الرئيسيةبحث

إعلام الموقعين/الجزء الخامس


☰ جدول المحتويات


فوائد تتعلق بالفتوى

ولنختم الكتاب بفوائد تتعلق بالفتوى.

أربعة أنواع للأسئلة

الفائدة الأولى: أسئلة السائلين لاتخرج عن أربعة أنواع لا خامس لها الأول أن يسأل عن الحكم فيقول ما حكم كذا وكذا الثاني أن يسأل عن دليل الحكم الثالث أن يسأل عن وجه دلالته الرابع أن يسأل عن الجواب عن معارضيه.

فإن سأل الحكم فللمسئول حالتان إحداهما أن يكون عالما به والثانية أن يكون جاهلا به حرم عليه الإفتاء بلا علم فإن فعل فعليه إثمة وإثم المستفتى فإن كان يعرف في المسألة ما قاله الناس ولم يتبين له الصواب من أقوالهم فله أن يذكر له ذلك فيقول فيها اختلاف بين العلماء ويحكيه إن أمكنه للسائل وإن كان عالما بالحكم فللسائل حالتان إجداهما أن يكون قد حضره وقت العمل احتاج إلى السؤال فيجب على المفتي المبادرة على الفور إلى جوابه فلا يجوز له تأخير بيان الحكم له عن وقت الحاجة والحالة الثانية أن يكون قد سأل عن الحادثة قبل وقوعها فهذا لا يجب على المفتي أن يجيبه عنها وقد كان السلف الطيب إذا سئل أحدهم عن مسألة يقول للسائل هل كانت أو وقعت فإن قال لا لم يجبه وقال دعنا في عافية وهذا لأن الفتوى بالرأي لا تجوز إلاعند الضرورة تبيحه كما تبيح الميتة عند الاضطرار وهذا إنما هو في مسألة لا نص فيها ولا إجماع فإن كان فيها نص أو إجماع فعليه تبلغيه بحسب الإمكان فمن سئل عن علم فكتمه ألجمة الله يوم القيامة بلجام من نار هذا إذا أمن المفتى غائله الفتوى فإن لم يأمن غائلتها وخاف من ترتب شر أكثر من الإمساك عنها امسك عنها ترجيحا لدفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما وقد أمسك النبي ﷺ عن نقص الكعبة وإعادتها على قواعد إبراهيم لأجل حدثان عهد قريش بالإسلام وأن ذلك ربما نفرهم عنه بعد الدخول فيه وكذلك إن كان عقل السائل لا يحتمل الجواب عما سأل عنه وخاف المسئول إن يكون فتنة له أمسك عن جوابه قال ابن عباس رضي الله عنه لرجل سأله عن تفسير آية وما يؤمنك أني لو أخبرتك يتفسيرها كفرت به أي جحدته وأنكرته وكفرت به ولم يرد أنك تكفر بالله ورسوله.

يجوز للمفتي أن يعدل عن السؤال إلى ما هو أنفع

الفائدة الثانية: يجوز للمفتي أن يعدل عن جواب المستفتي عما سأله عنه إلى ما هو انفع له منه ولا سيما إذا تضمن ذلك بيان ما سأل عنه وذلك من كمال علم المفتى وفقهه ونصحه وقد قال تعالى: {يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} فسألوه عن المنفق فأجابهم بذكر المصرف إذ هو أهم مما سألوه عنه ونبههم عليه بالسياق مع ذكره لهم في موضع آخر وهو قوله تعالى: {قُلِ الْعَفْوَ} وهو ما سهل عليهم إنفاقه ولا يضرهم إخراجه وقد ظن بعضهم ان من ذلك قوله تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ} فسألوه عن سبب ظهور الهلال خفيا ثم لا يزال يتزايد فيه النور على التدريج حتى يكمل ثم يأخذ في النقصان فأجابهم عن حكمة ذلك من ظهور مواقيت الناس التي بها تمام مصالحهم في أحوالهم ومعاشهم ومواقيت اكبر عبادتهم وهو الحج وإن كانوا قد سألوا عن السبب فقد اجيبوا بما هو أنفع لهم مما سألوا عنه وإن كانوا إنما سألوا عن حكمة ذلك فقد اجيبوا عن عين ما سالوا عنه ولفظ سؤالهم محتمل فإنهم قالوا ما بال الهلال يبدو دقيقا ثم ياخذ في الزيادة حتى يتم ثم يأخذ في النقص؟

يجوز للمفتي أن يجيب بأكثر مما سئل

الفائدة الثالثة يجوز للمفتى ان يجيب السائل بأكثر مما سأله عنه وهو من كمال نصحه وعلمه وإرشاده ومن عاب ذلك فلقلة علمه وضيق عطنه وضعف به منعهما من ذلك وامر محمية بن جزو وكان على الخمس ان يعطيهما ما ينكحان به فمنعهما من الطريق المحرم وفتح لهما الطريق المباح وهذا اقتداء منه بربه تبارك وتعالى فإنه يساله عبده الحاجة فيمنعه إياها ويعطيه ما أصلح له وانفع منها وهذا غاية الكرم والحكمة.

تنبيه السائل إلى ما يرفع الوهم

الفائدة الخامسة: إذا أفتى المفتى للسائل بشئ ينبغي له ان ينبهه على وجه الاحتراز مما قد يذهب إليه الوهم منه من خلاف الصواب وهذا باب لطيف من أبواب العلم والنصح والارشاد ومثال هذا قوله ﷺ: "لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده" فتأمل كيف أتبع الجملة الأولى بالثانية رفعا لتوهم إهدار دماء الكفار مطلقا وإن كانوا في عهدهم فإنه لما قال لا يقتل مؤمن بكافر فربما ذهب الوهم إلى ان دماءهم هدر ولهذا لو قتل احدهم مسلم لم يقتل به فرفع هذا التوهم بقوله ولا ذو عهد في عهده ولقد خفيت هذه اللطيفة الحسنة على من قال يقتل المسلم بالكافر المعاهد وقدر في الحديث ولا ذو عهد في عهده بكافر ومنه قوله ﷺ: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا اليها" فلما كان نهيه عن الجلوس عليها نوع تعظيم لها عقبه بالنهي عن المبالغة في تعظيمها حتى تجعل قبلة وهذا بعينه مشتق من القرآن كقوله تعالى لنساء نبيه: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} فنهاهن عن الخضوع بالقول فربما ذهب الوهم إلى الاذن في الاغلاظ في القول والتجاوز فرفع هذا التوهم بقوله: {وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} ومن ذلك قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} لما أخبر سبحانه بإلحاق الذرية ولا عمل لهم بآبائهم في الدرجة فربما توهم متوهم ان يحط الآباء إلى درجة الذرية فرفع هذا التوهم بقوله وما ألتناهم من عملهم من شئ أي ما نقصنا من الاباء شيئا من أجور اعمالهم بل رفعنا ذريتهم إلى درجتهم ولم نحطهم إلى درجتهم بنقص أجورهم ولما كان الوهم قد يذهب إلى انه يفعل ذلك بأهل النار كما يفعله بأهل الجنة قطع هذا الوهم بقوله تعالى: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} ومن هذا قوله تعالى: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا} وله كل شئ فلما كان ذكر ربوبيته البلدة الحرام قد يوهم الاختصاص عقبه بقوله وله كل شئ ومن ذلك قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} فلما ذكر كفايته للمتوكل عليه فربما اوهم ذلك تعجيل الكفاية وقت التوكل فعقبه بقوله قد جعل الله لكل شئ قدرا أي وقتا لا يتعداه فهو يسوقه إلى وقته الذي قدره له فلا يستعجل المتوكل ويقول قد توكلت ودعوت فلم أر شيئا ولم تحصل لي الكفاة فالله بالغ أمره في وقته الذي قدره له وهذا كثي جدا في القرآن والسنة وهو باب لطيف من أبواب فهم النصوص.

يجب على المفتي أن يذكر دليل الحكم

الفائدة السادسة: ينبغي للمفتى ان يذكر دليل الحكم ومأخذه ما أمكنه من ذلك ولا يلقيه إلى المستفتى ساذجا مجردا عن دليله ومأخذه فهذا لضيق عطنه وقلة بضاعته من العلم ومن تأمل فتاوي النبي ﷺ الذي قوله حجة بنفسه رآها مشتملة على التنبيه على حكمة الحكم ونظيره ووجه مشروعيته وهذا كما سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال اينقص الرطب إذا جف قالوا نعم فزجر عنه ومن المعلوم انه كان يعلم نقصانه بالجفاف ولكن نبههم على علة التحريم وسببه ومن هذا قوله لعمر وقد سأله عن قبلة امرأته وهو صائم فقال أرأيت لو تمضمضت ثم مججته أكان يضر شيئا قال لا فنبه على أن مقدمة المحظور لا يلزم ان تكون محظورة فإن غاية القبة أنها مقدمة الجماع فلا يلزم من تحريمه تحريم مقدمته كما أن وضع الماء في الفم مقدمة شربه وليست المقدمة محرمة ومن هذا قوله ﷺ: "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم" فذكر لهم الحكم ونبههم على علة التحريم ومن ذلك قوله لابي النعمان بن بشير وقد خص بعض ولده بغلام نحله إياه فقال ايسرك أن يكونوا لك في البر سواء قال نعم قال فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم وفي لفظ إن هذا لا يصلح وفي لفظ إنى لا أشهد على جور وفي لفظ أشهد على هذا غيري تهديدا لا إذنا فإنه لا يأذن في الجور قطعا وفي لفظ رده والمقصود أنه نبهه على علة الحكم ومن هذا قوله ﷺ لرافع بن خديج وقد قال له: "إنا لاقو العدو غدا وليس معنا مدى أفنذبح بالقصب فقال: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ليس السن والظفر وسأحدثك عن ذلك أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة" فنبه على علة المنع من التذكية بهما بكون أحدهما عظماء وهذا تنبيه على عدم التذكية بالعظام إما لنجاسة بعضها وإما لتنجيسه على مؤمني الجن ولكون الاخر مدى الحبشه ففي التذكية بها تشبه بالكفار ومن ذلك قوله إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الانسية فإنها رجس ومن ذلك قوله في الثمرة تصيبها الجائحة أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأكل أحدكم مال أخيه بغير حق وهذا التعليل بعينه ينطبق على من استأجر أرضا للزراعة فأصاب الزرع آفة سماوية لفظا ومعنى فيقال للمؤجر ارأيت إن منع الله الزرع فبم تأكل مال اخيك بغير حق وهذا هو الصواب الذي ندين الله به في المسألة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.

والمقصود أن الشارع مع كون قوله حجة بنفسه يرشد الأمة إلى علل الاحكام ومداركها وحكمها فورثته من بعده كذلك ومن ذلك نهيه عن الخذف وقال إنه يفقأ العين ويكسر السن ومن ذلك إفتاؤه للعاض يد غيره بإهدار دية ثنيته لما سقطت بانتزاع المعضوض يده من فيه ونيه على العلة بقوله ايدع يده في فيك تقضمها كما يقضم الفحل وهذا من أحسن التعليل وابينه فإن العاض لما صال على المعضوض جاز له ان يرد صياله عنه بانتزاع يده من فمه فإذا أدى ذلك إلى إسقاط ثناياه كان سقوطها بفعل مأذون فيه من الشارع فلا يقابل بالدية وهذا كثير جدا في السنة فينبغي للفتى ان ينبه السائل على علة الحكم ومأخذه ان عرف ذلك والا حرم عليه ان يفتي بلا علم وكذلك احكام القران يرشد سبحانه فيها إلى مداركها وعللها كقوله ويسالونك عن المحيض قل هو اذى فاعتزلوا النساء في المحيض فأمر سبحانه نبيه ان يذكر لهم علة الحكم قبل الحكم وكذلك قوله {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} وكذلك قوله {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم} وقال في جزاء الصيد {ليذوق وبال أمره}.

التمهيد للحكم المستغرب

الفائدة السابعة إذا كان الحكم مستغربا جدا مما لم تألفه النفوس وإنما الفت خلافه فينبغي للمفتي ان يوطئ قبله ما يكون مؤذنا به كالدليل عليه والمقدمة بين يديه فتأمل ذكره سبحانه قصة زكريا وإخراج الولد منه بعد انصرام عصر الشبيبة وبلوغه السن الذي لا يولد فيه لمثله في العادة فذكر قصته مقدمة بين يدي قصة المسيح وولادته من غير أب فإن النفوس لما آنست بولد من بين شيخين كبيرين لا يولد لهما عادة سهل عليها التصديق بولادة ولد من غير أب وكذلك ذكر سبحانه قبل قصة المسيح موافاة مريم رزقها في غير وقته وغير إبانه وهذا الذي شجع نفس زكريا وحركها لطلب الولد وإن كان في غير إبانه وتأمل قصة نسخ القبلة لما كانت شديدة على النفوس جدا كيف يجوز للمفتي والمناظر ان يحلف على ثبوت الحكم عنده.

الفائدة الثامنة: يجوز للمفتي والمناظر ان يحلف على ثبوت الحكم عنده وإن لم يكن حلفه موجبا لثبوته عند السائل والمنازع ليشعر السائل والمنازع له انه على ثقة ويقين مما قال له وانه غير شاك فيه فقد تناظر رجلان في مسألة فحلف أحدهما على ما يعتقده فقال له منازعه لا يثبت الحكم بحلفك فقال إنى لم أحلف ليثبت الحكم عندك ولكن لأعلمك انى على يقين وبصيره من قولى وأن شبهتك لا تغير عندي في وجه يقيني بما أنا جازم به. وقد أمر الله نبيه ﷺ ان يحلف على ثبوت الحق الذي جاء به في ثلاثة مواضع من كتابه أحدها قوله تعالى: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ} والثاني قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ} والثالث قوله تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} وقد اقسم النبي ﷺ على ما أخبر به من الحق في أكثر من ثمانين موضعا وهي موجودة في الصحاح والمسانيد.

وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يحلفون على الفتاوي والرواية فقال علي بن أبي طالب كرم الله وجه لابن عباس في متعة النساء إنك امرؤ تائه فانظر ما تفتي به في متعة النساء فوالله واشهد بالله لقد نهى عنها رسول الله ﷺ ولما ولى عمر رضي الله عنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: "يا أيها الناس إن رسول الله ﷺ أحل المتعة ثلاثا ثم حرمها ثلاثا فأنا أقسم بالله قسما لا أجد أحدا من المسلمين متمتعا إلا رجمته إلا أن يأتي بأربعة من المسلمين يشهدون أن رسول الله ﷺ أحلها بعد أن حرمها".

وقد حلف الشافعي في بعض أجوبته فقال محمد بن الحكم: "سألت الشافعي رضي الله عنه عن المتعة كان يكون فيها طلاق أو ميراث أو نفقة أو شهادة فقال: لا والله ما أدري" وقال يزيد بن هارون: "من قال القرآن مخلوق أو شئ منه فهو والله عندي زنديق" وسئل عن حديث جرير في الرؤية فقال: "والله الذي لا إله إلا هو من كذب به ما هم إلا زنادقة".

وأما الإمام أحمد رحمة الله عليه ورضوانه فإنه حلف على عدة مسائل من فتاويه؛ قيل أيزيد الرجل في الوضوء على ثلاث مرات فقال لا والله إلا رجل مبتلى يعنى بالوسواس وسئل عن تخلل الرجل لحيته إذا توضأ فقال إي والله وسئل يكون الرجل في الجهاد بين الصفين يبارز علجا بغير إذن الامام فقال لا والله وقيل له اتكره الصلاة في المقصورة فقال إي والله قلت وهذا لما كانت المقصورة تحمي للامراء وأتباعهم وسئل أيؤجر الرجل على بغض من خالف حديث رسول الله ﷺ فقال: إي والله وسئل من قال: القرآن مخلوق كافر فقال: إي والله وسئل هل صح عندك في النبيذ حديث فقال: والله ما صح عندي حديث واحد إلا على التحريم وسئل أيكره الخضاب بالسوادفقال إي والله وسئل عن الرجل يؤم أباه ويصلي الأب خلفه فقال إي والله وسئل هل يكره النفخ في الصلاة فقال إي والله وسئل عن تزوج الرجل المسلم الأمة من أهل الكتاب فقال لا والله وسئل عن المرأة تستلقي على قفاها وتنام يكره ذلك فقال إي والله وسئل عن الرجل يرهن جاريته فيطؤها وهي مرهونة فقال لا والله وسئل عن حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قضى في رجل استسقى قوما وهو عطشان فلم يسقوه فمات فأغرمهم عمر الدية تقول أنت كذا قال إي والله وسئل عن الرجل إذا حد في القذف ثم قذف زوجته يلاعنها فقال إي والله وسئل أيضرب الرجل رقيقة فقال إي والله ذكر هذه المسائل القاضي أبو علي الشريف. وقال الإمام أحمد في رواية ابنه صالح والله لقد أعطيت المجهود من نفسي ولوددت أني أنجو من هذا الأمر كفافا لا على ولالى وقال في روايته أيضا والله لقد تمنيت الموت في الأمر الذي كان وإني لأتمنى الموت في هذا وهذا فتنة الدنيا.

وقال إسحاق بن منصور لأحمد: يكره الخاتم من ذهب أو حديد؟ فقال: إي والله.

وقال إسحاق أيضا: قلت لأحمد: يؤجر الرجل يأتي أهله وليس له شهوة في النساء؟ فقال إي والله يحتسب الولد وإن لم يرد الولد إلا أنه يقول هذه امرأة شابة. وقال له محمد بن عون يا أبا عبد الله يقولون إنك وقفت على عثمان فقال: "كذبوا والله على وإنما حدثتهم بحديث ابن عمر كنا نفاضل بين أصحاب رسول الله ﷺ نقول أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي فيبلغ ذلك النبي ﷺ فلم ينكره ولم يقل النبي ﷺ لا تخايروا بعد هؤلاء فمن وقف على عثمان ولم يربع بعلي عليه السلام فهو على غير السنة".

وسئل أحمد: هل المقام بالثغر أفضل من المقام بمكة؟ فقال: "إي والله".

وذكر أبو أحمد بن عدي في الكامل أن أيوب بن إسحاق بن سافري قال: سألت أحمد بن حنبل فقلت: يا أبا عبد الله ابن إسحاق إذا انفرد بحديث تقبله فقال: "لا والله إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا".

وقال صالح بن أحمد قلت: لأبي تقتل الحية والعقرب في الصلاة فقال: "إى والله" وقال أيضا: "قلت لأبي تجهر بآمين فقال إى والله الامام وغير الامام" وقال أيضا قلت: لابي يفتح على الامام قال: "إي والله".

وقال الميموني قلت لأحمد: "ونحن نحتاج في رمضان ان نبيت الصوم من الليل فقال: إى والله" وقال الميموني أيضا: "تباع الفرس الحبيس إذا عطبت وإذا فسدت فقال: إى والله" وقال الميموني أيضا قلت لأحمد: "هل ثبت عن النبي ﷺ في العقيقة شئ فأملى على أبي إى والله وفي غير حديث عن النبي ﷺ عن الغلام شاتان مكافيتان وعن الجارية شاة".

وقال إسحاق بن منصور: "قلت لأحمد التسبيح للرجال والتصفيق للنساء قال إى والله" وقال الكوسج أيضا: "قلت لأحمد قال سفيان تجزئه تكبيرة إذا نوى بها افتتاح الصلاة قال أحمد إى والله تجزئه إذا نوى ابن عمر وزيد" وقال أيضا قلت لأحمد المؤذن يجعل أصبعيه في أذنيه قال إى والله وقال أيضا قلت لأحمد سئل سفيان عن امرأة ماتت وفي بطنها ولد يتحرك ما أرى باسا ان يشق بطنها قال أحمد بئس والله ما قال يردد ذلك سبحان الله بئس ما قال وقال أيضا قلت لأحمد تجوز شهادة رجل وامراتين في الطلاق قال لا والله وقال أيضا قلت لأحمد: "المرجئ إذا كان داعيا قال إي والله يجفي ويقصي".

وقال أبو طالب قلت لأحمد رجل قال القرآن كلام الله ليس بمخلوق ولكن لفظي هذا به مخلوق قال: "من قال هذا فقد جاء بالأمر كله إنما هو كلام الله على كل حال والحجة فيه حديث أبي بكر: {الم غُلِبَتِ الرُّومُ}" فقيل له هذا مما جاء به صاحبك فقال: "لا والله ولكنه كلام الله هذا وغيره وإنما هو كلام الله قلت: بسم الله الرحمن الرحيم: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} هذا الذي قرأت الساعة كلام الله" قال: إى والله هو كلام الله ومن قال لفظي بالقرآن مخلوق فقد جاء بالأمر كله".

وقال الفضل بن زياد: "سألت أبا عبد الله عن حديث ابن شبرمة عن الشعبي في رجل نذر ان يطلق امراته فقال له الشعبي: "اوف بنذرك اترى ذلك فقال: لا والله" وقال الفضل أيضا: "سمعت أبا عبد الله وذكر يحيى بن سعيد القطان فقال لا والله ما أدركنا مثله".

وذكر أحمد في رسالته إلى مسدد: ولا عين نظرت بعد النبي ﷺ خيرا من أبي بكر ولا بعد أبي بكر عين نظرت خيرا من عمر ولا بعد عمر عين نظرت خيرا من عثمان ولا بعد عثمان عين نظرت خيرا من علي بن أبي طالب رضي الله عنهم ثم قال أحمد هم والله الخلفاء الراشدون المهديون.

وقال الميموني: "قلت لأحمد جابر الجعفي قال كان يرى التشيع قلت قد يتهم في حديثه بالكذب قال إى والله" قال القاضي: "فإن قيل كيف استجاز الإمام أحمد ان يحلف في مسائل مختلف فيها" قيل: اما مسائل الأصول فلا يسوغ فيها اختلاف فهى إجماع وأما مسائل الفروع فإنه لما غلب على ظنه صحة ذلك حلف عليه كما لو وجد في دفتر أبيه ان له على فلان دينا جاز له ان يدعيه لغلبة الظن بصدقه قلت ويحلف عليه قال فإن قيل اليس قد امتنع من اليمين على إسقاط الشفعة بالجوار قيل لأن اليمين هناك عند الحاكم والنية فيه للخصم قلت ولم يمنع أحمد اليمين لهذا بل شفعه الجوار عنده مما يسوغ القول بها وفيها أحاديث صحاح لا ترد ولهذا اختلف قوله فيها فمرة نفاها ومرة أثبتها ومرة فصل بين أن يشتركا في حقوق الملك كالطريق والماء وغيره وبين ألا يشتركا في شئ من ذلك فلا يثبت.

وهذا هوالصواب الذي لا ريب فيه وبه تجتمع الأحاديث وهو اختيار شيخ الإسلام ومذهب فقهاء البصرة ولا يختار غيره وقد روى أحمد عن جماعة من الصحابة والتابعين انهم حلفوا في الرواية والفتوى وغيرها تحقيقا وتأكيدا للخبر لا إثباتا له باليمين وقد قال تعالى: {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ} وقال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} الآية وقال تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وكذلك اقسم بكلامه كقوله تعالى: {يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ} {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} وأما إقسامه بمخلوقاته التي هي آيات دالة عليه فكثير جدا.

تستحسن الفتوى بلفظ النص

الفائدة التاسعة: ينبغي للمفتي ان يفتي بلفظ النص مهما أمكنه فإنه يتضمن الحكم والدليل مع البيان التام فهو حكم مضمون له الصواب متضمن للدليل عليه في أحسن بيان وقول الفقيه المعين ليس كذلك وقد كان الصحابة والتابعون والأئمة الذين سلكوا على منهاجهم يتحرون ذلك غاية التحري حتى خلفت من بعدهم خلوف رغبوا عن النصوص واشتقوا لهم ألفاظا غير الفاظ النصوص فأوجب ذلك هجر النصوص ومعلوم ان تلك الالفاظ لا تفي بما تفي به النصوص من الحكم والدليل وحسن البيان فتولد من هجران الفاظ النصوص والاقبال على الالفاظ الحادئة وتعليق الاحكام بها على الأمة من الفساد مالا يعلمه إلا الله فألفاظ النصوص عصمة وحجة بريئة من الخطأ والتناقض والتعقيد والاضطراب ولما كانت هي عصمة عهدة الصحابة وأصولهم التي اليها يرجعون كانت علومهم أصح من علوم من بعدهم وخطؤهم فيما اختلفوا فيه أقل من خطأ من بعدهم ثم التابعون بالنسبة إلى من بعدهم كذلك وهلم جرا.

ولما استحكم هجران النصوص عند أكثر أهل الأهواء والبدع كانت علومهم في مسائلهم وادلتهم في غاية الفساد والاضطراب والتناقض.

وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا سئلوا عن مسألة يقولون قال الله كذا قال رسول الله ﷺ كذا أو فعل رسول الله كذا ولا يعدلون عن ذلك ما وجدوا إليه سبيلا قط فمن تامل أجوبتهم وجدها شفاء لما في الصدور فلما طال العهد وبعد الناس من نور النبوة صار هذا عيبا عند المتأخرين ان يذكروا في أصول دينهم وفروعه قال الله وقال رسول الله أما أصول دينهم فصرحوا في كتبهم ان قول الله ورسوله لا يفيد اليقين في مسائل أصول الدين وإنما يحتج بكلام الله ورسوله فيها الحشوية والمجسمة والمشبهة واما فروعهم فقنعوا بتقليد من اختصر لهم بعض المختصرات التي لا يذكر فيها نص عن الله ولا عن رسول الله ﷺ ولا عن الامام الذي زعموا أنهم قلدوه دينهم بل عمدتهم فيما يفتون ويقضون به وينقلون به الحقوق ويبيحون به الفروج والدماء والأموال على قول ذلك المصنف واجلهم عند نفسه وزعيمهم عند بني جنسه من يستحضر لفظ الكتاب ويقول هكذا قال وهذا لفظه فالحلال ما احله ذلك الكتاب والحرام ما حرمه والواجب ما أوجبه والباطل ما أبطله والصحيح ما صححه هذا وانى لنا بهؤلاء في مثل هذه الازمان فقد دفعنا إلى أمر تضج منه الحقوق إلى الله ضجيجا وتعج الفروج والأموال والدماء إلى ربها عجيجا تبدل فيه الاحكام ويقلب فيه الحلال بالحرام ويجعل المعروف فيه اعلى مراتب المنكرات والذي لم يشرعه الله ورسوله من أفضل القربات الحق فيه غريب وأغرب منه من يعرفه وأغرب منهما من يدعو إليه وينصح به نفسه والناس قد فلق بهم فالق الاصباح صبحه عن غياهب الظلمات وابان طريقة المستقيم من بين تلك الطرق الجائرات واراه بعين قلبه ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه مع ما عليه أكثر الخلق من البدع المضلات رفع له علم الهداية فشمر إليه ووضح له الصراط المستقيم فقام واستقام عليه وطوبي له من وحيد على كثرة السكان غريب على كثرة الجيران بين اقوام رؤيتهم قذى العيون وشجى الحلوق وكرب النفوس وحمى الارواح وغم الصدور ومرض القلوب وإن انصفتهم لم تقبل طبيعتهم الانصاف وان طلبته منهم فأين الثريا من يد الملتمس قد انتكست قلوبهم وعمى عليهم مطلوبهم رضوا بالاماني وابتلوا بالحظوظ وحصلوا على الحرمان وخاضوا بحار العلم لكن بالدعاوي الباطلة وشقاشق الهذيان ولا والله ما ابتلت من وشله اقدامهم ولا زكت به عقولهم واحلامهم ولا ابيضت به لياليهم واشرقت بنوره أيامهم ولا ضحكت بالهدى والحق منه وجوه الدفاتر إذ بلت بمداده أقلامهم أنفقوا في غير شئ نفائس الانفاس واتعبوا انفسهم وحيروا من خلفهم من الناس.

ضيعوا الأصول فحرموا الوصول وأعرضوا عن الرسالة فوقعوا في مهامة الحيرة وبيداء الضلالة.

والمقصود أن العصمة مضمونه في الفاظ النصوص ومعانيها في أتم بيان واحسن تفسير ومن رام إدراك الهدى ودين الحق من غير مشكاتها فهو عليه عسير غير يسير.

فصل توجه المفتي إلى الله

الفائدة العاشرة ينبغي للمفتي الموفق إذا نزلت به المسألة ان ينبعث من قلبه الافتقار الحقيقي الحالي لا العلمي المجرد إلى ملهم الصواب ومعلم الخير وهادي القلوب ان يلهمه الصواب ويفتح له طريق السداد ويدله على حكمه الذي شرعه لعباده في هذه المسألة فمتى قرع هذا الباب فقد قرع باب التوفيق وما اجدر من امل فضل ربه ان لا يحرمه إياه فإذا وجد من قلبه هذه الهمة فهي طلائع بشرى التوفيق فعليه ان يوجه وجهه ويحدق نظره إلى منبع الهدى ومعدن الصواب ومطلع الرشد وهو النصوص من القرآن والسنة وآثار الصحابة فيستفرغ وسعه في تعرف حكم تلك النازلة منها فان ظفر بذلك أخبر به وان اشتبه عليه بادر إلى التوبة والاستغفار والاكثار من ذكر الله فإن العلم نور الله يقذفه في قلب عبده والهوى والمعصية رياح عاصفة تطفئ ذلك النور أو تكاد ولا بد ان تضعفه.

وشهدت شيخ الإسلام قدس الله روحه إذا أعيته المسائل واستصعبت عليه فر منها إلى التوبة والاستغفار والاستغاثة بالله واللجأ إليه واستنزال الصواب من عنده والاستفتاح من خزائن رحمته فقلما يلبث المدد الإلهي ان يتتابع عليه مدا وتزدلف الفتوحات الالهية إليه بأيتهن يبدأ.

ولا ريب أن من وفق لهذا الافتقار علما وحالا وسار قلبه في ميادينه بحقيقة وقصد فقد أعطى حظه من التوقيق ومن حرمه فقد منع الطريق والرفيق فمتى اعين مع هذا الافتقار ببذل الجهد في درك الحق فقد سلك به الصراط المستقيم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

العلم بالحق مقدمة للحكم والفتيا

الفائدة الحادية عشرة إذا نزلت بالحاكم أو المفتى النازلة فإما أن يكون عالما بالحق فيها أو غالبا على ظنه بحيث قد استفرغ وسعه في طلبه ومعرفته أولا فان لم يكن عالما بالحق فيها ولا غلب على ظنه لم يحل له ان يفتى ولا يقضى بما لا يعلم ومتى أقدم على ذلك فقد تعرض لعقوبة الله ودخل تحت قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} فجعل القول عليه بلا علم اعظم المحرمات الأربع التي لا تباح بحال ولهذا حصر التحريم فيها بصيغة الحصر ودخل تحت قوله تعالى: {وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} ودخل في قول النبي ﷺ من أفتى بغير علم فانما إثمة على من أفتاه وكان أحد القضاة الثلاثة الذين ثلثاهم في النار وان كان قد عرف الحق في المسألة علما أو ظنا غالبا لم يحل له ان يفتى ولا يقضى بغيره بالإجماع المعلوم بالضرورة من دين الإسلام وهو أحد القضاة الثلاثة والمفتين الثلاثة والشهود الثلاثة وإذا كان من أفتى أو حكم أو شهد بغير علم مرتكبا لأعظم الكبائر فكيف من أفتى أو حكم أو شهد بما يعلم خلافه فالحاكم والمفتي والشاهد كل منهم مخبر عن حكم الله فالحاكم مخبر منفذ والمفتي مخبر غير منفذ والشاهد مخبر عن الحكم الكوني القدري المطابق للحكم الديني الأمري فمن أخبر منهم عما يعلم خلافه فهو كاذب على الله عمدا ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ولا اظلم ممن كذب على الله وعلى دينه وإن أخبروا بمالم يعلموا فقد كذبوا على الله جهلا وإن أصابوا في الباطن وأخبروا بما لم يأذن الله لهم في الاخبار به وهم أسوأ حالا من القاذف إذا راى الفاحشة وحده فأخبر بها فإنه كاذب عند الله وإن أخبر بالواقع فإن الله لم يأذن له في الاخبار بها إلا إذا كان رابع أربعة فإن كان كاذبا عند الله في خبر مطابق لمخبره حيث لم يأذن له في الاخبار به فكيف بمن أخبر عن حكمة بما لم يعلم ان الله حكم به ولم يأذن له في الاخبار به قال الله تعالى: {وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وقال تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ} والكذب على الله يستلزم التكذيب بالحق والصدق وقال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} وهؤلاء الايات وإن كانت في حق المشركين والكفار فإنها متناولة لمن كذب على الله في توحيده ودينه وأسمائه وصفاته وأفعاله ولا تتناول المخطئ المأجور إذا بذل جهده واستفرغ وسعه في إصابة حكم الله وشرعه فإن هذا هو الذي فرضه الله عليه فلا يتناول المطيع لله إن أخطأ وبالله التوفيق.

