء فصارت الألف أضعف في الفعل لما يلزمها من فإذا بلغت الأسماء أربعة أحرف أو جاوزت من بنات الواو فالإمالة مستتبة لأنها قد خرجت إلى الياء. وجميع هذا لا يميله ناسٌ كثير من بني تميم وغيرهم. ومما يميلون ألفه كل اسمٍ كانت في آخره ألف زائدة للتأنيث أو لغير ذلك لأنها بمنزلة ما هو من بنات الياء. ألا ترى أنك لو قلت في معزى وفي حبلى فعلت على عدة الحروف لم يجىء واحدٌ من الحرفين إلا من بنات الياء. فكذلك كل شيءٍ كان مثلهما مما يصير في تثنيةٍ أو فعلٍ ياءً فلما كانت في حروف لا تكون من بنات الواو أبداً صارت عندهم بمنزلة ألف رمى ونحوها. وناس كثير لا يميلون الألف ويفتحونها يقولون: حبلى ومعزى. ومما يميلون ألفه كل شيءٍ كان من بنات الياء والواو مما هما فيه عينٌ إذا كان أول فعلت مكسورا نحوا نحو الكسر كما نحوا نحو الياء فيما كانت ألفه في موضع اليء وهي لغة لبعض أهل الحجاز. فأما العامة فلا يميلون. ولا يميلون ما كانت الواو فيه عيناً إلا ما كان منكسر الأول وذلك خاف وطاب وهاب. وبلغنا عن ابن أبي إسحاق أنه سمع كثير عزة يقول: صار بمكان كذا وكذا. وقرأها بعضهم: خاف. ولا يميلون بنات الواو إذا كانت الواو عيناً إلا ما كان على فعلت مكسور الأول ليس غيره: ولا يميلون شيئاً من بنات المضموم الأول من فعلت لأنه لا كسرة ينحى نحوها ولا تشبه بنات الواو التي الواو فيهن لام لأن الواو فيهن قوية ههنا ولا تضعف ضعفها ثمة. ألا تراها ثابتة في فعلت وأفعل وفاعلت ونحوه. فلما قويت ههنا تباعدت من الياء والإمالة وذلك قولك: قام ودار لا يميلونهما. وقالوا: مات وهم الذين يقولون: مت. ومن لغتهم صار وخاف. ومما تمال ألفه قولهم: كيالٌ وبياعٌ. وسمعنا بعض من يوثق بعربيته يقول: كيالٌ كما ترى فيميل. وإنما فعلوا هذا لأن قثبلها ياءً فصارت بمنزلة الكسرة التي تكون قبلها نحو سراج وجمالٍ. وكثيرٌ من العرب وأهل الحجاز لا يميلون هذه الألف. ويقولون: شوك السيال والضياح كما قلت كيالٌ وبياعٌ. وقالوا: شيبان وقيس عيلان وغيلان فأمالوا للياء. والذين لا يميلون في كيال لا يميلون ههنا. ومما يميلون ألفه قولهم: مررت ببابه وأخذت من ماله. هذا في موضع الجر وشبهوه بفاعلٍ نحو كاتبٍ وساجدٍ. والإمالة في هذا أضعف لأن الكسرة لا تلزم. وسمعناهم يقولون: من أهل عاد. فأما في موضع الرفع والنصب فلا تكون كما لا تكون في آجرٍّ وتابلٍ. وقالوا: رأيت زيداً فأمالوا كما فعلوا ذلك بغيلان. والإمالة في زيد أضعف لأنه يدخله الرفع. ولا يقولون رأيت عبداً فيميلوا لأنه ليست فيه ياء كما أنك لا تميل ألف كسلان لأنه ليست فيه ياء. وقالوا: درهمان. وقالوا: رأيت قزحاً وهو أبزار القدر. ورأيت علما فيميلون جعلوا الكسرة كالياء. وقالوا: في النجادين كما قالوا: مررت ببابه فأمالوا الألف. وقالوا في الجر: مررت بعجلانك فأمالوا كما قالوا: مررت ببابك وقالوا: مررت بمالٍ كثيرٍ ومررت بالمال كما تقول: هذا ماشٍ. وهذا داعٍ. فمنهم من يدع ذاك في الوقف على حاله ومنهم من ينصب في الوقف لأنه قد أسكن ولم يتكلم بالكسرة فيقول: بالمال وماش. وأما الآخرون فتركوه على حاله كراهية أن يكون كما لزمه الوقف. وقال ناس: رأيت عماداً فأمالوا للإمالة كما أمالوا للكسرة. وقال قوم: رأيت علماً ونصبوا عماداً لما لم يكن قبلها ياءٌ ولا كسرة جعلت بمنزلتها في عبدا. وقال بعض الذين يقولون في السكت بمال: من عند الله ولزيدٍ مال شبهوه بألف عماد للكسرة قبلها. فهذا أقل من مررت بمالك لأن الكسرة منفصلة. والذين قالوا من عند الله أكثر لكثرة ذا الحرف في كلامهم. ولم يقولوا ذا مالٌ يريدون ذا التي في هذا لأن الألف إذا لم تكن طرفاً شبهت بألف فاعل. وتقول عمادا تميل الألف الثانية لإمالة الأولى.

باب من إمالة الألف يميلها فيه ناس من العرب كثير

وذلك قولك: يريد أن يضربها ويريد أن ينزعها لأن الهاء خفية والحرف الذي قبل الحرف الذي يليه مكسور فكأنه قال: يريد أن يضربا كما أنهم إذا قالوا ردها كأنهم قالوا ردا فلذلك قال هذا من قال رد ورده صار ما بعد الضاد في يضربا بمنزلة علما. وقالوا في هذه اللغة منها فأمالوا وقالوا في مضربها وبها وبنا. وهذا أجدر أن يكون لأنه ليس بينه وبين الكسرة إلا حرف واحد. فإذا كانت تمال مع الهاء وبينها وبين الكسرة حرف فهي إذا لم يكن بين الهاء وبين الكسرة شيءٌ أجدر أن تمال. والهاء خفية فكما تقلب الألف للكسرة ياءً كذلك أملتها حيث قربت منها هذا القرب. وقالوا: بيني وبينها فأمالوا في الياء كما أمالوا في الكسرة. وقالوا: يريد أن يكيلها ولم يكلها. وذلك أنه وقع بين الألف وبين الكسرة الضمة فصارت حاجزاً فمنعت الإمالة لأن الباء في قولك يضربها فيها إمالةٌ فلا تكون في المضموم إمالةٌ إذا ارتفعت الباء كما لا يكون في الواو الساكنة إمالةٌ. وإنما كان في الفتح لشبه الياء بالألف. ولا تكون إمالةٌ في لم يعلمها ولم يخفها لأنه ليست ههنا ياء ولا كسرة تميل الألف. وقالوا: فينا وعلينا فأمالوا للياء حيث قربت من الألف ولهذا قالوا: بيني وبينها. وقالوا: رأيت يداً فأمالوا للياء. وقالوا: رأيت يدها فأمالوا كما قالوا: يضربا ويضربها. وقال هؤلاء: رأيت دما ودمها فلم يميلوا لأنه لا كسرة فيه ولا ياء. وقال هؤلاء: عندها لأنه لو قال عندا أمال فلما جاءت الهاء صارت بمنزلتها لو لم تجىء بها. واعلم أن الذين قالوا رأيت عدا الألف ألف نصبٍ ويريد أن يضربها يقولون: هو منا وإنا إلى الله راجعون وهم بنو تميم. وبقوله أيضاً قومٌ من قيس وأسدٍ ممن ترتضي عربيته فقال: هو منا وليس منهم وإنا لمختلفون فجعلها بمنزلة رأيت عد وقال هؤلاء: رأيت عنبا وهو عندنا فلم يميلوا لأنه وقع بين الكسرة والألف حاجزان قويان ولم يكن الذي قبل الألف هاءً فتصير كأنها لم تذكر. وقالوا: رأيت ثوبه بتكا فلم يميلوا. وقالوا: في رجلٍ اسمه ذه: رأيت ذها أملت الألف كأنك قلت: رأيت يدا في لغة من قال: يضربا ومر بنا لقربها من الكسرة كقرب ألف يضربا. واعلم أنه ليس كل من أمال الألفات وافق غيره من العرب ممن يميل ولكنه قد يخالف كل واحد من الفريقين صاحبه فينصب بعضٌ ما يميل صاحبه ويميل بعضٌ ما ينصب صاحبه وكذلك من كان النصب من لغته لا يوافق غيره ممن ينصب ولكن أمره وأمر صاحبه كأمر الأولين في الكسر. فإذا رأيت عربياً كذلك فلا ترينه خلط في لغته ولكن هذا من أمرهم. ومن قال رأيت يدا قال رأيت زيناًء فقوله ينا بمنزله يدا وقال هؤلاء: كسرت يدنا فصارت الياء ههنا بمنزلة الكسرة في قولك: رأيت عنباً. واعلم أن من لا يميل الألفات فيما ذكرنا قبل هذا الباب لا يميلون شيئءاً منها في هذا الباب. واعلم أن الألف إذا دخلتها الإمالة دخل الإمالة ما قبلها وإذا كانت بعد الهاء فأملتها أملت ما قبل الهاء لأنك كأنك لم تذكرالهاء فكما تتبعها ما قبلها منصوبة كذلك تتبعهما ما قبلها ممالةً. واعلم أن بعض من يميل يقول: رأيت يداً ويدها فلا يميل تكون الفتحة أغلب وصارت الياء بمنزلة دال دم لأنها لا تشبه المعتل منصوبةً وقال هؤلاء: زينا. فهذا ما ذكرت لك من مخالفة بعضهم بعضاً. وقال أكثر الفريقين إملهً: رمى فلم يمل كره أن ينحو نحو الياء إذ كان إنما فر منها كما أن أكثرهم يقول رد في فعل فلا ينحو نحو ال كسرة لأنه فر مما تبين فيه الكسرة ولا يقول ذلك في حبلى لأنه لم يفر فيها من ياء ولا في معزى. واعلم أن ناساً ممن يميل في يضربها ومنا ومنها وبنا واشباه هذا مما فيه علامة الإضمار إذا وصلوا نصبوها فقالوا: نريد أن يضربا زيداًن ويريد أن يضربها زيدٌ ومنا زيدٌ وذلك لأنهم في الوقف - إذا كانت الألف تمال في هذا النحو - أن يبينوا في الوقف حيث وصلوا إلى الإمالة كما قالوا: أفعى في أفعى جعلوها في الوقف ياء فإذا أمالوا كان أبين لها لأنه ينحو نحو الياء فإذا وصل ترمك ذلك لأن الألف في الوصل أبين كما قال أولئك في الوصل: أفعى زيدٍ وقال هؤلاء: بيني وبينها وبيني وبينها مالٌ. وقد قال قوم فأمالوا أشياء ليست فيها علة مما ذكرنا فيما مضى وذلك قليل: سمعنا بعضهم يقول: طلبنا وطلبنا زيدٌ كأنه شبه هذه الألف بألف حبلى حيث كانت آخر الكلام ولم تكن بدلاً من ياء. وقال: رأيت عبدا ورأيت عنبا. وسمعنا هؤلاء قالوا: تباعد عنا فأجروه على القياس وقول العامة. وقالوا: معزانا في قول من قال عمادا فأمالهما جميعاً وذا قياس. ومن قال عمادا قال معزانا وهما مسلمان. وذا قياس قول غيرهم من العرب لأن قوله لمان بمنزلة عمادٍ والنون بعده مكسور فهذا أجدر. فجملة هذا أن كل ما كانت له الكسرة ألزم كان أقوى في الإمالة.

باب ما أميل على غير قياس

وإنما هو شاذ وذلك الحجاج إذا كان اسما لرجل وذلك لأنته كثر في كلامهم فحملوه على الأكثر لأن الإمالة أكثر في كلامهم. وأكثر العرب ينصبه ولا يميل ألف حجاج إذا كان صفة يجرونه على القياس. وأما الناس فيميله من لا يقول هذا مالٌ بمنزلة الحجا وهم أكثر العرب لأنها كألف فاعلٍ إذ كانت ثانية فلم تمل في غير الجر كراهية أن تكون كباب رميت وغزوت لأن الواو والياء في قلت وبعت أقرب إلى غير المعتل وأقوى. وقال ناس يوثق بعربيتهم: هذا بابٌ وهذا مالٌن وهذا عابٌ لما كانت بدلاً من الياء كما كانت في رميت شبهت بها وشبهوها في بابٍ ومالٍ بالألف التي تكون بدلاً من واو غزوت فتبعت الواو الياء في العين كما تبعتها في اللام لأن الياء قد تغلب على الواو هنا. وفي مواضع ستراها والذين لا يميلون في الرفع والنصب أكثر العرب وهو أعم في كلامهم. ولا يميلون في الفعل نحو قال لأنهم يفرقون بين مافعلت منه مكسور وبين ما فعلت منه مضمومٌ. وهذا ليس في الأسماء. باب ما يمتنع من الإمالة من الألفات التي أملتها فيما مضى فالحروف التي تمنعها الإمالة هذه السبعة: الصاد والضاد والطاء والظاء والغين والقاف والخاء إذا كان حرفٌ منها قبل الألف والألف تليه. وذلك قولك: قاعدٌ وغائب وخامدٌ وصاعدٌ وطائفٌ وضامنٌ وظالم. وإنما منعت هذه الحروف الإمالة لأنها حروفٌ مستعليةٌ إلى الحنك الأعلى والألف إذا خرجت من موضعها استعلت إلى الحنك الأعلى فلما كانت مع هذه الحروف المستعلية غلبت عليها كما غلبت الكسرة عليها في مساجد ونحوها. فلما كانت الحروف مستعليةً وكانت الألف تستعلى وقربت من الألف كان العمل من وجهٍ واحد أخف عليهم كما أن الحرفين إذا تقارب موضعهما كان رفع اللسان من موضعٍ واحد أخف عليهم فيدغمونه. ولا نعلم أحداً يميل هذه الألف إلا من لا يؤخذ بلغته. وكذلك إذا كان الحرف من هذه الحروف بعد ألف تليها وذلك قولك: ناقدٌ وعاطسٌ وعاصمٌ وعاضدٌن وعاظلٌ وناخلٌ وواغلٌ. ونحوٌ من هذا قولهم: صقت لما كان بعدها القاف نظروا إلى أشبه الحروف من موضعها بالقاف فأبدلوه مكانها. وكذلك إن كانت بعد الألف بحرف وذلك قولك: نافخٌ ونابغ ونافقٌ وشاحطٌ وعالطٌ وناهضٌ وناشطٌ ولم يمنعه الحرف الذي بينهما من هذا كما لم يمنع السين من الصاد في صبقت ونحوه. واعلم أن هذه الألفات لا يميلها أحدٌ إلا من لا يؤخذ بلغته لأنها إذا كانت مما ينصب في غير هذه الحروف لزمها النصب فلم يفارقها في هذه الحروف إذ كان يدخلها مع غير هذه الحروف. وكذلك إن كان شيء منها بعد الألف بحرفين وذلك قولك: مناشيط ومنافيخ ومعاليق ومقاريض ومواعيظ ومباليغ. ولم يمنع الحرفان النصب كما لم يمنع السين من الصاد في صويقٍ ونحوه. وقد قال قوم: المناشيط حين تراخت وهي قليلة. فإذا كان حرفٌ من هذه الحروف قبل الألف بحرف وكان مكسوراً فإنه لا يمنع الألف من الإمالة. وليس بمنزلة ما يكون بعد الألف لأنهم يضعون ألسنتهم في موضع المستعلية ثم يصوبون ألسنتهم فالانحدار أخف عليهم من الإصعاد. ألا تراهم قالوا: صبقت وصقت وصويقٌ. لما كان يثقل عليهم أن يكونوا في حال تسفلٍ ثم يصعدون ألسنتهم أرادوا أن يكونوا فيح ال استعلاء وألا يعملوا في الإصعاد بعد التسفل فأرادوا أن تقع ألسنتهم موقعاً واحدا. وقالوا: قسوت وقست فلم يحولوا السين لأنهم انحدروا فكان الانحدار أخف عليهم من الاستعلاء من أن يصعدوا من حال التسفل. وذلك قولهم: الضعاف والصعاب والطناب والصفاف والقباب والقفاف والخباث والغلاب وهو في معنى المغالبة من قولك: غالبته غلاباً. وكذلك الظاء. ولا يكون ذلك في قائم وقوائم. لأنه جاء الحرف المستعلى مفتوحاً. فلما كانت الفتحة تمنع الألف الإمالة في عذاب وتابلٍ كان الحرف المستعلى مع الفتحة أغلب إذ كانت الفتحة تمنع الإمالة فلما اجتمعا قويا على الكسرة. وإذا كان أول الحرف مكسوراً وبين الكسرة والألف حرفان أحدهما ساكن والساكن أحد هذه الحروف فإن الإمالة تدخل الألف لأنك كنت ستميل لو لم يدخل الساكن للكسرة فلما كان قبل الألف بحرفٍ مع حرف تمال معه الألف صار كأنه هو المكسور وصار بمنزلة القاف في قفاف. وذلك قولك: ناقةٌ مقلاتٌ والمصباح والمطعان. وكذلك سائر هذه الحروف. وبعض من يقول قفافٌ ويميل ألف مفعالٍ وليس فيها أشيءٌ من هذه الحروف ينصب الألف في مصباحٍ ونحوه لأن حرف الاستعلاء جاء ساكناً غير مكسور وبعده الفتح فلما جاء مسكناً تليه الفتحة صار بمنزلته لو كان متحركاً بعده الألف وصار بمنزلة القاف في قوائم. وكلاهما عربيٌّ له مذهبٌ. وتقول: رأيت قزحاً وأتيت ضمناً فتميل وهما ههنا بمنزلتهما في صفافٍ وقفافٍ. وتقول: رأيت عرقاً ورأيت ملغا لأنهما بمنزلتهما في غانم والقاف بمنزلتها في قائم. وسمعناهم يقولون: أراد أن يضربها زيدٌ فأمالوا. ويقولون: أراد أن يضربها قبل فنصبوا للقاف وأخواتها. فأما ناب ومال وباع فإنه من يميل يلزمها الإمالة على كل حال لأنه إنما ينحو نحو الياء التي الألف في موضعها. وكذلك خاف لأنه يروم الكسرة التي في خفت كما نحا نحو الياء. وكذلك ألف حبلى لأنها في بنات الياء. وقد بين ذلك. ألا تراهم يقولون: طاب وخاف ومعطى وسقى فلا تمنعهم هذه الحروف من الإمالة. وذلك باب غزا لأن الألف ههنا كأنها مبدلة من ياء. ألا ترى أنهم يقولون: صغا وضغا. ومما لا تمال ألفه فاعلٌ من المضاعف ومفاعلٌ وأشباههما لأن الحرف قبل الألف مفتوح والحرف الذي بعد الألف ساكن لا كسرة فيه فليس هنا ما يميله. وذلك قولك: هذا جادٌّ ومادٌّ وجواد: جمع جادةٍ ومررت برجل جادٍّ فلا يميل يكره أن ينحو نحو الكسرة فلا يميل لأنه فر مما يحقق فيه الكسرة ولا يميل للجر لأنه إنما كان يميل في هذا للكسرة التي بعد الألف فلما فقدها لم يمل. وقد أمال قوم في الجر شبهوها بمالك إذا جعلت الكاف اسم المضاف إليه. وقد أمال قومٌ على كل حال كما قالوا: هذا ماش ليبينوا الكسرة في الأصل. وقال بعضهم: مررت بمال قاسم ومررت بمال ملقٍ. ومررت بمال ينقل ففتح هذا كله. وقالوا: مررت بمال زيدٍ فإنما فتح الأول للقاف شبه ذلك بعاقدٍ وناعقٍ ومناشيط. وقال بعضهم: بمال قاسم ففرق بين المنفصل والمتصل ولم يقو على النصب إذ كان منفصلا. وقد فصلوا بين المنفصل وغيره في أشياء ستبين لك إن شاء الله. وسمعناهم يقولون: يريد أن يضربها زيدٌ ومنا زيدٌ فلما جاءوا بالقاف في هذا النحو نصبوا فقالوا: أراد أن يضربها قاسمٌ ومنا نقل وأراد أن يعملها ملقٌ وأراد أن يضربها سملقٌ وأراد أن يضربها ينقل وأراد أن يضربنا بسوطٍ نصبوا لهذه المستعلية وغلبت كما غلبت في مناشيط ونحوها وصارت الهاء والألف كالفاء والألف في فاعلٍ ومفاعيل وضارعت الألف في فاعلٍ ومفاعيل ولم يمنع النصب ما بين الألف وهذه لحروف كما لم يمنع في السماليق قلب السين صاداً وصارت المستعلية في هذه الحروف أقوى منها في مال قاسمٍ لأن القاف هنا ليست من الحرف وإنما شبهت ألف مالٍ بألف فاعلٍ. ومع هذا أنها في كلامهم ينصبها أكثرهم في الصلة أجروها على ما وصفت لك. فتقول: منا زيدٌ ويضربها زيدٌ إذ لم تشبه الألفات الأخر. ولو فعل بها ما فعل بالمال لم يستنكر في قول من قال: بمال قاسم. وقالوا: هذا عماد قاسمٍ وهذا عالم قاسم ونعمى قاسم فلم يكن عندهم بمنزلة المال ومتاعٍ وعجلان وذلك أن ال مال آخره يتغير وإنما يمال في الجر في لغة من أمال فإن تغير آخره عن الجر نصبت ألفه. والذي أمال له الألف في عمادٍ وعابدٍ ونحوهما مما لا يتغير فإمالة هذا أبداً لازمةٌ فلما قويت هذه القوة لم يقو عليها المنفصل. وقالوا: لم يضربها الذي تعلم فلم يميلوا لأن الألف قد ذهبت ولم يجعلوها بمنزلة ألف حبلى ومرمى ونحوهما. وقالوا: أراد أن يعلما وأن يضبطا فتح للطاء وأراد أن يضبطها. وقالوا: أراد أن يعقلا لأن القاف مكسورة فهي بمنزلة قفافٍ. وقالوا: رأيت ضيقا ومضيقا كما قالوا: علقا ورأيت علماً كثيراً فلم يميلوا لأنها نون وليست كالألف في معنى ومعزى. وقد أمال قومٌ في هذا ما ينبغي أن يمال في القياس وهو قليل كما قالوا: طلبنا وعنبا. وذلك قول بعضهم: رأيت عرقا وضيقا. فلما قالوا طلبنا وعنتا وعنبا فشبهوها بألف حبلى جرأهم ذلك على هذا حيث كانت فيها علةٌ تميل القاف وهي الكسرة التي في أوله وكان هذا أجدر أن يكون عندهم. وسمعناهم يقولون: رأيت سبقا حيث فتحوا. وإنما طلبنا وعرقا كالشواذ لقلتها. واعلم أن بعض من يقول عابدٌ من العرب فيميل يقول: مررت بمالك فينصب لأن الكسرة ليست في موضع تلزم وآخر الحرف قد يتغير فلم يقو عندهم كما قال بعضهم: بمال قاسم ولم يقل عماد قاسم. ومما لا يميلون ألفه: حتى وأما وإلا فرقوا بينها وبين ألفات الأسماء نحو حبلى وعطشى. وقال الخليل: لو سميت رجلاً بها وامرأةً جازت فيها الإمالة. ولكنهم يميلون في أنى لأن أتى تكون مثل أين وأين كخلفك وإنما هو اسمٌ صار ظرفا فقرب من عطشى. وقالوا: لا فلم يميلوا لما لم يكن اسماً فرقوا بينها وبين ذا. وقالوا: ما فلم يميلوا لأنها لم تمكن تمكن ذا ولأنها لا تتم اسماً إلا بصلة مع أنها لم تمكن تمكن المبهمة فرقوا بين المبهمين إذ كان ذا حالهما. وقالوا: با وتا في حروف المعجم لأنها أسماء ما يلفظ به وليس فيها ما في قد ولا وإنما جاءت كسائر الأسماء لا لمعنىً آخر. وقالوا: يا زيد لمكان الياء. ومن قال هذا مالٌ: ورأيت بابا فإنه لا يقول على حال: ساقٌ ولا قارٌ ولا غابٌ: - وغابٌ: الأجمة - فهي كألف فاعلٍ عند عامتهم لأن المعتل وسطاً أقوى فلم يبلغ من أمرها ههنا أن تمال مع مستعلٍ كما أنهم لم يقولوا: بال من بلت حيث لم تكن الإمالة قويةً في المال ولا مستحسنةً عند العامة.