ما يجب على الراوي والمفتي والحاكم والشاهد

الفائدة الثانية عشرة حكم الله ورسوله يظهرعلى أربعة ألسنة لسان الراوي ولسان المفتي ولسان الحاكم ولسان الشاهد فالرواي يظهر على لسانه لفظ حكم الله ورسوله والمفتي يظهر على لسانه معناه وما استنبطه من لفظه والحاكم يظهر على لسانه الاخبار بحكم الله وتنفيذه والشاهد يظهر على لسانه الاخبار بالسبب الذي يثبت حكم الشارع والواجب على هؤلاء الأربعة ان يخبروا بالصدق المستند إلى العلم فيكونون عالمين بما يخبرون به صادقين في الإخبار به وآفة احدهم الكذب والكتمان فمتى كتم الحق أو الكذب فيه فقد حاد الله في شرعه ودينه وقد أجرى الله سنته ان يمحق عليه بركة علمه ودينه ودنياه إذا فعل ذلك كما أجرى عادته سبحانه في المتبايعين إذا كتما وكذبا أن يمحق بركة بيعهما ومن التزم الصدق والبيان منهم في مرتبته بورك له في علمه ووقته ودينه ودنياه وكان مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما فبالكتمان يعزل الحق عن سلطانه وبالكذب يقلبه عن وجهه والجزاء من جنس العمل فجزاء أحدهم ان يعزله الله عن سلطان المهابة والكرامة والمحبة والتعظيم الذي يلبسه أهل الصدق والبيان ويلبسه ثوب الهوان والمقت والخزي بين عباده فإذا كان يوم القيامة جازى الله سبحانه من يشاء من الكاذبين الكاتمين بطمس الوجوه وردها على أدبارها كما طمسوا وجه الحق وقلبوه عن وجهه جزاء وفاقا وما ربك بظلام للعبيد.

على المفتي ألا ينسب الحكم إلى الله ولا إلى رسوله إلا بنص قاطع

الفائدة الثالثة عشرة: لا يجوز للمفتي ان يشهد على الله ورسوله بأنه أحل كذا أو حرمه أو اوجبه أو كرهه إلا لما يعلم ان الأمر فيه كذلك مما نص الله ورسوله على اباحته أو تحريمه أوإيجابه أو كراهته وأما ما وجده في كتابه الذي تلقاه عمن قلده دينه فليس له ان يشهد على الله ورسوله به ويغر الناس بذلك ولا علم له بحكم الله ورسوله.

قال غير واحد من السلف ليحذر أحدكم ان يقول أحل الله كذا أو حرم الله كذا فيقول الله له كذبت لم أحل كذا ولم أحرمه

وثبت في صحيح مسلم من حديث بريده بن الحصيب ان رسول الله ﷺ قال: "وإذا حاصرت حصنا فسألوك أن تنزلهم على حكم الله ورسوله فلا تنزلهم على حكم الله ورسوله فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك".

وسمعت شيخ الإسلام يقول: حضرت مجلسا فيه القضاة وغيرهم فجرت حكومة حكم فيها احدهم بقول زفر فقلت له ما هذه الحكومة فقال هذا حكم الله فقلت له صار قول زفر هو حكم الله الذي حكم به وألزم به الأمة هل هذا حكم زفر ولا تقل هذا حكم الله أو نحو هذا من الكلام.

الأحوال التي ترد على المفتي من المستفتي

الفائدة الرابعة عشرة المفتي إذا سئل عن مسألة فإما أن يكون قصد السائل فيها معرفة حكم الله ورسوله ليس إلا وإما أن يكون قصده معرفة ما قاله الامام الذي شهر المفتي نفسه باتباعه وتقليده دون غيره من الأئمة واما أن يكون مقصوده معرفة ما ترجح عند ذلك المفتي وما يعتقده فيها لاعتقاده علمه ودينه وأمانته فهو يرضى تقليده هو وليس له غرض في قول إمام بعينه فهذه اجناس الفتيا التي ترد على المفتين.

ففرض المفتي في القسم الأول ان يجيب بحكم الله ورسوله إذا عرفه وتيقنه لا يسعه غير ذلك.

وأما القسم الثاني فإذا عرف أقول الامام نفسه وسعه ان يخبر به ولا يحل له ان ينسب إليه القول ويطلق عليه انه قوله بمجرد ما يراه في بعض الكتب التي حفظها أو طالعها من كلام المنتسبين إليه فانه قد اختلطت أقوال الأئمة وفتاويهم بأقوال المنتسبين اليهم واختياراتهم فليس كل ما في كتبهم منصوصا عن الأئمة بل كثير منه يخالف نصوصهم وكثير منه لا نص لهم فيه وكثير منه يخرج على فتاويهم وكثير منه أفتوا به بلفظه أو بمعناه فلا يحل لأحد ان يقول هذا قول فلان ومذهبه إلا أن يعلم يقينا انه قوله ومذهبه فما أعظم خطر المفتي وأصعب مقامه بين يدى الله تعالى.

وأما القسم الثالث فانه يسعه ان يخبر المستفتى بما عنده في ذلك يغلب على ظنه انه الصواب بعد بذل جهده واستفراغ وسعه ومع هذا فلا يلزم المستفتى الأخذ بقوله وغايته انه يسوغ له الأخذ به.

فلينزل المفتي نفسه في منزلة من هذه المنازل الثلاث وليقم بواجبها فإن الدين دين الله والله سبحانه ولا بد سائله عن كل ما أفتى به وهو موقره عليه ومحاسب ولا بد والله المستعان.

على المفتي أن يفتي بالصواب ولو كان خلافا لمذهبه

الفائدة الخامسة عشرة ليحذر المفتي الذي يخاف مقامه بين يدي الله سبحانه ان يفتي السائل بمذهبه الذي يقلده وهو يعلم ان مذهب غيره في تلك المسألة ارجح من مذهبه واصح دليلا فتحمله الرياسة على أن يقتحم الفتوى بما يغلب على ظنه ان الصواب في خلافه فيكون خائنا لله ورسوله وللسائل وغاشا له والله لا يهدي كيد الخائنين وحرم الجنة على من لقيه وهو غاش للإسلام واهله والدين النصيحة والغش مضاد للدين كمضادة الكذب للصدق والباطل للحق وكثيرا ما ترد المسألة نعتقد فيها خلاف المذهب فلا يسعنا ان نفتي بخلاف ما نعتقده فنحكي المذهب الراجح ونرجحه ونقول هذا هو الصواب وهو أولى ان يؤخذ به وبالله التوفيق.

على المفتي ألا يبهم على السائل

الفائدة السادسة عشرة لا يجوز للمفتي الترويج وتخيير السائل وإلقاؤه في الاشكال والحيرة بل عليه ان يبين بيانا مزيلا للإشكال متضمنا لفصل الخطاب كافيا في حصول المقصود لا يحتاج معه إلى غيره ولا يكون كالمفتي الذي سئل عن مسألة في المواريث فقال يقسم بين الورثة على فرائض الله عزوجل وكتبه فلان وسئل اخر عن صلاة الكسوف فقال تصلي على حديث عائشة وان كان هذا اعلم من الأول وسئل اخر عن مسألة من الزكاة فقال اما أهل الايثار فيخرجون المال كله واما غيرهم فيخرج القدر الواجب عليه أو كما قال وسئل آخر عن مسألة فقال فيها قولان ولم يزد.

قال أبو محمد بن حزم: "وكان عندنا مفت إذا سئل عن مسألة لا يفتى فيها حتى يتقدمه من يكتب فيكتب هو جوابي فيها مثل جواب الشيخ فقدر ان مفتيين اختلفا في جواب فكتب تحت جوابهما جوابي مثل جواب الشيخين فقيل له انهما قد تناقضا فقال: وانا أتناقض كما تناقضا وكان في زماننا رجل مشار إليه بالفتوى وهو مقدم في مذهبه وكان نائب السلطان يرسل إليه في الفتاوي فيكتب يجوز كذا أو يصح كذا أو ينعقد بشرطه فارسل إليه يقول له تأتينا فتاوي منك فيها يجوز أو ينعقد أو يصح بشرطه ونحن لا نعلم شرطه فإما ان تبين شرطه وإما ان لا تكتب ذلك.

وسمعت شيخنا يقول: كل أحد يحسن ان يفتى بهذا الشرط فإن أي مسألة وردت عليه يكتب فيها يجوز بشرطه أو يصح بشرطه أو يقبل بشرطه ونحو ذلك.

وهذا ليس بعلم ولا يفيد فائدة أصلا سوى حيرة السائل وتبلده وكذلك قول بعضهم في فتاويه يرجع في ذلك إلى رأي الحاكم فيا سبحان الله والله لو كان الحاكم شريحا واشباهه لما كان مرد احكام الله ورسوله إلى رأيه فضلا عن حكام زماننا فالله المستعان وسئل بعضهم عن مسألة فقال فيها خلاف فقيل له كيف يعمل المفتي فقال يختار له القاضي أحد المذهبين قال أبو عمرو بن الصلاح: "كنت عند أبي السعادات ابن الاثير الجزري فحكى عن بعض المفتين انه سئل عن مسألة فقال فيها قولان فأخذ يزرى عليه وقال هذا حيد عن الفتوى ولم يخلص السائل من عمايته ولم يأت بالمطلوب".

قلت وهذا فيه تفصيل فإن المفتي المتمكن من العلم المضطلع به قد يتوقف في الصواب في المسألة المتنازع فيها فلا يقدم على الجزم بغير علم وغاية ما يمكنه ان يذكر الخلاف فيها للسائل وكثيرا ما يسأل الإمام أحمد رضى الله عليه وغيره من الأئمة عن مسألة فيقول فيها قولان أو قد اختلفوا فيها وهذا كثير في أجوبة الإمام أحمد لسعه علمه وورعه وهو كثير في كلام الامام الشافعي رضي الله عنه يذكر المسألة ثم يقول فيها قولان وقد اختلف أصحابه هل يضاف القولان اللذان يحكيهما إلى مذهبه وينسبان إليه أم لا على طريقين وإذا اختلف علي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وزيد وأبي وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم ولم يتبين للمفتي القول الراجح من أقوالهم فقال هذه مسألة اختلف فيها فلان وفلان من الصحابة فقد انتهى إلى ما يقدر عليه من العلم قال أبو إسحاق الشيرازي سمعت شيخنا أبا الطيب الطبري يقول سمعت أبا العباس الحضرمي يقول كنت جالسا عند أبي بكر بن داود الظاهري فجاءته امرأة فقالت ما تقول في رجل له زوجة لا هو ممسكها ولا هو مطلقها فقال لها اختلف في ذلك أهل العلم فقال قائلون تؤمر بالصبر والاحتساب ويبعث على التطلب والاكتساب وقال قائلون يؤمر بالإنفاق ولا يحمل على الطلاق فلم تفهم المرأة قوله فأعادت المسألة فقال يا هذه أجبتك عن مسألتك وأرشدتك إلى طلبتك ولست بسلطان فأمضي ولا قاض فأقضي ولا زوج فأرضي فانصرفي.

لا يصح للمفتي أن يعتبر شرط الواقف إذا خالف الشارع

الفائدة السابعة عشرة إذا سئل عن مسألة فيها شرط واقف لم يحل له ان يلزم بالعمل به بل ولا يسوغه على الاطلاق حتى ينظر في ذلك الشرط فإن كان يخالف حكم الله ورسوله فلا حرمة له ولا يحل له تنفيذه ولا يسوغ تنفيذه وإن لم يخالف حكم الله ورسوله فلينظر هل فيه قربة أو رجحان عند الشارع أم لا فان لم يكن فيه قربة ولا رجحان لم يجب التزامه ولم يحرم فلا تضر مخالفته وان كان فيه قربة وهو راجح على خلافه فلينظر هل يفوت بالتزامه والتقييد به ما هو أحب إلى الله ورسوله وارضى له وانفع للمكلف واعظم تحصيلا لمقصود الواقف من الاجر فإن فات ذلك بالتزامه لم يجب التزامه ولا التقييد به قطعا وجاز العدول بل يستحب إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله وانفع للمكلف وأكثر تحصيلا لمقصود الواقف وفي جواز التزام شرط الواقف في هذه الصورة تفصيل سنذكره إن شاء الله وإن كان فيه قربة وطاعة ولم يفت بالتزامه ما هو أحب إلى الله ورسوله منه وتساوي هو وغيره في تلك القربة ويحصل غرض الواقف بحيث يكون هو وغيره طريقين موصلين إلى مقصوده ومقصود الشارع من كل وجه لم يتعين عليه التزام الشرط بل له العدول عنه إلى ما هو أسهل عليه وارفق به وان ترجح موجب الشرط وكان قصد القربة والطاعة فيه أظهر وجب التزامه.

فهذا هو القول الكلي في شروط الواقفين وما يجب التزامه منها وما يسوغ وما لا يجب؛ ومن سلك غير هذا المسلك تناقض أظهر تناقض ولم يثبت له قدم يعتمد عليه.

شروط الواقفين المخالفة للشرع

فإذا شرط الواقف ان يصلي الموقوف عليه في هذا المكان المعين الصلوات الخمس ولو كان وحده إلى جانبه المسجد الاعظم وجماعة المسلمين لم يجب عليه الوفاء بهذا الشرط بل ولا يحل له التزامه إذا فاتته الجماعة فإن الجماعة اما شرط لا تصح الصلاة بدونها واما واجبة يستحق تاركها العقوبة وإن صحت صلاته وإما سنة مؤكدة يقاتل تاركها وعلى كل تقدير فلا يصح التزام شرط يخل بها وكذلك إذا شرط الواقف العزوبية وترك التأهل لم يجب الوفاء بهذا الشرط بل ولا التزامه بل من التزمه رغبة عن السنة فليس من الله ورسوله في شئ فإن النكاح عندالحاجة إليه إما فرض يعصي تاركه وإما سنة الاشتغال بها أفضل من صيام النهار وقيام الليل وسائر اوراد التطوعات واما سنة يثاب فاعلها كما يثاب فاعل السنن والمندوبات وعلى كل تقدير فلا يجوز اشتراط تعطيله أو تركه إذ يصير مضمون هذا الشرط انه لا يستحق تناول الوقف إلا من عطل ما فرض الله عليه وخالف سنة رسول الله ﷺ ومن فعل ما فرضه الله عليه وقام بالسنة لم يحل له ان يتناول من هذا الوقف شيئا ولا يخفى ما في التزام هذا الشرط والإلزام به من مضادة الله ورسوله وهو أقبح من اشتراطه ترك الوتر والسنن الراتبة وصيام الخميس والاثنين والتطوع بالليل بل أقبح من اشتراطه ترك ذكر الله بكرة وعشيا ونحو ذلك.

ومن هذا اشتراطه أن يصلي الصلوات في التربة المدفون بها ويدع المسجد وهذا أيضا مضاد لدين الإسلام اعظم مضادة فإن رسول الله ﷺ لعن المتخذين قبور أنبيائهم مساجد فالصلاة في المقبرة معصية لله ورسوله باطلة عند كثير من أهل العلم لا يقبلها الله ولا تبرأ الذمة بفعلها فكيف يجوز التزام شرط الواقف لها وتعطيل شرط الله ورسوله فهذا تغيير الدين لولا ان الله سبحانه يقيم له من يبين اعلامه ويدعو إليه.

ومن ذلك اشتراط إيقاد سراج أو قنديل على القبر فلا يحل للواقف اشتراط ذلك ولا للحاكم تنفيذه ولا للمفتي تسويغه ولا للموقوف عليه فعله والتزامه فقد لعن رسول الله ﷺ المتخذين السرج على القبور فكيف يحل للمسلم ان يلزم أو يسوغ فعل ما لعن رسول الله ﷺ فاعله وحضرت بعض قضاة الإسلام يوما وقد جاءه كتاب وقف على تربة ليثبته وفيه وانه يوقد على القبر كل ليلة قنديل فقلت له كيف يحل لك ان تثبت هذا الكتاب وتحكم بصحته مع علمك بلعنة رسول الله ﷺ للمتخذين السرج على القبور فأمسك عن إثباته وقال الأمر كما قلت أو كما قال.

ومن ذلك أن يشترط القراءة عند قبره دون البيوت التي اذن الله ان ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال والناس لهم قولان أحدهما ان القراءة لا تصل إلى الميت فلا فرق بين ان يقرأ عند القبر أو بعيدا منه عند هؤلاء والثاني انها تصل ووصولها فرع حصول الثواب للقارئ ثم ينتقل منه إلى الميت فإذا كانت قراءة القارئ ومجيئه إلى القبر إنما هو لأجل الجعل ولم يقصد به التقرب إلى الله لم يحصل له ثواب فكيف ينقل عنه إلى الميت وهو فرعه فما زاد بمجيئه إلى التربة الا العناء والتعب بخلاف ما إذا قرأ الله في المسجد أو غيره في مكان يكون أسهل عليه واعظم لإخلاصه ثم جعل ثواب ذلك للميت وصل إليه.

وذاكرت مرة بهذا المعنى بعض الفضلاء فاعترف به وقال لكن بقي شئ آخر وهو أن الواقف قد يكون قصد انتفاعه بسماع القرآن على قبره ووصول بركة ذلك إليه فقلت له انتفاعه بسماع القرآن مشروط بحياته فلما مات انقطع عمله كله واستماع القران من أفضل الاعمال الصالحة وقد انقطع بموته ولو كان ذلك ممكنا لكان السلف الطيب من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أولى بهذا الحظ العظيم لمسارعتهم إلى الخير وحرصهم عليه ولو كان خيرا لسبقونا إليه فالذي لا شك فيه أنه لا يجب حضور التربة ولا تتعين القراءة عند القبر.

ونظير هذا ما لو وقف وقفا يتصدق به عند القبر كما يفعل كثير من الجهال فإن في ذلك من تعنية الفقير وإتعابه وإزعاجه من موضعه إلى الجبانة في حال الحر والبرد والضعف حتى يأخذ لك الصدقة عند القبر مما لعله أن يحبط اجرها ويمنع انعقاده بالكلية.

ومن هذا لو شرط واقف الخانقاه وغيرها على أهلها ان لا يشتغلوا بكتابة العلم وسماع الحديث والاشتغال بالفقه فإن هذا شرط باطل مضاد لدين الإسلام لا يحل تنفيذه ولا التزامه ولا يستحق من قام به شيئا من هذا الوقف فإن مضمون هذا الشرط ان الوقف المعين انما يستحقه من ترك ما يجب عليه من العلم النافع وجهل أمر الله ورسوله ودينه وجهل أسماءه وصفاته وسنة نبيه ﷺ وأحكام الثواب والعقاب ولا ريب أن هذا الصنف من شرار خلق الله وأمقتهم عند الله ورسوله وهم خاصة الشيطان وأولياؤه وحزبه {أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ}.

ومن ذلك أن يشترط الواقف ان لا يقرأ في ذلك المكان شئ من آيات الصفات وأحاديث الصفات كما أمر به بعض اعداء الله من الجهمية لبعض الملوك وقد وقف مسجدا لله تعالى ومضمون هذا الشرط المضاد لما بعث الله به رسوله ان يعطل أكثر آيات القران عن التلاوة والتدبر والتفهم وكثير من السنة أوأكثرها عن ان تذكر أو تروى أو تسمع أو يهتدي بها ويقام سوق التجهم والكلام المبتدع المذموم الذي هو كفيل بالبدع والضلالة والشك والحيرة.

ومن ذلك أيضا ان يقف مكانا أو مسجدا أو مدرسة أو رباطا على طائفة معينة من الناس دون غيرهم كالعجم مثلا أو الروم أو الترك أو غيرهم وهذا من أبطل الشروط فإن مضمونه أن أقارب رسول الله ﷺ وذرية المهاجرين والانصار لا يحل لهم ان يصلوا في هذا المسجد ولا ينزلوا في هذا الرباط أو المدرسة أو الخانقاه بل لو أمكن أن يكون أبو بكر وعمر واهل بدر واهل بيعة الرضوان رضي الله عنهم بين أظهرنا حرم عليهم النزول بهذا المكان الموقوف.

وهذه الشروط والاشتغال بها والاعتداد بها من أسمج الهذيان ولا تصدر من قلب طاهر ولا ينفذها من شم روائح العلم الذي بعث الله به رسوله ﷺ.

وكذلك لو شرط أن يكون المقيمون بهذه الأمكنة طائفة من أهل البدع كالشيعة والخوارج والمعتزلة والجهمية والمبتدعين في اعمالهم كأصحاب الإشارات واللاذن والشير والعنبر وأكل الحيات وأصحاب النار واشباه الذئاب المشتغلين بالاكل والشرب والرقص لم يصح هذا الشرط وكان غيرهم أحق بالمكان منهم وشروط الله أحق.

فهذه الشروط وأضعافها وأضعاف أضعافها من باب التعاون على الإثم والعدوان والله تعالى انما أمر بالتعاون على البر والتقوى وهو ما شرعه لسان رسول الله ﷺ دون ما لم يشرعه فكيف بما شرع خلافه والوقف إنما يصح على القرب والطاعات ولا فرق في ذلك بين مصرفه وجهته وشرطه فإن الشرط صفة وحال في الجهة والمصرف فإذا اشترط انا يكون المصرف قربة وطاعة فالشرط كذلك ولا يقتضي الفقه إلا هذا ولا يمكن احدا ان ينقل عن أئمة الإسلام الذين لهم في الأمة لسان صدق ما يخالف ذلك البتة بل نشهد بالله والله ان الأئمة لا تخالف ما ذكرناه وان هذا نفس قولهم وقد اعاذهم الله من غيره وإنما يقع الغلط من كثير من المنتسبين اليهم في فهم أقوالهم كما وقع لبعض من نصب نفسه للفتوى من أهل عصرنا ما تقول السادة الفقهاء في رجل وقف على أهل الذمة هل يصح ويتقيد الاستحقاق بكونه منهم فأجاب بصحة الوقف وتقييد الاستحقاق بذلك الوصف وقال هكذا قال أصحابنا ويصح الوقف على أهل الذمة فأنكر ذلك شيخنا عليه غاية الإنكار وقال مقصود الفقهاء بذلك ان كونه من أهل الذمة ليس مانعا من صحة الوقف عليه بالقرابة أو بالتعيين وليس مقصودهم ان الكفر بالله ورسوله أو عبادة الصليب وقولهم إن المسيح ابن الله شرط لاستحقاق الوقف حتى إن من آمن بالله ورسوله واتبع دين الإسلام لم يحل له ان يتناول بعد ذلك من الوقف فيكون حل تناوله مشروطا بتكذيب الله ورسوله والكفر بدين الإسلام ففرق بين كون وصف الذمة مانعا من صحة الوقف وبين كونه مقتضيا فغلظ طبع هذا المفتي وكثف فهمه وغلظ حجابه عن ذلك ولم يميز.

ونظير هذا أن يقف على الأغنياء فهذا يصح إذا كان الموقوف عليه غنيا أو ذا قرابة فلا يكون الغني مانعا ولا يصح أن يكون جهة الاستحقاق هو الغني فيستحق ما دام غنيا فإذا افتقر واضطر إلى ما يقيم اوده حرم عليه تناول الوقف فهذا لا يقوله الا من حرم التوفيق وصحبة الخذلان ولو رأى رسول الله ﷺ من الأئمة يفعل ذلك لاشتد إنكاره وغضبه عليه ولما اقره البتة وكذلك لو رأى رجلا من امته قد وقف على من يكون من الرجال عزبا غير متأهل فإذا تأهل حرم عليه تناول الوقف لاشتد غضبه ونكيره عليه بل دينه يخالف هذا فإنه كان إذا جاءه مال أعطى العزب حظا وأعطى الأهل حظين وأخبر ان ثلاثة حق على الله عونهم فذكر منهم الناكح يريد العفاف وملزم هذا الشرط حق عليه عدم إعانة الناكح.

ومن هذا أن يشترط أنه لا يستحق الوقف إلا من ترك الواجب عليه من طلب النصوص ومعرفتها والتفقه في متونها والتمسك بها إلى الأخذ بقول فقيه معين يترك لقوله قول من سواه بل يترك النصوص لقوله فهذا شرط من أبطل الشروط وقد صرح أصحاب الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى بأن الامام إذا شرط على القاضي ان لا يقضى إلا بمذهب معين بطل الشرط ولم يجز له التزامه وفي بطلان التولية قولان مبنيان على بطلان العقود بالشروط الفاسدة وطرد هذا ان المفتي متى شرط عليه ألا يفتى الا بمذهب معين بطل الشرط وطرده أيضا ان الواقف متى شرط على الفقيه ان لا ينظر ولا يشتغل إلا بمذهب معين بحيث يهجر له كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وفتاوي الصحابة ومذاهب العلماء لم يصح هذا الشرط قطعا ولا يجب التزامه بل ولا يسوغ.

وعقد هذا الباب وضابطه ان المقصود إنما هو التعاون على البر والتقوى وان يطاع الله ورسوله بحسب الامكان وان يقدم من قدمه الله ورسوله ويؤخر من اخره الله ورسوله ويعتبر ما اعتبره الله ورسوله ويلغي ما ألغاه الله ورسوله وشروط الواقفين لا تزيد على نذر الناذرين فكما انه لا يوفى من النذور إلا بما كان طاعة لله ورسوله فلا يلزم من شروط الواقفين إلا ما كان طاعة لله ورسوله.

فإن قيل: الواقف انما نقل ماله لمن قام بهذه الصفة فهو الذي رضى بنقل ما له إليه ولم يرض بنقله إلى غيره وإن كان أفضل منه فالوقف يجري مجرى الجعالة فإذا بذل الجاعل ماله لمن يعمل عملا لم يستحقه من عمل غيره وان كان بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض؛

قيل: هذا منشأ الوهم والإيهام في هذه المسألة وهو الذي قام بقلوب ضعفةالمتفقهين فالتزموا والزموا من الشروط بما غيره أحب إلى الله وارضى له منه بإجماع الأمة بالضرورة المعلومة من الدين.

وجواب هذا الوهم أن الجاعل يبذل ماله في غرضه الذي يريده إما محرما أو مكروها أو مباحا أو مستحبا أو واجبا لينال غرضه الذي بدل فيه ماله واما الواقف فإنما يبذل ماله فيما يقربه إلى الله وثوابه فهو لما علم انه لم يبق له تمكن من بذل ماله في أغراضه أحب ان يبذله فيما يقربه إلى الله وما هو انفع له في الدار الآخرة ولا يشك عاقل ان هذا غرض الواقفين بل ولا يشك واقف ان هذا غرضه والله سبحانه وتعالى ملكة المال لينتفع به في حياته وأذن له ان يحبسه لينتفع به بعد وفاته فلم يملكه ان يفعل به بعد موته ما كان يفعل به في حياته بل حجر عليه فيه وملكه ثلثه يوصى به بما يجوز ويسوغ ان يوصى به حتى إن حاف أوجار أوأثم في وصيته جاز بل وجب على الوصي والورثة رد ذلك الجور والحيف والإثم ورفع سبحانه الإثم عمن يرد ذلك الحيف والإثم من الورثة والاوصياء فهو سبحانه لم يملكه ان يتصرف في تحبيس ماله بعده إلا على وجه يقربه إليه ويدنيه من رضاه لا على أي وجه أراد ولم يأذن ولا رسوله للمكلف ان يتصرف في تحبيس ماله بعده على أي وجه أراده ابدا فأين في كلام الله ورسوله أو أحد من الصحابة ما يدل على أن لصاحب المال ان يقف ما أراد على من أراد ويشرط ما أراد ويجب على الحكام والمفتين ان ينفذوا وقفه ويلزموا بشروطه واما ما قد لهج به بعضهم من قوله شروط الواقف كنصوص الشارع فهذا يراد به معنى صحيح ومعنى باطل فإن أريد انها كنصوص الشارع في الفهم والدلالة وتقييد مطلقها بمقيدها وتقديم خاصها على عامها والأخذ فيها بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فهذا حق من حيث الجملة وان أريد انها كنصوص الشارع في وجوب مراعاتها والتزامها وتنفيذها فهذا من أبطل الباطل بل يبطل منها ما لم يكن طاعة لله ورسوله وما غيره أحب إلى الله وارضى له ولرسوله منه وينفذ منها ما كان قربة وطاعة كما تقدم.

ولما نذر أبو اسرائيل أن يصوم ويقوم في الشمس ولا يجلس ولا يتكلم امره النبي ﷺ ان يجلس في الظل ويتكلم ويتم صومه فألزمه بالوفاء بالطاعة ونهاه عن الوفاء بما ليس بطاعة وهكذا اخت عقبة بن عامر لما نذرت الحج ماشيه مكشوفة الرأس امرها ان تختمر وتركب وتحج وتهدى بدنة فهكذا الواجب على اتباع الرسول صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله أن يعتمدوا في شروط الواقفين وبالله التوفيق.

لا يجوز للمفتي إطلاق الفتوى في مسألة فيها تفصيل

الفائدة الثامنة عشرة ليس للمفتي ان يطلق الجواب في مسألة فيها تفصيل إلا إذا علم ان السائل انما سأل عن أحد تلك الأنواع بل إذا كانت المسألة تحتاج إلى التفصيل استفصله كما استفصل النبي ﷺ ماعزا لما أقر بالزنا هل وجد منه مقدماته أو حقيقته فلما أجابه عن الحقيقة استفصله هب به جنون فيكون إقراره غير معتبر أم هو عاقل فلما علم عقله استفصله بأن أمر باستنكاهه ليعلم هل هو سكران أم صاح فلما علم انه صاح استفصله هل احصن أم لا فلما علم انه قد أحصن أقام عليه الحد.

ومن هذا قوله لمن سألته هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت فقال نعم إذا رأت الماء فتضمن هذا الجواب الاستفصال بأنها يجب عليها الغسل في حال ولا يجب عليها في حال حانث في مذهب من أفتاه وقع ذلك مرارا فخطر المفتى عظيم فإنه موقع عن الله ورسوله زاعم ان الله أمر بكذا وحرم كذا أو أوجب كذا.

ومن ذلك أن يستفتيه عن الجمع بين الظهر والعصر مثلا هل يجوز له ان يفرق بينهما فجوابه بتفصيل المسألتين وان الجمع إن كان في وقت الأولى لم يجز التفريق وإن كان في وقت الثانية جاز.

ومن ذلك أنه لو قال له إن لم تحرق هذا المتاع أو تهدم هذه الدار أو تتلف هذا المال وإلا قتلتك ففعل هل يضمن أم لا جوابه بالتفصيل فإن كان المال المكره على إتلافه للمكره لم يضمن وإن كان لغيره ضمنه.

وكذلك لو سأله المظاهر إذا وطئ في اثناء الكفارة هل يلزمه الاستئناف أو يبنى فجوابه بالتفصيل أنه إن كان كفر بالصيام فوطئ في اثنائه لزمه الاستثناف وإن كفر بالاطعام لم يلزمه الاستئناف وله البناء فإن حكم تتابع الصوم وكونه قبل المسيس قد انقطع بخلاف الإطعام.

وكذلك لو سأله عن المكفر بالعتق إذا اعتق عبدا مقطوعه اصبعه فجوابه بالتفصيل إن كان إبهاما لم يجزه وإلا أجزأه فلو قال له مقطوع الأصبعين وهما الخنصر والبنصر فجوابه بالتفصيل أيضا إن كانا من يد واحجدة واحدة لم يجزه وإن كانت كل اصبع من يد أجزأه.

وكذلك لو سأله عن فاسق التقط لقطه أولقيطا هل يقر في يده فجوابه بالتفصيل تقر اللقطة دون اللقيط لأنها كسب فلا يمنع منه الملتقط وثبوت يده على اللقيط ولاية وليس من أهلها.

ولو قال له: اشتريت سمكة فوجدت في جوفها مالا ما اصنع به فجوابه ان كان لؤلؤة أوجوهرة فهو للصياد لأنه ملكه بالاصطياد ولم تطلب نفسه لك به وإن كان خاتما أو دينارأ فهو لقطة يجب تعريفها كغيرها.

وكذلك لو قال له اشتريت حيوانا فوجدت في جوفه جوهرة فجوابه إن كانت شاة فهي لقطة للمشتري يلزمه تعريفها حولا ثم هي له بعده إن كان سمكة أو غيرها من دواب البحر فهي ملك للصياد والفرق واضح.

ومن ذلك لو سأله عن عبد التقط لقطة فأنفقها هل تتعلق بذمته أو برقبته فجوابه أنه إن أنفقها قبل التعريف حولا فهى في رقبته وإن أنفقها بعد حول التعريف فهي في ذمته يتبع بها بعد العتق نص عليها الإمام أحمد مفرقا بينهما لأنه قبل الحول ممنوع منها فإنفاقه لها جناية منه عليها وبعد الحول غير ممنوع منها بالنسبة إلى مالكها فإذا أنفقها في هذه الحال فكأنه أنفقها بإذن مالكها فتتعلق بذمته كديونه.

ومن ذلك لو سأله عن رجل جعل جعلا لمن رد عليه لقطته فهل يستحقه من ردها فجوابه إن التقطها قبل بلوغ قول الجاعل لم يستحقه لأنه لم يلتقطها لاجل الجعل وقد وجب عليه ردها بظهور مالكها وإن التقطها بعد أن بلغه الجعل استحقه.

ومن ذلك أن يسال فيقول هل يجوز للوالدين ان يتملكا مال ولدهما أو يرجعان فيما وهباه فالجواب ان ذلك للأب دون الأم.

وكذلك إذا شهد له اثنان من روثته غر الأب والابن بالجرح فالجواب فيه تفصيل فإن شهدا قبل الاندمال لم يقبلا للتهمة وإن شهدا بعده قلت لعدم التهمة.

ومن ذلك إذا سئل عن رجل ادعى نكاح امرأة فأقرت له هل يقبل إقرارها أم لا جوابه بالتفصيل إن ادعى زوجيتها وحده قبل إقرارها وان ادعاها معه اخر لم يقبل.

ومن ذلك لو سئل عن رجل مات فادعى ورثته شيئا من تركته وأقاموا شاهدوا حلف كل منهم يمينا مع الشاهد فإن حلف بعضهم استحق قدر نصيبه من المدعي وهل يشاركه من لم يحلف في قدر حصته التي انتزعها بيمينه أو لا يشاركه فالجواب فيه تفصيل إن كان المدعى دينار لم يشاركه وينفرد الحالف بقدر حصته وإن كان عينا شاركه من لم يحلف لأن الدين غير متعين فمن حلف فإنما ثبت بيمنه مقدار حصته من الدين لا غيره ومن لم يحلف لم يثبت له حق واما العين فكل واحد من الورثة يقر ان كل جزء منها مشترك بين جماعتهم وحقوقهم متعلقة بعينه فالمخلص مشترك بين جماعتهم والباقي غصب على جماعتهم.

ومن ذلك إذا سئل عن رجل استعدى على خصمه ولم يحرر الدعوى هل يحضره الحاكم الجواب بالتفصيل إن استعدى على حاضر في البلد احضره لعدم المشقة وإن كان غائبا لم يحضره حتى يحررها.

ومن ذلك لو سئل عن رجل قطع عضوا من صيد وأفلت هل يحل أكل العضو الجواب بالتفصيل إن كان صيدا بحريا حل أكله وإن كان بريا لم يحل.

ومن ذلك لو سئل عن تاجر أهل الذمة هل يؤخذ منه العشر فالجواب بالتفصيل إن كان رجلا أخذ منه العشر وإن كانت امرأة ففيها تفصيل إن اتجرت إلى ارض الحجاز أخذ منها العشر وإن اتجرت إلى غيرها لم يؤخد منها شئ لأنها تقر في غير ارض الحجاز بلا جزية.

ومن ذلك لو سئل عن ميت مات فطلب الأب ميرائه ولم يعلم من الورثة غيره كم يعطي الأب فالجواب بالتفصيل إن كان الميت ذكرا اعطى الأب أربعة من سبعة وعشرين سهما لأن غاية ما يمكن ان يقدر معه زوجة وأم وابنتان فله أربعة بلا شك من سبعة وعشرين وإن كان الميت أنثى فله سهمان من خمسة عشر قطعا لأن أكثر ما يمكن ان يقدر زوج وام وابنتان فله سهمان من خمسة عشر قطعا.

فإن قال السائل مات ميت وترك ثلاث بنات ابن بعضهن أسفل من بعض مع العليا جدها قال المفتي إن كان الميت ذكرا فالمسألة محال لأن جد العليا نفس الميت وإن على الميت انثى فجد العليا إما أن يكون زوج الميت أولا يكون كذلك فإن كان زوجها فله الربع وللعليا النصف وللوسطى السدس تكملة الثلثين والباقي للعصبة.

فلو قال السائل ميت خلف ابنتين وابوين ولم تقسم التركة حتى ماتت إحداهما وخلفت من خلفت قال المفتي ان كان الميت ذكر فمسألته من ستة للأبوين سهمان ولكل بنت سهمان فلما ماتت إحداهما خلفت جدة وجدا واختا لأب فمسألتها من سنة وتصح من ثمانية عشر وتركتها سهمان توافق مسألتها بالنصف فترد إلى تسعة ثم تضربها في ستة تكون أربعه وخمسين ومنها تصح وإن كان الميت أنثى ففريضتها أيضا ستة ثم ماتت احدا البنتين عن سهمين وخلفت جدة وجدا من أم واختا لاب فلا شيء للجد وللجدة السدس وللأخت النصف والباقي للعصبة فمسألتها من ستة وسهامها اثنان فاضرب ثلاثة في السمألة الأولى تكن ثمانية عشر.

والمقصود التنبيه على وجوب التفصيل إذا كان يجد السؤال محتملا وبالله التوفيق فكثيرا ما يقع غلط المفتي في هذا القسم فالمفتي ترد إليه المسائل في قوالب متنوعة جدا فإن لم يتفطن لحقيقة السؤال والا هلك وأهلك فتارة تورد عليه المسألتان صورتهما واحدة وحكمهما مختلف فصورةالصحيح والجائز صورة الباطل والمحرم ويختلفان بالحقيقة فيذهل بالصورة عن الحقيقة فيجمع بين ما فرق الله ورسوله بينه وتارة تورد عليه المسالتان صورتهما مختلفة وحقيقتهما واحدة وحكمهما واحد فيذهل باختلاف الصورة عن تساويهما في الحقيقة فيفرق بين ما جمع الله بينة وتارة تورد عليه المسألة مجملة تحتها عدة أنواع فيذهل وهمه إلى واحد منها ويذهل عن المسئول عنه منها فيجيب بغير الصواب وتارة تورد عليه المسألة الباطلة في دين الله في قالب مزخرف ولفظ حسن فيتبادر إلى تسويغها وهي من أبطل الباطل وتارة بالعكس فلا اله الا الله كم ههنا عن مزلة اقدام ومجال أوهام وما دعا محق إلى حق إلا أخرجه الشيطان على لسان أخيه ووليه من الانس في قالب تنفر عنه خفافيش البصائر وضعفاءالعقول وهم أكثر الناس وما حذر أحد من باطل الا أخرجه الشيطان على لسان وليه من الانس في قالب مزخرف يستخف به عقول ذلك الضرب من الناس فيستجيبون له وأكثر الناس نظرهم قاصر على الصور لا يتجاوزونها إلى الحقائق فهم محبوسون في سجن الالفاظ مقيدون بقيود لعبارات كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ}.

وأذكر لك من هذا مثالا وقع في زماننا وهو ان السلطان أمر أن يلزم أهل الذمة بتغيير عمائمهم وأن تكون خلاف الوان عمائم المسلمين فقامت لذلك قيامتهم وعظم عليهم وكان في ذلك من المصالح وإعزاز الإسلام وإذلال الكفرة ما قرت به عيون المسلمين فألقى الشيطان على ألسنة أوليائه وإخوانه ان صوروا فتيا يتوصلون بها إلى إزالة هذا الغبار وهي ما تقول السادة العلماء في قوم من أهل الذمة ألزموا بلباس غير لباسهم المعتاد وزي غير زيهم المالوف فحصل لهم بذلك ضرر عظم في الطرقات والفلوات وتجرأ عليهم بسببه السفهاء والرعاة وآذوهم غاية الأذى فطمع بذلك في إهانتهم والتعدي عليهم فهل يسوغ للامام ردهم إلى زيهم الأول وإعادتهم إلى ما كانوا عليه مع حصول التميز بعلامة يعرفون بها وهل في ذلك مخالفة للشرع أم لا فاجابهم من مسع التوفيق وصد عن الطريق بجواز ذلك وأن للامام إعادتهم إلى ما كانوا عليه قال شيخنا فجاءتني الفتوى فقلت لا تجوز إعادتهم ويجب إبقاؤهم على الزي الذي يتميزون به عن المسلمين فذهبوا ثم غيروا الفتوى ثم جاءوا بها في قالب آخر فقلت لا تجوز إعادتهم فذهبوا ثم أتوا بها في قالب آخر فقلت هي المسألة المعينة وان خرجت في عدة قوالب ثم ذهب إلى السلطان وتكلم عنده بكلام عجب منه الحاضرون فاطبق القوم على ابقائهم ولله الحمد.

ونظائر هذه الحادئة أكثر من ان تحصى فقد القى الشيطان على ألسنة أوليائه ان صوروا فتوى فيما يحدث ليلة النصف في الجامع وأخرجوها في قالب حسن حتى استخفوا عقل بعض المفتين فأفتاهم بجوازه وسبحان الله كم توصل بهذه الطرق إلى إبطال حق وإثبات باطل وأكثر الناس إنما هم أهل ظواهر في الكلام واللباس والافعال واهل النقد منهم الذين يعبرون من الظاهر إلى حقيقته وباطنه لا يبلغون عشر معشار غيرهم ولا قريبا من ذلك فالله المستعان.

لا يفصل المفتي إلا إذا دعت الحاجة

الفائدة التاسعة عشرة إذا سئل عن مسألة من الفرائض لم يجب عليه ان يذكر موانع الارث فيقول بشرط الا يكون كافرا ولا رقيقا ولا قاتلا وإذا سئل عن فريضه فيها اخ وجب عليه ان يقول إن كان لاب فله كذا وإن كان لام فله كذا وكذلك إذا سئل عن الاعمام وبنيهم وبني الاخوة وعن الجد والجدة فلا بد من التفصيل والفرق بين الموضعين ان السؤال المطلق في الصورة الأولى يدل على الوارث الذي لم يقم به مانع من الميراث كما لو سئل عن رجل باع أوآجر أو تزوج أوأقر لم يجب عليه ان يذكر موانع الصحه من الجنون والإكراه ونحوهما إلا حيث يكون الاحتمال متساويا.

ومن تأمل أجوبة النبي ﷺ رآه يستفصل حيث تدعو الحاجة إلى الاستفصال ويتركه حيث لا يحتاج إليه ويحيل فيه مرة على ما علم من شرعه ودينه من شروط الحكم وتوابعه بل هذا كثير في القرآن كقوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} وقوله: {فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} وقوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ}.

ولا يجب على المتكم والمفتى ان يستوعب شرائط الحكم وموانعه كلها عند ذكر حكم المسألة ولا ينفع السائل والمتكلم والمتعلم قوله بسرطه وعدم موانعه ونحو ذلك فلا بيان أتم من بيان الله ورسوله ولا هدى اكمل من هدى الصحابة والتابعين وبالله التوفيق.

الاختلاف في فتوى المقلد

الفائدة العشرون: لا يجوز للمقلد ان يفتي في دين الله بما هو مقلد فيه وليس على بصيرة فيه سوى انه قول من قلده دينه هذا إجماع من السلف كلهم وصرح به الإمام أحمد والشافعي رضي الله عنهما وغيرهما.

قال أبو عمرو بن الصلاح: قطع أبو عبد الله الحليم إمام الشافعيين بما وراء النهر والقاضي أبو المحاسن الروياني صاحب بحر المذهب وغيرها بانه لا يجوز للمقلد ان يفتى بما هو مقلد فيه.

وقال: وذكر الشيخ أبو محمد الجويني في شرحه لرسالة الشافعي عن شيخه أبي بكر القفال المروزي أنه يجوز لمن حفظ كلام صاحب مذهب ونصوصه أن يفتي به وإن لم يكن عارفا بغوامضه وحقائقه وخالفه الشيخ أبو محمد وقال لا يجوز أن يفتي بمذهب غيره إذا لم يكن متبحرا فيه عالما بغوامضه وحقائقه كما لا يجوز للعامي الذي جمع فتاوي المفتين أن يفيى بها وإذا كان متبحرا فيه جاز أن يفتي به.

وقال أبو عمرو: من قال: "لا يجوز له أن يفتي بذلك" معناه لا يذكره في صورة ما يقوله من عند نفسه بل يضيفه إلى غيره ويحكيه عن إمامه الذي قلده فعلى هذا من عددناه في اصناف المفتين المقلدين ليسوا على الحقيقة من المفتين ولكنهم قاموا مقام المفتين وادعوا عنهم فعدوا منهم وسبيلهم في ذلك ان يقولوا مثلا مذهب الشافعي كذا وكذا ومقتضى مذهبه كذا وكذا وما أشبه ذلك ومن ترك منهم إضافة ذلك إلى إمامه فإن كان ذلك اكتفاء منه بالمعلوم عن الصريح فلا بأس.

قلت: ما ذكره أبو عمرو حسن إلا أن صاحب هذه المرتبة يحرم عليه ان يقول مذهب الشافعي لما لا يعلم انه نصه الذي أفتى به أو يكون شهرته بين أهل المذهب شهرة لا يحتاج معها إلى الوقوف على نصه كشهرة مذهبه في الجهر بالبسملة والقنوت في الفجر ووجوب تبييت النية للصوم في الفرض من الليل ونحو ذلك فأما مجرد ما يجد في كتب من انتسب إلى مذهبه من الفروع فلا يسعه ان يضيفها إلى نصه ومذهبه بمجرد وجودها في كتبهم فكم فيها من مسألة لا نص له فيها البتة ولا ما يدل عليه وكم فيها من مسألة نصه على خلافها وكم فيها من مسألة اختلف المنتسبون إليه في إضافتها إلى مقتضى نصه ومذهبه فهذا يضيف إلى مذهبه إثباتها وهذا يضيف إليه نفيها فلا ندري كيف يسع المفتي عند الله ان يقول هذا مذهب الشافعي وهذا مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة واما قول الشيخ أبي عمرو إن لهذا المفتي ان يقول هذا مقتضى مذهب الشافعي مثلا فلعمرالله لا يقبل ذلك من كل من نصب نفسه للفتيا حتى يكون عالما بمأخذ صاحب المذهب ومداركه وقواعده جمعا وفرقا ويعلم ان ذلك الحكم مطابق لأصوله وقواعده بعد استفراغ وسعه في معرفة ذلك فيها إذا أخبر ان هذا مقتضى مذهبه كان له حكم أمثاله ممن قال بمبلغ علمه ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

وبالجملة فالمفتي مخبر عن الحكم الشرعي وهو اما مخبر عما فهمه عن الله ورسوله واما عما فهمه من كتاب أو نصوص من قلده دينه وهذا لون فكما لا يسع الأول ان يخبر عن الله ورسوله إلا بما علمه فكذا لا يسع الثاني ان يخبر عن إمامة الذي قلده دينه إلا بما يعلمه وبالله التوفيق.

الاختلاف في تولية الفقيه القاصر عن معرفة الكتاب والسنة الإفتاء

الفائدة الحادية والعشرون: إذا تفقه الرجل وقرأ كتابا من كتب الفقه أو أكثر وهو مع ذلك قاصر في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف والاستنباط والترجيح فهل يسوغ تقليده في الفتوى فيه للناس أربعة أقوال الجواز مطلقا والمنع مطلقا والجواز عند عدم المجتهد ولا يجوز مع وجوده والجواز إن كان مطلعا على ما أخذ من يفتي بقولهم والمنع إن لم يكن مطلعا.

والصواب فيه التفصيل وهو أنه إن كان السائل يمكنه التوصل إلى عالم يهديه السبيل لم يحل له استفتاء مثل هذا ولا يحل لهذا ان ينسب نفسه للفتوى مع وجود هذا العالم وإن لم يكن في بلده أو ناحيته غيره بحيث لا يجد المستفتي من يسأله سواه فلا ريب أن رجوعه إليه أولى من ان يقدم على العمل بلا علم أو يبقى مرتبكا في حيرته مترددا في عماه وجهالته بل هذا هو المستطاع من تقواه المأمور بها.

ونظير هذه المسألة إذا لم يجد السلطان من يوليه إلا قاضيا عاريا من شروط القضاء لم يعطل البلد عن قاض وولي الأمثل فالأمثل.

ونظير هذا لو كان الفسق هو الغالب على أهل تلك البلد وان لم تقبل شهادة بعضهم على بعض وشهادته له تعطلت الحقوق وضاعت قبل شهاده الأمثل فالأمثل.

ونظيرها لو غلب الحرام المحض أو الشبهة حتى لم يجد الحلال المحض فإنه يتناول الأمثل فالأمثل ونظير هذا لو شهد بعض النساء على بعض بحق في بدن أو عرض أو مال وهن منفردات بحيث لا رجل معهن كالحمامات والأعراس قبلت شهادة فالأمثل منهن قطعا ولا يضيع الله ورسوله حق المظلوم ولا يعطل إقامة دينه في مثل هذه الصورة أبدا بل قد نبه الله تعالى على القبول في مثل هذه الصورة بقبول شهادة الكفار على المسلمين في السفر في الوصية في آخر سورة أنزلت في القرآن ولم ينسخها شيء ألبتة ولا نسخ هذا الحكم كتاب ولا سنة ولا أجمعت الأمة على خلافة ولا يليق بالشريعة سواه فالشريعة شرعت لتحصيل مصالح العباد بحسب الإمكان وأي مصلحة لهم في تعطيل حقوقهم إذا لم يحضر أسباب تلك الحقوق شاهدان حران ذكران عدلان بل إذا قلتم تقبل شهادة الفساق حيث لاعدل وينفذ حكم الجاهل والفاسق إذا خلا الزمان عن قاض عالم عادل فكيف لا تقبل شهادة النساء إذا خلا جمعهن عن رجل أو شهادة العبيد إذا خلا جمعهم عن حر أو شهادة الكفار بعضهم على بعض إذا خلا جمعهم عن مسلم وقد قبل ابن الزبير شهادة الصبيان بعضهم على بعض في تجارحهم ولم ينكره عليه أحد من الصحابة وقد قال به مالك والإمام أحمد رحمهما الله تعالى في إحدى الروايتين عنه حيث يغلب على الظن صدقهم بأن يجتنبوا أو يتفرقوا إلى بيوتهم وهذا هو الصواب وبالله التوفيق.

وكلام أصحاب أحمد في ذلك يخرج على وجهين فقد منع كثير منهم الفتوى والحكم بالتقليد وجوزه بعضهم لكن على وجه الحكاية لقول المجتهد كما قال أبو إسحاق بن شاقلا وقد جلس في جامع المنصور فذكر قول أحمد أن المفتي بنبغي له أن يحفظ أربعمائة ألف حديث ثم يفتي فقال له رجل أنت تحفظ هذا فقال إن لم أحفظ هذا فأنا أفتي بقول من كان يحفظه وقال أبو الحسن ابن بشار من كبار أصحابنا ماضر رجلا عنده ثلاث مسائل أوأربع من فتاوي الإمام أحمد يستند إلى هذه السارية ويقول قال أحمد بن حنبل الاختلاف في إفتاء العامي في حادثة عرف دليلها:

الفائدة الثانية والعشرين: إذا عرف العامي حكم حادثة بدليلها فهل له ان يفتي به ويسوغ لغيره تقليده فيه ففيه ثلاثة أوجه للشافعية وغيرهم أحدهما الجواز لأنه قد حصل له العلم بحكم تلك الحادثة عن دليلها كما حصل للعالم وان تميز العالم عنه بقوة يتمكن بها من تقرير الدليل ودفع المعارض له فهذا قدر زائد على معرفة الحق بدليله والثاني لا يجوز له ذلك مطلقا لعدم أهليته للاستدلال وعدم علمه بشرطه وما يعارضه ولعله يظن دليلا ما ليس بدليل والثالث ان كان الدليل كتابا أو سنة جاز له الإفتاء وان كان غيرهما لم يجز لأن القران والسنة خطاب لجميع المكلفين فيجب على المكلف ان يعمل بما وصل إليه من كتاب ربه تعالى وسنة نبيه ﷺ ويجوز له ان يرشد غيره إليه ويدله عليه.

الخصال التي يجب ان يتصف بها المفتي

الفائدة الثالثة والعشرين: ذكر أبو عبد الله بن بطة في كتابه في الخلع عن الإمام أحمد انه قال لا ينبغي للرجل ان ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال أولها ان تكون له نية فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور والثانية أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة الثالثة أن يكون قويا على ما هو فيه وعلى معرفتة الرابعة الكفاية والا مضغه الناس الخامسة معرفة الناس.

وهذا مما يدل على جلالة أحمد ومحله من العلم والمعرفة فإن هذه الخمسة هي دعائم الفتوى واي شئ نقص منها ظهر الخلل في المفتي بحسبه.

منزلة النية

فأما النية فهى رأس الأمر وعموده واساسه واصله الذي عليه يبنى فإنها روح العمل وقائده وسائقه والعمل تابع لها يبنى عليها يصح بصحتها ويفسد بفسادها وبها يستجلب التوفيق وبعدمها يحصل الخذلان وبحسبها تتفاوت الدرجات في الدنيا والآخرة فكم بين مريد الفتوى وجه الله ورضاه والقرب منه وما عنده ومريد بها وجه المخلوق ورجاء منفعته وما يناله منه تخويفا أو طمعا فيفتي الرجلان بالفتوى الواحدة وبينهما في الفضل والثواب اعظم مما بين المشرق والمغرب هذا يفتى لتكون كلمة الله هي العليا ودينه هو الظاهر ورسوله هو المطاع وهذا يفتي ليكون قوله هو المسموع وهو المشار إليه وجاهه هو القائم سواء وافق الكتاب والسنة أو خلفهما فالله المستعان.

وقد جرت عادة الله التي لا تبدل وسنته التي لا تحول ان يلبس المخلص من المهابة والنور والمحبة في قلوب الخلق وإقبال قلوبهم إليه ما هو بحسب أصلاصه ونيته ومعاملته لربه ويلبس المرائي اللابس ثوبى الزور من المقت والمهانة والبغضة ما هو اللائق به فالمخلص له المهابة والمحبة وللآخر المقت والبغضاء.

من الصفات التي يتصف بها المفتي الحلم الوقار والسكينة

وأما قوله: "ان يكون له حلم ووقار وسكينة فليس صاحب العلم والفتيا إلى شئ احوج منه إلى الحلم والسكينة والوقار فإنها كسوة علمه وجماله وإذا فقدها كان علمه كالبدن العاري من اللباس" وقال بعض السلف: ما قرن شئ إلى شئ أحسن من علم إلى حلم والناس ههنا أربعة اقسام فخيارهم من اوتى الحلم والعلم وشرارهم من عدمهما الثالث من أوتى علما بلا حلم الرابع عكسه فالحلم زينة العلم وبهاؤه وجماله وضده الطيش والعجلة والحدة والتسرع وعدم الثبات فالحليم لا يستفزه البدوات ولا يستخفه الذين لا يعلمون ولا يقلقه أهل الطيش والخفة والجهل بل هو وقور ثابت ذو أناة يملك نفسه عند ورود أوائل الامور عليه ولا تملكه اوائلها وملاحظته للعواقب تمنعه من ان تستخفه دواعي الغضب والشهوة فبالعلم تنكشف له مواقع الخير والشر والصلاح والفساد وبالحلم يتمكن من تثبيت نفسه عند الخير فيؤثره ويصبر عليه وعند الشر فيصبر عنه فالعلم يعرفة رشده والحلم يثبته عليه وإذا شئت ان ترى بصيرا بالخير والشر لا صبر له على هذا ولا عن هذا رأيته إذا شئت ان ترى صابرا على المشاق لا بصيرة له رأيته وإذا شئت ان ترى من لا صبر له ولابصيره رأيته وإذا شئت ان ترى بصيرا صابرا لم تكد فإذا رأيته فقد رايت إمام هدى حقا فاستمسك بغرزه والوقار والسكينة ثمرة الحلم ونتيجته.

ولشدة الحاجة إلى السكينة وحقيقتها وتفاصيلها وأقسامها نشير إلى ذلك بحسب علومنا القاصرة وأذهاننا الجامدة وعباراتنا الناقصة ولكن نحن ابناء الزمان والناس بزمانهم اشبه منهم بآبائهم ولكل زمان دولة ورجال.

معنى السكينة

فالسكينة فعيلة من السكون وهو طمأنينة القلب واستقراره واصلها في القلب ويظهر اثرها على الجوارح وهي عامة وخاصة.

سكينة الانبياء

فسكينة الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم اخص مراتبها وعلى اقسامه كالسكينة التي حصلت لإبراهيم الخليل وقد القى في المنجنيق مسافرا إلى ما اضرم له اعداء الله من النار فلله تلك السكينة التي كانت في قلبه حين ذلك السفر وكذلك السكينة التي حصلت لموسى وقد غشيه فرعون وجنوده من ورائهم والبحر أمامهم وقد استغاث بنو اسرائيل يا موسى إلى أين تذهب بنا هذا البحر امامنا وهذا فرعون خلفنا وكذلك السكينة التي حصلت له وقت تكليم الله له نداء ونجاء كلاما حقيقة سمعه حقيقة بأذنه وكذلك السكينة التي حصلت له وقد رأى العصا ثعبانا مبينا وكذلك السكينة التي نزلت عليه وقد راى حبال القوم وعصيهم كأنها تسعى فأوجس في نفسه خيفة وكذلك السكينة التي حصلت لنبينا ﷺ وقد اشرف عليه وعلى صاحبه عدوهما وهما في الغار فلو نظر احدهم إلى تحت قدميه لرآهما وكذلك السكينة التي نزلت عليه في موافقة العظيمة واعداء الله قد أحاطوا به كيوم بدر ويوم حنين ويوم الخندق وغيره فهذه السكينة أمر فوق عقول البشر وهي من اعظم معجزاته عند ارباب البصائر فان الكذاب ولا سيما على الله املق ما يكون واخوف ما يكون واشده اضطرابا في مثل هذه المواطن فلوا لم يكن للرسل صلوات الله وسلامه عليهم من الآيات إلا هذه وحدها لكفتهم.

سكينة أتباع الرسل

وأما الخاصة فتكون لاتباع الرسل بحسب متابعتهم وهي سكينة الايمان وهي سكينة تسكن القلوب عن الريب والشك ولهذا أنزلها الله على المؤمنين في اصعب المواطن احوج ما كانوا اليها هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع ايمانهم ولله جنود السموات والأرض وكان الله عليما حكيما فذكر نعمته عليهم بالجنود الخارجة عنهم والجنود الداخلة فيهم وهي السكينة عند القلق والاضطراب الذي لم يصبر عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وذلك يوم الحديبية قال الله سبحانه وتعالى يذكر نعمته عليهم بإنزالها أحوج ما كانوا اليها لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا لما علم الله سبحانه وتعالى ما في قلوبهم من القلق والاضطراب لما منعهم كفار قريش من دخول بيت الله وحبسوا الهدى عن محله واشترطوا عليهم تلك الشروط الجائرة الظالمة فاضطربت قلوبهم وقلقت ولم تطق الصبر فعلم تعالى ما فيها فثبتها بالسكينة رحمة منه ورافة ولطفا وهو اللطيف الخبير وتحتمل الآية وجها آخر وهو أنه سبحانه علم ما في قلوبهم من الايمان والخير ومحبته ومحبة رسوله فثبتها بالسكينة وقت قلقها واضطرابها والظاهر ان الآية تعم الأمرين وهو أنه علم ما في قلوبهم مما يحتاجون معه إلى إنزال السكينة وما في قلوبهم من الخير الذي هو سبب انزالها ثم قال بعد ذلك إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها واهلها وكان الله بكل شئ عليما لما كانت حمية الجاهلية توجب من الأقوال والاعمال ما يناسبها جعل الله في قلوب أوليائه سكينة تقابل حمية الجاهلية وفي السنتهم كلمة التقوى مقابلة لما توجبه حمية الجاهلية من كلمة الفجور فكان حظ المؤمنين السكينة في قلوبهم وكلمة التقوى على السنتهم وحظ اعدائهم حمية الجاهلية في قلوبهم وكلمة الفجور والعدوان على ألسنتهم فكانت هذه السكينة وهذه الكلمة جند من جند الله ايد بها الله رسوله والمؤمنين في مقابلة جند الشيطان الذي في قلوب أوليائه والسنتهم وثمرة هذه السكينة الطمأنينة للخير تصديقا وإيقانا وللامر تسليما وإذعانا فلا تدع شبهة تعارض الخير ولا إرادة تعارض الأمر فلا تمر معارضات السوء بالقلب إلا وهي مجتازة من مرور الوساوس الشيطانية التي يبتلى بها العبد ليقوى إيمانه ويعلو عند الله ميزانه بمدافعتها وردها وعدم السكون اليها فلا يظن المؤمن انها لنقص درجته عند الله.

فصل السكينة عند القيام بوظائف العبودية

ومنها السكينة عند القيام بوظائف العبودية وهي التي تورث الخضوع والخشوع وغض الطرف وجمعية القلب على الله تعالى بحيث يؤدي عبوديته بقلبه وبدنه والخشوع نتيجة هذه السكينة وثمرتها وخشوع الجوارح نتيجة خشوع القلب وقد رأى النبي ﷺ رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه.

فإن قلت: قد ذكرت اقسامها ونتيجتها وثمرتها وعلامتها فما أسبابها الجالبة لها؟

الأسباب المؤدية إلى السكينة

قلت: سببها استيلاء مراقبة العبد لربه جل جلاله حتى كأنه يراه وكلما اشتدت هذه المراقبة أوجبت له من الحياء والسكينة والمحبة والخضوع والخشوع والخوف والرجاء ما لا يحصل بدونها فالمراقبة اساس الاعمال القلبية كلها وعمودها الذي قيامها به ولقد جمع النبي ﷺ أصول اعمال القلب وفروعها كلها في كلمة واحدة وفي قوله في الاحسان ان تعبد الله كانك تراه فتأمل كل مقام من مقامات الدين وكل عمل من أعمال القلوب كيف تجد هذا أصله ومنبعه؟

والمقصود أن العبد محتاج إلى السكينة عند الوساوس المعترضة في أصل الايمان ليثبت قلبه ولا يزيغ وعند الوساوس والخطرات القادحة في اعمال الايمان لئلا تقوى وتصير هموما وغموما وارادات ينقص بها ايمانه وعند أسباب المخاوف على اختلافها ليثبت قلبه ويسكن جأشه وعند أسباب الفرح لئلا يطمح به مركبه فيجاوز الحد الذي لا يعبر فينقلب ترحا وحزنا وكم ممن أنعم الله عليه بما يفرحه فجمح به مركب الفرح وتجاوز الحد فانقلب ترحا عاجلا ولو أعين بسكينة تعدل فرحه لأريد به الخير وبالله التوفيق وعند هجوم الأسباب المؤلمه على اختلافها الظاهره والباطنه فما احوجه إلى السكينة حينئذ وما انفعها له وأجداها عليه واحسن عاقبتها.

والسكينة في هذه المواطن علامة على الظفر وحصول المحبوب واندفاع المكروه وفقدها علامه على ضد ذلك لا يخطئ هذا ولا هذا والله المستعان.

الاستظهار بالعلم

وأما قوله: "ان يكون قويا على ما هو فيه وعلى معرفته أي مستظهرا مضطعا بالعلم متمكنا منه غير ضعيف فيه فإنه إذا كان ضيفا قليل البضاعةغير مضطلع به أحجم عن الحق في موضع ينبغي فيه الإقدام لقلة علمه بمواضع الإقدام والاحجام فهو يقدم في غير موضعه ويحجم في غير موضعه ولا بصيرة له بالحق ولا قوة له على تنفيذه فالمفتى محتاج إلى قوة في العلم وقوة في التنفيذ فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له.

الكفاية

وأما قوله: "الرابعة الكفاية وإلا مضغه الناس" فإنه إذا لم يكن له كفاية احتاج إلى الناس والى الأخذ مما في ايديهم فلا يأكل منهم شيئا إلا اكلوا من لحمه وعرضه اضعافه وقد كان لسفيان الثوري شئ من مال وكان لا يتروى في بذله ويقول لولا ذلك لتمندل بنا هؤلاء فالعالم إذا منح غناء فقد أعين على تنفيذ علمه وإذا احتاج إلى الناس فقد مات علمه وهو ينظر.

معرفة الناس

وأما قوله الخامسة معرفة الناس فهذا أصل عظيم يحتاج إليه المفتي والحاكم فإن لم يكن فقيها فيه فقيها في الأمر والنهي ثم يطبق أحدهما على الاخر وإلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح فإنه إذا لم يكن فقيها في الأمر له معرفة بالناس تصور له الظالم بصوره المظلوم وعكسه والمحق بصورة المبطل وعكسه وراج عليه المكر والخداع والاحتيال وتصور له الزنديق في صورة الصديق والكاذب في صورة الصادق ولبس كل مبطل ثوب زور تحتها الإثم والكذب والفجور وهو لجهله بالناس وأحوالهم وعوائدهم وعرفياتهم لا يميز هذا من هذا بل ينبغي له أن يكون فقيها في معرفة مكر الناس وخداعهم واحتيالهم وعوائدهم وعرفياتهم فإن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال وذلك كله من دين الله كما تقدم بيانه وبالله التوفيق.

فوائد تتعلق بالفتوى مروية عن الإمام أحمد

الفائدة الرابعة والعشرون: في كلمات حفظت عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى ورضي عنه في أمر الفتيا سوى ما تقدم آنفا.

قال في رواية ابنه صالح: ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالما بوجوه القرآن عالما بالاسانيد الصحيحة عالما بالسنن وقال في رواية أبي الحارث لا تجوز الفتيا إلا لرجل عالم بالكتاب والسنة وقال في رواية حنبل ينبغي لمن أفتى أن يكون عالما بقول من تقدم وإلا فلا يفتي وقال في رواية يوسف بن موسى أحب ان يتعلم الرجل كل ما تكلم فيه الناس وقال في رواية ابنه عبد الله وقد سأله عن الرجل يريد أن يسأله عن أمر دينه مما يبتلي به من الايمان في الطلاق وغيره وفي مصره من أصحاب الراي وأصحاب الحديث لا يحفظون ولا يعرفون الحديث الضعيف ولا الإسناد القوي فلمن يسأل لهؤلاء أو لأصحاب الحديث على قلة معرفتهم فقال يسأل أصحاب الحديث ولا يسأل أصحاب الرأي ضعيف الحديث خير من الرأي وقال في رواية محمد بن عبيد الله بن المنادى وقد سمع رجلا يساله إذا حفظ الرجل مائة ألف حديث يكون فقيها قال لا قال فمائتي ألف قال لا قال فثلاثمائة ألف قال لا قال فأربعمائة ألف قال بيده هكذا وحركها قال حفيده أحمد بن جعفر بن محمد فقلت لجدي كم كان يحفظ أحمد فقال أجاب عن ستمائة ألف.

وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن الرجل يكون عنده الكتب المصنفة فيها قول رسول الله ﷺ والصحابة والتابعين وليس للرجل بصر بالحديث الضعيف المتروك ولا الإسناد القوي من الضعيف فيجور ان يعمل بما شاء ويتخير منها فيفتى به ويعمل به قال لا يعمل حتى يسأل ما يؤخذ به منها فيكون يعمل على أمر صحيح يسال عن ذلك أهل العلم.

وقال أبو داود: سمعت أحمد وسئل عن مسألة فقال: دعنا من هذه المسائل المحدثة وما أحصي ما سمعت أحمد سئل عن كثير مما فيه الاختلاف من العلم فيقول لا أدري وسمعته يقول ما رأيت مثل ابن عيينة في الفتيا أحسن فتيا منه كان أهون عليه ان يقول لا ادري من يحسن مثل هذا سل العلماء وقال أبو داود قلت لأحمد الأوزاعي هو اتبع من مالك فقال لا تقلد دينك احدا من هؤلاء ما جاء عن النبي ﷺ وأصحابه فخذ به ثم التابعين بعد الرجل فيه مخير وقال إسحاق بن هاني سألت أبا عبد الله عن الذي جاء في الحديث أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار فقال يفتى بما لم يسمع وقال أيضا قلت لأبي عبد الله يطلب الرجل الحديث بقدر ما يظن أنه قد انتفع به قال العلم لا يعدله شئ وجاءه رجل يسأله عن شئ فقال لا اجيبك في شئ ثم قال قال عبد الله بن مسعود إن كل من يفتى الناس في كل ما يستفتونه لمجنون قال الاعمش فذكرت ذلك للحاكم فقال لو حدثتني به قبل اليوم ما افتيت في كثير مما كنت أفتى به قال ابن هاني وقيل لابي عبد الله يكون الرجل في قرية فيسأل عن الشيء الذي فيه اختلاف قال يفتي بما وافق الكتاب والسنة وما لم يوافق الكتاب والسنة امسك عنه قيل له افتخاف عليه قال لا قيل له ما كان من كلام إسحاق بن راهويه وما كان وضع في الكتاب وكلام أبي عبيد ومالك ترى النظر فيه فقال كل كتاب ابتدع فهو بدعة أو كل كتاب محدث فهو بدعة واما ما كان عن مناظرة يخبر الرجل بما عنده وما يسمع من الفتيا فلا أرى به بأسا قيل له فكتاب أبي عبيد غريب الحديث قال ذلك شئ حكاه عن قوم أعراب قيل له فهذه الفوائد التي فيها المناكير ترى ان تكتب قال المنكر أبدا منكر.

دلالة العالم للمستفتي على غيره

الفائدة الخامسة والعشرون: في دلالة العالم للمستفتي على غيره وهو موضع خطر جدا فلينظر الرجل ما يحدث من ذلك فإنه متسبب بدلالته إما إلى الكذب على الله ورسوله في أحكامه أو القول عليه بلا علم فهو معين على الإثم والعدوان وإما معين على البر والتقوى فلينظر الإنسان إلى من يدل عليه وليتق الله ربه فكان شيخنا قدس الله روحه شديد التجنب لذلك ودللت مرة بحضرته على مفت أو مذهب فانتهرني وقال مالك وله دعه ففهمت من كلامه إنك لتبوء بما عساه يحصل له من الإثم ولمن أفتاه ثم رأيت هذه المسألة بعينها منصوصة عن الإمام أحمد قال أبو داود في مسائلة قلت لأحمد الرجل يسأل عن المسألة فأدله على إنسان يسأله فقال إذا كان يعني الذي أرشدته إليه متبعا ويفتي بالسنة فقيل لأحمد إنه يريد الاتباع وليس كل قوله يصيب فقال أحمد ومن يصيب في كل شيء قلت له فرأي مالك فقال لا تتقلد في مثل هذا بشيء قلت وأحمد كان يدل على أهل المدينة ويدل على الشافعي ويدل على إسحاق ولا خلاف عنه في استفتاء هؤلاء ولا خلاف عنه في أنه لا يستفتي أهل الرأي المخالفون لسنة رسول الله ﷺ وبالله التوفيق ولا سيما كثير من المنتسبين إلى الفتوى في هذا الزمان وغيره وقد رأى رجل ربيعة بن أبي عبد الرحمن يبكي فقال ما يبكيك فقال استفتي من لا علم له وظهر في الإسلام أمر عظيم قال ولبعض من يفتي ههنا أحق بالسجن من السراق قال بعض العلماء فكيف لو رأى ربيعة زماننا وإقدام من لا علم عنده على الفتيا وتوثبه عليها ومد باع التكلف إليها وتسلقه بالجهل والجرأة عليها مع قلة الخبرة وسوء السيرة وشؤم السريرة وهو من بين أهل العلم منكر أو غريب فليس له في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف نصيب ولا يبدي جوابا بإحسان وإن ساعد القدر فتواه كذلك يقول فلان ابن فلان.

يمدون للإفتاء باعا قصيرة ** وأكثرهم عند الفتاوي يُكَذْلِكُ.

وكثير منهم نصيبهم مثل ما حكاه أبو محمد بن حزم قال كان عندنا مفت قليل البضاعة فكان لا يفتي حتى يتقدمه من يكتب الجواب فيكتب تحته جوابي مثل جواب الشيخ فقدر إن اختلف مفتيان في جواب فكتب تحتهما جوابي مثل جواب الشيخين فقيل له إنهما قد تناقضا فقال وأنا أيضا تناقضت كما تناقضا وقد أقام الله سبحانه لكل عالم ورئيس وفاضل من يظهر مماثلته ويرى الجهال وهم الأكثرون مساجلته ومشاكلته وانه يجري معه في الميدان وأنهما عند المسابقة كفرسي رهان ولا سيما إذا طول الأردان وأرخي الذوائب الطويلة وراءه كذنب الأتان وهدر باللسان وخلا له الميدان الطويل من الفرسان.

فلو لبس الحمار ثياب خز ** لقال الناس يالك من حمار.

وهذا الضرب إنما يستفتون بالشكل لا بالفضل وبالمناصب لا بالأهلية قد غرهم عكوف من لا علم عنده عليهم ومسارعة أجهل منهم إليهم تعج منهم الحقوق إلى الله تعالى عجيجا وتضح منهم الأحكام إلى من أنزلها ضجيجا فمن أقدم بالجرأة على ما ليس له من فتيا أو قضاء أو تدريس استحق اسم الذم ولم يحل قبول فتياه ولا قضائه هذا حكم دين الإسلام وإن رغمت أنوف من أناس فقل يارب لا ترغم سواها حكم كذلكة المفتي الفائدة السادسة والعشرون في حكم كذلكة المفتي ولا يخلو من حالين إما أن يعلم صواب جواب من تقدمه بالفتيا أولا يعلم فإن علم صواب جوابه فله أن يكذلك وهل الأولى له الكذلكة أو الجواب المستقل؟

فيه تفصيل: فلا يخلو المبتديء اما أن يكون أهلا أو متسلقا متعاطيا ماليس له بأهل فإن كان الثاني فتركه الكذلكة أولى مطلقا إذ في كذلته تقرير له على الإفتاء وهو كالشهادة له بالأهلية وكان بعض أهل العلم يضرب إلى فتوى من كتب وليس بأهل فإن لم يتمكن من ذلك خوف الفتنة منه فقد قيل لايكتب معه في الورقة ويرد السائل وهذا نوع تحامل والصواب انه يكتب في الورقة الجواب ولا يأنف من الإخبار بدين الله الذي يجب عليه الإخبار به لكتابة من ليس بأهل فإن هذا ليس عذرا عند الله ورسوله وأهل العلم في كتمان الحق بل هذا نوع رياسة وكبر والحق لله عز وجل فكيف يجوز ان يعطل حق الله ويكتم دينه لأجل كتابة من ليس بأهل.

وقد نص الإمام على أن الرجل إذا شهد الجنازة فرأى فيها منكرا لا يقدر على إزالته انه لا يرجع ونص على أنه دعي إلى وليمة عرس فرأى فيها منكرا لايقدر على إزالته انه يرجع فسألت شيخنا عن الفرق فقال لأن الحق في الجنازة للميت فلا يترك حقه لما فعله الحي من المنكر والحق في الوليمة لصاحب البيت فإذا أتى فيها بالمنكر فقد أسقط حقه من الإجابة وإن كان المبتدي بالجواب أهلا للإفتاء فلا يخلو إما ان يعلم المكذلك صواب جوابه أولا يعلم فإن لم يعلم صوابه لم يجز له ان يكذلك تقليدا له إذ لعله أن يكون قد غلط ولو نبه لرجع وهو معذور وليس المكذلك معذورا بل مفت بغير علم ومن أفتى بغير علم فإثمه على من أفناه وهو أحد المفتين الثلاثة الذين ثلثاهم في النار وإن علم انه قد أصاب فلا يخلو إما أن تكون المسألة ظاهرة لا يخفى وجه الصواب فيها بحيث لا يظن بالمكذلك انه قلده فيما لا يعلم أو تكون خفية فإن كانت ظاهرة فالأولى الكذلكة لأنه إعانة على البر والتقوى وشهادة للمفتى بالصواب وبراءة من الكبر والحمية وإن كانت خفية بحيث يظن بالمكذلك انه وافقه تقليدا محضا فإن أمكنه إيضاح ما أشكه الأول وزيادة بيان أو ذكر قيد أو تنبيه على أمر أغفله فالجواب المستقل أولى وإن لم يمكنه ذلك فإن شاء كذلك وإن شاء أجاب استقلالا.

فإن قيل ما الذي يمنعه من الكذلكة إذا لم يعلم صوابه تقليدا له كما قلد المبتدي من فوقه فإذا أفتى الأول بالتقليد المحض فما الذي يمنع المكذلك من تقليده.

قيل: الجواب من وجوه أحدها أن الكلام في المفتي الأول أيضا فقد نص الامام الشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة على أنه لا يحل للرجل ان يفتى بغير علم حكى في ذلك الإجماع وقد تقدم ذكر ذلك مستوفى الثاني ان هذا الأول وإن جاز له التقليد للضرورة فهذا المكذلك المتكلف لا ضرورة له إلى تقليده بل هذا من بناء الضعيف على الضعيف وذلك لا يسوغ كما لا تسوغ الشهادة على الشهادة وكما لا يجوز المسح على الخفين على طهارة التيمم ونظائر ذلك كثيرة الثالث أن هذا لو ساغ لصار الناس كلهم مفتين إذ ليس هذا بجواز تقليد المفتى أولى من غيره وبالله التوفيق.

جواز الفتوى للذي لا تجوز له الشهادة والقضاء

الفائدة السابعة والعشرون يجوز للمفتي ان يفتي أباه وابنه وشريكه ومن لا تقبل شهادته له وإن لم يجز أن يشهد له ولا يقضى له والفرق بينهما أن الإفتاء يجري مجرى الرواية فكأنه حكم عام بخلاف الشهادة والحكم فإنه يخص المشهود له والمحكوم له ولهذا يدخل الراوي في حكم الحديث الذي يرويه ويدخل في حكم الفتوى التي يفتى بها ولكن لا يجوز له أن يحابي من يفتيه فيفتى أباه أو ابنه أو صديقه بشئ ويفتى غيرهم بضده محاباة بل هذا يقدح في عدالته إلا أن يكون ثم سبب يقتضى التخصيص غير المحاباة ومثال هذا أن يكون في المسألة قولان قول بالمنع وقول بالإباحة فيفى ابنه وصديقة بقول الاباحة والأجنبي بقول المنع فإن قيل هل يجوز له ان يفتى نفسه.

قيل: نعم إذا كان له ان يفتي غيره وقد قال النبي ﷺ استفت قلبك وإن أفتاك المفتون فيجوز له أن يفتى نفسه بما يفتى غيره به ولا يجوز له أن يفتى نفسه بالرخصة وغير بالمنع ولا يجوز له إذا كان في المسألة قولان قول بالجواز وقول بالمنع أن يختار لنفسه قول الجواز ولغيره قول المنع.

وسمعت شيخنا يقول سمعت بعض الأمراء يقول عن بعض المفتين من أهل زمانه يكون عندهم في المسألة ثلاثة أقوال أحدها الجواز والثاني المنع والثالث التفصيل فالجواز لهم والمنع لغيرهم وعليه العمل.

لا يجوز الفتيا بالتشهي والتخير

الفائدة الثامنة والعشرون لا يجوز للمفتي ان يعمل بما يشاء من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح ولا يعتد به بل يكتفي في العمل بمجرد كون ذلك قولا قاله إمام أو وجها ذهب إليه جماعة فيعمل بما يشاء من الوجوه والأقوال حيث رأى القول وفق إرادته وغرضه عمل به فإرادته وغرضه هو المعيار وبها الترجيح وهذا حرام باتفاق الأمة.

وهذا مثل ما حكى القاضي أبو الوليد الباجي عن بعض أهل زمانه ممن نصب نفسه للفتوى: "أنه كان يقول إن الذي لصديقي على إذا وقعت له حكومة أو فتيا أن أفتيه بالرواية التي توافقه" وقال: "وأخبرني من أثق به انه وقعت له واقعة فأفتاه جماعة من المفتين بما يضره وأنه كان غائبا فلما حضر سألهم بنفسه فقالوا لم نعلم أنها لك وأفتوه بالرواية الأخرى التي توافقه قال وهذا مما لا خلاف بين المسلمين ممن يعتد بهم في الإجماع انه لا يجوز" وقد قال مالك: "رحمه الله في اختلاف الصحابة رضي الله عنهم مخطئ ومصيب فعليك بالاجتهاد".

وبالجملة فلا يجوز العمل والإفتاء في دين الله بالتشهى والتخير وموافقة الغرض فيطلب القول الذي يوافق غرضه وغرض من يحابيه فيعمل به ويفتى به ويحكم به ويحكم على عدوه ويفتيه بضده وهذا من افسق الفسوق واكبر الكبائر والله المستعان.

أنواع المفتين

الفائدة التاسعة والعشرون: المفتون الذين نصبوا أنفسهم للفتوى أربعة أقسام.

النوع الأول من أنواع المفتين

أحدهم العالم بكتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة فهو المجتهد في أحكام النوازل يقصد فيها موافقه الأدلة الشرعية حيث كانت ولا ينافي اجتهاده تقليده لغيره أحيانا فلا تجد أحدا من الأئمة إلا وهو مقلد من هو أعلم منه في بعض الاحكام وقد قال الشافعي رحمه الله ورضي عنه: في موضع من الحج قلته تقليدا لعطاء فهذا النوع الذي يسوغ لهم الإفتاء ويسوغ استفتاؤهم ويتأدى بهم فرض الاجتهاد وهم الذين قال فيهم النبي ﷺ إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها وهم غرس الله الذين لا يزال يغرسهم في دينه وهم الذين قال فيهم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لن تخلو الأرض من قائم لله بحجته.

فصل النوع الثاني من أنواع المفتين

النوع الثاني مجتهد مقيد في مذهب من ائتم به فهو مجتهد في معرفة فتاويه وأقواله ومأخذه وأصوله عارف بها متمكن من التخريج عليها وقياس ما لم ينص من ائتم به عليه على منصوصه من غير أن يكون مقلدا لإمامه لا في الحكم ولا في الدليل لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتيا ودعا إلى مذهبه ورتبه وقرره فهو موافق له في مقصده وطريقه معا.

وقد ادعى هذه المرتبة من الحنابلة القاضي أبو يعلى والقاضي أبو علي بن أبي موسى في شرح الإرشاد الذي له ومن الشافعية خلق كثير وقد اختلف الحنفية في أبي يوسف ومحمد وزفر بن الهذيل والشافعية في المزني وابن سريج وابن المنذر ومحمد بن نصر المروزي والمالكية في أشهب وابن عبد الحكم وابن القاسم وابن وهب والحنابلة في ابى حامد والقاضي هل كان هؤلاء مستقلين بالاجتهاد أو متقيدين مذاهب أئمتهم على قولين ومن تأمل أحوال هؤلاء وفتاويهم واختياراتهم علم أنهم لم يكونوا مقلدين لائمتهم في كل ما قالوه وخلافهم لهم أظهر من أن ينكر وإن كان منهم المستقل والمستكثر ورتبة هؤلاء دون رتبة الأئمة في الاستقلال بالاجتهاد.

فصل النوع الثالث من أنواع المفتين

النوع الثالث من هو مجتهد في مذهب من انتسب إليه مقرر له بالدليل متقن لفتاويه عالم بها لا يتعدى أقواله وفتاويه ولا يخالفها وإذا وجد نص إمامه لم يعدل عنه إلى غيره البته وهذا شأن أكثر المصنفين في مذاهب أئمتهم وهو حال أكثر علماء الطوائف وكثير منهم يظن انه لا حاجة به إلى معرفة الكتاب والسنة والعربية لكونه مجتزيا بنصوص إمامه فهى عنده كنصوص الشارع قد اكتفى بها من كلفة التعب والمشقة وقد كفاه الامام استنباط الاحكام ومؤنة استخراجها من النصوص وقد يرى إمامه ذكر حكما بدليله فيكتفى هو بذلك الدليل من غير بحث عن معارض.

وهذا شأن كثير من أصحاب الوجوه والطرق والكتب المطولة والمختصرة وهؤلاء لا يدعون الاجتهاد ولا يقرون بالتقليد وكثير منهم يقول اجتهدنا في المذاهب فرأينا أقربها إلى الحق مذهب إمامنا وكل منهم يقول ذلك عن إمامه ويزعم انه أولى بالاتباع من غيره ومنهم من يغلو فيوجب اتباعه ويمنع من اتباع غيره.

فيالله العجب من اجتهاد نهض بهم إلى كون متبوعهم ومقلدهم اعلم من غيره أحق بالاتباع من سواه وأن مذهبه هو الراجح والصواب دائر معه وقد بهم عن الاجتهاد في كلام الله ورسوله واستنباط الاحكام منه وتبرجيح ما يشهد له النص مع استيلاء كلام الله ورسوله على غاية البيان وتضمنه لجوامع الكلم وفصله للخطاب وبراءته من التناقض والاختلاف والاضطراب فقعدت بهم هممهم واجتهادهم عن الاجتهاد فيه ونهضت بهم إلى الاجتهاد في كون إمامهم أعلم الأمة واولاها بالصواب وأقواله في غاية القوة وموافقة السنة والكتاب والله المستعان.

فصل النوع الرابع من أنواع المفتين

النوع الرابع طائفة تفقهت في مذاهب من انتسبت إليه وحفظت فتاويه وفروعه وأقرت على أنفسها بالتقليد المحض من جميع الوجوه فإن ذكروا الكتاب والسنة يوما في مسألة فعلى وجه التبرك والفضيلة لا على وجه الاحتجاج والعمل وإذا رأوا حديثا صحيحا مخالفا لقول من انتسبوا إليه أخذوا بقوله وتركوا الحديث وإذا رأوا أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم قد أفتوا بفتيا ووجدوا لإمامهم فتيا تخالفها أخذوا بفتيا إمامهم وتركوا فتاوي الصحابة قائلين الامام اعلم بذلك منا ونحن قد قلدناه فلا نتعداه ولا نتخطاه بل هو أعلم بما ذهب إليه منا ومن عدا هؤلاء فمتكلف متخلف قد دنا بنفسه عن رتبه المشتغلين وقصر عن درجة المحصلين فهو مكذلك مع المكذلكين وإن ساعده القدر واستقل بالجواب قال يجوز بشرطه ويصح بشرطه ويجوز ما لم يمنع منه مانع شرعي ويرجع في ذلك إلى رأي الحاكم ونحو ذلك من الأجوبة التي يستحسنها كل جاهل ويستحي منها كل فاضل.

ففتاوي القسم الأول من جنس توقيعات الملوك وعلمائهم وفتاوي النوع الثاني من جنس توقيعات نوابهم وخلفائهم وفتاوي النوع الثالث والرابع من جنس توقيعات خلفاء نوابهم ومن عداهم فمتشبع بما لم يعط متشبه بالعلماء محاك للفضلاء وفي كل طائفة من الطوائف متحقق بغيه ومحاك له متشبه به والله المستعان.

هل يجوز للمفتي المقلد لمذهب أن يفتي به

الفائدة الثلاثون: إذا كان الرجل في مذهب إمام ولم يكن مستقلا بالاجتهاد فهل له ان يفتى بقول ذلك الامام على قولين وهما وجهان لأصحاب الشافعي وأحمد.

أحدهما: الجواز ويكون متبعه مقلدا للميت لا له وإنما له مجرد النقل عن الإمام؛

والثاني لا يجوز له ان يفتى لأن السائل مقلد له لا للميت وهو لم يجتهد له والسائل يقول له انا أقلدك فيم تفتيني به.

والتحقيق أن هذا فيه تفصيل فإن قال له السائل أريد حكم الله تعالى في هذه المسألة وأريد الحق فيما يخلصني ونحو ذلك لم يسعه إلا أن يجتهد له في الحق ولا يسعه أن يفتيه بمجرد تقليد غيره من غير معرفة بأنه حق أو باطل وإن قال له أريد أن اعرف في هذه النازلة قول الامام ومذهبه ساغ له الاخبار به ويكون ناقلا له ويبقى الدرك على السائل فالدرك في الوجه الأول على المفتي وفي الثاني على المستفتي.

هل يجوز تقليد الأموات

الفائدة الحادية والثلاثون: هل يجوز للحي تقليد الميت والعمل بفتواه من غير اعتبارها بالدليل الموجب لصحة العمل بها فيه وجهان لأصحاب الإمام أحمد والشافعي فمن منعه قال يجوز تغيير اجتهاده لو كان حيا فإنه كان يجدد النظر عند نزول هذه النازلة إما وجوبا وإما استحبابا على النزاع المشهور ولعله لو جدد النظر لرجع عن قوله الأول والثاني الجواز وعليه عمل جميع المقلدين في أقطار الأرض وخيار ما بأيديهم من التقليد تقليد الأموات ومن منع منهم تقليد الميت فإنما هو شئ يقوله بلسانه وعمله في فتاويه وأحكامه بخلافه والأقوال لا تموت قائلها بموت قائلها كما لا تموت الاخبار بموت رواتها وناقليها.

المجتهد في نوع العلم له أن يفتي فيه ولا يفتي في غيره

الفائدة الثانية والثلاثون: الاجتهاد حالة تقبل التجزؤ والانقسام فيكون الرجل مجتهدا في نوع من العلم مقلدا في غيره أو في باب من أبوابه كمن استفرغ وسعه في نوع العلم بالفرائض وأدلتها واستنباطها من الكتاب والسنة دون غيرها من العلوم أو في باب الجهاد أو الحج أو غير ذلك فهذا ليس له الفتوى فيما لم يجتهد فيه ولا تكون معرفته بما اجتهد فيه مسوغة له الإفتاء بما لا يعلم في غيره وهل له ان يفتي في النوع الذي اجتهد فيه فيه ثلاثة أوجه أصحابها الجواز بل هو الصواب المقطوع به والثاني المنع والثالث الجواز في الفرائض دون غيرها.

فحجة الجواز أنه قد عرف الحق بدليله وقد بذل جهده في معرفة الصواب فحكمه في ذلك حكم المجتهد المطلق في سائر الأنواع؛

وحجة المنع تعلق أبواب الشرع واحكامه بعضها ببعض فالجهل ببعضها مظنة للتقصير في الباب والنوع الذي قد عرفه ولا يخفى الارتباط بين كتاب النكاح والطلاق والعدة وكتاب الفرائض وكذلك الارتباط بين كتاب الجهاد وما يتعلق به وكتاب الحدود والأقضية والاحكام وكذلك عامة أبواب الفقه.

ومن فرق بين الفرائض وغيرها رأى انقطاع احكام قسمة المواريث ومعرفة الفروض ومعرفة مستحقها عن كتاب البيوع والاجارات والرهون والنضال وغيرها وعدم تعلقاتها وأيضا فإن عامة احكام المواريث قطعية وهي منصوص عليها في الكتاب والسنة.

فإن قيل فما تقولون فيمن بذل جهده في معرفة مسألة أو مسألتين هل له ان يفتي بهما؟

قيل نعم يجوز في أصح القولين وهما وجهان لأصحاب الإمام أحمد وهل هذا إلا من التبليغ عن الله وعن رسوله وجزى الله من أعان الإسلام ولو بشطر كلمة خيرا ومنع هذا من الإفتاء بما علم خطأ محض وبالله التوفيق.

من أفتى وليس أهلا للفتوى أثم

الفائدة الثالثة والثلاثون: من أفتى الناس وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص ومن أقره من ولاة الامور على ذلك فهو آثم أيضا.

قال أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله: ويلزم ولي الأمر منعهم كما فعل بنو أمية وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب وليس له علم بالطريق وبمنزلة الاعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطب الناس بل هو أسوأ حالا من هؤلاء كلهم وإذا تعين على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبب من مداواة المرضى فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة ولم يتفقه في الدين؟

وكان شيخنا رضي الله عنه شديد الإنكار على هؤلاء فسمعته يقول قال لي بعض هؤلاء: أجُعلتَ محتسبا على الفتوى؟ فقلت له: يكون على الخبازين والطباخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب.

وقد روى الإمام أحمد وابن ماجة عن النبي ﷺ مرفوعا من أفتى بغير علم كان إثم ذلك على الذي أفتاه وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي ﷺ "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينزعه من صدور الرجال ولكن يقبض العلم بقبض العلماء فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" وفي أثر مرفوع ذكره أبو الفرج وغيره: من أفتى الناس بغير علم لعنته ملائكة السماء وملائكة الأرض.

وكان مالك رحمه الله يقول من سئل عن مسألة فينبغي له قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة والنار وكيف يكون خلاصه في الآخرة ثم يجيب فيها وسئل عن مسألة فقال لا أدري فقيل له إنها مسألة خفيفة سهلة فغضب وقال ليس في العلم شئ خفيف أما سمعت قول الله عزه وجل إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا فالعلم كله ثقيل وخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة وقال ما أفتيت حتى شهد لي سبعون انى أهل لذلك وقال لا ينبغي لرجل ان يرى نفسه أهلا لشئ حتى يسأل من هو أعلم منه وما أفتيت حتى سألت ربيعة ويحيى بن سعيد فأمراني بذلك ولو نهياني انتهيت قال وإذا كان أصحاب رسول الله ﷺ تصعب عليهم المسائل ولا يجيب أحد منهم عن مسألة حتى يأخذ راى صاحبه مع ما رزقوا من السداد والتوفيق والطهارة فكيف بنا الذين غطت الذنوب والخطايا قلوبنا وكان رحمه الله إذا سئل عن مسألة فكأنه واقف بين الجنة والنار وقال عطاء بن أبي رباح أدركت أقواما إن كان أحدهم ليسال عن شئ فيتكلم وإنه ليرعد.

وسئل النبي ﷺ أي البلاد شر فقال لا أدري حتى أسأل جبريل فسأله فقال: "أسواقها".

وقال الإمام أحمد من عرض نفسه للفتيا فقد عرضها لأمر عظيم إلا أنه قد تلجئ الضرورة. وسئل الشعبي عن مسألة فقال لا أدري فقيل له ألا تستحي من قولك لا أدري وأنت فقيه أهل العراق فقال لكن الملائكة لم تستحي حين قالوا لا علم لنا إلا ما علمتنا وقال بعض أهل العلم تعلم لا أدري فإنك إن قلت لا أدري علموك حتى تدري وإن قلت أدري سألوك حتى لا تدري وقال عتبة بن مسلم صحبت ابن عمر أربعة وثلاثين شهرا فكان كثيرا ما يسأل فيقول لا أدري وكان سعيد بن المسيب لا يكاد يفتى فتيا ولا يقول شيئا إلا قال: "اللهم سلمني وسلم مني".

وسئل الشافعي عن مسألة فسكت فقيل ألا تجيب فقال حتى أدري الفضل في سكوتي أو في الجواب.

وقال ابن أبي ليلى: أدركت مائة وعشرين من الانصار من أصحاب رسول الله ﷺ يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول وما منهم من أحد بحدث بحديث أو يسأل عن شئ إلا ود أن أخاه كفاه.

وقال أبو الحسين الأزدي ان احدهم ليفتي في المسألة لو وردت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر. وسئل القاسم بن محمد عن شئ فقال إني لا أحسنه فقال له السائل إنى جئتك لا أعرف غيرك فقال له القاسم لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي والله ما أحسنه فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه يا ابن اخي الزمها فوالله ما رأيناك في مجلس أنبل منك اليوم فقال القاسم والله لأن يقطع لساني أحب إلى من ان اتكلم بما لا علم لي به. وكتب سلمان إلى أبي الدرداء رضي الله عنهما وكان بينهما مؤاخاة بلغني انك قعدت طبيبا فاحذر ان تكون متطببا أو تقتل مسلما فكان ربما جاءه الخصمان فيحكم بينهما ثم يقول ردوهما على متطبب والله أعيدا على قضيتكما.

حكم العامي إذا لم يجد مفتيا

الفائدة الرابعة والثلاثون إذا نزلت بالعامى نازلة وهو في مكان لا يجد من سأله عن حكمها ففيه طريقان للناس أحدهما أن له حكم ما قبل الشرع على الخلاف في الحظر والاباحة والوقف لأن عدم المرشد في حقه بمنزلة عدم المرشد بالنسبة إلى الأمة والطريقة الثانية انه يخرج على الخلاف في مسألة تعارض الأدلة عند المجتهد هل يعمل بالاخف أو بالاشد أو يتخير والصواب انه يجب عليه ان يتقى الله ما استطاع ويتحرى الحق بجهده ومعرفة مثله وقد نصب الله تعالى على الحق امارات كثيرة ولم يسو الله سبحانه وتعالى بين ما يحبه وبين ما يسخطه من كل وجه بحيث لا يتميز هذا من هذا ولا بد ان تكون الفطر السليمة مائلة إلى الحق مؤثرة له ولا بد ان يقوم لها عليه بعض الامارات المرجحة ولو بمنام أو بإلهام فإن قدر ارتفاع ذلك كله وعدمت في حقه جميع الامارات فهنا يسقط التكليف عنه في حكم هذه النازلة ويصير بالنسبة اليها كمن لم تبلغه الدعوة وإن كان مكلفا بالنسبة إلى غيره فأحكام التكليف تتفاوت بحسب التمكن من العلم والقدرة والله أعلم.

من تجوز له الفتيا ومن لا تجوز

الفائدة الخامسة والثلاثون الفتيا اوسع من الحكم والشهادة فيجوز فتيا العبد والحر والمرأة والرجل والقريب والبعيد والأجنبي والامي والقارئ والاخرس بكتابته والناطق والعدو والصديق وفه وجه انه لا تقبل فتيا العدو ولا من لا تقبل شهادته له كالشهادة والوجهان في الفتيا كالوجهين في الحكم وإن كان الخلاف في الحاكم أشهر وأما فتيا الفاسق فإن أفتى غيره لم تقبل فتواه وليس للمستفتي ان يستفتيه وله ان يعمل بفتوى نفسه ولا يجب عليه ان يفتي غيره وفي جواز استفتاء مستور الحال وجهان والصواب جواز استفتائه وإفتائه.

قلت: وكذلك الفاسق إلا أن يكون معلنا بفسقه داعيا إلى بدعته فحكم استفتائه حكم إمامنه وشهادته وهذا يختلف باختلاف الأمكنة والازمنة والقدرة والعجز فالواجب شئ والواقع شئ والفقيه من يطبق بين الواقع والواجب وينفذ الواجب بحسب استطاعته لا من يلقى العداوة بني الواجب والواقع فلكل زمان حكم والناس بزمانهم اشبه منهم بآبائهم وإذا عم الفسوق وغلب على أهل الأرض فلو منعت إمامه الفساق وشهاداتهم وأحكامهم وفتاويهم وولاياتهم لعطلت الاحكام وفسد نظام الخلق وبطلت أكثر الحقوق ومع هذا فالواجب اعتبار الأصلح فالأصلح وهذا عند القدرة والاختيار واما عند الضرورة والغلبة بالباطل فليس إلا الاصطبار والقيام بأضعف مراتب الإنكار.

يجوز للقاضي أن يفتي

الفائدة السادسة والثلاثون لا فرق بين القاضي وغيره في جواز الإفتاء بما تجوز الفتيا به ووجوبها إذا تعينت ولم يزل أمر السلف والحلف على هذا فإن منصب الفتيا داخل في ضمن منصب القضاء عند الجمهور والذين لا يجوزون قضاء الجاهل فالقاضي مفت ومثبت ومنفذ لما أفتى به.