باب الراء

والراء إذا تكلمت بها خرجت كأنها مضاعفة والوقف يزيدها إيضاحاً فلما كانت الراء كذلك قالوا: هذا راشدٌ وهذا فراشٌ فلم يميلوا لأنهم كأنهم قد تكلموا براءين مفتوحتين فلما كانت كذلك قويت على نصب الألفات وصارت بمنزلة القاف حيث كانت بمنزلة حرفين مفتوحين فلما كان الفتح كأنه مضاعف وإنما هو من الألف كان العمل من وجه واحد أخف عليهم. وإذا كانت الراء بعد ألفٍ تمال لو كان بعدها غير الراء لم تمل في الرفع والنصب وذلك قولك: هذا حمارٌ كأنك قلت هذا فعالل. وكذلك في النصب كأنك قلت: فعاللا فغلبت ههنا فنصبت كما فعلت ذلك قبل الألف. وأما في الجر فتميل الألف كان أول الحرف مكسوراً أو مفتوحاً أو مضموماً لأنها كأنها حرفان مكسوران فتميل ههنا كما غلبت حيث كانت مفتوحة فنصبت الألف. وذلك قولك: من حمارك ومن عواره ومن المعار ومن الدوار كأنك قلت: فعالل وفعالل وفعالل. ومما تغلب فيه الراء قولك: قاربٌ وغارمٌ وهذا طاردٌ وكذلك جميع المستعلية إذا كانت الراء مكسورة بعد الألف التي تليها وذلك لأن الراء لما كانت تقوى على كسر الألف في فعال في الجر وفعال لما ذكرنا من التضعيف قويت على هذه الألفات إذ كنت إنما تضع لسانك في موضع استعلاء ثم تنحدر وصارت المستعلية ههنا بمنزلتها في قفاف. وتقول: هذه ناقةٌ فارقٌ وأينقٌ مفاريق فتنصب كما فعلت ذلك حيث قلت: ناعقٌ ومنافق ومناشيط. وقالوا: من قرارك فغلبت كما غلبت القاف وأخواتها فلا تكون أقوى من القاف لأنها وإن كانت كأنها حرفان مفتوحان فإنما هي حرفٌ واحد بزنته كما أن الألف في غارٍ والياء في قيلٍ بمنزلة غيرهما في الرد إذا صغرت ردتا إلى الواو وإن كان فيهما من اللين ما ليس في غيرهما. فإنما شبهت الراء بالقاف وليس في الراء استعلاءٌ فجعلت مفتوحةً تفتح نحو المستعلية فلما قويت على القاف كانت على الراء أقوى. واعلم أن الذين يقولون مساجد وعابد ينصبون جميع ما أملت في الراء. واعلم أن قوما من العرب يقولون: الكافرون ورأيت الكافرين والكافر وهي المنابر لما بعدت وصار بينها وبين الألف حرفٌ لم تقو قوة المستعلية لأنها من موضع اللام وقريبةٌ من الياء. ألا ترى أن الألثغ يجعلها ياءً. فما كانت كذلك عملت الكسرة عملها إذ لم يكن بعدها راءٌ. وأما قوم آخرون فنصبوا لألف في الرفع والنصب وجعلوها بمنزلتها إذ لم يحل بينها وبين الألف كسرٌ وجعلوا ذلك لا يمنع النصب كما لم يمنع في القاف وأخواتها وأمالوا في الجر كما أمالوا حيث لم يكن بينها وبين الألف شيء وكان ذلك عندهم أولى حيث كان قبلها حرفٌ تمال له لو لم يكن بعده راءٌ. وأما بعض من يقول: مررت بالحمار فإنه يقول: مررت بالكافر فينصب الألف وذلك لأنك قد تترك الإمالة في الرفع والنصب كما تتركها في القاف فلما صارت في هذا كالقاف تركها في الجر على حالها حيث كانت تنصب في الأكثر يعني في النصب والرفع وكان من كلامهم أن ينصبوا نحو عابدٍ وجعل الحرف الذي قبل الراء يبعده من أن يمال كما جعله قومٌ حيث قالوا هو كافرٌ يبعده من أن ينصب فلما بعد وكان النصب عندهم أكثر تركوه على حاله إذ كان من كلامهم أن يقولوا عابدٌ والأصل في فاعلٍ أن تنصب الألف ولكنها تمال لما ذكرت لك من العلة. ألا تراها لا تمال في تابل. فلما كان ذلك الأصل تركوها على حالها في الرفع والنصب وهذه اللغة أقل في قول من قال عابدٌ وعالمٌ. واعلم أن الذين يقولون: هذا قاربٌ يقولون: مررت بقادرٍ ينصبون الألف ولم يجعلوها حيث بعدت تقوى كما أنها في لغة الذين قالوا مررت بكافرٍ لم تقو على الإمالة حيث بعدت لما ذكرنا من العلة. وقد قال قومٌ ترتضى عربيتهم: مررت بقادرٍ قبل للراء حيث كانت مكسورة. وذلك أنه يقول قاربٌ كما يقول جارمٌ فاستوت القاف وغيرها فلما قلا مررت بقادر أراد أن يجعلها كقوله مررت بكافرٍ فيسويهما ههنا كما يسويهما هناك. وسمعنا من نثق به من العرب يقول لهدبة بن خشرم: عسى الله يغني عن بلاد ابن قادرٍ بمنهمرٍ جون الرباب سكوب ويقول: هو قادرٌ. واعلم أن من يقول: مررت بكافرٍ أكثر ممن يقول: مررت بقادر لأنها من حروف الاستعلاء واعلم أن من العرب من يقول: مررت بحمار قاسم فينصبون للقاف كما نصبوا حين قالوا مررت بمال قاسم إلا أن الإمالة في الحمار وأشباهه أكثر لأن الألف كأنها بينها وبين القاف حرفان مكسوران فمن ثم صارت الإمالة فيها أكثر منها في المال. ولكنهم لو قالوا جارم قاسم لم يكن بمنزلة حمار قاسم لأن الذي يميل ألف جارمٍ لا يتغير فبين حمار قاسم وجارم قاسم. كما بين مال قاسم وعابد قاسم. ومن قال: مررت بحمار قاسم قال: مررت بسفار قبل لأن الراء ههنا يدركها التغيير. إما في الإضافة وإما في اسم مذكرو هو حرف الإعراب. وتقول: مررت بفارٍّ قبل في لغة من قال مررت بالحمار قبل وقال مررت بكافرٍ قبل من قبل أنه ليس بين المجرور وبين الألف في فارٍّ إلا حرف واحد ساكن لا يكون إلا من موضع الآخر وإنما يرفع لسانه عنهما فكأنه ليس بعد الألف إلا راءٌ مكسورة فلما كان من كلامهم مررت بكافرٍ كان اللازم لهذا عندهم الإمالة. وتقول: هذه صعاررٌ وإذا اضطر الشاعر قال: الموارر. وهذا بمنزلة مررت بفارٍّ لأنه إذا كان من كلامهم هي المنابر كان اللازم لهذا الإمالة إذ كانت الراء بعد الألف مكسورة. وقال تعالى جده: " كانت قوارير. قوارير من فضةٍ ". وتقول: هذه دنانير كما قلت: كافرٌ فهذا أجدر لأن الراء أبعد. وقد قال: بعضهم مناشيط فذا أجدر. فإذا كنت في الجر فقصتها قصة كافر. واعلم أن الذين يقولون: هذا داع في السكوت فلا يميلون لأنهم لم يلفظوا بالكسرة كسرة العين يقولون: مررت بحمار لأن الراء كأنها عندهم مضاعفة فكأنه جر راءً قبل راء. وذلك قولهم مررت بالحمار وأستجير بالله من النار. وقالوا: في مهارى تميل الهاء وما قبلها. وقال: سمعت العرب يقولون: ضربت ضربه وأخذت أخذه وشبه الهاء بالألف فأمال ما قبلها كما يميل ما قبل الألف. ومن قال أراد أن يضربها قاسمٌ قال: أراد أن يضربها راشدٌ. ومن قال بمال قاسم قال: بمال راشدٍ والراء أضعف في ذلك من القاف لما ذكرت لك. وتقول: رأيت عفرا كما تقول رأيت علقا ورأيت عيرا كما قلت ضيقا وهذا عمران كما تقول حمقان. واعلم أن قوماً يقولون: رأيت عفرا فيميلون للكسرة لأن الألف في آخر الحرف فلما كانت الراء ليست كالمستعلية وكان قبلها كسرة وكانت الألف في آخر الحرف شبهوها بألف حبلى وكان هذا ألزم حيث قال بعضهم: رأيت عرقا وقال: أراد أن يعقرها وأراد أن يعقرا ورأيتك عسرا جعلوا هذه الأشياء بمنزلة ما ليس فيه راء. وقالوا: النغران حيث كسرت أول الحرف وكانت الألف بعد ما هو من نفس الحرف فشبه بما يبنى على الكلمة نحو ألف حبلى. وقالوا عمران ولم يقولوا برقان جمع برقٍ ولا حمقانٌ لأنها من الحروف المستعلية. ومن قال هذا عمران فأمال قال في رجل يسمى عقران: هذا عقران كما قالوا جلبابٌ فلم يمنع ما بينهما الإمالة كما لم يمنع الصاد في صماليق. وقالوا: ذا فراشٌ وهذا جرابٌ كانت الكسرة أولاً والألف زائدة شبهت بنغرانٍ. والنصب فيه كله أحسن لأنها ليست كألف حبلى.