من يمنع فتوى القاضي

وذهب بعض الفقهاء من أصحاب الإمام أحمد والشافعي إلى انه يكره للقاضي ان يفتي في مسائل الاحكام المتعلقة به دون الطهارة والصلاة والزكاة ونحوها واحتج ارباب هذا القول بأن فتياه تصير كالحكم منه على الخصم ولا يمكن نقضه وقت المحاكمة قالوا ولانه قد يتغير اجتهاده وقت الحكومة أو تظهر له قرائن لم تظهر له عند الإفتاء فإن اصر على فتياه والحكم بموجبها حكم بخلاف ما يعتقد صحته وإن حكم بخلافها طرق الخصم إلى تهمته والتشنيع عليه بأنه يحكم بخلاف ما يعتقده ويفتى به ولهذا قال شريح أنا اقضى لكم ولا أفتى حكاه ابن المنذر واختار كراهية الفتوى في مسائل الاحكام وقال الشيخ أبو حامد الاسفرائيني لأصحابنا في فتواه في مسائل الاحكام جوابان أحدهما ليس له ان يفتى فيها لأن لكلام الناس عليه مجالا ولاحد الخصمين عليه مقالا والثاني له ذلك لأنه أهل له.

حكم فتيا الحاكم

الفائدة السابعة والثلاثون فتيا الحاكم ليست حكما منه ولو حكم غيره بخلاف ما أفتى به لم يكن نقضا لحكمه ولا هي كالحكم ولهذا يجوز ان يفتي الحاضر والغائب ومن يجوز حكمه له ومن لا يجوز ولهذا لم يكن في حديث هند دليل على الحكم على الغائب لأنه ﷺ إنما أفتاها فتوى مجردة ولم يكن ذلك حكما على الغائب فإنه لم يكن غائبا عن البلد وكانت مراسلته وإحضاره ممكنة ولا طلب البينة على صحة دعواها وهذا ظاهر بحمد الله.

هل يفتي المفتي بشئ لم يقع

الفائدة الثامنة والثلاثون: إذا سال المستفتي عن مسألة لم تقع فهل تستحب إجابتة أو تكره أو تخير فيه ثلاثة أقوال وقد حكى عن كثير من السلف انه كان لا يتكلم فيما لم يقع وكان بعض السلف إذا سأله الرجل عن مسألة قال هل كان ذلك فإن قال نعم تكلف له الجواب وإلا قال دعنا في عافية.

وقال الإمام أحمد لبعض أصحابه: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام والحق التفصيل فإن كان في المسألة نص من كتاب الله أو سنة عن رسول الله ﷺ أو اثر عن الصحابة لم يكره الكلام فيها وإن لم يكن فيها نص ولا اثر فإن كانت بعيدة الوقوع أو مقدرة لا تقع لم يستحب له الكلام فيها وإن كان وقوعها غير نادر ولا مستبعد وغرض السائل والاحاطة بعلمها ليكون منها على بصيرة إذا وقعت استحب له الجواب بما يعلم لا سيما إن كان السائل يتفقة بذلك ويعتبر بها نظائرها ويفرع عليها فحيث كانت مصلحة الجواب راجحة كان هو الأولى والله أعلم.

لا يجوز للمفتي تتبع الحيل المحرمة والمكروهة

الفائدة التاسعة والثلاثون: لا يجوز للمفتي تتبع الحيل المحرمة والمكروهة ولا تتبع الرخص لمن أراد نفعه فإن تتبع ذلك فسق وحرم استفتاؤه فإن حسن قصده في حيلة جائزة لا شبهة فيها ولا مفسدة لتخليص المستفتى بها من حرج جاز ذلك بل استحب وقد ارشد الله تعالى نبيه أيوب عليه السلام إلى التخلص من الحنث بأن ياخذ بيده ضغثا فيضرب به المرأة ضربة واحدة وأرشد النبي ﷺ بلالا إلى بيع التمر بدراهم ثم يشترى بالدراهم تمرا آخر فيتخلص من الربا فاحسن المخارج ما خلص من المآثم وأقبح الحيل ما اوقع في المحارم أوأسقط ما أوجبه الله ورسوله من الحق اللازم وقد ذكرنا من النوعين ما لعلك لا تظفر بحملته في غير هذا الكتاب والله الموفق للصواب.

رجوع المفتي عما أفتى به

الفائدة الأربعون: في حكم رجوع المفتى عن فتياه إذا أفتى المفتي بشئ ثم رجع عنه فإن علم المستفتى برجوعه ولم يكن عمل بالأول فقيل يحرم عليه العمل به وعندي في المسألة تفصيل وانه لا يحرم عليه الأول بمجرد رجوع المفتي بل يتوقف حتى يسأل غيره فإن أفتاه بموافقة الأول استمر على العمل به وإن أفتاه بموافقة الثاني ولم يفته أحد بخلافه حرم عليه العمل بالأول وإن لم يكن في البلد إلا مفت واحد سأله عن رجوعه عما أفتاه به فإن رجع إلى اختيار خلافه مع تسويغه لم يحرم عليه وإن رجع لخطأ بأن له وأن ما أفتاه به لم يكن صوابا حرم عليه العمل بالأول هذا إذا كان رجوعه لمخالفة دليل شرعي فإن كان رجوعه لمجرد ما بان له ان ما أفتى به خلاف مذهبه لم يحرم على المستفتى ما أفتاه به أولا إلا أن تكون المسألة إجماعية. فلو تزوج بفتواه ودخل ثم رجع المفتى لم يحرم عليه إمساك امرأته إلا بدليل شرعي يقتضى تحريمها ولا يجب عليه مفارقتها بمجرد رجوعه ولا سيما إن كان إنما رجع لكونه تبين له ان ما أفتى به خلاف مذهبه وإن وافق مذهب غيره هذا هو الصواب.

وأطلق بعض أصحابنا وأصحاب الشافعي وجوب مفارقتها عليه وحكوا في ذلك وجهين ورجحوا وجوب المفارقة قالوا لأن الرجوع عنه ليس مذهبا له كما لو تغير اجتهاد من قلده في القبلة في اثناء الصلاة فإنه يتحول مع الامام في الأصح.

فيقال لهم المستفتي قد دخل بامرأته دخولا صحيحا سائغا ولم يفهم ما يوجب مفارقته لها من نص ولا إجماع فلا يجب عليه مفارقتها بمجرد تغير اجتهاد المفتى وقد رجع عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن القول بالتشريك وأفتى بخلافه ولم ياخذ المال من الذين شرك بينهم أولا وأما قياسكم ذلك على من تغير اجتهاده في معرفة القبلة فهو حجة عليكم فإنه لا يبطل ما فعله المأموم بالاجتهاد الأول ويلزمه التحول ثانيا لأنه مامور بمتابعة الامام بل نظير مسألتنا ما لو تغير اجتهاده بعد الفراغ من الصلاة فإنه لا تلزمه الاعادة ويصلى الثانيه بالاجتهاد الثاني.

وأما قول أبي عمرو بن الصلاح وأبي عبد الله بن حمدان من أصحابنا إذا كان المفتي إنما يفتي على مذهب إمام معين فإذا رجع لكونه بان له قطعا انه خالف في فتواه نص مذهب إمامه فإنه يجب نقضه وإن كان ذلك في محل الاجتهاد لأن نص مذهب إمامه في حقه كنص الشارع في حق المفتي المجتهد المستقل فليس كما قالا ولم ينص على هذه المسألة أحد من الأئمة ولا تقتضيها أصول الشريعة ولو كان نص امامه بمنزلة نص الشارع لحرم عليه وعلى غيره مخالفته وفسق بخلافه.

ولم يوجب أحد من الأئمة نقض حكم الحاكم ولا إبطال فتوى المفتي بكونه خلاف قول زيد أو عمرو ولا يعلم أحد سوغ النقض بذلك من الأئمة والمتقدمين من أتباعهم وإنما قالوا ينقض من حكم الحاكم ما خالف نص كتاب أو سنة أو إجماع الأمة ولم يقل أحد ينقض من حكمه ما خالف قول فلان أو فلان وينقض من فتوى المفتي ما ينقض من حكم الحاكم فكيف يسوغ نقض احكام الحكام وفتاوي أهل العلم بكونها خالفت قول واحد من الأئمة ولا سيما إذا وافقت نصا عن رسول الله ﷺ أو فتاوي الصحابة يسوغ نقضها لمخالفة قول فلان وحده ولم يجعل الله تعالى ولا رسوله ﷺ ولا أحد من الأئمة قول فقيه من الأمة بمنزلة نص الله ورسوله بحيث يجب اتباعه ويحرم خلافه فإذا بان للمفتي انه خالف إمامه ووافق قول الأئمة الثلاثة لم يجب على الزوج ان يفارق امرأته ويخرب بيته ويشتت شمله وشمل أولاده بمجرد كون المفتي ظهر له ان ما أفتى به خلاف نص إمامه ولا يحل له ان يقول له فارق أهلك بمجرد ذلك ولا سيما إن كان النص مع قول الثلاثه وبالجملة فبطلان هذا القول أظهر من أن نتكلف بيانه.

فإن قيل فما تقولون لو تغير اجتهاد المفتى فهل يلزمه إعلام المستفتى قيل اختلف في ذلك فقيل لا يلزمه إعلامه فإنه عمل أولا بما يسوغ له فإذا لم يعلم بطلانه لم يكن آثما فهو في سعة من استمراره وقيل بل يلزمه إعلامه لأن ما رجع عنه قد اعتقد بطلانه وبان له ان ما أفتاه به ليس من الدين فيجب عليه إعلامه كما جرى لعبد الله بن مسعود حين أفتى رجلا بحل أم امرأته التي فارقها قبل الدخول ثم سافر إلى المدينة وتبين له خلاف هذا القول فرجع إلى الكوفة وطلب هذا الرجل وفرق بينه وبين أهله وكما جرى للحسن بن زياد اللؤلؤي لما استفتى في مسألة فأخطأ فيها ولم يعرف الذي أفتاه به فاستأجر مناديا ينادي ان الحسن بن زياد استفتى في يوم كذا وكذا في مسألة فأخطأ فمن كان أفتاه الحسن بن زياد بشئ فليرجع إليه ثم لبث أياما لا يفتي حتى جاء صاحب الفتوى فأعمله انه قد أخطأ وان الصواب خلاف ما أفتاه به.

قال القاضي أبو يعلى في كفايته من أفتى بالاجتهاد ثم تغير اجتهاده لم يلزمه إعلام المستفتى بذلك إن كان قد عمل به وإلا أعلمه والصواب التفصيل فإن كان المفتي ظهر له الخطأ قطعا لكونه خالف نص الكتاب أو السنة التي لا معارض لها أو خالف إجماع الأمة فعليه إعلام المستفتى وإن كان إنما ظهر له انه خالف مجرد مذهبه أو نص إمامه لم يجب عليه عليه إعلام المستفتى وعلى هذا تخرج قصة ابن مسعود رضي الله عنه فإنه لما ناظر الصحابة في تلك المسألة بينوا له ان صريح الكتاب يحرمها لكون الله تعالى ابهمها فقال تعالى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} وظن عبد الله ان قوله: {اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنّ} راجع إلى الأول والثاني فبينوا له أنه إنما يرجع إلى امهات الربائب خاصة فعرف انه الحق وان القول بحلها خلاف كتاب الله تعالى ففرق بين الزوجين ولم يفرق بينهما بكونه تبين له ان ذلك خلاف قول زيد أو عمرو والله أعلم.

القول في ضمان المفتي للمال والنفس

الفائدة الحادية والأربعون: إذا عمل المستفتى بفتيا مفت في إتلاف نفس أو مال ثم بان خطؤه قال أبو إسحاق الاسفرائني من الشافعية يضمن المفتى إن كان أهلا للفتوى وخالف القاطع وإن لم يكن أهلا فلا ضمان عليه لأن المستفتى قصر في استفتائه وتقليده ووافقه على ذلك أبو عبد الله بن حمدان في كتاب آداب المفتى والمستفتى له ولم اعرف هذا لأحد قبله من الأصحاب ثم حكى وجها آخر في تضمين من ليس بأهل قال لأنه تصدى لما ليس له بأهل وغر من استفتاه بتصديه لذلك.

قلت: خطأ المفتي كخطأ الحاكم والشاهد وقد اختلفت الرواية في خطأ الحاكم في النفس اوالطرف فعن الإمام أحمد في ذلك روايتان إحداهما أنه في بيت المال لأنه يكثر منه ذلك الحكم فلو حملته العاقله لكان ذلك إضرارا عظيمابهم والثانية انه على عاقلته كما لو كان الخطأ بسبب غير الحاكم وأما خطئوه في المال فإذا حكم بحق ثم بان كفر الشهود أو فسقهم نقض حكمه ثم رجع المحكوم عليه ببدل المال على المحكوم له وكذلك إذا كان الحكم بقود رجع أولياء المقتول ببدله على المحكوم له وكذلك إن كان الحكم بحق الله بإتلاف مباشر أو بالسراية ففيه ثلاثة أوجه أحدها ان الضمان على المزكين لأن الحكم إنما وجب بتزكيتهم والثاني يضمنه الحاكم لأنه لم يتثبت بل فرط في المبادرة إلى الحكم وترك البحث والسؤال والثالث ان للمستحق تضمين أيهما شاء والقرار على المزكين لأنهم الجأوا الحاكم إلى الحكم فعلى هذا إن لم يكن ثم تزكية فعلى الحاكم وعن أحمد رواية أخرى انه لا ينقض بفسقهم فعلى هذا لا ضمان.

وعلى هذا إذا استفتى الامام أو الوالي مفتيا فأفتاه ثم بان له خطؤه فحكم المفتى مع الامام حكم المزكين مع الحاكم وان عمل المستفتى بفتواه من غير حكم حاكم ولا إمام فأتلف نفسا أو مالا فان كان المفتي أهلا فلا ضمان عليه والضمان على المستفتى وإن لم يكن أهلا فعليه الضمان لقول النبي ﷺ من تطبب ولم يعرف منه طب فهو ضامن وهذا يدل على أنه إذا عرف منه طب وأخطأ لم يضمن والمفتى أولى بعدم الضمان من الحاكم والامام لأن المستفتى مخير بين قبول فتواه وردها فإن قوله لا يلزم يخلاف حكم الحاكم والامام وأما خطأ الشاهد فإما أن يكون شهودا بمال أو طلاق أو عتق أو حد أو قود فإن بان خطؤهم قبل الحكم لم يحكم بذلك وإن بان بعد الحكم باستيفاء القود وقبل استيفائه لم يستوف قطعا وإن بان بعد استيفائه فعليهم دية ما نلف ويتقسط الغرم على عددهم وإن بان خطؤهم قبل الحكم بالمال لغت شهادتهم ولم يضمنوا وإن بان بعد الحكم به نقض حكمه كما لو شهدوا بموت رجل باستفاضة فحكم الحاكم بقسم ميراثه ثم بانت حياته فإنه ينقض حكمه وإن بان خطؤهم في شهادة الطلاق من غير جهتهم كما لو شهدوا انه طلق يوم كذا وكذا وظهر للحاكم انه في ذلك اليوم كان محبوسا لا يصل إليه أحد أو كان مغمى عليه فحكم ذلك حكم ما لو بان كفرهم أو فسقهم فإنه ينقض حكمه وترد المرأة إلى الزوج ولو تزوجت بغيره بخلاف ما إذا قالوا رجعنا عن الشهاده فان رجوعهم ان كان قبل الدخول ضمنوا نصف المسمى لأنهم قرروه عليه ولا تعود إليه الزوجه إذا كان الحاكم قد حكم بالفرقة وان رجعوا بعد الدخول ففيه روايتان إحداهما انهم لا يغرمون شيئا لأن الزوج استوفي المنفعة بالدخول فاستقر عله عوضها والثانية يغرمون المسمى كله لأنهم فوتوا عليه البضع بشهادتهم واصلهما ان خروج البضع من يد الزوج هل هو متقوم أولا واما شهود العتق فإن بان خطؤهم تبينا انه لا عتق وان قالوا رجعنا غرموا للسيد قيمة العبد.

الأوضاع التي لا يصح للمفتي ان يفتي وهو متلبس بها

الفائدة الثانية والأربعون ليس للمفتي الفتوى في حال غضب شديد أو جوع فرط أو هم مقلق أو خوف مزعج أو نعاس غالب أو شغل قلب مستول عليه أو حال مدافعه الاخبثين بل متى أحس من نفسه شيئا من ذلك يخرجه عن حال اعتداله وكمال تثبيته وتبينه أمسك عن الفتوى فإن أفتى في هذه الحالة بالصواب صحت فتياه ولو حكم في مثال هذه الحالة فهل ينفذ حكمه أولا ينفذ فيه ثلاثة أقوال النفوذ وعدمه والفرق بين ان يعرض له الغضب بعد فهم الحكومة فينفذ وبين أن يكون سابقا على فهم الحكومة فلا ينفذ والثلاثة في مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

مسائل يرجع فيها المفتي إلى العرف

الفائدة الثالثة والأربعون لا يجوز له ان يفتى في الإقرار والايمان والوصايا وغيرها مما يتعلق باللفظ بما اعتاده هو من فهم تلك الالفاظ دون ان يعرف عرف أهلها والمتكلمين بها فيحملها على ما اعتادوه وعرفوه وإن كان مخالفا لحقائقها الأصلية فمتى لم يفعل ذلك ضل وأضل.

فلفظ الدينار عند طائفة اسم لثمانية دراهم وعند طائفة اسم لاثني عشر درهما والدرهم عند غالب البلاد اليوم اسم للمغشوش فإذا أقر له بدراهم أو خلف ليعطنه إياها أو أصدقها امرأة لم يجز للمفتي ولا للحاكم أن يلزمه بالخالصة فلو كان في بلد إنما يعرفون الخالصة لم يجز له أن يلزم المستحق بالمغشوشة.

وكذلك في ألفاظ الطلاق والعتاق فلو جرى عرف أهل بلد أو طائفة في استعمالهم لفظ الحرية في العفة دون العتق فإذا قال أحدهم عن مملوكة إنه حر أو جاريته إنها حرة وعادته استعمال ذلك في العفة لم يخطر بباله غيرها لم يعتق بذلك قطعا وإن كان اللفظ صريحا عند من ألف استعماله في العتق وكذلك إذا جرى عرف طائفة في الطلاق بلفظ التسميح بحيث لا يعرفون لهذا المعي غيره فإذا قالت اسمح لي فقال سمحت لك فهذا صريح في الطلاق عندهم وقد تقدم الكلام في الفصل مشبعا وأنه لا يسوغ ان يقبل تفسير من قال لفلان على مال جليل أو عظيم بدانق أودرهم ونحو ذلك ولا سيما إن كان المقر من الأغنياء المكثرين أو الملوك وكذلك لو أوصى له بقوس في محله لا يعرفون إلا أقواس البندق أو الأقواس العربية أو أقواس الرجل أو حلف لا يشم الريحان في محل لا يعرفون الريحان إلا هذا الفارسي أو حلف لا يركب دابة في موضع عرفهم بلفظ الدابة الحمار أو الفرس أو حلف لا يأكل ثمرا في بلد عرفهم في الثمار نوع واحد منها لا يعرفون غيره أو حلف لا يلبس ثوبا في بلد عرفهم في الثباب القمص وحدها دون الاردية والازر والجباب ونحوها تقيدت يمينه بذلك وحده في جميع هذه الصور واختصت بعرفه دون موضوع اللفظ لغة أو في عرف غيره بل لو قالت المرأة لزوجها الذي لا يعرف التكلم بالعربية ولا يفهمها قل لي أنت طالق ثلاثا وهو لا يعلم موضوع هذه الكلمة فقال لها لم تطلق قطعا في حكم الله تعالى ورسوله وكذلك لو قال الرجل لآخر انا عبدك ومملوكك على جهة الخضوع له كما يقوله الناس لم يستبح ملك رقبته بذلك ومن لم يراع المقاصد والنيات والعرف في الكلام فإنه يلزمه ان يجوز له بيع هذا القائل وملك رقبته بمجرد هذا اللفظ.

وهذا باب عظيم يقع فيه المفتي الجاهل فيغر الناس ويكذب على الله ورسوله ويغير دينه ويحرم ما لم يحرمه الله ويوجب ما لم يوجبه الله والله المستعان.

على المفتي الا يعين على المكر والخداع

الفائدة الرابعة والأربعون: يحرم عليه إذا جاءته مسألة فيها تحيل على إسقاط واجب أو تحليل محرم أو مكر أو خداع ان يعين المستفتى فيها ويرشده إلى مطلوبه أو يفتيه بالظاهر الذي يتوصل به إلى مقصوده بل ينبغي له أن يكون بصيرا بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم ولا ينبغي له ان يحسن الظن بهم بل يكون حذرا فطنا فقيها بأحوال الناس وأموارهم يوازره فقه في الشرع وإن لم يكن كذلك زاغ وأزاغ وكم من مسألة ظاهرها ظاهر جميل وباطنها مكر وخداع وظلم فالغر ينظر إلى ظاهرها ويقضى بجوازه وذو البصيرة ينقد مقصدها وباطنها فالأول يروج عليه زعل المسائل كما يروج على الجاهل بالنقد زغل الدارهم والثاني يخرج زيفها كما يخرج الناقد زيف النقود وكم من باطل يخرجه الرجل بحسن لفظه وتنميقه وإبرازه في صورة حق وكم من حق يخرجه بتهجينه وسوء تعبيره في صورة باطل ومن له ادنى فطنة وخبرة لا يخفى علهي ذلك بل هذا أغلب أحوال الناس ولكثرته وشهرته يستغنى عن الأمثلة بل من تأمل المقالات الباطلة والبدع كلها وجدها قد أخرجها أصحابها في قوالب مستحسنة وكسوها ألفاظا يقبلها بها من لم يعرف حقيقتها ولقد أحسن القائل:

تقول هذا جناء النحل تمدحه ** وإن تشأ قلت ذا قيئ الزنابير.

مدحا وذما وما جاوزت وصفهما ** والحق قد يعتريه سوء تعبير.

ورأى بعض الملوك كأن أسنانه قد سقطت فعبرها له معبر بموت أهله وأقاربه فأقصاه وطرده، واستدعى آخر فقال له لا عليك تكون أطول أهلك عمرا فاعطاه وأكرمه وقربه فاستوفى المعنى وغير له العبارة وأخرج المعنى في قالب حسن.

والمقصود أنه يحل له ان يفتي بالحيل المحرمة ولا يعين عليها ولا يدل عليها فيضاد الله في امره قال الله تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} وقال تعالى: {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ} وقال تعالىك {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} وقال تعالى: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} وقال تعالى: {وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} وقال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} وقال تعالى: {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} وقال تعالى في حق ارباب الحيل المحرمة: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ}.

وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: "ملعون من ضار مسلما أو مكر به" وقال: "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل" وقال: "المكر والخديعة في النار" وفي سنن ابن ماجة وغيره عنه ﷺ: "ما بال أقوام يلعبون بحدود الله ويستهزئون بآياته طلقتك راجعتك طلقتك راجعتك وفي لفظ خلعتك راجعتك خلعتك راجعتك" وفي الصحيحين عنه ﷺ: "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها".

وقال أيوب السختياني: "يخادعون الله كما يخادعون الصبيان" وقال ابن عباس من يخادع الله يخدعه وقال بعض السلف ثلاث من كن فيه كن عليه المكر والبغي والنكث.

وقال تعالى: {وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} وقال تعالى: {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} وقال تعالى: {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ}.

وقال الإمام أحمد: "هذه الحيل التي وضعها هؤلاء عمدوا إلى السنن فاحتالوا في نقضها أتوا إلى الذي قيل لهم إنه حرام فاحتالوا فيه حتى حللوه" وقال: "ما اخبثهم يعني أصحاب الحيل يحتالون لنقض سنن رسول الله ﷺ" وقال: "من احتال بحيلة فهو حانث" وقال: "إذا حلف على شئ ثم احتال بحيلة فصار اليها فقد صار إلى الذي حلف عليه بعينه" وقد تقدم بسط الكلام في هذه المسألة مستوفى فلا حاجة إلى إعادته.

هل للمفتي أخذ الأجرة والهدية على فتواه

الفائدة الخامسة والأربعون في أخذ الأجرة والهدية والرزق على الفتوى فيه ثلاث صور مختلفة السبب والحكم.

فأما أخذه الأجرة فلا يجوز له لأن الفتيا منصب تبليغ عن الله ورسوله فلا تجوز المعاوضة عليه كما لو قال له لا أعلمك الإسلام أو الوضوء أو الصلاة إلا بأجرة فهذا حرام قطعا ويلزمه رد العوض ولا يملكه.

وقال بعض المتاخرين: "إن أجاب بالخط فله ان يقول للسائل لا يلزمني ان اكتب لك خطى إلا بأجرة وله أخذ الأجرة وجعله بمنزلة أجرة الناسخ فإنه يأخذ الأجرة على خطه لا على جوابه وخطه قدر زائد على جوابه".

والصحيح خلاف ذلك وأنه يلزمه الجواب مجانا لله بلفظه وخطه ولكن لا يلزمه الورق ولا الحبر.

وأما الهدية ففيها تفصيل فإن كانت بغير سبب الفتوى كمن عادته بهاديه أو من لا يعرف انه مفت فلا بأس بقبولها والأولى ان يكافئ عليها وإن كانت بسبب الفتوى فإن كانت سببا إلى ان يفتيه بما لا يفتي به غيره ممن لا يهدي له لم يجز له قبول هديته وإن كان لا فرق بينه وبين غيره عنده في الفتيا بل يفتيه بما يفتي به الناس كره له قبول الهدية لأنها تشبه المعاوضة على الإفتاء.

وأما أخذ الرزق من بيت المال فإن كان محتاجا إليه جاز له ذلك وإن كان غنيا عنه ففيه وجهان وهذا فرع متردد بين عامل الزكاة وعامل اليتيم فمن الحقه بعامل الزكاة قال النفع فيه عام فله الأخذ ومن ألحقه بعامل اليتيم منعه من الأخذ وحكم القاضي في ذلك حكم المفتي بل القاضي أولى بالمنع والله أعلم.

إفتاء المفتي في واقعة أفتى فيها قبل ذلك

الفائدة السادسة والأربعون: إذا أفتى في واقعة ثم وقعت له مرة أخرى فإن ذكرها وذكر مستندها ولم يتجدد له ما يوجب تغير اجتهاده أفتى بها من غير نظر ولا اجتهاد وإن ذكرها ونسى مستندها فهل له ان يفتي بها دون تجديد نظر واجتهاد فيه وجهان لأصحاب الإمام أحمد والشافعي أحدهما ان يلزمه تجديد النظر لاحتمال تغير اجتهاده وظهور ما كان خافيا عنه والثاني لا يلزمه تجديد النظر لأن الأصل بقاء ما كان على ما وإن ظهر له ما يغير اجتهاده لم يجز له البقاء على القول الأول ولا يجب عليه نقضه ولا يكون اختلافه مع نفسه قادحا في علمه بل هذا من كمال علمه وورعه ولأجل هذا خرج عن الأئمة في المسألة قولان فأكثر وسمعت شيخنا رحمه الله تعالى يقول حضرت عقد مجلس عند نائب السلطان في وقف أفتى فيه قاضي البلد بجوابين مختلفين فقرأ جوابه الموافق للحق فأخرج بعض الحاضرين جوابه الأول وقال هذا جوابك ضد هذا فكيف تكتب جوابين متناقضين في واقعة واحدة فوجم الحاكم، فقلت هذا من علمه ودينه أفتى أولا بشئ ثم تبين له الصواب فرجع إليه كما يفتي إمامه بقول ثم يتبين له خلافه فيرجع إليه ولا يقدح ذلك في علمه ولا دينه وكذلك سائر الأئمة فسر القاضي بذلك وسرى عنه.

إذا صح الحديث فهو مذهب الشافعي حتى ولو خالف قوله

الفائدة السابعة والأربعون: قول الشافعي رحمه الله تعالى: "إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فقولوا بسنة رسول الله ﷺ ودعوا ما قلته" وكذلك قوله: "إذا صح الحديث عن النبي ﷺ وقلت انا قولا فانا راجع عن قولى وقائل بذلك الحديث" وقوله: "اذا صح الحديث عن رسول الله ﷺ فاضربوا بقولى الحائط" وقوله: "إذا رويت حديثا عن رسول الله ﷺ ولم اذهب إليه فاعلموا ان عقلى قد ذهب" وغير ذلك من كلامه في هذا المعنى صريح في مدلوله وأن مذهبه ما دل عليه الحديث لا قول له غيره ولا يجوز ان ينسب إليه ما خالف الحديث ويقال هذا مذهب الشافعي ولا يحل الإفتاء بما خالف الحديث على أنه مذهب الشافعي ولا الحكم به صرح بذلك جماعة من أئمة اتباعه حتى كان منهم من يقول للقارئ إذا قرأ عليه مسألة من كلامه قد صح الحديث بخلافها اضرب على هذه المسألة فليست مذهبه وهذا هو الصواب قطعا ولو لم ينص عليه فكيف إذا نص عليه وابدى فيه وأعاد وصرح فيه بالفاظ كلها صريحة في مدلولها.

فنحن نشهد بالله أن مذهبه وقوله الذي لا قول له سواه ما وافق الحديث دون ما خالفه وان من نسب إليه خلافه فقد نسب إليه خلاف مذهبه ولا سيما إذا ذكر هو ذلك الحديث وأخبر انه إنما خالفه لضعف في سنده أولعدم بلوغه له من وجه يثق به ثم ظهر للحديث سند صحيح لا مطعن فيه وصححه أئمة الحديث من وجوه لم تبلغه فهذا لا يشك عالم ولا يماري في انه مذهبه قطعا وهذا كمسألة الجوائح فإنه علل حديث سفيان بن عيينه بانه كان ربما ترك ذكر الجوائح وقد صح الحديث من غير طريق سفيان صحة لا مرية فيها ولا علة ولا شبهة بوجه فمذهب الشافعي وضع الجوائح وبالله التوفيق.

وقد صرح بعض أئمة الشافعية بأن مذهبه ان الصلاة الوسطى صلاة العصر وأن وقت المغرب يمتد إلى مغيب الشفق وأن من مات وعليه صيام صام عنه وليه وأن أكل لحوم الإبل ينقض الوضوء وهذا بخلاف الفطر بالحجامة وصلاة المأموم قاعدا إذا صلى إمامه كذلك فإن الحديث وإن صح في ذلك فليس بمذهبه فإن الشافعي قد رواه وعرف صحته ولكن خالفه لاعتقاده نسخه وهذا شئ وذاك شئ ففي هذا القسم يقع النظر في النسخ وعدمه وفي الأول يقع النظر في صحة الحديث وثقة السند فاعرفه.

القول في جواز الإفتاء لمن يملك كتب الحديث

الفائدة الثامنة والأربعون: إذا كان عند الرجل الصحيحان أوأحدهما أو كتاب من سنن رسول الله ﷺ موثوق بما فيه فهل له ان يفتي بما يجده فيه.

رأي المانعين

فقالت طائفة من المتأخرين: ليس له ذلك لأنه قد يكون منسوخا أو له معارض أو يفهم من دلالته خلاف ما يدل عليه أو يكون أمر ندب فيفهم منه الإيجاب أو يكون عاما له مخصص اومطلقا له مقيد فلا يجوز له العمل ولا الفتيا به حتى يسال أهل الفقه والفتيا.

رأي المجوزين

وقالت طائفة بل له أن يعمل به ويفتي به بل يتعين عليه كما كان الصحابة يفعلون إذا بلغهم الحديث عن رسول الله ﷺ وحدث به بعضهم بعضا بادروا إلى العمل به من غير توقف ولا بحث عن معارض ولا يقول أحد منهم قط هل عمل بهذا فلان وفلان ولو رؤا من يقول ذلك لإنكروا عليه أشد الإنكار وكذلك التابعون وهذا معلوم بالضرورة لمن له أدنى خبرة بحال القوم وسيرتهم وطول العهد بالسنة وبعد الزمان وعتقها لا يسوغ ترك الأخذ بها والعمل بغيرها ولو كانت سنن رسول الله ﷺ لا يسوغ العمل بها بعد صحتها حتى يعمل بها فلان لكان قول فلان أو فلان عيارا على السنن ومزكيا لها وشرطا في العمل بها وهذا من أبطل الباطل وقد أقام الله الحجة برسوله دون آحاد الأمة وقد أمر النبي ﷺ بتبليغ سنته ودعا لمن بلغها فلو كان من بلغته لا يعمل بها حتى يعمل بها الامام فلان والامام فلان لم يكن في تبليغها فائدة وحصل الاكتفاء بقول فلان وفلان.

قالوا والنسخ الواقع في الأحاديث الذي أجمعت عليه الأمة لا يبلغ عشرة أحاديث البتة بل ولا شطرها فتقدير وقوع الخطأ في الذهاب إلى المنسوخ أقل بكثير من وقوع الخطأ في تقليد من يصيب ويخطئ ويجوز عليه التناقض والاختلاف ويقول ويرجع عنه ويحكى عنه في المسألة الواحدة عدة أقوال ووقوع الخطأ في فهم كلام المعصوم أقل بكثير من وقوع الخطأ في فهم كلام الفقيه المعين فلا يفرض احتمال خطأ لمن عمل بالحديث وأفتى به إلا وأضعاف أضعافه حاصل لمن أفتى بتقليد من لا يعلم خطؤه من صوابه.