باب ما يمال من الحروف

التي ليس بعدها ألف إذا كانت الراء بعدها مكسورة وذلك قولك: من الضرر ومن البعر ومن الكبر ومن الصغر ومن الفقر لما كانت الراء كأنها حرفان مكسوران وكانت تشبه الياء أمالوا المفتوح كما أمالوا الألف لأن الفتحة من الألف وشبه الفتحة بالكسرة كشبه الألف بالياء فصارت الحروف ها هنا بمنزلتها إذ كانت قبل الألف وبعد الألف الراء وإن كان الذي قبل الألف من المستعلية نحو ضاربٍ وقارب. وتقول: من عمرو فتميل العين لأن الميم ساكنة. وتقول: من المحاذر فتميل الذال ولا تقوى على إمالة الألف لأن بعد الألف فتحاً وقبلها فصارت الإمالة لا تعمل بالألف شيئاً كما أنك تقول حاضرٌ فلا تميل لأنها من الحروف المستعلية. فكما لم تمل الألف للكسرة كذلك لم تملها لإمالة الذال. وتقول: هذا ابن مذعورٍ كأنك تروم الكسرة لأن الراء كأنها حرفان مكسوران فلا تميل الواو لأنهها لا تشبه الياء ولو أملتها أملت ما قبلها ولكنك تروم الكسرة كما تقول رد. ومثل هذا قولهم: عجبت من السمر وشربت من المنقر. والمنقر. الركية الكثيرة الماء. وقالوا: رأيت خبط الريف كما قالوا من المطر. وقالوا: رأيت خبط فرند كما قال من الكافرين. ويقال هذا خبط رياحٍ كما قال من المنقر. وقال مررت بعيرٍ ومررت بخيرٍ فلم يشمم لأنها تخفى مع الياء كما أن الكسرة في الياء أخفى. وكذلك مررت ببعيرٍ لأن العين مكسورة. ولكنهم يقولون: هذا ابن ثورٍ. وتقول: هذا قفا رياحٍ كما تقول رأيت خبط رياحٍ فتميل طاء خبطٍ للراء المنفصلة المكسورة وكذلك ألف قفا في هذا القول. وأما من قال: مررت بمال قاسمٍ فلم ينصب لأنها منفصلة قال: رأيت خبط رياحٍ وقفا رياحٍ سمعنا جميع ما ذكرنا لك من الإمالة والنصب في هذه الأبواب من العرب. ومن قال: من عمرٍو ومن النغر فأمال لم يمل من الشرق لأن بعد الراء حرفاً مستعلياً فلا يكون ذا كما لم يكن: هذا مارقٌ.

باب ما يلحق الكلمة إذا اختلت

حتى تصير حرفا فلا يستطاع أن يتكلم بها في الوقف فيعتمد بذلك اللجق في الوقف وذلك قولك: عه وشه. وكذلك جميع ما كان من باب وعى يعي. فإذا وصلت قلت: ع حديثاً وش ثوباً حذفت لأنك وصلت إلى التكلم به فاستغنيت عن الهاء. فاللاحق في هذا الباب الهاء.

باب ما يتقدم أول الحروف

وهي زائدة قدمت لإسكان أول الحروف فلم تصل إلى أن تبتدىء بساكن فقدمت الزيادة متحركة لتصل إلى التكلم والزيادة ههنا الألف الموصولة. وأكثر ما تكون في الأفعال. فتكون في الأمر من باب فعل يفعل ما لم يتحرك ما بعدها. وذلك قولك: اضرب اقتل اسمع اذهب لأنهم جعلوا هذا في موضع يسكن أوله فيما بنوا من الكلام. وتكون في انفعلت وافعللت وافتعلت. وهذه الثلاثة على زنةٍ واحدةٍ ومثالٍ واحد والألف تلزمهن في فعل وفعلت والأمر لأنهم جعلوه يسكن أوله ههنا فيما بنوا من الكلام. وذلك انطلق وتكون في استفعلت وافعنللت وافعاللت وافعولت وافعولت هذه الخمسة على مثالٍ واحد وحال الألف فيهن كحالها في افعتعلت وقصتهن في ذلك كقصتهن في افتعلت. وذلك نحو استخرجت واقعنست واشهاببت والجوذت واعشوشبت. وكذلك ما جاء من بنات الأربعة على مثال استفعلت نحو احرنجمت واقشعررت. فحالهن كحال استفعلت. وأما ألف أفعلت فلم تلحق لأنهم أسكنوا الفاء ولكنها بني بها الكلمة وصارت فيها بمنزلة ألف فاعلت في فاعلت فلما كانت كذلك صارت بمنزلة ما ألحق ببنات الأربعة ألا ترى أنهم يقولون يخرج وأنا أخرج فيضمون كما يضمون في بنات الأربعة لأن الألف لم تلحق لساكنٍ أحدثوه. وأما كل شيء كانت ألفه موصولة فإن نفعل منه وأفعل وتفعل مفتوحة الأوائل لأنها ليست تلزم أول الكلمة يعني ألف الوصل وإنما هي ههنا كالهاء في عه. فهي في هذا الطرف كالهاء في هذاك الطرف فلما لم تقرب من بنات الأربعة نحو دحرجت وصلصلت جعلت أوائل ما ذكرنا مفتوحاً كأوائل ما كان من فعلت الذي هو على ثلاثة أحرف نحو ذهب وضرب وقتل وعلم وصارت احرنجمت واقشعررت كاستفعلت لأنها لم تكن هذه الألفات فيها إلا لما حدث من السكون ولم تلحق لتخرج بناء الأربعة إلى بناء من الفعل أكثر من الأربعة كما أن أفعل خرجت من الثلاثة إلى بناء من الفعل على الأربعة لأنه لا يكون الفعل من نحو سفرجلٍ لا تجد في الكلام مثل سفرجلت. فلما لم يكن ذلك صرفت إلى باب استفعلت فأجريت مجرى ما أصله الثلاثة. يعني احرنجم. واعلم أن هذه الألفات إذا كان قبلها كلامٌ حذفت لأن الكلام قد جاء قبله ما يستغنى به عن الألف كما حذفت الهاء حين قلت: ع يا فتى فجاء بعدها كلام. وذلك قولك: يا زيد اضرب عمراً ويا زيد اقتل واستخرج وإن ذلك احرنجم وكذلك جميع ما كانت ألفه موصولة. واعلم أن الألف الموصولة فيما ذكرنا في الابتداء مكسورةٌ أبداً إلا أن يكون الحرف الثالث مضموماً فتضمها وذلك قولك: اقتل استضعف احتقر احرنجم. وذلك أنك قربت الألف من المضموم إذ لم يكن بينهما إلا ساكن فكرهوا كسرةً بعدها ضمةٌ وأرادوا أن يكون العمل من وجه واحد كما فعلوا ذلك في: مذ اليوم يا فتى. وهو في هذا أجدر لأنه ليس في الكلام حرفٌ أوله مكسور والثاني مضموم. وفعل هذا به كما فعل بالمدغم إذا أردت أن ترفع لسانك من موضع واحد. وكذلك أرادوا أن يكون العمل من وجه واحد ودعاهم ذلك إلى أن قالوا: أنا أجوءك وأنبؤك وهو منحدرٌ من الجبل. أنبأنا بذلك الخليل. اضرب الساقين إمك هابل فكسرهما جميعاً كما ضم في ذلك. ومثل ذلك - البيت للنعمان بن بشير الأنصاري: ويلمها في هواء الجو طالبة ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب وتكون موصلة في الحرف الذي تعرف به الأسماء. والحرف الذي تعرف به الأسماء هو الحرف الذي في قولك: القوم والرجل والناس وإنما هما حرفٌ بمنزلة قولك قد وسوف. وقد بينا ذلك فيما ينصر وما لا ينصرف ألا ترى أن الرجل إذا نسي فتذكر ولم يرد أن يقطع يقول: ألي كما يقول قدي ثم يقول: كان وكان. ولا يكون ذلك في ابنٍ ولا امرىءٍ لأن الميم ليست منفصلة ولا الباء. وقال غيلان: دع ذا وعجل ذا وألحقنا بذل بالشحم إنا قد مللناه بجل كما تقول: إنه قدي ثم تقول: قد كان كذا وكذا فتثني قد. ولكنه لم يكسر اللام في قوله بذل ويجيء بالياء لأن البناء قد تم. وزعم الخليل أنها مفصولة كقد وسوف ولكنها جاءت لمعنىً كما يجيئان للمعاني فلما لم تكن الألف في فعل والا اسمٍ كانت في الابتداء مفتوحة فرق بينها وبين ما في الأسماء والأفعال. وصارت في ألف الاستفهام إذا كانت قبلها لا تحذف شبهت بألف أحمر لأنها زائدة. وهي مفتوحة مثلها لأنها لما كانت في الابتداء مفتوحة كرهوا أن يحذفوها فيكون لفظ الاستفهام والخبر واحداً فأرادوا أن يفصلوا ويبينوا. ومثلها من ألفات الوصل الألف التي في أيم وأيمن لما كانت في اسم لا يتمكن تمكن الأسماء التي فيها ألف الوصل نحو ابنٍ واسم وامرىءٍ وإنما هي في اسم لا يستعمل إلا في موضع واحد شبهتها هنا بالتي في أل فيما ليس باسم إذ كانت فيما لا يتمكن تمكن ما ذكرنا وضارع ما ليس باسم ولا فعلٍ. والدليل على أنها موصولة قولهم: ليمن الله وليم الله قال الشاعر: وقال فريق القوم لما نشدتهم ** نعم وفريقٌ ليمن الله ما ندري وقد كنا بينا ذلك في باب القسم. فأرادوا أن تكون هذه الياء مسكنةً فيما بنوا من الكلام. كما فعلوا ذلك فيما ذكرنا من الأفعال وفي أسماء سنبينها لك إن شاء الله. فقصة أيم قصة الألف واللام. فهذا قول الخليل. وقال يونس: قال بعضهم: إيم الله فكسر ثم قال ليم الله فجعلها كألف ابنٍ. وإنما تكون في أسماء معلومة أسكنوا أوائلها فيما بنوا من الكلام وليست لها أسماءٌ تتلئب فيها كالأفعال هكذا أجروا ذا في كلامهم. وتلك الأسماء: ابنٌ وألحقوه الهاء للتأنيث فقالوا: ابنةٌ. واثنان وأحلقوه الهاء للتأنيث فقالوا: اثنتان كقولك: ابنتان. وامرؤٌ وأحلقوه الهاء للتأنيث فقالوا: امرأة. وابنمٌ واسمٌ واستٌ. فجميع هذه الألفات مكسورة في الابتداء وإن كان الثالث مضموماً نحو: ابنمٌ وامرؤٌ لأنها ليست ضمةً تثبت في هذا البناء على كل حال إنما تضم في حال الرفع. فلما كان كذلك فرقوا بينها وبين الأفعال نحو اقتل استضعف لأن الضمة فيهن ثابتة فتركوا الألف في ابنمٍ وامرىءٍ على حالها والأصل الكسر لأنها مكسورة أبداً في الأسماء والأفعال إلا في الفعل المضموم الثالث كما قالوا: أنبؤك والأصل كسر الباء فصارت الضمة في امرؤٌ إذ كانت لم تكن ثابتة كالرفعة في نون ابنٌ لأنها ضمة إنما تكون في حال الرفع. واعلم أن هذه الألفات ألفات الوصل تحذف جميعاً إذا كان قبلها كلام إلا ما ذكرنا من الألف واللام في الاستفهام وفي أيمن في باب القسم لعلةٍ قد ذكرناها فعل ذلك بها في باب القسم حيث كانت مفتوحة قبل الاستفهام فخافوا أن تلتبس الألف بألف الاستفهام وتذهب في غير ذلك إذا كان قبلها كلام إلا أن تقطع كلامك وتستأنف كما قالت الشعراء في الأنصاف لأنها مواضع فصول فإنما ابتدءوا بعد قطع. قال الشاعر: ولا يبادر في الشتاء وليدنا ** ألقدر ينزلها بغير جعال وقال لبيد: أو مذهبٌ جددٌ على ألواحه ** ألناطق المزبور والمختوم واعلم أن كل شيءٍ كان أول الكلمة وكان متحركاً سوى ألف الوصل فإنه إذا كان قبله كلامٌ لم يحذف ولم يتغير إلا ما كان من هو وهي فإن الهاء تسكن إذا كان قبلها واو أو فاء أو لام وذلك قولك: وهو ذاهبٌ ولهو خيرٌ منك فهو قائمٌ. وكذلك هي لما كثرتا في الكلام وكانت هذه الحروف لا يلفظ بها إلا مع ما بعدها صارت بمنزلة ما هو من نفس الحرف فأسكنوا كما قالوا في فخذٍ: فخذٌ ورضى: رضى وفي حذر: حذرٌ وسرو: سرو فعلوا ذلك حيث كثرت في كلامهم وصارت تستعمل كثيراً فأسكنت في هذه الحروف استخفافاً. وكثير من العرب يدعون الهاء في هذه الحروف على حالها. وفعلوا بلام الأمر مع الفاء والواو مثل ذلك لأنها كثرت في كلامهم وصارت بمنزلة الهاء في أنها لا يلفظ بها إلا مع ما بعدها وذلك قولك: فلينظر وليضرب. ومن ترك الهاء على حالها في هي وهو ترك الكسرة في اللام على حالها.

باب تحرك أواخر الكلم الساكنة

إذا حذفت ألف الوصل لالتقاء الساكنين وإنما حذفوا ألف الوصل ها هنا بعد الساكن لأن من كلامهم أن يحذف وهو بعد غير الساكن فلما كان ذلك من كلامهم حذفوها ههنا وجعلوا التحرك للساكنة الأولى حيث لم يكن ليلتقي ساكنان. وجعلوا هذا سبيلها ليفرقوا بينها وبين الألف المقطوعة. فجملة هذا الباب في التحرك أن يكون الساكن الأول مكسوراً وذلك قولك: اضرب ابنك وأكرم الرجل واذهب اذهب و " قل هو الله أحدٌ. الله " لأن التنوين ساكن وقع بعده حرف ساكن فصار بمنزلة باء اضرب ونحو ذلك. ومن ذلك: إن الله عافاني فعلت وعن الرجل وقط الرجل ولو استطعنا. ونظير الكسر ها هنا قولهم: حذار وبداد ونظار ألزموها الكسر في كلامهم فجعلوا سبيل هذا الكسر في كلامهم فاستقام هذا الضرب على هذا ما لم يكن اسماً نحو حذام لئلا يلتقي ساكنان. ونحوه: جير يا فتى وغاق غاق كسروا هذا إذ كان من كلامهم أن يكسروا إذا التقى الساكنان. وقال الله تبارك وتعالى: " قل انظروا ماذا في السموات والأرض " فضموا الساكن حيث حركوه كما ضموا الألف في الابتداء. وكرهوا الكسر ههنا كما كرهوه في الألف فخالفت سائر السواكن كما خالفت الألف سائر الألفات يعني ألفات الوصل. وقد كسر قومٌ فقالوا: " قل انظروا " وأجروه على الباب الأول ولم يجعلوها كالألف ولكنهم جعلوها كآخر جير. وأما الذين يضمون فإنهم يضمون في كل ساكن يكسر في غير الألف المضمومة. فمن ذلك قوله عز وجل: " وقالت اخرج عليهن " " وعذابٌ. اركض برجلك ". ومنه: " أو انقص منه قليلاً ". وهذا كله عربي قد قرىء. ومن قال: قل انظروا كسر جميع هذا. والفتح في حرفين: أحدهما قوله عز وجل: " ألم. الله " لما كان من كلامهم أن يفتحوا لالتقاء الساكنين فتحوا هذا وفرقوا بينه وبين ما ليس بهجاء. ونظير ذلك قولهم: من الله ومن الرسول ومن المؤمنين لما كثرت في كلامهم ولم تكن فعلا وكان الفتح أخف عليهم فتحوا وشبهوها بأين وكيف. وزعموا أن ناساً من العرب يقولون: من الله فيكسرونه ويجرونه على القياس. فأما " ألم " فلا يكسر لأنهم لم يجعلوه في ألف الوصل بمنزلة غيره ولكنهم جعلوه كبعض ما يتحرك لالتقاء الساكنين. ونحو ذلك لم يلده. واعلمن ذلك لأن للهجاء حالاً قد تبين. وقد اختلفت العرب في من إذا كان بعدها ألف وصل غير ألف اللام فكسره قوم على القياس وهي أكثر في كلامهم وهي الجيدة. ولم يكسروا في ألف اللام لأنها مع ألف اللام أكثر لأن الألف واللام كثيرةٌ في الكلام تدخل في كل اسم ففتحوا استخفافاً فصار من الله بمنزلة الشاذ. وذلك قولك: من ابنك ومن امرىءٍ. وقد فتح قومٌ فصحاء فقالوا: من ابنك فأجروها مجرى من المسلمين.

باب ما يضم من السواكن

إذا حذفت بعد ألف الوصل وذلك الحرف الواو التي هي علامة الإضمار إذا كان ما قبلها مفتوحاً وذلك قوله عز وجل: " ولا تنسوا الفضل بينكم " ورموا ابنك واخشوا الله. فزعم الخليل أنهم جعلوا حركة الواو منها ليفصل بينها وبين الواو التي من نفس الحرف نحو واو لو و أو. وقد قال قوم: " ولا تنسوا الفضل بينكم " جعلوها بمنزلة ما كسروا من السواكن وهي قليلة: وقد قال قوم: لو استطعنا شبهوها بواو اخشوا الرجل ونحوها حيث كانت ساكنة مفتوحاً ما قبلها. وهي في القلة بمنزلة: " ولا تنسوا الفضل بينكم ". وأما الياء التي هي علامة الإضمار وقبلها حرفٌ مفتوح فهي مكسورةٌ في ألف الوصل. وذلك: أخشى الرجل للمرأة لأنهم لما جعلوا حركة الواو من الواو جعلوا حركة الياء من الياء فصارت تجرى ههنا كما تجرى الواو ثم. وإن أجريتها مجرى " ولا تنسوا الفضل بينكم " كسرت فهي على كل حال مكسورة. ومثل هذه الواو واو مصطفون لأنها واوٌ زائدة لحقت للجمع كما لحقت واو اخشوا لعلامة الجمع وحذفت من الاسم ما حذفت واو اخشوا فهذه في الاسم كتلك في الفعل. والياء في مصطفين مثلها في اخشى وذلك مصطفو الله ومن مصطفى الله. باب ما يحذف من السواكن إذا وقع بعدها ساكن وذلك ثلاثة أحرف: الألف والياء التي قبلها حرفٌ مكسورٌ والواو التي قبلها حرفٌ مضموم. فأما حذف الألف فقولك: رمى الرجل وأنت تريد رمى ولم يخف. وإنما كرهوا تحريكها لأنها إذا حركت صارت ياءً أو واواً فكرهوا أن تصير إلى ما يستثقلون فحذفوا الألف حيث لم يخافوا التباساً. ومثل ذلك: هذه حبلى الرجل ومعزى القوم وأنت تريد المعزى والحبلى كرهوا أن يصيروا إلى ما هو أثقل من الألف فحذفوا حيث لم يخافوا التباساً. ومثل ذلك قولهم: رمت. وقالوا: رميا فجاءوا بالياء وقالوا: غزوا فجاءوا بالواو لئلا يلتبس الاثنان بالواحد. وذفريان لأنهم لو حذفوا لالتبس بما ليس في آخره ألف التأنيث من الأسماء. وأنت إذا قلت: هذه حبلى الرجل ومن حبلى الرجل علم أن في آخرها ألفاً. فإن قلت: قد تقول رأيت حبلى الرجل فيوافق اللفظ لفظ ما ليست في آخره ألف التأنيث فإن هذا لا يلزمه في كل موضع. وأنت لو قلت حبلان لم تجد موضعاً إلا والألف منه ساقطة ولفظ الاسم حينئذ ولفظ ما ليست فيه الألف سواء. وأما حذف الياء التي قبلها كسرة فقولك: هو يرمي الرجل ويقضي الحق وأنت تريد يقضي ويرمي كرهوا الكسر كما كرهوا الجر في قاضٍ والضم فيه كما كرهوا الرفع فيه ولم يكونوا ليفتحوا فيلتبس بالنصب لأن سبيل هذا أن يكسر فحذفوا حيث لم يخافوا التباساً. وأما حذف الواو التي قبلها حرف مضموم فقولك: يغزو القوم ويدعو الناس. وكرهوا الكسر كما كرهوا الضم هناك وكرهوا الضم هنا كما كرهوا الكسر في يرمي. وأما اخشوا القوم ورموا الرجل واخشى الرجل فإنهم لو حذفوا لالتبس الواحد بالجميع والأنثى بالذكر. وليس هنا موضع التباس. ومع هذا أن قبل هذه الواو أخف الحركات. وكذلك ياء اخشى وما قبل الياء منها في يقضي ونحوه وما قبل الواو منها في يدعو ونحوه. فاجتمع أنه أثقل وأنه لا يخاف الالتباس فحذف. فأجريت هذه السواكن التي حركوا ما قبلها منها مجرىً واحداً. ومثل ذلك: لم يبع ولم يقل ولو لم يكن ذلك فيها من الاستثقال لأجريت مجرى لم يخف لأنه ليس لاستثقالٍ لما بعدها حذفت وذلك ياء يهاب وواو يخاف. وقد بين ذلك.

باب ما لا يرد من هذه الأحرف

الثلاثة لتحرك ما بعدها وسأخبرك لم ذلك إن شاء الله وهو قولك: لم يخف الرجل ولم يبع الرجل ولم يقل القوم ورمت المرأة ورمتا لأنهم إنما حركوا هذا الساكن لساكنٍ وقع بعده وليست بحركة تلزم. ألا ترى أنك لو قلت: لم يخف زيدٌ ولم يبع عمرٌو أسكنت. وكذلك لو قلت رمت فلم تجىء بالألف لحذفته. فلما كانت هذه السواكن لا تحرك حذفت الألف حيث أسكنت والياء والواو ولم يرجعوا هذه الأحرف الثلاثة حيث تحركت لالتقاء الساكنين لأنك إذا لم تذكر بعدها ساكناً سكنت. وكذلك إذا قلت لم تخلف اباك في لغة أهل الحجاز وأنت تريد: لم تخف أباك ولم يبع أبوك ولم يقل أبوك لأنك إنما حركت حيث لم تجد بداً من أن تحذف الألف وتلقي حركتها على الساكن الذي قبلها ولم تكن تقدر على التخفيف إلا كذا كما لم تجد بداً في التقاء الساكنين من التحريك. فإذا لم تذكر بعد الساكن همزةً تخفف كانت ساكنةً على حالها كسكونها إذا لم يذكر بعدها ساكن. وأما قولهم: لم يخافا ولم يقولا ولم يبيعا فإن هذه الحركات لوازم على كل حال وإنما حذفت النون للجزم كما حذفت الحركة للجزم من فعل الواحد ولم تدخل الألف ههنا على ساكن ولو كان كذلك قال: لم يخفا كما قال: رمتا فلم تلحق التثنية شيئاً مجزوماً وكما أن الألف لحقت في رمتا شيئاً مجزوماً.