القول الفصل

والصواب في هذه المسألة التفصيل فإن كانت دلالة الحديث ظاهرة بينة لكل من سمعه لا يحتمل غير المراد فله ان يعمل به ويفتي به ولا يطلب له التزكية من قول فقيه أو امام بل الحجة قول رسول الله ﷺ وإن خالفه من خالفه وإن كانت دلالته خفية لا يتبين المراد منها لم يجز له ان يعمل ولا يفتى بما يتوهمه مرادا حتى يسأل ويطلب بيان الحديث ووجهه وإن كانت دلالته ظاهرة كالعام على أفراده والأمر على الوجوب والنهي على التحريم فهل له العمل والفتوى به يخرج على الأصل وهو العمل بالظواهر قبل البحث عن المعارض وفيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره الجواز والمنع والفرق بين العام فلا يعمل به قبل البحث عن المخصص والأمر والنهي فيعمل به قبل البحث عن المعارض وهذا كله إذا كان ثم نوع أهليه ولكنه قاصر في معرفة الفروع وقواعد الأصوليين والعربية وإذا لم تكن ثمة أهلية قط ففرضه ما قال الله تعالى: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} وقول النبي ﷺ: "ألا سالوا إذا لم يعلموا إنما شفاء العي السؤال" وإذا جاز اعتماد المستفتي على ما يكتبه المفتي من كلامه أو كلام شيخه وإن علا وصعد فمن كلام إمامه فلأن يجوز اعتماد الرجل على ما كتبه الثقات من كلام رسول الله ﷺ أولى بالجواز وإذا قدر انه لم يفهم الحديث كما لو لم يفهم فتوى المفتى فيسأل من يعرفه معناه كما يسأل من يعرفه معنى جواب المفتى وبالله التوفيق.

الأحوال التي يجوز للمفتي أن يخالف فيها مذهب إمامه

الفائدة التاسعة والأربعون: هل للمنتسب إلى تقليد امام معين ان يفتي بقول غيره لا يخلو الحال من امرين إما ان يسأل عن مذهب ذلك الامام فقط فيقال له ما مذهب الشافعي مثلا في كذا وكذا أو يسأل عن حكم الله الذي اداه إليه اجتهاده فإن سئل عن مذهب ذلك الامام لم يكن له ان يخبره بغيره إلا على وجه الاضافة إليه وإن سئل عن حكم الله من غير أن يقصد السائل قول فقيه معين فههنا يجب عليه الإفتاء بما هو راجح عنده وأقرب إلى الكتاب والسنة من مذهب إمامه أو مذهب من خالفه لا يسعه غير ذلك فإن لم يتمكن منه وخاف ان يؤدي إلى ترك الإفتاء في تلك المسألة لم يكن له ان يفتي بما لا يعلم انه صواب فكيف بما يغلب على ظنه ان الصواب في خلافه ولا يسع الحاكم والمفتي غير هذا البتة فان الله سائلهما عن رسوله وما جاء به لا عن الامام المعين وما قاله وإنما يسال الناس في قبورهم ويوم معادهم عن الرسول ﷺ فيقال له في قبره ما كنت تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين ولا يسأل أحد قط عن إمام ولا شيخ ولا متبوع غيره بل يسأل عمن اتبعه وائتم به غيره فلينظر بماذا يجيب وليعد للجواب صوابا.

وقد سمعت شيخنا رحمه الله يقول جاءني بعض الفقهاء من الحنفية فقال أستشيرك في أمر قلت ما هو قال أريد أن أنتقل عن مذهبي قلت له ولم قال لاني أرى الأحاديث الصحيحة كثيرا تخالفه واستشرت في هذا بعض أئمة أصحاب الشافعي فقال لي لو رجعت عن مذهبك لم يرتفع ذلك من المذهب وقد تقررت المذاهب ورجوعك غير مفيد وأشار على بعض مشايخ التصوف بالافتقار إلى الله والتضرع إليه وسؤال الهداية لما يحبه ويرضاه فماذا تشير به أنت علي قال فقلت له اجعل المذهب ثلاثة أقسام قسم الحق فيه ظاهر بين موافق للكتاب والسنة فاقض به وأنت به طيب النفس منشرح الصدر وقسم مرجوح ومخالفه معه الدليل فلا تفت به ولا تحكم به وادفعه عنك وقسم من مسائل الاجتهاد التي الأدلة فيها متجاذبة فإن شئت أن تفتي به وإن شئت ان تدفعه عنك فقال جزاك الله خيرا أو كما قال.

وقالت طائفة أخرى منهم أبو عمرو بن الصلاح وأبو عبد الله بن حمدان من وجد حديثا يخالف مذهبه فإن كملت آلة الاجتهاد فيه مطلقا أو في مذهب إمامه أو في ذلك النوع أو في تلك المسألة فالعمل بذلك الحديث أولى وان لم تكمل آلته ووجد في قلبه حزازة من مخالفة الحديث بعدان بحث فلم يحد لمخالفته عنده جوابا شافيا فلينظر هل عمل بذلك الحديث إمام مستقل أم لا فإن وجده فله ان يتمذهب بمذهبه في العمل بذلك الحديث ويكون ذلك عذرا له في ترك مذهب إمامه والله أعلم.

العمل فيما إذا ترجح للمفتي مذهب غير مذهب إمامه

الفائدة الخمسون هل للمفتي المنتسب إلى مذهب إمام بعينه ان يفتي بمذهب غيره إذا ترجع عنده فإن كان سالكا سبيل ذلك الامام في الاجتهاد ومتابعة الدليل أين كان وهذا هو المنبع للامام حقيقة فله ان يفتي بما ترجح عنده من قول غيره وإن كان مجتهدا متقيدا بأقوال ذلك الامام لا يعدوها إلى غيرها فقد قيل ليس له ان يفتي بغير قول امامه فإن أراد ذلك حكاه عن قائله حكاية محضة.

والصواب انه إذا ترجح عنده قول غير امامه بدليل راجح فلا بد ان يخرج على أصول امامه وقواعده فان الأئمة متفقة على أصول الاحكام ومتى قال بعضهم قولا مرجوحا فأصوله ترده وتقتضي القول الراجح فكل قول صحيح فهو يخرج على قواعد الأئمة بلا ريب فإذا تبين لهذا المجتهد المقيد رجحان هذا القول وصحة مأخذه خرج على قواعد إمامه فله ان يفتي به وبالله التوفيق.

وقد قال القفال: لو أدى اجتهادي إلى مذهب أبي حنيفة قلت مذهب الشافعي كذا لكني أقول بمذهب أبي حنيفة لأن السائل إنما يسألني عن مذهب الشافعي فلا بد ان اعرفه ان الذي افتيته به غير مذهبه فسألت شيخنا قدس الله روحه عن ذلك فقال أكثر المستفتين لا يخطر بقلبه مذهب معين عند الواقعة التي سال عنها وإنما سؤاله عن حكمها وما يعمل به فيها فلا يسع المفتي ان يفتيه بما يعتقد الصواب في خلافه.

العمل عند اعتدال رايين عند المفتي

الفائدة الحادية والخمسون إذا اعتدل عند المفتي قولان ولم يترجح له أحدهما على الاخر فقال القاضي أبو يعلى له ان يفتي بأيهما شاء كما يجوز له ان يعمل بأيهما شاء وقيل بل يخير المستفتى فيقول له أنت مخير بينهما لأنه إنما يفتي بما يراه والذي يراه هو التخيير وقيل بل يقتيه بالأحوط من القولين.

قلت: الأظهر أنه يتوقف ولا يفتيه بشئ حتى يتبين له الراجح منهما لأن أحدهما خطأ فليس له أن يفتيه بما لا يعلم انه صواب وليس له ان يخيره بين الخطأ والصواب وهذا كما إذا تعارض عند الطبيب في أمر المريض امران خطأ وصواب ولم يتبين له أحدهما لم يكن له ان يقدم على أحدهما ولا يخيره وكما لو استشاره في أمر فتعارض عنده الخطا والصواب من غير ترجيح لم يكن له ان يشير بأحدهما ولا يخيره وكما لو تعارض عنده طريقان مهلكة وموصلة ولم يتبين له طريق الصواب لم يكن له الاقدام ولا التخيير فمسائل الحلال والحرام أولى بالتوقف والله أعلم.

لا يصح للمفتي أن يفتي بما رجع عنه إمامه

الفائدة الثانية والخمسون: اتباع الأئمة يفتون كثيرا بأقوالهم القديمة التي رجعوا عنها وهذا موجود في سائر الطوائف فالحنفية يفتون بلزوم المنذورات التي مخرجها مخرج اليمين كالحج والصوم والصدقة وقد حكوا هم عن أبي حنيفة أنه رجع قبل موته بثلاثة أيام إلى التكفير والحنابلة يفتي كثير منهم بوقوع طلاق السكران وقد صرح الإمام أحمد بالرجوع عنه إلى عدم الوقوع كما تقدم حكايته والشافعية يفتون بالقول القديم في مسألة التثويب وامتداد وقت المغرب ومسألة التباعد عن النجاسة في الماء الكثير وعدم استحباب قراءة السورة في الركعتين الأخيرتين وغير ذلك من المسائل وهي أكثر من عشرين مسألة ومن المعلوم أن القول الذي صرح بالرجوع عنه لم يبق مذهبا له فإذا أفتى المفتي به مع نصه على خلافه لرجحانه عنده لم يخرجه ذلك عن التمذهب بمذهبه فما الذي يحرم عليه أن يفتي بقول غيره من الأئمة الأربعة وغيرهم إذا ترجح عنده؟

فإن قيل الأول قد كان مذهبا له مرة بخلاف ما لم يقل به قط؛

قيل هذا فرق عديم التأثير إذ ما قال به وصرح بالرجوع عنه بمنزلة مالم يقله وهذا كله مما يبين أن أهل العلم لا يتقيدون بالتقليد المحض الذي يهجرون لأجله قول كل من خالف من قلدوه.

وهذه طريقة ذميمة وخيمة حادثة في الإسلام مستلزمة لأنواع من الخطأ ومخالفة الصواب والله أعلم لايصح للمفتي أن يفتي بضد لفظ النص:

الفائدة الثالثة والخمسون: يحرم على المفتي أن يفتي بضد لفظ النص وإن وافق مذهبه.

ومثاله أن يسأل عن رجل صلى من الصبح ركعة ثم طلعت الشمس، هل يتم صلاته أم لا فيقول لا يتمها ورسول الله ﷺ يقول: "فليتم صلاته".

ومثل أن يسأل عمن مات وعليه صيام هل يصوم عنه وليه فيقول لا يصوم عنه وليه وصاحب الشرع ﷺ قال من مات وعليه صيام صام عنه وليه.

ومثل أن يسأل عن رجل باع متاعه ثم أفلس المشتري فوجده بعينه هل هو أحق به فيقول ليس أحق به وصاحب الشرع يقول فهو أحق به.

ومثل أن يسأل عن رجل أكل في رمضان أو شرب ناسيا هل يتم صومه فيقول لا يتم صومه وصاحب الشرع يقول: فليتم صومه.

ومثل أن يسأل عن أكل كل ذي ناب من السباع هل هو حرام فيقول ليس بحرام ورسوله ﷺ يقول: "أكل كل ذي ناب من السباع حرام".

ومثل أن يسأل عن الرجل هل له منع جاره من غرز خشبة في جداره فيقول له أن يمنعه وصاحب الشرع يقول لا يمنعه.

ومثل أن يسأل هل تجزي صلاة من لا يقيم صلبه من ركوعه وسجوده فيقول تجزيه صلاته وصاحب الشرع ﷺ يقول: "لا تجزيء صلاة لايقيم الرجل فيها صلبه بين ركوعه وسجوده".

أو يسأل عن مسألة التفضيل بين الأولاد في العطية: هل يصح أو لا يصح وهل هو جور أم لا فيقول يصح وليس بجور وصاحب الشرع يقول إن هذا لا يصح ويقول: "لا تشهدني على جور".

ومثل أن يسأل عن الواهب هل يحل له أن يرجع في هبته فيقول نعم يحل له أنه يرجع إلى أن يكون والدا أو قرابة فلا يرجع وصاحب الشرع يقول: "لا يحل لواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد فيما يهب لولده".

ومثل أن يسأل عن رجل له شرك في أرض أودار أو بستان هل يحل له أن يبيع حصته قبل إعلام شريكه بالبيع وعرضها عليه فيقول نعم يحل له أن يبيع قبل إعلامه وصاحب الشرع يقول: "من كان له شرك في أرض أو ربعة أو حائط لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه".

ومثل أن يسأل عن قتل المسلم بالكافر فيقول: نعم يقتل بالكافر وصاحب الشرع يقول: "لا يقتل مسلم بكافر".

ومثل أن يسأل عمن زرع في أرض قوم بغير إذنهم فهل الزرع له أم لصاحب الأرض فيقول الزرع له وصاحب الشرع يقول: "من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته".

ومثل أن يسأل: هل يصح تعليق الولاية بالشرط فيقول لا يصح وصاحب الشرع يقول أميركم زيد فإن قتل فجعفر فإن قتل فعبد الله ابن رواحة.

ومثل أن يسأل هل يحل القضاء بالشاهد واليمين فيقول لا يجوز وصاحب الشرع قضى بالشاهد واليمين.

ومثل أن يسأل عن الصلاة الوسطى هل هي صلاة العصر أم لا فيقول ليست العصر وقد قال صاحب الشريعة صلاة الوسطى صلاة العصر.

ومثل أن يسأل عن يوم الحج الأكبر هل هو يوم النحر أم لا فيقول ليس يوم النحر وقد قال رسول الله ﷺ: "يوم الحج الأكبر يوم النحر".

ومثل أن يسأل هل يجوز الوتر بركعة واحدة فيقول لا يجوز الوتر بركعة واحدة وقد قال رسول الله ﷺ: "إذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة".

ومثل أن يسأل هل يسجد في إذا السماء انشقت و اقرأ باسم ربك الذي خلق فيقول لا يسجد فيهما وقد سجد فيهما رسول الله ﷺ.

ومثل أن يسأل عن رجل عض يد رجل فانتزعها من فيه فسقطت أسنانه فيقول له ديتها وقد قال رسول الله ﷺ "لا دية له".

ومثل أن يسأل عن رجل اطلع في بيت رجل فخذفه ففقأ عينه هل عليه جناح فيقول نعم عليه جناح وتلزمه دية عينه وقد قال رسول الله ﷺ إنه لو فعل ذلك لم يكن عليه جناح.

ومثل أن يسأل عن رجل اشتري شاة أو بقرة أو ناقة فوجدها مصراة فهل له ردها ورد صاع من تمر معها أم لا فيقول لا يجوز له ردها ورد الصاع من التمر معها وقد قال رسول الله ﷺ إن سخطها ردها وصاعا من تمر.

ومثل أن يسأل عن الزاني البكر هل عليه مع الجلد تغريب فيقول لا تغريب عليه وصاحب الشرع يقول عليه جلد مائة وتغريب عام.

ومثل أن يسأل عن الخضراوات هل فيها زكاة فيقول يجب فيها الزكاة وصاحب الشرع يقول لا زكاة في الخضراوات.

أو يسأل عما دون خمسة أوسق هل فيه زكاة فيقول نعم تجب الزكاة وصاحب الشرع يقول لا زكاة فيما دون خمسة أوسق.

أو يسأل عن امرأة أنكحت نفسها بدون إذن وليها فيقول نكاحها صحيح وصاحب الشرع يقول فنكاحها باطل باطل باطل.

أو يسأل عن المحلل والمحلل له هل يستحقان اللعنة فيقول لا يستحقان اللعنة وقد لعنهما رسول الله ﷺ في غير وجه.

أو يسأل هل يجوز إكمال شعبان ثلاثين يوما ليلة الإغماء فيقول لا يجوز إكمال ثلاثين يوما وقد قال رسول الله ﷺ: "فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما".

أو يسأل عن المطلقة المبتوتة هل لها نفقة وسكني فيقول نعم لها النفقة والسكنى وصاحب الشرع يقول: "لا نفقة لها ولا سكنى".

أو يسأل عن الإمام هل يستحب له أن يسلم في الصلاة تسليمتين فيقول يكره ذلك ولا يستحب وقد روى خمسة عشر نفسا عن النبي ﷺ أنه كان يسلم عن يمينه وعن يساره السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله.

أو يسأل عمن رفع يديه عند الركوع والرفع منه هل صلاته مكروهة أو هي ناقصة فيقول نعم تكره صلاته أو هي ناقصة وربما غلا فقال باطلة وقد روى بضعة وعشرون نفسا عن النبي ﷺ أنه كان يرفع يديه عند الافتتاح وعند الركوع وعند الرفع منه بأسانيد صحيحة لا مطعن فيها.

أو يسأل عن بول الغلام الذي لم يأكل الطعام هل يجزي فيه الرش أم يجب الغسل فيقول لا يجزي فيه الرش وصاحب الشرع يقول يرش من بول الغول ورشه هو بنفسه.

أو يسأل عن التيمم هل يكفي بضربة واحدة إلى الكوعين فيقول لا يكفي ولا يجزيء وصاحب الشرع قد نص على أنه يكفي نصا صحيحا لا مدفع.

أو يسأل عن بيع الرطب بالتمر هل يجوز فيقول نعم يجوز وصاحب الشرع يسأل عنه فيقول لا آذن.

أو يسأل عن رجل أعتق ستة عبيد لا يملك غيرهم عند موته هل تكمل الحرية في اثنتين منهم أو يعتق من كل واحد سدسه فيقول لا تكمل الحرية ف اثنين منهم وقد أقرع بينهم رسول الله ﷺ فكمل الحرية في اثتين وأرق أربعة.

أو يسأل عن القرعة هل هي جائزة أم باطلة فيقول لا بل هي باطلة وهي من أحكام الجاهلية وقد أقرع رسول الله ﷺ وأمر بالقرعة في غير موضع.

أو يسأل عن الرجل خلف الصف وحدة هل له صلاة أم لا صلاة له وهل يؤمر بالإعادة فيقول نعم له صلاة ولا يؤمر بالإعادة وقد قال صاحب الشرع لا صلاة صلاة له وأمره بالإعادة.

أو يسأل هل للرجل رخصة في ترك الجماعة من غير عذر فيقول نعم له رخصة ورسول الله ﷺ يقول لا أجد لك رخصة.

أو يسأل عن رجل أسلف رجلا ماله وباعه سلعة هل يحل ذلك فيقول نعم يحل ذلك وصاحب الشرع يقول لا يحل سلف وبيع.

ونظائر ذلك كثيرة جدا وقد كان السلف الطيب يشتد نكيرهم وغضبهم على من عارض حديث رسول الله ﷺ برأي أو قياس أو استحسان أو قول أحد من الناس كائنا من كان ويهجرون فعل ذلك وينكرون على من يضرب له الأمثال ولا يسوغون غير الانقياد له والتسليم وبالتلقي بالسمع والطاعة ولا يخطر بقلوبهم التوقف في قبوله حتى يشهد له عمل أو قياس أو يوافق قول فلان وفلان بل كانوا عاملين بقوله وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم وبقول تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} ويقوله تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} وأمثالها فدفعنا إلى زمان إذا قيل لأحدهم ثبت عن النبي ﷺ أنه قال كذا وكذا يقول من قال بهذا ويجعل هذا دفعا في صدر الحديث أو يجعل جهله بالقائل به حجة له في مخالفتة وترك العمل به ولو نصح نفسه لعلم أن هذا الكلام من أعظم الباطل وأنه لا يحل له دفع سنن رسول الله ﷺ بمثل هذا الجهل وأقبح من ذلك عذره في جهله إذ يعتقد أن الإجماع منعقد على مخالفة تلك السنة وهذا سوء ظن بجماعة المسلمين إذ ينسبهم إلى اتفاقهم على مخالفة سنة الله ﷺ وأقبح من ذلك عذره في دعوى هذا الإجماع وهو جهله وعدم علمه بمن قال بالحديث فعاد الأمر إلى تقديم جهله على السنة والله المستعان.

ولا يعرف إمام من أئمة الإسلام ألبتة قال لا نعمل بحديث رسول الله ﷺ حتى نعرف من عمل به فإن جهل من بلغه الحديث من عمل به لم يحل له أن يعمل به كما يقول هذا القائل.

على المفتي ألا يتأول النصوص تأويلا فاسدا

الفائدة الخامسة والخمسون إذا سئل عن تفسير آية من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ فليس له أن يخرجها عن ظاهرها بوجوه التأويلات الفاسدة لموافقة نحلته وهواه ومن فعل ذلك استحق المنع من الإفتاء والحجر عليه وهذا الذي ذكرناه هو الذي صرح به أئمة الإسلام قديما وحديثا.

قال أبو حاتم الرازي حدثني يونس بن عبد الأعلى قال قال لي محمد بن إدريس الشافعي: "الأصل قرآن أو سنة فإن لم يكن فقياس عليهما وإذا اتصل الحديث عن رسول الله ﷺ وصح الإسناد به فهو المنتهى والإجماع أكبر من الخبر الفرد والحديث على ظاهره وإذا احتمل المعاني فما أشبه منها ظاهرة أولاها به فإذا تكافأت الأحاديث فأصحها إسنادا أولاها وليس المنقطع بشيء ما عدا منقطع سعيد بن المسيب ولا يقاس أصل على أصل ولا يقال لأصل لم وكيف وإنما يقال للفرع لم فإذا صح قياسه على الأصل صح قامت وقاست به الحجة". رواه الأصم عن ابن أبي حاتم.

وقال أبو المعالي الجويني في الرسالة النظامية في الأركان الإسلامية: "ذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الرب تعالى والذي نرتضيه رأيا وندين الله به عقد اتباع سلف الأمة فالأولى الاتباع وترك الابتداع والدليل السمعي القاطع في ذلك أن إجماع الأمة حجة متبعة وهو مستند معظم الشريعة وقد درج صحب الرسول ﷺ ورضي عنهم على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها وهم صفوة الإسلام المستقلون بأعباء الشريعة وكانوا لا يألون جهدا في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها ولو كان تأويل هذه الظواهر مسوغا أو محتوما لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة وإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين لهم على الإضراب عن التأويل كان ذلك قاطعا بأنه الوجه المتبع فحق على ذي الدين أن يعتقد تنزيه الباري عن صفات المحدثين ولا يخوض في تأويل المشكلات ويكل معناها إلى الرب تعالى وعند إمام القراء وسيدهم الوقوف على قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} من العزائم ثم الابتداء بقوله: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ}". ومما استحسن من كلام مالك أنه سئل عن قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى فقال الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة. فلتجر آية الاستواء والمجىء وقوله لما خلقت بيدي وقوله ويبقى وجه ربك وقوله تجري بأعيننا وما صح من أخبار الرسول كخبر النزول وغيره على ما ذكرنا. انتهى كلامه.

وقال أبو حامد الغزالي: الصواب للخلف سلوك مسلك السلف في الإيمان المرسل والتصديق المجمل وما قاله الله ورسوله بلا بحث وتفتيش.

وقال في كتاب التفرقة: الحق الاتباع والكف عن تغيير الظاهر رأسا والحذر عن اتباع تأويلات لم يصرح بها الصحابة وحسم باب السؤال رأسا والزجر عن الخوض في الكلام والبحث - إلى ان قال - ومن الناس من يبادر إلى التأويل ظنا لا قطعا فإن كان فتح هذا الباب والتصريح به يؤدي إلى تشويش قلوب العوام بدع صاحبه وكل ما لم يؤثر عن السلف ذكره وما يتعلق من هذا الجنس بأصول العقائد المهمة فيجب تكفير من يغير الظواهر بغير برهان قاطع.

وقال أيضا: كل ما لم يحتمل التأويل في نفسه وتواتر نقله ولم يتصور ان يقوم على خلافه برهان فمخالفته تكذيب محض وما تطرق إليه احتمال تأويل ولو بمجاز بعيد فإن كان برهانه قاطعا وجب القول به وإن كان البرهان يفيد ظنا غالبا ولا يعظم ضرره في الدين فهو بدعة وإن عظم ضرره في الدين فهو كفر.

قال: ولم تجر عادة السلف بهذه المجادلات بل شددوا القول على من يخوض في الكلام ويشتغل بالبحث والسؤال.

وقال أيضا: الإيمان المستفاد من الكلام ضعيف والإيمان الراسخ إيمان العوام الحاصل في قلوبهم في الصبا بتواتر السماع وبعد البلوغ بقرائن يتعذر التعبير عنها.

قال: وقال شيخنا أبو المعالي: يحرص الإمام ما أمكنه على جمع عامة الخلق على سلوك سبيل السلف في ذلك. انتهى.

وقد اتفقت الأئمة الأربعة على ذم الكلام وأهله وكلام الإمام الشافعي ومذهبه فيهم معروف عند جميع أصحابه، وهو أنهم يضربون ويطاف بهم في قبائلهم وعشائرهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام.

وقال: "لقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما كنت أظنه" وقال: "لأن يبتلى العبد بكل شيء نهي عنه غير الكفر أيسر من أن يبتلى بالكلام" وقال لحفص الفرد: أنا أخالفك في كل شيء حتى في قول لا إله إلا الله، أنا أقول لا إله إلا الله الذي يرى في الآخرة والذي كلم موسى تكليما وأنت تقول لا إله إلا الله الذي لا يرى في الآخرة ولا يتكلم.

وقال البيهقي في مناقبه: ذكر الشافعي إبراهيم بن إسماعيل بن علية فقال أنا مخالف له في كل شيء وفي قوله لا إله إلا الله لست أقول كما يقول أنا أقول لا إله إلا الله الذي كلم موسى من وراء حجاب وذاك يقول لا إله إلا الله الذي خلق كلاما أسمعه موسى من وراء حجاب.

وقال في أول خطبة رسالته: الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسه وفوق ما يصفه به الواصفون من خلقه. وهذا تصريح بأنه لا يوصف إلا بما وصف به نفسه تعالى وأنه يتعالى ويتنزه عما يصفه به المتكلمون وغيرهم مما لم يصف به نفسه.

وقال أبو نصر أحمد بن محمد بن خالد السجزي: سمعت أبي يقول: قلت لأبي العباس بن سريج: ما التوحيد فقال توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتوحيد أهل الباطل الخوض في الأعراض والأجسام، إنما بعث رسول الله ﷺ بإنكار ذلك.

وقال بعض أهل العلم: كيف لا يخشى الكذب على الله ورسوله من يحمل كلامه على التأويلات المستنكرة والمجازات المستكرهة التي هي بالألغاز والأحاجي أولى منها بالبيان والهداية وهل يأمن على نفسه أن يكون ممن قال الله فيهم {ولكم الويل مما تصفون}، قال الحسن: "هي والله لكل واصف كذبا إلى يوم القيامة"، وهل يأمن أن يتناوله قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} قال ابن عيينة: هي لكل مفتر من هذه الأمة إلى يوم القيامة. وقد نزه سبحانه نفسه عن كل ما يصفه به خلقه إلا المرسلين فإنهم إنما يصفونه بما أذن لهم أن يصفوه به فقال تعالى: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ} وقال تعالى: {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ} ويكفي المتأولين كلام الله ورسوله بالتأويلات التي لم يردها ولم يدل عليها كلام الله أنهم قالوا برأيهم على الله وقدموا آراءهم على نصوص الوحي وجعلوها عيارا على كلام الله ورسوله ولو علموا أي باب شر فتحوا على الأمة بالتأويلات الفاسدة وأي بناء للإسلام هدموا بها وأي معاقل وحصون استباحوها لكان أحدهم أن يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يتعاطى شيئا من ذلك فكل صاحب باطل قد جعل ما تأوله المتأولون عذرا له فيما تأوله هو وقال ما الذي حرم على التأويل وأباحه لكم فتأولت الطائفة المنكرة للمعاد نصوص المعاد وكان تأويلهم من جنس تأويل منكرى الصفات بل أقوى منه لوجوه عديدة يعرفها من وازن يبن التأويلين وقالوا كيف نحن نعاقب على تأويلنا وتؤجرون أنتم على تأويلكم قالوا ونصوص الوحي بالصفات أظهر وأكثر من نصوصه بالمعاد ودلالة النصوص عليها أبين فكيف يسوغ تأويلها بما يخالف ظاهرها ولا يسوغ لنا تأويل نصوص المعاد وكذلك فعلت الرافضة في أحاديث فضائل الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم وكذلك فعلت المعتزلة في تأويل أحاديث الرؤية والشفاعة وكذلك القدرية في نصوص القدر وكذلك الحرورية وغيرهم من الخوارج في النصوص التي تخالف مذاهبهم وكذلك القرامطة والباطنية طردت الباب وطمت الوادي على القرى وتأولت الدين كله فأصل خراب الدين والدنيا إنما هو من التأويل الذي لم يرده الله ورسوله بكلامه ولادل عليه أنه مراده وهل اختلف الأمم على أنبيائهم إلا بالتأويل وهل وقعت في الأمة فتنة كبيرة أو صغيرة إلا بالتأويل فمن بابه دخل إليها وهل أريقت دماء المسلمين في الفتن إلا بالتأويل.

فساد الأديان بالتأويل

وليس هذا مختصا بدين الإسلام فقط بل سائر أديان الرسل لم تزل على الاستقامة والسداد حتى دخلها التأويل فدخل عليها من الفساد ما لا يعلمه إلا رب العباد.

وقد توراثت البشارات بصحة نبوة محمد ﷺ في الكتب المتقدمة ولكن سلطوا عليها التأويلات فأفسدوها كما أخبر سبحانه عنهم من التحريف والتبديل والكتمان فالتحريف تحريف المعاني بالتأويلات التي لم يردها المتكلم بها والتبديل تبديل لفظ لفظ آخر والكتمان جحده وهذه الأدواء الثلاثة منها غيرت الأديان والملل وإذا تأملت دين المسيح وجدت النصارى إنما تطرقوا إلى إفساده بالتأويل بما لا يكاد يوجد قط مثله في شيء من الأديان ودخلوا إلى ذلك من باب التأويل وكذلك زنادقه الأمم جميعهم إنما تطرقوا إلى إفساد ديانات الرسل صلوات الله وسلامه عليهم بالتأويل ومن بابه دخلوا وعلى أساسه بنوا وعلى نقطه خطوا.

البواعث المؤدية إلى التأويل

والمتأولون أصناف عديدة بحسب الباعث لهم على التاويل وبحسب تصور أفهامهم ووفورها وأعظمهم توغلا في التأويل الباطل من فسد قصده وفهمه فكلما ساء قصده وقصر فهمه كان تأويله أشد انحرافا فمنهم من يكون تأويله لنوع هوى من غير شبهة بل يكون على بصيرة من الحق ومنهم من يكون تأويله لنوع شبهة عرضت له أخفت عليه الحق ومنهم من يكون تأويله لنوع هدى من غير شبهة بل يكون على بصيرة من الحق ومنهم من يجتمع له الأمران الهوى في القصد والشبهة في العلم.

نتائج التأويل

وبالجملة فافتراق أهل الكتابين وافتراق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة إنما أوجبه التأويل وإنما أريقت دماء المسلمين يوم الجمل وصفين والحرة وفتنة ابن الزبير وهلم جرا بالتأويل، وإنما دخل أعداء الإسلام من المتفلسفة والقرامطة والباطنية والإسماعلية والنصيرية من باب التأويل فما امتحن الإسلام بمحنة قط إلا وسببها التأويل فإن محنته إما من المتأولين وإما أن يسلط عليهم الكفار بسبب ما ارتكبوا من لتأويل وخالفوا ظاهر التنزيل وتعللوا بالأباطيل. فما الذي أراق دماء بني جذيمة وقد أسلموا غير التأويل حتى رفع رسول الله ﷺ يديه وتبرأ إلى الله من فعل المتأول بقتلهم وأخذ أموالهم؛ وما الذي أوجب تأخر الصحابة رضي الله عنهم يوم الحديبية عن موافقة رسول الله ﷺ غير التأويل حتى اشتد غضبه لتأخرهم عن طاعته حتى رجعوا عن ذلك التأويل؛ وما الذي سفك دم أمير المؤمنين عثمان ظلما وعدوانا وأوقع الأمة فيما أوقعها فيه حتى الآن غير التأويل؛ وما الذي سفك دم علي رضي الله عنه وابنه الحسين وأهل بيته رضي الله تعالى عنهم غير التأويل؛ وما الذي أراق دم عمار بن ياسر وأصحابه غير التأويل؛ وما الذي أرق دم ابن الزبير وحجر بن عدي وسعيد بن جبير وغيرهم من سادات الأمة غير التأويل؛ وما الذي أريقت عليه دماء العرب في فتنة أبي مسلم غير التأويل.

وما الذي جرد الإمام أحمد بين العقابين وضرب السياط حتى عجت الخليقة إلى ربها تعالى غير التأويل؛ وما الذي قتل الإمام أحمد بن نصر الخزاعي وخلد خلقا من العلماء في السجون حتى ماتوا غير التأويل؛ وما الذي سلط سيوف التتار على دار الإسلام حتى ردوا أهلها غير التأويل؛ وهل دخلت طائفة الإلحاد من أهل الحلول والاتحاد إلا من باب التأويل وهل فتح باب التأويل إلا مضادة ومناقضة لحكم الله في تعليمه عباده البيان الذي امتن الله في كتابه على الإنسان بتعليمه إياه فالتأويل بالألغاز والأحاجي والأغلوطات أولى منه بالبيان والتبيين وهل فرق بين دفع حقائق ما أخبرت به الرسل عن الله وأمرت به بالتأويلات الباطلة المخالفة له وبين رده وعدم قبوله ولكن هذا رد جحود ومعاندة وذاك رد خداع ومصانعة.