باب ما تلحقه الهاء في الوقف

لتحرك آخر الحرف وذلك قولك في بنات الياء والواو التي الياء والواو فيهن لامٌ في حال الجزم: ارمه ولم يغزه واخشه ولم يقضه ولم يرضه. وذلك لأنهم كرهوا إذ هاب اللامات والإسكان جميعاً فلما كان ذلك إخلالاً بالحرف كرهوا أن يسكنوا المتحرك. فهذا تبيان أنه قد حذف آخر هذه الحروف. وكذلك كل فعل كان آخره ياءً أو واواً وإن كانت الياء زائدة لأنها تجري مجرى ما هو من نفس الحرف. فإذا كان بعد ذلك كلامٌ تركت الهاء لأنك إذا لم تقف تحركت وإنما كان السكون للوقف. فإذا لم تقف استغنيت عنها وتركتها. وقد يقول بعض العرب: ارم في الوقف واغز واخش. حدثنا بذلك عيسى بن عمر ويونس. وهذه اللغة أقل اللغتين جعلوا آخر الكلمة حيث وصلوا إلى التكلم بها بمنزلة الأواخر التي تحرك مما لم يحذف منه شيءٌ لأن من كلامهم أن يشبهوا الشيء بالشيء وإن لم يكن مثله في جميع ما وأما لاتقه منوقيت وإن تع أعه من وعيت فإنه يلزمها الهاء في الوقف من تركها في اخش لأنه مجحفٌ بها لأنها ذهبت منها الفاء واللام فكرهوا أن يسكنوا في الوقف فيقولوا: إن تع أع فيسكنوا العين مع ذهاب حرفين من نفس الحرف. وإنما ذهب من نفس الحرف الأول حرفٌ واحد وفيه ألف الوصل فهو على ثلاثة أحرف وهذا على حرفين وقد ذهب من نفسه حرفان. وزعم أبو الخطاب أن ناساً من العرب يقولون: ادعه من دعوت فيكسرون العين كأنها لما كانت في موضع الجزم توهموا أنها ساكنة إذ كانت آخر شيء في الكلمة في موضع الجزم فكسروا حيث كانت الدال ساكنة لأنه لا يلتقي ساكنان كما قالوا: رد يا فتى. وهذه لغةٌ رديئة وإنما هو غلطٌ كما قال زهير: بدا لي أني لست مدرك ما مضى ولا سابقٍ شيئاً إذا كان جائيا

باب ما تلحقه الهاء لتبين الحركة

من غير ما ذكرنا من بنات الياء والواو التي حذف أواخرها ولكنها تبين حركة أواخر الحروف التي لم يذهب بعدها شيء فمن ذلك النونات التي ليست بحروف إعراب ولكنها نون الاثنين والجمع. وكان هذا أجدر أن تبين حركته حيث كان من كلامهم أن يبينوا حركة ما كان قبله متحركاً مما لم يحذف من آخر شيءٌ لأن ما قبله مسكن فكرهوا أن يسكن ما قبله وذلك إخلالٌ به وذلك: هما ضاربانه وهم مسلمونه وهم قائلونه. ومثل ذلك: هنه وضربتنه وذهبتنه. فعلوا ذلك لما ذكرت لك. ومع ذلك أيضاً أن النون خفية فذلك أيضاً مما يؤكد التحريك إذ كان يحرك ما هو أبين منها. وسترى ذلك وما حرك وما قبله متحرك إن شاء الله. ومثل ذلك: أينه تريد أين لأنها نون قبلها ساكن وليست بنونٍ تغير للإعراب ولكنها مفتوحة على كل حال فأجريت ذلك المجرى. ومثل ذلك قولهم: ثمه لأن في هذا الحرف ما في أين أن ما قبله ساكن وهي أشبه الحروف بها في الصوت فلذلك كانت مثلها في الخفاء. ونبين ذلك في الإدغام. ومثل ذلك قولهم: هلمه يريد هلم. قال الراجز: يا أيها الناس ألا هلمه وإنما يريد: هلم. وغير هؤلاء من العرب وهم كثير لا يلحقون الهاء في الوقف ولا يبينون الحركة لأنهم لم وجميع هذا إذا كان بعده كلامٌ ذهبت منه الهاء لأنه قد استغني عنها. وإنما احتاج إليها في الوقف لأنه لا يستطيع أن يحرك ما يسكت عنده. ومثل ما ذكرت لك قول العرب: إنه وهم يريدون إن ومعناها أجل. وقال: ويقلن شيبٌ قد علا ك وقد كبرت فقلت إنه ومثل نون الجميع قولهم: اعلمنه لأنها نون زائدة وليست بحرف إعراب وقبلها حرف ساكن فصار هذا الحرف بمنزلة هن. وقالوا في الوقف: كيفه وليته ولعله في كيف وليت ولعل لما لم يكن حرفاً يتصرف للإعراب وكان ما قبلها ساكناً جعلوها بمنزلة ما ذكرنا. وزعم الخليل أنهم يقولون: انطلقته يريدون انطلقت لأنها ليست بتاء إعراب وما قبلها ساكن. ومما أجري مجرى مسلمونه علامة المضمر التي هي ياء وقبلها ألف أو ياء لأنها جمعت أنها خفية وأن قبلها ساكناً فأجريت مجرى مسلمانه ومسلمونه ونعلينه. وذلك قولك: غلامايه وغلاميه وعصايه وبشرايه ويا قاضيه.

باب ما يبينون حركته وما قبله متحرك

فمن ذلك الياء التي تكون علامة المضمر المجرور أو تكون علامة المضمر المنصوب. وذلك قولك: هذا غلاميه وجاء من بعديه وإنه ضربنيه كرهوا أن يسكنوها إذ لم تكن حرف الإعراب وكانت خفية فبينوها. وأما من رأى أن يسكن الياء فإنه لا يلحق الهاء لأن ذلك أمرها في الوصل فلم يحذف منها في الوقف شيءٌ. وقالوا: هيه وهم يريدون هي شبهوها بياء بعدي. وقالوا هوه لما كانت الواو لا تصرف للإعراب كرهوا أن يلزموها الإسكان في الوقف فجعلوها بمنزلة الياء كما جعلوا كيفه بمنزلة مسلمونه. ومثل ذلك قولهم: خذه بحكمكه. وجميع هذا في الوصل بمنزلة الأول. ومن لم يلحق هناك الهاء في الوقف لم يلحقها هنا. وقد استعملوا في شيء من هذا الألف في الوقف كما استعملوا الهاء لأن الهاء أقرب المخارج إلى الألف وهي شبيهة بها. فمن ذلك قول العرب: حيهلا فإذا وصلوا قالوا: حيهل بعمر. وإن شئت قلت: حيهل كما تقول: بحكمك. ومن ذلك قولهم: أنا فإذا وصل قال: أن أقول ذاك. ولا يكون في الوقف في أنا إلا الألف لم تجعل بمنزلة هو لأن هو آخرها حرف مدٍّ والنون خفية فجمعت أنها على أقل عدد ما يتكلم به مفرداً وأن آخرها خفيٌّ ليس بحرف إعراب فحملهم ذلك على هذا. ونظيرة أنا مع هذا الهاء التي تلزم طلحة في أكثر كلامهم في النداء إذا وقفت فكما لزمت تلك لزمت هذه الألف. وأما أحمر ونحوه إذا قلت رأيت أحمر لم تلحق الهاء لأن هذا الآخر حرف إعراب يدخله الرفع والنصب وهو اسمٌ يدخله الألف واللام فيجر آخره ففرقوا بينه وبين ما ليس كذلك وكرهوا الهاء في هذا الاسم في كل موضع وأدخلوها في التي لا تزول حركتها وصار دخول كل الحركات فيه وأن نظيره فيما ينصرف منونٌ عوضاً من الهاء حيث قويت هذه القوة. وكذلك الأفعال نحو ظن وضرب لما كانت اللام قد تصرف حتى يدخلها الرفع والنصب والجزم شبهت بأحمر. وأما قولهم: علامه وفيمه ولمه وبمه وحتامه فالهاء في هذه الحروف أحود إذا وقفت لأنك حذفت الألف من ما فصار آخره كآخر ارمه واغزه. وقد قال قوم: فيم وعلام وبم ولم كما قالوا: اخش. وليس هذه مثل إن لأنه لم يحذف وأما قولهم: مجيء م جئت ومثل م أنت فإنك إذا وقفت ألزمتها الهاء ولم يكن فيه إلا ثبات الهاء لأن مجيء ومثل يستعملان في الكلام مفردين لأنهما اسمان. وأما الحروف الأول فإنها لا يتكلم بها مفردةً من ما لأنها ليست بأسماء فصار الأول بمنزلة حرفٍ واحد لذلك. ومع هذا أنه أكثر في كلامهم فصار هذا بمنزلة حرف واحد نحو اخش. والأول من مجيء م جئت ومثل م أنت ليس كذلك. ألا تراهم يقولون: مثل ما أنت ومجيء ما جئت لأن الأول اسم. وإنما حذفوا لأنهم شبهوها بالحروف الأول فلما كانت الألف قد تلزم في هذا الموضع كانت الهاء في الحرف لازمة في الوقف ليفرقوا بينها وبين الأول. وقد لحقت هذه الهاءات بعد الألف في الوقف لأن الألف خفية فأرادوا البيان وذلك قولهم: هؤلاه وههناه. ولا يقولونه في أفعى وأعمى ونحوهما من الأسماء المتمكنة كراهية أن تلتبس بهاء الإضافة. ومع هذا أن هذه الألفات حروف إعراب. ألا ترى أنه لو كان في موضعها غير الألف دخله الرفع والنصب والجر كما يدخل راء أحمر. ولو كان في موضع ألف هؤلا حرفٌ متحرك سواها كانت لها حركة واحدة كحركة أنا وهو. فلما كان كذلك أجروا الألف مجرى ما يتحرك في موضعها. واعلم أنهم لا يتبعون الهاء ساكناً سوى هذا الحرف الممدود لأنه خفيٌّ فأرادوا البيان كما وقد يلحقون في الوقف هذه الهاء الألف التي في النداء والألف والياء والواو في الندبة لأنه موضع تصويت وتبيين فأرادوا أن يمدوا فألزموها الهاء في الوقف لذلك وتركوها في الوصل لأنه يستغنى عنها كما يستغنى عنها في المتحرك في الوصل لأنه يجيء ما يقوم مقامها. وذلك قولك: يا غلامان ووازيداه وواغلامهوه وواذهاب غلامهيه.