قال أبو الوليد بن رشد المالكي في كتابه المسمى بالكشف عن مناهج الأدلة وقد ذكر التأويل وجنايته على الشريعة إلى أن قال: "فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه وهؤلاء أهل الجدل والكلام وأشد ما عرض على الشريعة من هذا الصنف أنهم تأولوا كثيرا مما ظنوه ليس على ظاهره وقالوا إن هذا التأويل هو المقصود به وإنما أمر الله به في صورة المتشابه ابتلاء لعباده واختبارا لهم ونعوذ بالله من سوء الظن بالله بل نقول إن كتاب الله العزيز إنما جاء معجزا من جهة الوضوح والبيان فما أبعد من مقصد الشارع من قال فيما ليس بمتشابه إنه متشابه ثم أول ذلك المتشابه بزعمه وقال لجميع الناس إن فرضكم هو اعتقاد هذا التأويل مثل ما قالوه في آية الاستواء على العرش وغير ذلك مما قالوا إن ظاهره متشابه ثم قال وبالجملة فأكثر التأويلات التي زعم القائلون بها أنها المقصود من الشرع إذا تأملت وجدت ليس يقوم عليها برهان".

مثل من أول شيئا من الشرع

إلى أن قال: "ومثال من أول شيئا من الشرع وزعم أن ما أوله هو الذي العارض فيها من قبل التأويل تبينت ان هذا المثال صحيح وأول من غير هذا الدواء الأعظم هم الخوارج ثم المعتزلة بعدهم ثم الأشعرية ثم الصوفية ثم جاء أبو حامد فطم الوادي على القرى." هذا كلامه بلفظه.

ولو ذهبنا نستوعب ما جناه التأويل على الدنيا والدين ومانال الأمم قديما وحديثا بسببه من الفساد لاستدعى ذلك عدة أسفار والله المستعان.

اطمئنان قلب المستفتي قبل العمل بالفتوى

الفائدة السادسة والخمسون لا يجوز العمل بمجرد فتوى المفتي إذا لم تطمئن نفسه وحاك في صدره من قبوله وتردد فيها لقوله ﷺ: "استفت نفسك وإن أفتاك الناس وأفتوك" فيجب عليه ان يستفتي نفسه أولا ولا تخلصه فتوى المفتي من الله إذا كان يعلم ان الأمر في الباطن بخلاف ما أفتاه كما لا ينفعه قضاء القاضي له بذلك كما قال النبي ﷺ من قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما اقطع له قطعة من نار والمفتي والقاضي في هذا سواء ولا يظن المستفتي ان مجرد فتوى الفقيه تبيح له ما سأل عنه إذا كان يعلم ان الأمر بخلافه في الباطن سواء تردد أو حاك في صدره لعلمه بالحال في الباطن أو لشكه فيه أولجهله به أولعلمه جهل المفتي أو محاباته في فتواه أو عدم تقييده بالكتاب والسنة أولأنه معروف بالفتوى بالحيل والرخص المخالفة للسنة وغير ذلك من الأسباب المانعة من الثقة بفتواه وسكون النفس إليها فإن كان عدم الثقة والطمأنينة لأجل المفتى يسأل ثانيا وثالثا حتى تحصل له الطمأنينة فإن لم يجد فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها والواجب تقوى الله بحسب الاستطاعة.

العمل إذا وجد مفتيان أحدهما أعلم من الآخر

فإن كان في البلد مفتيان أحدهما أعلم من الآخر فهل يجوز استفتاء المفضول مع وجود الفاضل فيه قولان للفقهاء وهما وجهان لأصحاب الشافعي وأحمد:

فمن جوز ذلك رأى أنه يقبل قوله إذا كان وحده فوجود من هو أفضل منه لا يمنع من قبول قوله كالشاهد ومن منع استفتاء قال المقصود حصول ما يغلب على الظن الإصابة وغلبة الظن بفنوى الأعلم أقوى فيتعين والحق التفصيل بأن المفضول إن ترجح بديانة أو ورع أو تحر للصواب وعدم ذلك الفاضل فاستفتاء المفضول جائز إن لم يتعين وإن استويا فاستفتاء الأعلم أولى والله أعلم.

ترجمة كلام المفتي والمستفتي

الفائدة السابعة والخمسون: إذا لم يعرف المفتي لسان السائل أو لم يعرف المستفتي لسان المفتي أجزأ ترجمة واحد بينهما لأنه خبر محض فيكتفي فيه بواحد كأخبار الديانات والطب وطرد هذا الاكتفاء بترجمة الواحد في الجرح التعديل والرسالة والدعوى والإقرار والإنكار بين يدي الحاكم والتعريف في إحدى الروايتين وهي مذهب أبي حنيفة واختارها أبو بكر إجراء لها مجرى الخبر والرواية الثانية لا يقبل في هذه المواضع أقل من اثتين إجراء لها مجرى الشهادة وسلوكا بها سبيلها لأنها تثبت الإقرار عند الحاكم وتثبت عدالة الشهود وجرحهم فافتقرت إلى العدد كما لو شهد على إقراره شاهد واحد فإنه لا يكتفي به وهذا بخلاف ترجمة الفتوى والسؤال فغنه خبر محض فافترقا.

العمل في سؤال يحتمل صورا عديدة

الفائدة الثامنة والخمسون: إذا كان السؤال محتملا محملا لصور عديدة فإن لم يعلم المفتي الصورة المسئول عنها لم يجب عن صورة واحدة منها وإن علم الصورة المسئول عنها فله أن يخصها بالجواب ولكن يقيد لئلا يتوهم أن الجواب عن غيرها فيقول إن كان الأمر كيت وكيت أو كان المسئول عنه كذا وكذا فالجواب كذا وكذا وله أن يفرد كل صورة بجواب فيفصل الأقسام المحتملة ويذكر حكم كل قسم ومنع بعضهم من ذلك لوجهين أحدهما انه ذريعة إلى تعليم الحيل وفتح باب لدخول المستفتي وخروجه من حيث شاء الثاني أنه سبب لازدحام أحكام تلك الأقسام على فهم العامي فيضيع مقصودة والحق التفصيل فيكره حيث استلزم ذلك ولا يكره بل يستحب إذا كان فيه زيادة إيضاح وبيان وإزالة لبس وقد فصل النبي ﷺ في كثير من أجوبته بقوله إن كان كذا فالأمر كذا كقوله في الذي وقع على جارية امرأته إن كان استكرهها فهى حرة وعليه لسيدتها مثلها وإن كانت مطاوعة فهى له وعليه لسيدتها مثلها وهذا كثير في فتاويه ﷺ.

على المفتي أن يكون حذرا فطنا

الفائدة التاسعة والخمسون: وهي مما ينبغي التفطن له إن رأى المفتي خلال السطور بياضا يحتمل أن يلحق به ما يفسد الجواب فليحترز منه فربما دخل من ذلك عليه مكروه فإما أن يأمر بكتابة غير الورقة وإما أن يخط على البياض أو يشغله بشئ كما يحترز منه كتاب الوثائق والمكاتيب.

وبالجملة فليكن حذرا فطنا ولا يحسن ظنه بكل أحد وهذا الذي حمل بعض المفتين على أنه كان يقيد السؤال عنده في ورقة ثم يجيب في ورقة السائل ومنهم من كان يكتب السؤال في ورقة من عنده ثم يكتب الجواب وليس شئ من ذلك بلازم والاعتماد على قرائن الأحوال ومعرفة الواقع والعادة.

على المفتي أن يشاور الثقة

الفائدة الستون: إن كان عنده من يثق بعلمه ودينه فينبغي له ان يشاوره ولا يستقل بالجواب ذهابا بنفسه وارتفاعا بها ان يستعين على الفتاوي بغيره من أهل العلم وهذا من الجهل فقد أثنى الله سبحانه على المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم وقال تعالى لنبيه ﷺ: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} وقد كانت المسألة تنزل بعمر بن الخطاب رضي الله عنه فيستشير لها من حضر من الصحابة وربما جمعهم وشاورهم حتى كان يشاور ابن عباس رضي الله عنهما وهو إذا ذاك أحدث القوم سنا وكان يشاور عليا كرم الله وجهه وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين ولا سيما إذا قصد بذلك تمرين أصحابه وتعليمهم وشخذ أذهانهم.

قال البخاري في صحيحه: باب إلقاء العالم المسألة على أصحابه. وأولى ما ألقى عليهم المسألة التي سئل عنها هذا ما لم يعارض ذلك مفسدة من إفشاء سر السائل أو تعريضه للأذى أو مفسدة لبعض الحاضرين فلا ينبغي له ان يرتكب ذلك وكذلك الحكم في عابر الرؤيا فالمفتي والمعبر والطبيب يطلعون من أسرار الناس وعوراتهم على ما لا يطلع عليه غيرهم فعليهم استعمال الستر فيما لا يحسن إظهاره.

على المفتي أن يكثر الدعاء لنفسه بالتوفيق

الفائدة الحادية والستون: حقيق بالمفتي ان يكثر الدعاء بالحديث الصحيح: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم".

وكان شيخنا كثير الدعاء بذلك وكان إذا أشكلت عليه المسائل يقول يا معلم إبراهيم علمني ويكثر الاستعانة بذلك اقتداء بمعاذ بن جبل رضي الله عنه حيث قال لمالك بن يخامر السكسكي عند موته وقد رآه يبكي فقال والله ما أبكى على دنيا كنت أصيبها منك ولكن أبكي على العلم والإيمان اللذين كنت أتعلمهما منك فقال معاذ بن جبل رضي الله عنه إن العلم والايمان مكانهما، من ابتغاهما وجدهما، اطلب العلم عند أربعة عند عويمر أبي الدرداء وعند عبد الله بن مسعود وأبي موسى الاشعري وذكر الرابع فإن عجز عنه هؤلاء فسائر أهل الأرض عنه أعجز فعليك بمعلم إبراهيم صلوات الله عليه.

وكان بعض السلف يقول عند الإفتاء: "سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم".

وكان مكحول يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله وكان مالك يقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله العلي العظيم وكان بعضهم يقول رب اشرح لي صدري ويسر لي امري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي وكان بعضهم يقول اللهم وفقني واهدني وسددني واجمع لي بين الصواب والثواب واعذني من الخطأ والحرمان.

وكان بعضهم يقرأ الفاتحة وجربنا نحن ذلك فرأيناه من أقوى أسباب الاصابة. والمعول في ذلك كله على حسن النية وخلوص القصد وصدق التوجه في الاستمداد من المعلم الأول معلم الرسل والانبياء صلوات الله وسلامه عليهم فإنه لا يرد من صدق في التوجه إليه لتبليغ دينه وإرشاد عبيده ونصيحتهم والتخلص من القول عليه بلا علم فإذا صدقت نيته ورغبته في ذلك لم يعدم أجرأ إن فاته أجران والله المستعان.

وسئل الإمام أحمد فقيل له ربما اشتد علينا الأمر من جهتك فلمن نسأل بعدك فقال سلوا عبد الوهاب الوراق فإنه أهل ان يوفق للصواب واقتدى الإمام أحمد بقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه اقتربوا من افواه المطيعين واسمعوا منهم ما يقولون فإنهم تجلى لهم امور صادقة وذلك لقرب قلوبهم من الله وكلما قرب القلب من الله زالت عنه معارضات السوء وكان نور كشفه للحق أتم وأقوى وكلما بعد عن الله كثرت عليه المعارضات وضعف نور كشفه للصواب فإن العلم نور يقذفه الله في القلب يفرق به العبد بين الخطأ والصواب.

وقال مالك للشافعي رضي الله عنهما في أول ما لقيه إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورا فلا تطفئه بظلمة المعصية وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} ومن الفرقان النور الذي يفرق به العبد بين الحق والباطل وكلما كان قلبه أقرب إلى الله كان فرقانه أتم وبالله التوفيق.

لا تتوقف الفتوى على غرض السائل

الفائدة الثانية والستون: قد تكرر لكثير من أهل الإفتاء الامساك عما يفتون به مما يعلمون انه الحق إذا خالف غرض السائل ولم يوافقه وكثير منهم يسألة عن غرضه فإن صادفه عنده كتب له وإلا دله على مفت أو مذهب يكون غرضه عنده وهذا غير جائز على الاطلاق بل لا بد فيه من تفصيل فإن كان المسئول عنه من مسائل العلم والسنة أو من المسائل العلميات التي فيها نص عن رسول الله ﷺ لم يسع المفتى تركه إلى غرض السائل بل لا يسعه توقفه في الإفتاء به على غرض السائل بل ذلك إثم عظيم وكيف يسعه من الله ان يقدم غرض السائل على الله ورسوله وإن كانت المسألة من المسائل الاجتهادية التي يتجاذب اعنتها الأقوال والاقيسة فإن لم يترجح له قول منها لم يسع له ان يترجح لغرض السائل وإن ترجح له قول منها وظن انه الحق فأولى بذلك فإن السائل إنما يسأل عما يلزمه في الحكم ويسعه عند الله فإن عرفه المفتي أفتاه به سواء وافق غرضه أو خالفه ولا يسعه ذلك أيضا إذا علم ان السائل يدور على من يفتيه بغرضه في تلك المسألة فيجعل استفتاءه تنفيذا لغرضه لا تعبد الله بأداء حقه ولا يسعه ان يدله على غرضه أين كان بل ولا يجب عليه ان يفتي هذا الضرب من الناس فإنهم لا يستفتون ديانه وإنما يستفتون توصلا إلى حصول أغراضهم بأي طريق اتفق فلا يجب على المفتي مساعدتهم فإنهم لا يريدون الحق بل يريدون أغراضهم باي طريق وافق لهذا إذا وجدوا أغراضهم في أي مذهب اتفق اتبعوه في ذلك الموضع وتمذهبوا به كما يفعله ارباب الخصومات بالدعاوي عند الحكام ولا يقصد احدهم حاكما بعينه بل أي حاكم نفذ غرضه عنده صار إليه.

وقال شيخنا رحمه الله مرة: أنا مخير بين إفتاء هؤلاء وتركهم فإنهم لا يستفتون للدين بل لو صولهم إلى أغراضهم حيث كانت ولو وجدوها عند غيري لم يجيئوا إلى بخلاف من يسأل عن دينه وقد قال الله تعالى لنبيه ﷺ في حق من جاءه يتحاكم إليه لاجل غرضه لا لالتزامه لدينه ﷺ من أهل الكتاب فإن جاؤك فاحكم بينهم أو اعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا فهؤلاء لما لم يلتزموا دينه لم يلزمه الحكم بينهم والله تعالى أعلم.

روح الفتوى الدليل عليها

الفائدة الثالثة والستون عاب بعض الناس ذكر الاستدلال في الفتوى، وهذا العيب أولى بالعيب بل جمال الفتوى وروحها هو الدليل فكيف يكون ذكر كلام الله ورسوله وإجماع المسلمين وأقوال الصحابة رضوان الله عليهم والقياس الصحيح عيبا وهل ذكر قول الله ورسوله إلا طراز الفتاوي وقول المفتي ليس بموجب للاخذ به فإذا ذكر الدليل فقد حرم على المستفتي ان يخالفه وبرئ هو من عهدة الفتوى بلا علم.

وقد كان رسول الله ﷺ يسأل عن المسألة فيضرب لها الأمثال ويشبهها بنظائرها هذا وقوله وحده حجة فما الظن بمن ليس قوله بحجة ولا يجب الأخذ به واحسن أحواله وأعلاها ان يسوغ له قبول قوله وهيهات أن يسوغ بلا حجة وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا سئل احدهم عن مسألة أفتى بالحجة نفسها فيقول قال الله كذا وقال رسول الله ﷺ كذا أو فعل كذا فيشفى السائل ويبلغ القائل وهذا كثير جدا في فتاويهم لمن تأملها ثم جاء التابعون والأئمة بعدهم فكان أحدهم يذكر الحكم ثم يستدل عليه وعلمه يأبى ان يتكلم بلا حجة والسائل يأبى قبول قوله بلا دليل ثم طال الامد وبعد العهد بالعلم وتقاصرت الهمم إلى ان صار بعضهم يجيب بنعم أولا فقط ولا يذكر للجواب دليلا ولا مأخذا ويعترف بقصورة وفضل من يفتى بالدليل ثم نزلنا درجة أخرى إلى ان وصلت الفتوى إلى عيب من يفتى بالدليل وذمه ولعله ان يحدث للناس طبقة أخرى لا يدري ما حالهم في الفتاوي والله المستعان.

للمفتي أن يقلد الميت إذا علمت عدالته

الفائدة الرابعة والستون: هل يجوز للمفتي تقليد الميت إذا علم عدالته وانه مات عليها من غير ان يسأل الحي فيه وجهان لأصحاب أحمد والشافعي اصحهما له ذلك فإن المذاهب لا تبطل بموت أصحابها ولو بطلت بموتهم لبطل ما بأيدي الناس من الفقه عن ائمتهم ولم يسغ لهم تقليدهم والعمل بأقوالهم وأيضا لو بطلت أقوالهم بموتهم لم يعتد بهم في الإجماع والنزاع ولهذا لو شهد الشاهدان ثم ماتا بعد الاداء وقبل الحكم بشهادتهما لم تبطل شهادتهما وكذلك الراوي لاتبطل روايته بموته فكذلك المفتي لا تبطل فتواه بموته ومن قال تبطل فتواه بموته قال أهليته زالت بموته ولو عاش لوجب عليه تجديد الاجتهاد ولأنه قد يتغير اجتهاده وممن حكى الوجهين في المفتى أبو الخطاب فقال إن مات المفتى قبل عمل المستفتى فله العمل بها وقيل لا يعمل بها والله أعلم.

هل للمستفتي أن يكرر العمل بالفتوى إذا تكرر السبب

الفائدة الخامسة والستون: إذا استفتاه عن حكم حادثة فأفتاه وعمل بقوله ثم وقعت له ثانية فهل له مرة أن يعمل بتلك الفتوى الأولى أم يلزمه الاستفتاء مرة ثانية فيه وجهان لأصحاب أحمد والشافعي فمن لم يلزمه بذلك قال الأصل بقاء ما كان فله أن يعمل بالفتوى وإن أمكن تغير اجتهاده كما أن له أن يعمل بها بعد مدة من وقت الإفناء وإن جاز تغير اجتهاده ومن منعه من ذلك قال ليس على ثقة من بقاء المفتي على اجتهاده الأول فلعله أن يرجع عنه فيكون المستفتى قد عمل بما هو خطأ عند من استفتاه ولهذا رجح بعضهم العمل بقول الميت على قول الحي واحتجوا بقول ابن مسعود من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة.

استفتاء الأعلم والأدين

الفائدة السادسة والستون: هل يلزم المستفتي ان يجتهد في أعيان المفتين ويسأل الأعلم والأدين أم لا يلزمه ذلك فيه مذهبان كما سبق وبينا مأخذهما والصحيح أنه يلزمه لأنه المستطاع من تقوى الله تعالى المأمور بها كل أحد وتقدم انه إذا اختلف عليه مفتيان أحدهما اورع والاخر أعلم فأيهما يجب تقليده؟ فيه ثلاثة مذاهب سبق توجيهها.

القول في التمذهب بمذهب معين

وهل يلزم العامي أن يتمذهب ببعض المذاهب المعروفة أم لا فيه مذهبان أحدهما لا يلزمه وهو الصواب المقطوع به إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله ولم يوجب الله ولا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة فيقلده دينه دون غيره. وقد انطوت القرون الفاضلة مبرأة مبرأ أهلها من هذه النسبة بل لا يصح للعامي مذهب ولو تمذهب به، فالعامي لا مذهب له لأن المذهب إنما يكون لمن له نوع نظر واستدلال ويكون بصيرا بالمذاهب على حسبه أولمن قرأ كتابا في فروع ذلك المذهب وعرف فتاوي إمامه وأقوله وأما من لم يتأهل لذلك ألبتة بل قال أنا شافعي أو حنبلي أو غير ذلك لم يصر كذلك بمجرد القول كما لو قال أنا فقيه أو نحوي أو كاتب لم يصر كذلك بمجرد قوله.

يوضحه أن القائل إنه شافعي أو مالكي أو حنفي يزعم انه متبع لذلك الامام سالك طريقه وهذا إنما يصح له إذا سلك سبيله في العلم والمعرفة والاستدلال فأما مع جهله وبعده جدا عن سيرة الامام وعلمه وطريقه فكيف يصح له الانتساب إليه إلا بالدعوى المجردة والقول الفارغ من كل معنى والعامي لا يتصور ان يصح له مذهب ولو تصور ذلك لم يلزمه ولا لغيره ولا يلزم أحدا قط ان يتمذهب بمذهب رجل من الأمة بحيث يأخذ أقواله كلها ويدع أقوال غيره.

وهذه بدعة قبيحة حدثت في الأمة لم يقل بها أحد من أئمة الإسلام وهم أعلى رتبة وأجل قدرا وأعلم بالله ورسوله من ان يلزموا الناس بذلك وأبعد منه قول من قال يلزمه ان يتمذهب بمذهب عالم من العلماء وأبعد منه قول من قال يلزمه ان يتمذهب بأحد المذاهب الأربعة.

فيالله العجب ماتت مذاهب أصحاب رسول الله ﷺ ومذاهب التابعين وتابعيهم وسائر أئمة الإسلام وبطلت جملة إلا مذاهب أربعة أنفس فقط من بين سائر الأمة والفقهاء! وهل قال ذلك أحد من الأئمة أو دعا إليه أو دلت عليه لفظه واحدة من كلامه عليه؟ والذي أوجبه الله تعالى ورسوله على الصحابة والتابعين وتابعيهم هو الذي أوجبه على من بعدهم إلى يوم القيامة: لا يختلف الواجب ولا يتبدل وإن اختلفت كيفيته أو قدره باختلاف القدرة والعجز والزمان والمكان والحال فذلك أيضا تابع لما أوجبه الله ورسوله.

ومن صحح للعامي مذهبا قال هو قد اعتقد ان هذا المذهب الذي انتسب إليه هو الحق فعليه الوفاء بموجب اعتقاده وهذا الذي قاله هؤلاء لو صح للزم منه تحريم استفتاء أهل غير المذهب الذي انتسب إليه وتحريم تمذهبه بمذهب نظير إمامه أوأرجح منه أو غير ذلك من اللوازم التي يدل فسادها على فساد ملزوماتها بل يلزم منه أنه إذا راى نص رسول الله ﷺ أو قول خلفائه الأربعة مع غير إمامه ان يترك النص وأقوال الصحابة ويقدم عليها قول من انتسب إليه.

وعلى هذا فله أن يستفتي من شاء من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم ولا يجب عليه ولا على المفتي ان يتقيد بأحد من الأئمة الأربعة بإجماع الأمة كما لا يجب على العالم ان يتقيد بحديث أهل بلده أو غيره من البلاد بل إذا صح الحديث وجب عليه العلم به حجازيا كان أو عراقيا أو شاميا أو مصريا أو يمنيا.

وكذلك لا يجب على الإنسان التقيد بقراءة السبعة المشهورين بإنفاق المسلمين بل إذا وافقت القراءة رسم المصحف الامام وصحت في العربية وصح سندها جازت القراءة بها وصحت الصلاة بها اتفاقا بل لو قرأ بقراءة تخرج عن مصحف عثمان وقد قرأ بها رسول الله ﷺ والصحابة بعده جازت القراءة بها ولم تبطل الصلاة بها على أصح الأقوال والثاني تبطل الصلاة بها وهاتان روايتان منصوصتان عن الإمام أحمد والثالث إن قرأ بها في ركن لم يكن مؤديا لفرضه وإن قرأ بها في غيره لم تكن مبطلة وهذا اختيار أبي البركات ابن تيمية قال لأنه لم يتحقق الاتيان بالركن في الأول ولا الاتيان بالمبطل في الثاني ولكن ليس له ان يتبع رخص المذاهب واخذ غرضه من أي مذهب وجده فيه بل عليه اتباع الحق بحسب الإمكان.

العمل عند اختلاف المفتيين

الفائدة السابعة والستون: فإن اختلف عليه مفتيان فأكثر فهل يأخذ بأغلظ الأقوال أو بأخفها أو يتخير أو يأخذ بقول الأعلم اوالاورع أو يعدل إلى مفت اخر فينظر من يوافق من الأولين فيعمل بالفتوى التي يوقع عليها أو يجب عليه ان يتحرى ويبحث عن الراجح بحسبه فيه سبعة مذاهب ارجحها السابع فيعمل كما يعمل عند اختلاف الطريقين أو الطبيبين أو المشيرين كما تقدم وبالله التوفيق.

هل قول المفتي ملزم

الفائدة الثامنة والستون: إذا استفتى فأفتاه المفتي فهل تصير فتواه موجبة على المستفتي العمل بحيث يكون عاصيا إن لم يعمل بها أولا يوجب عليه العمل فيه أربعة أوجه لأصحابنا وغيرهم أحدها انه لا يلزمه العمل بها إلا أن يلتزمه هو والثاني انه يلزمه إذا شرع في العمل فلا يجوز له حينئذ الترك والثالث أنه إن وقع في قلبه صحة فتواه وأنها حق لزمه العمل بها والرابع انه إذا لم يجد مفتيا آخر لزمه الأخذ بفتياه فإن فرضه التقليد وتقوى الله ما استطاع وهذا هو المستطاع في حقه وهو غاية ما يقدر عليه وإن وجد مفتيا آخر فإن وافق الأول فأبلغ في لزوم العمل وإن خالفه فإن استبان له الحق في إحدى الجهتين لزمه العمل به وإن لم يستبن له الصواب فهل يتوقف أو يأخذ بالأحوط أو يتخير أو يأخذ بالاسهل فيه وجوه تقدمت العمل بالفتوى إذا لم تبلغه مشافهة من المفتي.

الفائدة التاسعة والستون يجوز له العمل بخط المفتي وإن لم يسمع الفتوى من لفظ إذا عرف انه خطه أو اعلمه به من يسكن إلى قوله ويجوز له قبول قول الرسول إن هذا خطه وإن كان عبدا أو امرأة أو صبيا أو فاسقا كما يقبل قوله في الهدية والاذن في دخول اعتمادا على القرائن والعرف وكذا يجوز اعتماد الرجل على ما يجده من كتابة الوقف على كتاب أو رباط أو خان أو نحوه فيدخله وينتفع به وكذلك يجوز له الاعتماد على ما يجده بخط أبيه في برنامجه أن له على فلان كذا وكذا فيحلف على الاستحقاق وكذا يجوز للمرأة الاعتماد على خط الزوج انه أبانها فلها ان تتزوج بناء على الخط وكذا الوصي والوارث يعتمد على خط الموصي فينفذ ما فيه وإن لم يشهد شاهدان وكذا إذا كتب الراوي إلى غيره حديثا جاز له ان يعتمد عليه ويعمل به ويرويه بناء على الخط إذا تيقن ذلك كله هذا عمل الأمة قديما وحديثا من عهد نبينا ﷺ والى الآن وإن أنكره من أنكره.

ومن العجب ان من أنكر ذلك وبالغ في إنكاره ليس معه فيما يفتي به إلا مجرد كتاب قيل إنه كتاب فلان فهو يقضى به ويفتى ويحل ويحرم ويقول هكذا في الكتاب والله الموفق.

وقد كان رسول الله ﷺ يرسل كتبه إلى الملوك والى الأمم يدعوهم إلى الإسلام فتقوم عليهم الحجة بكتابه وهذا أظهر من أن ينكر وبالله التوفيق.

ما يفعل المفتي إذا حدثت حادثة ليس فيها قول لأحد من العلماء

الفائدة السبعون إذا حدثت حادثة ليس فيها قول لأحد من العلماء فهل يجوز الاجتهاد فيها بالإفتاء والحكم أم لا؟ فيه ثلاثة أوجه:

أحدها يجوز وعليه تدل فتاوي الأئمة وأجوبتهم فإنهم كانوا يسالون عن حوادث لم تقع قبلهم فيجتهدون فيها وقد قال النبي ﷺ إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله اجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر وهذا يعم ما اجتهد فيه مما لم يعرف فيه قول من قبله وما عرف فيه أقوالا واجتهد في الصواب منها وعلى هذا درج السلف والخلف والحاجة داعية إلى ذلك لكثرة الوقائع واختلاف الحوادث ومن له مباشرة لفتاوي الناس يعلم ان المنقول وإن اتسع غاية الاتساع فإنه لا يفي بوقائع العالم جميعا وانت إذا تأملت الوقائع رأيت مسائل كثيرة واقعة وهي غير منقولة ولا يعرف فيها كلام لأئمة المذاهب ولا لأتباعهم.

والثاني لا يجوز له الإفتاء ولا الحكم بل يتوقف حتى يظفر فيها بقائل قال الإمام أحمد لبعض أصحابه إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام والثالث يجوز ذلك في مسائل الفروع لتعلقها بالعمل وشدة الحاجة اليها وسهولة خطرها ولا يجوز في مسائل الأصول.

والحق التفصيل وأن ذلك يجوز بل يستحب أو يجب عند الحاجة واهلية المفتي والحاكم فإن عدم الأمران لم يجز وإن وجد أحدهما دون الاخر احتمل الجواز والمنع والتفصيل فيجوز للحاجة دون عدمها والله أعلم.

فتاوى إمام المفتين صلى الله عليه وسلم

ولنختم الكتاب بذكر فصول يسير قدرها عظيم أمرها من فتاوى إمام المفتين ورسول رب العالمين تكون روحا لهذا الكتاب ورقما على جلة هذا التأليف.

فتاوى إمام المفتين ﷺ في العقيدة

فصح عنه ﷺ أنه سئل عن رؤية المؤمنين ربهم تبارك وتعالى فقال: "هل تضارون في رؤية الشمس صحوا في الظهيرة ليس دونها سحاب" قالوا: لا فقال: "هل تضارون في رؤية القمر البدر صحوا ليس دونه سحاب" قالوا: لا قال: "فإنكم ترونه كذلك" متفق عليه.

وسئل كيف نراه ونحن ملء الأرض وهو أحد فقال أنبئكم عن ذلك في آلاء الله الشمس والقمر آية منه صغيرة ترونهما ويريانكم ساعة واحدة لا تضارون في رؤيتهما ولعمر إلهك أقدر على أن يراكم وترونه. ذكره أحمد. [1].

وصح عنه ﷺ أنه سئل عن مسألة القدر وما يعمل الناس فيه أمر قد قضى وفرغ منه أم أمر يستأنف فقال بل أمر قد قضي وفرغ منه فسئل حينئذ ففيم العمل فأجاب بقوله اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى} إلى آخر الآيتين؛ ذكره مسلم. وصح عنه ﷺ أنه سئل عما يكتمه الناس في ضمائرهم هل يعلمه الله فقال نعم. ذكره مسلم.

وصح عنه ﷺ أنه سئل أين كان ربنا قبل أن تخلق السموات والأرض فلم ينكر على السائل وقال: كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء. ذكره أحمد. [2].

وصح عنه ﷺ أنه سئل عن مبدأ تخليق هذا العالم فأجاب بأن قال كان الله ولم يكن شئ غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شئ. ذكره البخاري.

وصح عنه ﷺ أنه سئل أين يكون الناس يوم يبدل الأرض فقال على الصراط وفي لفظ آخر هم في الظلمة دون الجسر فسئل من أول الناس إجازة فقال فقراء المهاجرين. ذكره مسلم. ولا تنافي بين الجوابين فإن الظلمة أول الصراط فهناك مبدأ التبديل وتمامه وهم على الصراط.

وسئل ﷺ عن قوله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} فقال: ذلك العرض. ذكره مسلم.

وسئل ﷺ عن أول طعام يأكله أهل الجنة فقال: "زيادة كبد الحوت" فسئل ﷺ: ما غذاؤهم على أثره فقال: "ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها" فسئل ﷺ ما شرابهم عليه فيها فقال: "من عين فيها تسمى سلسبيلا". ذكره مسلم.

وسئل ﷺ هل رأيت ربك فقال: "نور أنى أراه". ذكره مسلم. فذكر الجوار ونبه على المانع من الرؤية وهو النور الذي هو حجاب الرب تعالى الذي لو كشفه لم يقم له شئ.

وسئل ﷺ يا رسول الله كيف يجمعنا ربنا بعد ما تمزقنا الرياح والبلى والسباع فقال للسائل أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله الأرض أشرفت عليها وهي مدرة بالية فقلت لا تحي أبدا ثم أرسل ربك عليها السماء فلم تلبث عليك إلا أياما ثم أشرفت عليها وهي شربة واحدة ولعمر إلهك إنك لهو أقدر على أن يجمعهم من الماء على أن يجمع نبات الأرض. ذكره أحمد. [3].

وسئل ﷺ يا رسول الله ما يفعل بنا ربنا إذا لقيناه فقال تعرضون بادية له صفحاتكم لا يخفى عليه خافية منكم فيأخذ ربك عز وجل بيده غرفة من الماء فينضح بها قلبكم فلعمر إلهك ما يخطى وجه واحد منكم منها قطرة فأما المسلم فتدع وجهه مثل الريطة البيضاء وأما الكافر فتحطمه بمثل الحميم الأسود. ذكره أحمد. [4].