باب الوقف في أواخر الكلم المتحركة في الوصل

أما كل اسم منون فإنه يلحقه في حال النصب في الوقف الألف كراهية أن يكون التنوين بمنزلة النون اللازمة للحرف منه أو زيادةٍ فيه لم تجىء علامةً للمنصرف فأرادوا أن يفرقوا بين التنوين والنون. ومثل هذا في الاختلاف الحرف الذي فيه هاء التأنيث فعلامة التأنيث إذا وصلته التاء وإذا وقفت ألحقت الهاء أرادوا أن يفرقوا بين هذه التاء والتاء التي هي من نفس الحرف نحو تاء القت وما هو بمنزلة ما هو من نفس الحرف نحو تاء سنبتة وتاء عفريت لأنهم أرادوا أن يلحقوهما ببناء قحطبة وقنديل. وكذلك التاء في بنتٍ وأختٍ لأن الاسمين ألحقا بالتاء ببناء عمرٍ وعدلٍ وفرقوا بينها وبين تاء المنطلقات لأنها كأنها منفصلة من الأول كما أن موت منفصلٌ من حضر في حضرموت. وتاء الجميع أقرب إلى التاء التي هي بمنزلة ما هو من نفس الحرف من تاء طلحة لأن تاء طلحة كأنها منفصلة. وزعم أبو الخطاب أن ناساً من العرب يقولون في الوقف: طلحت كما قالوا في تاء الجميع قولاً وإنما ابتدأت في ذكر هذا لأبين لك المنصرف. فأما في حال الجر والرفع فإنهم يحذفون الياء والواو لأن الياء والواو أثقل عليهم من الألف فإذا كان قبل الياء كسرةٌ وقبل الواو ضمةٌ كان أثقل. وقد يحذفون في الوقف الياء التي قبلها كسرة وهي من نفس الحرف نحو القاض. فإذا كانت الياء هكذا فالواو بعد الضمة أثقل عليهم من الكسرة لأن الياء أخف عليهم من الواو. فلما كان من كلامهم أن يحذفوها وهي من نفس الحرف كانت ههنا يلزمها الحذف إذ لم تكن من نفس الحرف ولا بمنزلة ما هو من نفس الحرف نحو ياء محبنطٍ ومجعبٍ. فأما الألف فليست كذلك لأنها أخف عليهم. ألا تراهم يفرون إليها في مثنى ونحوه ولا يحذفونها في وقف. ويقولون في فخذٍ: فخذٌ وفي رسلٍ: رسلٌ ولا يخففون الجمل لأن الفتحة أخف عليهم من الضمة والكسرة كما أن الألف أخف عليهم من الياء والواو. وسترى بيان ذلك إن شاء الله. وزعم أبو الخطاب أن أزد السراة يقولون هذا: زيدو وهذا عمرو ومررت بزيدي وبعمري جعلوه قياساً واحداً فأثبتوا الياء والواو كما أثبتوا الألف. المتحركة في الوصل التي لا تلحقها زيادةٌ في الوقف فأما المرفوع والمضموم فإنه يوقف عنده على أربعة أوجه: بالإشمام وبغير الإشمام كما تقف عند المجزوم والساكن وبأن تروم التحريك وبالتضعيف. فأما الذين أشموا فأرادوا أن يفرقوا بين ما يلزمه التحريك في الوصل وبين ما يلزمه الإسكان على كل حال. وأما الذين لم يشموا فقد علموا أنهم لا يقفون أبداً إلا عند حرف ساكن فلما سكن في الوقف جعلوه بمنزلة ما يسكن على كل حال لأنه وافقه في هذا الموضع. وأما الذين راموا الحركة فإنهم دعاهم إلى ذلك الحرص على أن يخرجوها من حال ما لزمه إسكانٌ على كل حال وأن يعلموا أن حالها عندهم ليس كحال ما سكن على كل حال. وذلك أراد الذين أشموا إلا أن هؤلاء أشد توكيداً. وأما الذين ضاعفوا فهم أشد توكيداً أرادوا أن يجيئوا بحرفٍ لا يكون الذي بعده إلا متحركاً لأنه لا يلتقي ساكنان. فهؤلاء أشد مبالغةً وأجمع لأنه لو لم تشم كنت قد أعلمت أنها متحركة في غير الوقف. ولهذا علاماتٌ. فللإشمام نقطةٌ وللذي أجري مجرى الجزم والإسكان الخاء ولروم الحركة خطٌّ بين يدي الحرف وللتضعيف الشين. فالإشمام قولك: هذا خالد وهذا فرج وهو يجعل. وأما الذي أجري مجرى الإسكان والجزم فقولك: مخلد وخالد وهو يجعل. وأما الذين راموا الحركة فهم الذين قالوا: هذا عمر وهذا أحمد كأنه يريد رفع لسانه. حدثنا بذلك عن العرب الخليل وأبو الخطاب. وحدثنا الخليل عن العرب أيضاً بغير الإشمام وإجراء الساكن. وأما التضعيف فقولك: هذا خالد وهو يجعل وهذا فرج. حدثنا بذلك الخليل عن العرب. ومن ثم قالت العرب في الشعر في القوافي سبسباً يريد: السبسب وعيهل يريد: العيهل لأن التضعيف لما كان في كلامهم في الوقف أتبعوه الياء في الوصل والواو على ذلك. كما يلحقون الواو والياء في القوافي فيما لا يدخله ياءٌ ولا واوٌ في الكلام وأجروا الألف مجراهما لأنها شيركتهما في القوافي ويمد بها في غير موضع التنوين ويلحقونها في التنوين فألحقوها بهما فيما ينون في الكلام وجعلوا سبسب كأنه مما لا تلحقه الألف في النصب إذا وقفت. قال رجلٌ من بني أسدٍ: وقال رؤبة: لقد خشيت أن أرى جدبا في عامنا ذا بعد ما أخصبا أراد: جدباً. وقال رؤبة: بدءٌ يحب الخلق الأضخما فعلوا هذا إذ كان من كلامهم أن يضاعفوا. فإن كان الحرف الذي قبل آخر حرفٍ ساكناً لم يضعفوا نحو عمرٍو وزيدٍ وأشباه ذلك لأن الذي قبله لا يكون ما بعده ساكناً لأنه ساكن. وقد يسكن ما بعد ما هو بمنزلة لام خالد وراء فرج فلما كان مثل ذلك يسكن ما بعده ضاعفوه وبالغوا لئلا يكون بمنزلة ما يلزمه السكون. ولم يفعلوا ذلك بعمرٍو وزيدٍ لأنهم قد علموا أنه لا تسكن أواخر هذا الضرب من كلامهم وقبله ساكن ولكنهم يشمون ويرومون الحركة لئلا يكون بمنزلة الساكن الذي يلزمه السكون. وقد يدعون الإشمام وروم الحركة أيضاً كما فعلوا بخالد ونحوه. وأما ما كان في موضع نصب أو جرٍّ فإنك تروم فيه الحركة وتضاعف وتفعل فيه ما تفعل بالمجزوم على كل حال وهو أكثر في كلامهم. وأما الإشمام فليس إليه سبيل وإنما كان ذا في الرفع لأن الضمة من الواو فأنت تقدر أن تضع لسانك في أي موضع من الحروف شئت ثم تضم شفتيك لأن ضمك شفتيك كتحريكك بعض جسدك وإشمامك في الرفع للرؤية وليس بصوتٍ للأذن. ألا ترى أنك لو قلت هذا معن فأشممت كانت عند الأعمى بمنزلتها إذا لم تشمم فأنت قد تقدر على أن تضع لسانك موضع الحرف قبل تزجية الصوت ثم تضم شفتيك ولا تقدر على أن تفعل ذلك ثم تحرك موضع الألف والياء. فالنصب والجر لا يوافقان الرفع في الإشمام. وهو قول العرب ويونس والخليل. فأما فعلك بهما كفعلك بالمجزوم على كل حال فقولك: مررت بخالدٍ ورأيت الحارث. وأما روم الحركة فقولك: رأيت الحارث ومررت بخالد. وإجراؤه كإجراء المجزوم أكثر كما أن الإشمام وإجراء الساكن في الرفع أكثر لأنهم لايسكنون إلا عند ساكنٍ فلا يريدون أن يحدثوا فيه شيئاً سوى ما يكون في الساكن. وأما التضعيف فهو قولك: مررت بخالدٍ ورأيت أحمد. وحدثني من أثق به أنه سمع عربياً يقول: أعطني أبيضه يريد: أبيض وألحق الهاء كما ألحقها في: هنه وهو يريد: هن.

باب الساكن الذي يكون قبل آخر الحروف

وذلك قول بعض العرب: هذا بكر ومن بك. ولم يقولوا: رأيت البكر لأنه في موضع التنوين وقد يلحق ما يبين حركته. والمجرور والمرفوع لا يلحقهما ذلك في كلامهم. ومن ثم قال الراجز - بعض السعديين: أنا ابن ماوية إذ جد النقر أراد: النقر إذا نقر بالخيل. ولا يقال في الكلام إلا النقر في الرفع وغيره. وقالوا: هذا عدل وفسل فأتبعوها الكسرة الأولى ولم يفعلوا ما فعلوا بالأول لأنه ليس من كلامهم فعل فشبهوها بمنتنٍ أتبعوها الأول. وقالوا: في البسر ولم يكسروا في الجر لأنه ليس في الأسماء فعل فأتبعوها الأول وهم الذين يخففون في الصلة البسر. وقالوا: رأيت العكم فلم يفتحوا الكاف كما لم يفتحوا كاف البكر وجعلوا الضمة إذ كانت قبلها بمنزلتها إذا كانت بعدها وهو قولك: رأيت الجحر. وإنما فعلوا ذلك في هذا لأنهم لما جعلوا ما قبل الساكن في الرفع والجر مثله بعده صار في النصب كأنه بعد الساكن. ولا يكون هذا في زيد وعون ونحوهما لأنهما حرفا مدٍّ فهما يحتملان ذلك كما احتملا أشياء في القوافي لم يحتملها غيرهما وكذلك الألف. ومع هذا كراهية الضم والكسر في الياء والواو واعلم أن من الحروف حروفاً مشربة ضعطت من مواضعها فإذا وقفت خرج معها من الفم صويتٌ ونبا اللسان عن موضعه وهي حروف القلقلة وستبين أيضاً في الإدغام إن شاء الله. وذلك القاف والجيم والطاء والدال والباء. والدليل على ذلك أنك تقول: الحذق فلا تستطيع أن تقف إلا مع الصويت لشدة ضغط الحرف. وبعض العرب أشد صوتاً كأنهم الذين يرومون الحركة. ومن المشربة حروفٌ إذا وقفت عندها خرج معها نحو النفخة ولم تضغط ضغط الأولى وهي الزاي والظاء والذال والضاد لأن هذه الحروف إذا خرجت بصوت الصدر انسل آخره وقد فتر من بين الثنايا لأنه يجد منفذاً فتسمع نحو النفخة. وبعض العرب أشد صوتاً وهم كأنهم الذين يرومون الحركة. والضاد تجد المنفذ من بين الأضراس وستبين هذه الحروف أيضاً في باب الإدغام إن شاء الله. وذلك قولك: هذا نشز وهذا خفض. وأما الحروف المهموسة فكلها تقف عندها مع نفخٍ لأنهن يخرجن مع التنفس لا صوت الصدر وإنما تنسل معه. وبعض العرب أشد نفخاً كأنهم الذين يرومون الحركة فلابد من النفخ لأن النفس تسمعه كالنفخ. ومنها حروفٌ مشربة لا تسمع بعدها في الوقف شيئاً مما ذكرنا لأنها لم تضغط ضغط القاف ولا تجد منفذاً كما وجد في الحروف الأربعة. وذلك اللام والنون لأنهما ارتفعتا عن الثنايا فلم تجدا منفذاً. وكذلك الميم لأنك تضم شفتيك ولا تجافيهما كما جافيت لسانك في الأربعة حيث وجدن المنفذ. وكذلك العين والغين والهمزة لأنك لو أردت النفخ من مواضعها لم يكن كما لا يكون من مواضع اللام والميم وما ذكرت لك من نحوهما. ولو وضعت لسانك في مواضع الأربعة لاستطعت النفخ فكان آخر الصوت حين يفتر نفخاً. والراء نحو الضاد. واعلم أن هذه الحروف التي يسمع معها الصوت والنفخة في الوقف لا يكونان فيهن في الوصل إذا سكن لأنك لا تنتظر أن ينبو لسانك ولا يفتر الصوت حتى تبتدىء صوتاً. وكذلك المهموس لأنك لا تدع صوت الفم يطول حتى تبتدىء صوتاً. وذلك قولك: أيقظ عميراً وأخرج حاتماًن وأحرز مالاً وأفرش خالداً وحرك عامراًز وإذا وقفت في المهموس والأربعة قلت: أفرش وأحبس فمددت وسمعت النفخ فتفطن. وكذلك: الفظ وخ فنفخت فتفطن فإنك ستجده كذلك إن شاء الله. ولا يكون شيء من هذه الأشياء في الوصل نحو أذهب زيداً وخذهما واحرسهما كما لا يكون في المضاعف في الحرف الأول إذا قلت: أحدٌ ودق ورش. وهذه الحروف غير مهموسات وهي حروف لينٍ ومدٍّ ومخارجها متسعة لهواء الصوت وليس شيء من الحروف أوسع مخارج منها ولا أمد للصوت فإذا وقفت عندها لم تضمها بشفةٍ ولا لسانٍ ولا حلقٍ كضم غيرها فيهوي الصوت إذا وجد متسعاً حتى ينقطع آخره في موضع الهمزة. وإذا تفطنت وجدت مس ذلك. وذلك قولك: ظلموا ورموا وعمى وحبلى. وزعم الخليل أنهم لذلك قالوا: ظلموا ورموا فكتبوا بعد الواو ألفاً. وزعم الخليل أن بعضهم يقول: رأيت رجلاً فيهمز وهذه حبلأ وتقديرهما: رجلع وحبلع فهمز لقرب الألف من الهمزة حيث علم أنه سيصير إلى موضع الهمزة فأراد أن يجعلها همزة واحدة وكان أخف عليهم. وسمعناهم يقولون: هو يضر بهأ فيهمز كل ألف في الوقف كما يستخفون في الإدغام فإذا وصلت لم يكن هذا لأن أخذك في ابتداء صوت آخر يمنع الصوت أن يبلغ تلك الغاية في السمع.

باب الوقف في الهمز

أما كل همزة قبلها حرفٌ ساكن فإنه يلزمها في الرفع والجر والنصب ما يلزم الفرع من هذه المواضع التي ذكرت لك من الإشمام وروم الحركة ومن إجراء الساكن. وذلك قولهم: هو واعلم أن ناساً من العرب كثيراً ما يلقون على الساكن الذي قبل الهمزة حركة الهمزة سمعنا ذلك من تميم وأسدٍ يريدون بذلك بيان الهمزة وهو أبين لها إذا وليت صوتاً والساكن لا ترفع لسانك عنه بصوت لو رفعت بصوتٍ حركته فلما كانت الهمزة أبعد الحروف وأخفاها في الوقف حركوا ما قبلها ليكون أبين لها. وذلك قولهم: هو الوثؤ ومن الوثىء ورأيت الوثأ. وهو البطؤ ومن البطىء ورأيت البطأ. وهو الردؤ وتقديرها الردع ومن الردىء ورأيت الردأ. يعني بالردء الصاحب. وأما ناسٌ من بني تميم فيقولون هو الردىء كرهوا الضمة بعد الكسرة لأنه ليس في الكلام فعل فتنكبوا هذا اللفظ لاستنكار هذا في كلامهم. وقالوا: رأيت الردىء ففعلوا هذا في النصب كما فعلوا في الرفع أرادوا أن يسووا بينهما. وقالوا: من البطؤ لأنه ليس في الأسماء فعل. وقالوا: رأيت البطؤ أرادوا أن يسووا بينهما. ولا أراهم إذ قالوا: من الردىء وهو البطؤ إلا يتبعونه الأول وأرادوا أن يسووا بينهن إذ أجرين مجرىً واحداً وأتبعوه الأول كما قالوا: رد وفر. ومن العرب من يقول: هو الوثو فيجعلها واواً حرصاً على البيان. ويقول من الوثىء فيجعلها ياءً ورأيت الوثا. يسكن الثاء في الرفع والجر وهو في النصب مثل القفا. وأما من لم يقل من البطىء ولا هو الردؤ فإنه ينبغي لمن اتقى ما اتقوا أن يلزم الواو والياء. وإذا كان الحرف قبل الهمزة متحركاً لزم الهمزة ما يلزم النطع من الإشمام وإجراء المجزوم وروم الحركة. وكذلك تلزمها هذه الأشياء إذا حركت الساكن قبلها الذي ذكرت لك وذلك قولك هو الخطأ وهو الخطأ وهو الخطأ. ولم نسمعهم ضاعفوا لأنهم لا يضاعفون الهمزة في آخر الحروف في الكلام فكأنهم تنكبوا التضعيف في الهمز لكراهية ذلك. فالهمزة بمنزله ما ذكرنا من غير المعتل إلا في القلب والتضعيف. ومن العرب من يقول: هذا هو الكلو حرصاً على البيان كما قالوا: الوثو. ويقول: من الكلى يجعلها ياء كما قالوا من الوثى: ويقول: رأيت الكلا ورأيت الحبا يجعلها ألفاً كما جعلها في الرفع واواً وفي الجر ياءً. وكما قالوا الوثا وحركت الثاء لأن الألف لابد لها من حرف قبلها مفتوح. وهذا وقف الذين يحققون الهمزة. فأما الذين لا يحققون الهمزة من أهل الحجاز فقولهم: هذا الخبا في كل حال لأنها همزة ساكنة قبلها فتحة فإنما هي كألف راسٍ إذا خففت. ولا تشم لأنها ألف كألف مثنى. ولو كان ما قبلها مضموماً لزمها الواو نحو أكمو. ولو كان مكسوراً لزمت الياء نحو أهنى وتقديرها أهنع فإنما هذا بمنزلة جونةٍ وذيبٍ. ولا إشمام في هذه الواو لأنها كواو يغزو. وإذا كانت الهمزة قبلها ساكنٌ فخففت فالحذف لازم. ويلزم الذي ألقيت عليه الحركة ما يلزم سائر الحروف غير المعتلة من الإشمام وإجراء الجزم وروم الحركة والتضعيف. وذلك قولهم: هذا الوث ومن الوث ورأيت الوث والخب ورأيت الخب وهو الخب ونحو ذلك.

باب الساكن الذي تحركه في الوقف

إذا كان بعده هاء المذكر الذي هو علامة الإضمار ليكون أبين لها كما أردت ذلك في الهمزة وذلك قولك: ضربته واضربه وقده ومنه وعنه. سمعت ذلك من العرب ألقوا عليه حركة الهاء حيث حركوا لتبيانها. قال الشاعر وهو زيادٌ الأعجم: عجبت والدهر كثيرٌ عجبه ** من عنزيٍّ سبى لم أضربه وقال أبو النجم: فقربن هذا وهذا أزحله وسمعنا بعض بني تميم من بني عديٍّ يقولون: قد ضربته وأخذته كسروا حيث أرادوا أن يحركوها لبيان الذي بعدها لا لإعراب يحدثه شيءٌ قبلها كما حركوا بالكسر إذا وقع بعدها ساكنٌ يسكن في الوصل فإذا وصلت أسكنت جميع هذا لأنك تحرك الهاء فتبين وتتبعها واواً كما أنك تسكن في الهمزة إذا وصلت فقلت: هذا وثءٌ كما ترى لأنها تبين. وكذلك قد ضربته فلانة وعنه أخذت فتسكن كما تسكن إذا قلت: عنها أخذت. وفعلوا هذا بالهاء لأنها في الخفاء نحو الهمزة.

باب الحرف الذي تبدل مكانه في الوقف

حرفا أبين منه يشبهه لأنه خفيٌّ وكان الذي يشبهه أولى كما أنك إذا قلت: مصطفين جئت بأشبه الحروف بالصاد من موضع التاء لا من موضع آخر وذلك قول بعض العرب في أفعى: هذه أفعى وفي حبلى: هذه حبلى وفي مثنى: هذا مثنى. فإذا وصت صيرتها ألفاً. وكذلك كل ألفٍ في آخر الاسم. حدثنا الخليل وأبو الخطاب أنها لغةٌ لفزارة وناسٍ من قيس وهي قليلة. فأما الأكثر الأعرف فأن تدع الألف وفي الوقف على حالها ولا تبدلها ياءً. وإذا وصلت استوت اللغتان لأنه إذا كان بعدها كلام كان أبين لها منها إذا سكت عندها فإذا استعملت الصوت كان أبين. وأما طيىءٌ فزعموا أنهم يدعونها في الوصل على حالها في الوقف لأنها خفية لا تحرك قريبةٌ من حدثنا بذلك أبو الخطاب وغيره من العرب وزعموا أن بعض طيىءٍ يقول: أفعو لأنها أبين من الياء ولم يجيئوا بغيرها لأنها تشبه الألف في سعة المخرج والمد ولأن الألف تبدل مكانها كما تبدل مكان الياء وتبدلان مكان الألف أيضاً وهن أخواتٌ. ونحو ما ذكرنا قول بني تميم في الوقف: هذه فإذا وصلوا قالوا: هذي فلانة لأن الياء خفية فإذا سكت عندها كان أخفى. والكسرة مع الياء أخفى فإذا خفيت الكسرة ازدادت الياء خفاءً كما ازدادت الكسرة فأبدلوا مكانها حرفاً من موضع أكثر الحروف بها مشابهةً وتكون الكسرة معه أبين. وأما أهل الحجاز وغيرهم من قيس فألزموها الهاء في الوقف وغيره كما ألزمت طيىءٌ الياء. وهذه الهاء لا تطرد في كل ياءٍ هكذا وإنما هذا شاذٌّ ولكنه نظير للمطرد الأول. وأما ناس من بني سعدٍ فإنهم يبدلون الجيم مكان الياء في الوقف لأنها خفية فأبدلوا من موضعها أبين الحروف وذلك قولهم: هذا تميمج يريدون: تميميٌّ وهذا علج يريدون: عليٌّ. وسمعت بعضهم يقول: عربانج يريد: عربانيٌّ. وحدثني من سمعهم يقولون: خالي عويفٌ وأبو علج المطعمان الشحم بالعشج وبالغداة فلق البرنج

باب ما يحذف من أواخر الأسماء في الوقف

وهي الياءات وذلك قولك: هذا قاض وهذا غاز وهذا عم تريد العمى. أذهبوها في الوقف كما ذهبت في الوصل ولم يريدوا أن تظهر في الوقف كما يظهر ما يثبت في الوصل. فهذا الكلام الجيد الأكثر. وحدثنا أبو الخطاب ويونس أن بعض من يوثق بعربيته من العرب يقول: هذا رامي وغازي وعمي أظهروا في الوقف حيث صارت في موضع غير تنوين لأنهم لم يضطروا ههنا إلى مثل ما اضطروا إليه في الوصل من الاستثقال. فإذا لم يكن في موضع تنوين فإن البيان أجود في الوقف. وذلك قولك: هذا القاضي وهذا العمي لأنها ثابتة في الوصل. ومن العرب من يحذف هذا في الوقف شبهوه بما ليس فيه ألف ولام إذ كانت تذهب الياء في الوصل في التنوين لو لم تكن الألف واللام. وفعلوا هذا لأن الياء مع الكسرة تستثقل كما تستثقل الياءات فقد اجتمع الأمران. ولم يحذفوا في الوصل في الألف واللام لأنه لم يلحقه في الوصل ما يضطره إلى الحذف كما لحقه وليست فيه ألفٌ ولام وهو التنوين لأنه لا يلتقي ساكنان. وكرهوا التحريك لاستثقال ياءٍ فيها كسرةٌ بعد كسرة ولكنهم حذفوا في الوقف في الألف واللام إذ كانت تذهب وليس في الاسم ألف ولام كما حذفوا في الوقف ما ليس فيه ألف ولام إذ لم يضطرهم إلى حذفه ما اضطرهم في الوصل. وأما في حال النصب فليس إلا البيان لأنها ثابتة في الوصل فيما ليست فيه ألفٌ ولامٌ. ومع هذا أنه لما تحركت الياء أشبهت غير المعتل وذلك قولك: رأيت القاضي. وقال الله عز وجل: " كلا إذا بلغت التراقي ". وتقول: رأيت جواري لأنها ثابتة في الوصل متحركة. وسألت الخليل عن القاضي في النداء فقال: أختار يا قاضي لأنه ليس بمنون كما أختار هذا القاضي. وأما يونس فقال: يا قاض. وقول يونس أقوى لأنه لما كان من كلامهم أن يحذفوا في غير النداء كانوا في النداء أجدر لأن النداء موضع حذفٍ يحذفون التنوين ويقولون: يا حار ويا صاح ويا غلام أقبل. وقالا في مرٍ إذا وقفا: هذا مري كرهوا أن يخلوا بالحرف فيجمعوا عليه ذهاب الهمزة والياء فصار عوضاً. يريد مفعلٌ من رأيت. وأما الأفعال فلا يحذف منها شيءٌ لأنها لا تذهب في الوصل في حال وذلك: لا أقضي وهو يقضي ويغزو ويرمي. إلا أنهم قالوا: لا أدر في الوقف لأنه كثر في كلامهم فهو شاذٌّ. كما قالوا لم يك شبهت النون بالياء حيث سكنت. ولا يقولون لم يك الرجل لأنها في موضع تحركٍ فلم يشبه بلا أدر فلا تحذف الياء إلا في: لا أدر وما أدر. وجميع ما لا يحذف في الكلا وما يختار فيه أن لا يحذف يحذف في الفواصل والقوافي. فالفواصل قول الله عز وجل: " والليل إذا يسر " " وما كنا نبغ " و " يوم التناد " و " الكبير المتعال ". والأسماء أجدر أن تحذف إذ كان الحذف فيها في غير الفواصل والقوافي. وأما القوافي فنحو قوله - وهو زهير: وأراك تفرى ما خلقت وبع ض القوم يخلق ثم لا يفر وإثبات الياءات والواوات أقيس الكلامين. وهذا جائز عربيٌّ كثير.