وسئل ﷺ بم نبصر وقد حبس الشمس والقمر فقال للسائل بمثل بصرك ساعتك هذه وذلك مع طلوع الشمس وذلك في يوم اشرقت فيه الأرض ثم واجهته الجبال فسئل ﷺ بم نجزي من حسناتنا وسيئاتنا فقال الحسنة بعشرة أمثالها والسيئة بمثلها أو يعفو فسئل ﷺ على ماء يطلع من الجنة فقال على انهار من عسل مصفى وأنهار من كأس ما بها من صداع ولاندامة وانهار من لبن لم يتغير طعمه وماء غير آسن وفاكهة لعمر إلهك مما تعلمون وخير من مثله معه وأزواج مطهرة فسئل ﷺ ألنا فيها ازواج فقال الصالحات للصالحين تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا ويلذونكم غير أن لا توالد. ذكره أحمد. [5].

وسئل ﷺ عن كيفية إتيان الوحي إليه فقال: "يأتيني أحيانا مثل صلصلة الجرس وهو أشده على فيفصم عنى وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا" متفق عليه.

وسئل ﷺ عن شبه الولد بأبيه تارة وبأمه تارة فقال إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة كان الشبه له وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل فالشبه لها. متفق عليه.

وأما ما رواه مسلم في صحيحه أنه قال إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكر الرجل بإذن الله وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنت بإذن الله فكان شيخنا يتوقف في كون هذا اللفظ محفوظا ويقول المحفوظ هو اللفظ الأول والاذكار والإيناث ليس له سبب طبيعي وإنما هو بأمر الرب تبارك وتعالى للملك أن يخلقه كما يشاء ولهذا جعل مع الرزق والأجل والسعادة والشقاوة.

قلت: فإن كان هذا اللفظ محفوظا فلا تنافي بينه وبين اللفظ الأول ويكون سبق الماء سببا للشبه وعلوه على ماء الآخر سببا للإذكار والإيناث. والله أعلم.

وسئل ﷺ عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب من ذراريهم ونسائهم فقال: هم منهم. [6] حديث صحيح. ومراده ﷺ بكونهم منهم التبعية في أحكام الدنيا وعدم الضمان لا التبعية في عقاب الآخرة فإن الله تعالى لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه.

وسئل ﷺ عن قوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} فقال إنما إنما هو جبريل عليه السلام لم أره على صورته التي خلق عليها هاتين المرتين. ذكره مسلم.

ولما نزل قوله تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} سئل ﷺ يا رسول الله أيتكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب فقال نعم ليكررن عليكم حتى تؤدوا إلى كل ذي حق حقه فقال الزبير: "والله إن الأمر لشديد".

وسئل ﷺ كيف يحشر الكافر على وجهه فقال أليس الذي أمشاه في الدنيا على رجليه قادر أن يمشيه في الآخرة على وجهه. [7].

وسئل ﷺ هل تذكرون أهاليكم يوم القيامة فقال أما في ثلاث مواطن فلا يذكر أحد أحدا حيث يوضع الميزان حتى يعلم أيثقل ميزانه أم يخف وحيث يتطاير الكتب حتى يعلم كتابه من يمينه أو من شماله أو من وراء ظهره وحيث يوضع الصراط على جسر جهنم على حافتيه كلاليب وحسك يحبس الله به من يشاء من خلقه حتى يعلم أينجو أم لا ينجو. [8].

وسئل ﷺ يا رسول الله الرجل يحب القوم ولما يعمل بأعمالهم فقال: "المرء مع من أحب". [9].

وسئل ﷺ عن الكوثر فقال: "هو نهر أعطانيه ربي في الجنة هو أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل فيه طيور أعناقها كأعناق الجزر قيل يا رسول الله إنها لناعمة" قال: "آكلها أنعم منها". [10].

وسئل ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال الأجوفان الفم والفرج وعن أكثر ما يدخلهم الجنة فقال: "تقوى الله وحسن الخلق". [11].

وسئل ﷺ عن المرأة تتزوج الرجلين والثلاثة مع من تكون يوم القيامة فقال: "تخير فتكون مع أحسنهم خلقا". [12].

وسئل ﷺ أي الذنب أعظم فقال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك قيل ثم ماذا قال أن تقتل ولدك خشية ان يطعم معك قيل ثم ماذا قال أن تزني بحليلة جارك". [13].

وسئل ﷺ أي الاعمال أحب إلى الله فقال: "الصلاة على وقتها وفي لفظ لاول وقتها قيل ثم ماذا قال الجهاد في سبيل الله قيل ثم ماذا قال بر الوالدين". [14].

وسئل ﷺ عن قوله: {يَا أُخْتَ هَارُونَ} وبين عيسى وموسى عليهما السلام ما بينهما فقال: "كانوا يسمون بأنبيائهم وبالصالحين قبلهم". [15].

وسئل ﷺ عن أول أشراط الساعة فقال: "نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب" وهذه إحدى مسائل عبد الله بن سلام الثلاث والمسألة الثانية ما أول طعام يأكله أهل الجنة والثالثة سبب شبه الولد بأبيه وأمه. فولدها الكاذبون وجعلوها كتابا مستقلا سموه مسائل عبد الله بن سلام، وهي هذه الثلاثة في صحيح البخاري.

وسئل ﷺ عن الإسلام فقال شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت.

وسئل ﷺ عن الايمان فقال "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت".

وسئل ﷺ عن الاحسان فقال "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك". [16].

وسئل ﷺ عن قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} فقال هم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ويخافون أن لا يقبل منهم.

وسئل ﷺ عن قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} الآية فقال إن الله تعالى خلق آدم ثم مسح على ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح على ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون فقال رجل يا رسول الله ففيم العمل فقال إن الله إذ خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من اعمال أهل الجنة فيدخله الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخل النار.

وسئل ﷺ عن قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} فقال بل ايتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأى برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العوام.

وسئل ﷺ عن الأدوية والرقى هل ترد من القدر شيئا فقال هي من القدر.

وسئل ﷺ عمن يموت من أطفال المشركين فقال الله أعلم بما كانوا عاملين وليس هذا قولا بالتوقف كما ظنه بعضهم ولا قول بمجازاة الله لهم على ما يعلمه منهم أنهم عاملوه لو كانوا عاشوا بل هو جواب فصل وأن الله يعلم ما هم عاملوه وسيجازيهم على معلومه فيهم بما يظهر منهم يوم القيامة لا على مجرد علمه كما صرحت به سائر الأحاديث واتفق عليه أهل الحديث انهم يمتحنون يوم القيامة فمن أطاع دخل الجنة ومن عصى دخل النار.

وسئل ﷺ عن سبأ هل هو أرض أم امرأة فقال ليس بأرض ولا امرأة ولكنه رجل ولد عشرة من العرب فتيامن منهم ستة وتشاءم منهم أربعة فأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وغسان وعاملة وأما الذين تيامنوا فالازد والاشعريون وحمير وكندة ومذحج وأنمار فقال رجل يا رسول الله وما أنما فقال الذين منهم خثعم وبجيلة.

وسئل عن قوله تعالى: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} فقال ﷺ "هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له" وسئل عن أفضل الرقاب يعنى في العتق فقال انفسها عند أهلها وأغلاها ثمنا وسئل ﷺ عن أفضل الجهاد فقال من عقر جواده وأريق دمه.

وسئل ﷺ عن أفضل الصدقة فقال "ان تتصدق وانت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى" وسئل ﷺ أي الكلام أفضل فقال "ما اصطفى الله الملائكة سبحان الله وبحمده".

وسئل ﷺ متى وجبت لك النبوة وفي لفظ متى كنت نبيا فقال وآدم بين الروح والجسد. هذا هو اللفظ الصحيح والعوام يروونه بين الماء والطين، قال شيخنا وهذا باطل وليس بين الماء والطين مرتبة واللفظ المعروف ما ذكرنا.

وذكر الإمام أحمد في مسنده أن اعرابيا سأله يا رسول الله أخبرني عن الهجرة إليك أينما كنت أم لقوم خاصة أم إلى أرض معلومة أم إذا مت انقطعت فسأل ثلاث مرات ثم جلس فسكت رسول الله ﷺ يسيرا ثم قال أين السائل قال ها هو ذا حاضر يا رسول الله قال الهجرة أن تهجر الفواحش ما ظهر منها وما بطن وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ثم أنت مهاجر وإن مت في الحضر فقام آخر فقال يا رسول الله أخبرني عن ثياب أهل الجنة أتخلق خلقا أم تنسج نسجا قال فضحك القوم فقال رسول الله ﷺ تضحكون من جاهل يسأل عالما فاستلبث رسول الله ﷺ ساعة ثم قال أين السائل عن ثياب أهل الجنة فقال ها هو ذا يا رسول الله قال لا بل تنشق عنها ثمار الجنة ثلاث مرات.

وسئل ﷺ أنفضي إلى نسائنا في الجنة وفي لفظ آخر هل نصل إلى نسائنا في الجنة فقال "إي والذي نفسي بيده إن الرجل ليفضي في الغداة الواحدة إلى مائة عذراء" قال الحافظ أبو عبد الله المقدسي رجال إسناده عندي على شرط الصحيح.

وسئل أنطأ في الجنة فقال نعم والذي نفسي بيده دحما دحما فإذا قام عنها رجعت مطهرة بكرا. ورجال إسناده على شرط صحيح ابن حبان.

وفي معجم الطبراني انه سئل هل يتناكح أهل الجنة فقال بذكر لا يميل وشهوة لا تنقطع دحما دحما. قال الجوهري: الدحم الدفع الشديد.

وفيه أيضا انه سئل ﷺ أيجامع أهل الجنة فقال: "دحما دحما ولكن لا مني ولا منية".

وسئل ﷺ أينام أهل الجنة فقال: "النوم أخو الموت وأهل الجنة لا ينامون".

وسئل ﷺ هل في الجنة خيل فقال "إن دخلت الجنة أتيت بفرس من ياقوتة له جناحان فحملت عليه فطار بك في الجنة حيث شئت".

وسئل ﷺ عن قوله تعالى: {وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} أين الناس يؤمئذ قال على جسر جهنم.

وسئل عن الايمان فقال إذا سرتك حسناتك وساءتك سيئاتك فأنت مؤمن.

وسئل عن الإثم فقال إذا حاك في قلبك شئ فدعه.

وسئل عن البر والإثم فقال البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر.

وسأله عمر هل نعمل في شئ نستأنفه أم في شئ قد فرغ منه قال بل في شئ قد فرغ منه قال ففيم العمل قال يا عمر لا يدرك ذلك إلا بالعمل قال إذا نجتهد يا رسول الله.

وكذلك سأله سراقة بن مالك بن جعشم فقال يا رسول الله أخبرنا عن أمرنا كأننا ننظر إليه أبما جرت به الاقلام وثبتت به المقادير أم بما يستأنف فقال لا بل بما جرت به الاقلام وثبتت به المقادير قال ففيم العمل إذا قال اعملوا فكل ميسر قال سراقة فلا أكون أبدا أشد اجتهادا في العمل مني الآن.

فصل فتاوى إمام المفتين ﷺ في الطهارة

وسئل ﷺ عن الوضوء بماء البحر فقال هو الطهور ماؤه والحل ميتته.

وسئل ﷺ عن الوضوء من بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها الحيض والنتن ولحوم الكلاب فقال: "الماء طهور لا ينجسه شئ".

وسئل ﷺ عن الماء يكون بالفلاة وما ينوبه من الدواب والسباع فقال: "إذا كان الماء فلتين لم ينجسه شئ".

وسأله أبو ثعلبة فقال إنا بأرض قوم أهل كتاب وإنهم يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم فقال إن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء واطبخوا فيها واشربوا.

وفي الصحيحين إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنا كل في آنيتهم قال لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا غيرها فاغسلوها ثم كلوا فيها.

وفي المسند والسنن أفتنا في آنية المجوس إذا اضطررنا اليها فقال إذا اضطررتم اليها فاغسلوها بالماء واطبخوا فيها.

وفي الترمذي سئل عن قدور المجوس فقال أنقوها غسلا واطبخوا فيها.

وسئل ﷺ عن الرجل يخيل إليه انه يجد الشئ في الصلاة فقال لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا.

وسئل ﷺ عن المذى قال يجزئ منه الوضوء فقال له السائل فكيف بما أصاب ثوبي منه فقال يكيفك ان تأخذ كفا من ماء فتنضح به ثوبك حيث ترى أنه أصاب منه. صححه الترمذي.

وسئل ﷺ عما يوجب الغسل وعن الماء يكون بعد الماء فقال ذاك المذى وكل فحل يمذى فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك وتوضأ وضوءك للصلاة.

وسألته فاطمة بنت أبي حبيش فقالت إني امرأة استحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة فقال لا إنما ذلك عرق وليس بحيضة فإذا أقبلت حيضتك فدعى الصلاة فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي.

وسئل عنها أيضا فقال النبي ﷺ "تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تحيض فيها ثم تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة وتصوم وتصلي".

وسئل ﷺ عن الوضوء من لحوم الغنم فقال إن "شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ".

وسئل ﷺ عن الوضوء من لحوم الابل فقال "نعم توضأ من لحوم الابل".

وسئل ﷺ عن الصلاة في مرابض الغنم فقال "نعم صلوا فيها".

وسئل ﷺ عن الصلاة في مبارك الابل فقال لا وسأله ﷺ رجل فقال يا رسول الله ما تقول في رجل لقى امرأة لا يعرفها فليس يأتى الرجل من امرأته شئ إلا قد أتاه منها غير أنه لم يجامعها فأنزل الله تعالى هذه الآية: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} فقال له النبي ﷺ: "توضأ ثم صل" فقال معاذ: فقلت يا رسول الله أله خاصة أم للمؤمنين عامة قال بل للمؤمنين عامة.

وسألته أم سليم فقالت يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت فقال رسول الله ﷺ نعم إذا رأت الماء فقالت أم سلمة أو تحتلم المرأة فقال تربت يداك فيم يشبهها ولدها. وفي لفظ أن أم سليم سألت نبي الله ﷺ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل فقال رسول الله ﷺ إذا رأت المرأة ذلك فلتغتسل.

وفي المسند ان خولة بنت حكيم سألت النبي ﷺ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل فقال ليس عليها غسل حتى تنزل كما أن الرجل ليس عليه غسل حتى ينزل.

وسأله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه عن المذي فقال من المذي الوضوء ومن المني الغسل وفي لفظ إذ رأيت المذي فتوضأ واغسل ذكرك وإذا رأيت نضح الماء فاغتسل. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما فقال يغتسل وعن الرجل يرى انه قد احتلم ولم يجد البلل فقال لا غسل عليه. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل وعائشة جالسة فقال إنى أفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل. ذكره مسلم.

وسألته أم سلمة فقالت يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه بغسل الجنابة فقال لا إنما يكفيك ان تحثى على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء ذكره مسلم وعند أبي داود واغمري قرونك عند كل حفنة.

وسألته ﷺ امرأة فقالت يا رسول الله إن لنا طريقا إلى المسجد منتنة فكيف نفعل إذا مطرنا ققال أليس بعد طريق هي أطيب منها قلت بلى يا رسول الله قال هذه بهذه وفي لفظ أليس بعده ما هو أطيب منه قلت بلى قال فإن هذا يذهب بذاك. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ فقيل له إنا نريد المسجد فنطأ الطريق النجسة فقال الأرض يطهر بعضها بعضا. ذكره ابن ماجة.

وسألته ﷺ امرأة فقالت إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة كيف تصنع به فقال تحته ثم تقرضه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه متفق عليه وسئل ﷺ عن فأرة وقعت في سمن فقال ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم. ذكره البخاري ولم يصح فيه التفصيل بين الجامد والمائع.

وسألته ﷺ ميمونة عن شاة ماتت فألقوا إهابها فقال هلا أخذتم مسكها فقالت نأخذ مسك شاة قد ماتت فقال لها ﷺ إنما قال تعالى: { قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ } وإنكم لا تطعمونه إن تدبغوه تنتفعوا به فأرسلت اليها فسلخت مسكها فدبغته فاتخذت منه قربة حتى تخرقت عندها. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ عن جلود الميتة فقال "ذكاؤها دباغها" ذكره النسائي.

وسئل ﷺ عن الاستطابة فقال "أولا يجد أحدكم ثلاثة أحجار حجران للصفحتين وحجر للمسر به" حديث حسن وعند مالك مرسلا: "أولا يجد أحدكم ثلاثة أحجار" ولم يزد.

وسأله سراقة عن التغوط فأمره أن يتنكب القبلة ولا يستقبلها ولا يستدبرها ولا يستقبل الريح وأن يستنجي بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع أو ثلاثة اعواد أو بثلاث حثيات من تراب. ذكره الدارقطني.

وسئل ﷺ عن الوضوء فقال أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا إن تكون صائما. ذكره أبو داود.

وسأله ﷺ عمرو بن عنبسة فقال كيف الوضوء قال أما الوضوء فإنك إذا توضأت فغسلت كفيك فأنقيتهما خرجت خطاياك من بين أظافرك وأناملك فإذا تمضمضت واستنشقت وغسلت وجهك ويديك إلى المرفقين ومسحت رأسك وغسلت رجليك اغتسلت من عامة خطاياك كيوم ولدتك أمك. ذكره النسائي.

وسأله ﷺ أعرابي عن الوضوء فأراه ثلاثا ثلاثا ثم قال هكذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم. ذكره أحمد.

وسأل النبي ﷺ أعرابي فقال يا رسول الله الرجل منا يكون في الصلاة فيكون منه الرويحة ويكون في الماء قلة فقال إذا فسا أحدكم فليتوضأ ولا تأتوا النساء في أعجازهن فإن الله لا يستحي من الحق. ذكره الترمذي.

وسئل ﷺ عن المسح على الخفين فقال للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يوما وليلة.

وسأله ﷺ ابن أبي عمارة فقال يا رسول الله امسح على الخفين فقال نعم قال يوما قال ويومين قال وثلاثة أيام قال نعم وما شئت. ذكره أبو داود فطائفة من أهل العلم أخذت بظاهره وجوزوا المسح بلا توقيت وطائفة قالت هذا مطلق وأحاديث التوقيت مقيدة والمقيد يقضي على المطلق.

وسأله ﷺ أعرابي فقال اكون في الرمل أربعة أشهر أو خمسة أشهر ويكون فينا النفساء والحائض والجنب فما ترى قال عليك بالتراب. ذكره أحمد.

وسأله ﷺ أبو ذر إني أغرب عن الماء ومعي أهلي فتصيبني الجنابة فقال إن الصعيد الطيب طهور ما لم تجد الماء عشر حجج فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك. حديث حسن.

وسأله ﷺ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فقال انكسرت إحدى زندي فأمره أن يمسح على الجبائر، ذكره ابن ماجة.

وقال ثوبان استفتوا النبي ﷺ عن الغسل من الجنابة فقال أما الرجل فلينشر رأسه فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر وأما المرأة فلا عليها أن لا تنقضه لتغرف على رأسها ثلاث غرفات تكفيها. ذكره أبو داود.

وسأله ﷺ رجل فقال إني اغتسلت من الجنابة وصليت الصبح ثم أصبحت فرأيت قدر موضع الظفر لم يصبه ماء فقال لو كنت مسحت عليه بيدك أجزاك. ذكره ابن ماجه.

وسألته ﷺ امرأة عن الحيض فقال تأخذ إحداكن ماءها وسدرها فتطهر فتحسن الطهور تم تصب على رأسها فتدلكه دلكا شديدا حتى تبلغ شئون رأسها ثم تصب عليها الماء ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها.

وسألته ﷺ عن غسل الجنابة فقال تأخذ ماء فتطهر فتحسن الطهور ثم تصب الماء على رأسها فتدلكه حتى يبلغ شئون رأسها ثم تفيض الماء عليها.

وسأله ﷺ رجل ما يحل لي من امرأتي وهي حائض فقال تشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها. ذكره مالك.

وسئل ﷺ عن مؤاكلة الحائض فقال واكلها ذكره الترمذي وسئل ﷺ كم تجلس النفساء فقال تجلس أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك. ذكره الدارقطني.

فتاوى إمام المفتين ﷺ في الصلاة

وسأله ﷺ ثوبان عن أحب الاعمال إلى الله تعالى فقال عليك بكثرة السجود لله عزوجل فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط بها عنك خطيئة ذكره مسلم وسأله عبد الله بن سعد أيما أفضل الصلاة في بيتي أو الصلاة في المسجد فقال ألا ترى إلى بيتي ما أقربه من المسجد فلأن أصلي في بيتي أحب إلى من أن أصلي في المسجد إلا أن تكون صلاة مكتوبة. ذكره ابن ماجة.

وسئل ﷺ عن صلاة الرجل في بيته فقال نوروا بيوتكم. ذكره ابن ماجه.

وسئل ﷺ متى يصلي الصبي فقال إذا عرف يمينه من شماله فمروه بالصلاة.

وسئل ﷺ عن قتل رجل مخنث يتشبه بالنساء فقال إنى نهيت عن قتل المصلين. ذكره أبو داود.

وسئل ﷺ عن وقت الصلاة فقال للسائل صل معنا هذين اليومين فلما زالت الشمس أمر بلالا فأذن ثم أمره فأقام الظهر ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية ثم امره فأقام المغرب حتى غابت الشمس ثم امره فأقام العشاء حين غاب الشفق ثم امره فأقام الفجر حين طلع الفجر فلما كان اليوم الثاني امره فأبرد بالظهر وصلى العصر والشمس مرتفعة أخرها فوق الذي كان وصلى المغرب قبل ان يغيب الشفق وصلى العشاء بعد ما ذهب ثلث الليل وصلى الفجر فأسفر بها ثم قال أين السائل عن وقت الصلاة فقال الرجل انا يا رسول الله ﷺ فقال وقت صلاتكم ما رأيتم. ذكره مسلم.

وسئل ﷺ هل من ساعة أقرب إلى الله من الأخرى قال نعم أقرب ما يكون الرب عز وجل من العبد جوف الليل الاخر فإن استطعت ان تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن.

وسئل رسول الله ﷺ عن الصلاة الوسطى فقال هي صلاة العصر وسئل ﷺ هل في ساعات الليل والنهار ساعة تكره الصلاة فيها فقال نعم إذا صليت الصبح فدع الصلاة حتى تطلع الشمس فإنها تطلع بين قرني شيطان ثم صل فإن الصلاة محضورة متقبلة حتى تستوي الشمس على رأسك كالرمح فدع الصلاة فإن تلك الساعة تسجر جهنم وتفتح فيها أبوابها حتى ترتفع الشمس عن حاجبك الايمن فإذا زالت الشمس فالصلاة محضورة متقبلة حتى تصلى العصر ثم دع الصلاة حتى تغيب الشمس. ذكره ابن ماجه وفيه دليل على تعلق النهي بفعل صلاة الصبح لا بوقتها.

وسأله ﷺ رجل فقال لا أستطيع أن آخذ شيئاص من القرآن فعلمني ما يجزيني فقال قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله فقال يا رسول الله هذا لله فما لي فقال قل اللهم ارحمني وعافني واهدني وارزقني فقال بيده هكذا وقبضها فقال رسول الله ﷺ أما هذا فقد ملأ يديه من الخير. ذكره أبو داود.

وسأله ﷺ عمران بن حصين وكان به بواسير عن الصلاة فقال صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنبك. ذكره البخاري.

وسأله ﷺ رجل أقرأ خلف الامام أو انصت قال بل أنصت فإنه يكفيك. ذكره الدارقطني.

وسأله ﷺ حطان فقال يا رسول الله إنا لا نزال سفرا فكيف نصنع بالصلاة فقال ثلاث تسبيحات ركوعا وثلاث تسبيحات سجودا. ذكره الشافعي مرسلا.

وسأله ﷺ عثمان بن أبي العاص فقال يا رسول الله إن الشيطان قد حال بين صلاتي وبين قراءتي يلبسها على فقال ذاك شيطان يقال هل خترب فإذا أحسسته فتعوذ بالله واتفل على يسارك ثلاثا قال ففعلت ذلك فأذهبه الله. ذكره مسلم.

وسأله ﷺ رجل فقال أصلي في ثوبي الذي آتي فيه أهلي قال نعم إلا أن ترى فيه شيئا فتغسله.

وسأله ﷺ معاوية بن حيدة يا رسول الله عوراتنا ما نأتى منها وما نذر قال احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك قال قلت يا رسول الله الرجل يكون مع الرجل قال إن استطعت أن لا يراها أحد فافعل قلت فالرجل يكون خاليا قال الله أحق أن يستحيا منه. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ عن الصلاة في الثوب الواحد قال أوكلكم يجد ثوبين. متفق عليه.

وسأله ﷺ سلمة بن الاكوع يا رسول الله إني اكون في الصيد فأصل وليس على إلا قميص واحد فقال فازرره وإن لم تجد إلا شوكة. ذكره أحمد. وعند النسائي: إني أكون في الصيف وليس علي إلا قميص.

وسأله ﷺ رجل: يا رسول الله أصلي في الفراء قال فأين الدباغ وسئل ﷺ عن الصلاة في القوس والقرن فقال اطرح القرن وصلى في القوس. ذكره الدارقطني. والقرن بالتحريك الجعبة.

وسألته أم سلمة هل تصلي المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار فقال إذا كان الدرع سابلا يغطي ظهر قدميها. ذكره أبو داود.

وسأله ﷺ أبو ذر عن أول مسجد وضع في الأرض قال المسجد الحرام فقال ثم أي قال المسجد الاقصى فقال كم بينهما قال أربعون عاما ثم الأرض لك مسجد حيث أدركتك الصلاة فصل. متفق عليه.

وذكر الحاكم في مستدركه ان جعفر بن أبي طالب سأله عن الصلاة في السفينة فقال صل فيها قائما إلا أن تخاف الغرق.

وسئل ﷺ عن مسح الحصى في الصلاة فقال واحدة أو دع.

وسأله ﷺ جابر عن ذلك فقال واحدة ولأن تمسك عنها خير لك من مائة ناقة كلها سواد الحدق فقلت المسجد كان مفروشا بالحصباء فكان أحدهم يمسحه بيديه لموضع سجوده فرخص النبي في مسحه واحدة وندبهم إلى تركها، والحديث في المسند.

وسئل ﷺ عن الالتفات في الصلاة فقال هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد.

وسأله ﷺ رجل فقال يصلي أحدنا في منزله الصلاة ثم يأتى المسجد وتقام الصلاة أفأصلي معهم فقال لك سهم جمع ذكره أبو داود وسأله ﷺ أبو ذر عن الكلب الأسود يقطع الصلاة دون الاحمر والاضفر فقال الكلب الأسود شيطان.

وسأله ﷺ رجل فقال يا رسول الله إنى صليت فلم أدر أشفعت أو أوترت فقال رسول الله ﷺ إياكم أن يتلعب بكم الشيطان في صلاتكم من صلى فلم يدر أشفع أم أوتر فليسجد سجدتين فإنهما تمام صلاته. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ لأي شئ فضلت يوم الجمعة فقال لأن فيها طبعت طينة ابيك آدم وفيها الصعقة والبعثة وفيها البطشة وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها استجيب له وسئل أيضا عن ساعة الإجابة فقال حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها ولا تنافي بين الحديثين لأن ساعة الإجابة وإن كانت آخر ساعة بعد العصر فالساعة التي تقام فيها الصلاة أولى أن تكون ساعة الإجابة كما أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء ومسجد رسول الله ﷺ أولى بذلك منه وهو أولى من جمع بينهما بتنقلها فتأمل.

وسئل ﷺ يا رسول الله أخبرنا عن يوم الجمعة ما فيه من الخير فقال فيه خمس خلال فيه خلق آدم وفيه أهبط آدم إلى الأرض وفيه توفي الله آدم وفيه ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئا إلا أعطاه إياه ما لم يسأل إثما أو قطيعة رحم وفيه تقوم الساعة فما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض ولا جبال ولا حجر إلا وهو مشفق من يوم الجمعة. ذكره أحمد والشافعي.

وسئل ﷺ عن صلاة الليل فقال مثنى مثنى فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة. متفق عليه.

وسأله أبو أمامة بكم أوتر قال بواحدة قال إني أطيق أكثر من ذلك قال ثلاث ثم قال بخمس ثم قال بسبع وفي الترمذي انه سئل عن الشفع والوتر هي الصلاة بعضها شفع وبعضها وتر وفي سنن الدارقطني ان رجلا سأله عن الوتر فقال افصل بين الواحدة والثنتين بالسلام.

وسئل ﷺ أي الصلاة أفضل قال طول القنوت. ذكره أحمد.

وسئل أي القيام أفضل قال نصف الليل وقليل فاعله.

وسئل ﷺ هل من ساعة أقرب إلى الله من الأخرى قال نعم جوف الليل الأوسط. ذكره النسائي.

فصل فتاوى إمام المفتين صلى الله عليه وسلم في الموت

وسئل ﷺ عن موت الفجاءة فقال: راحة للمؤمن وأخذةُ أسفٍ للفاجر. ذكره أحمد. ولهذا لم يكره أحمد موت الفجاءة في إحدى الروايتين عنه وقد روي عنه كراهتها، وروى في مسنده أن رسول الله ﷺ مر بجدار أو حائط مائل فأسرع المشي فقيل له في ذلك فقال إني أكره موت الفوات. ولا تنافي بين الحديثين فتأمله.

وسئل: تمر بنا جنازة الكافر أفنقوم لها قال نعم إنكم لستم تقومون لها إنما تقومون إعظاما للذي يقبض النفوس. ذكره أحمد وقام لجنازة يهودية فسئل عن ذلك فقال إن للموت فزعا فإذا رأيتم جنازة فقوموا.

وسئل عن امرأة أوصت ان يعتق عنها رقبة مؤمنة فدعا بالرقبة فقال من ربك قالت الله قال من أنا قالت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة. ذكره أبو داود.

وسأله ﷺ عمر رضي الله عنه هل ترد إلبنا عقولنا في القبر وقت السؤال فقال نعم كهيئتكم اليوم. ذكره أحمد.

وسئل عن عذاب القبر فقال: نعم عذاب القبر حق.

فصل فتاوى إمام المفتين صلى الله عليه وسلم في الزكاة

وسئل ﷺ عن صدقة الابل فقال ما من صاحب إبل لا يؤدي حقها ومن حقها حلبها يوم ورودها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر أوفر ما كانت لا يفقد منها فصيلا واحدا تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار.

وسئل ﷺ عن البقر فقال ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئا ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما مرت عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار.

وسئل ﷺ عن الخيل فقال الخيل ثلاثة هي لرجل وزر ولرجل ستر ولرجل أجر فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال لما في مرج أو روضة فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أو الروضة كانت له حسنات ولو أنه انقطع طيلها فاستنت شرفا أو شرفين كانت له آثارها وأرواثها حسنات ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد ان يسقيها كانت له حسنات فهى لذلك الرجل اجر ورجل ربطها تغنيا وتعففا ثم لم ينس حق الله في رقابها ولا في ظهورها فهى لذلك الرجل ستر ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء لأهل الإسلام فهي على ذلك وزر.

وسئل ﷺ عن الحمر فقال ما أنزل على فيها إلا هذه الآية الجامعة الفاذة فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره. ذكره مسلم.

وسألته ﷺ أم سلمة فقالت إني ألبس أوضاحا من ذهب أكنز هو قال ما بلغ أن تؤدي زكاته فزكي فليس بكنز. ذكره مالك.

وسئل ﷺ أفي المال حق سوى الزكاة قال نعم ثم قرأ وآتى المال على حبه. ذكره الدارقطني.

وسألته ﷺ امرأة فقالت إن لي حليا وإن زوجي خفيف ذات اليد وإن لي ابن أخ أفيجزئ عني ان أجعل زكاة الحلي فيهم قال نعم.

وذكر أن ماجة ان أبا سيارة سأله فقال إن لي نخلا فقال أد العشر فقلت يا رسول الله احمها لي فحماها لي وسأله ﷺ العباس عن تعجيل زكاته قبل أن يحول الحول فإذن له في ذلك. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ عن زكاة الفطر فقال هي على كل مسلم صغيرا أو كبيرا حرا أو عبدا صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو أقط.

وسأله ﷺ أصحاب الأموال فقالوا إن أصحاب الصدقة يعتدون علينا أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا قال لا. ذكره أبو داود.

وسأله ﷺ رجل فقال إني ذو مال كثير وذو أهل وولد وحاضرة فأخبرني كيف أنفق وكيف امنع فقال تخرج الزكاة من مالك فإنها طهرة تطهرك وتصل بها رحمك وأقاربك وتعرف حق السائل والجار والمسكين فقال يا رسول الله أقلل في قال فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا فقال حسبي وقال يا رسول الله إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله قال رسول الله نعم إذا اديتها إلى رسولي فقد برئت منها ولك أجرها وإثمها على من بدلها. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ عن الصدقة على أبي رافع مولاه فقال إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة وإن مولى القوم من أنفسهم. ذكره أحمد.

وسأله ﷺ عمر عن أرضه بخيبر واستفتاه ما يصنع فيها وقد أراد أن يتقرب بها إلى الله فقال إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها ففعل وتصدق عبد الله بن زيد بحائط له فأتاه أبواه فقالا يا رسول الله إنها كانت قيم وجوهنا ولم يكن لنا مال غيره فدعا عبد الله فقال إن الله قد قبل منك صدقتك وردها على أبويك فتوارثاها بعد ذلك. ذكره النسائي.

وسئل ﷺ أي الصدقة أفضل فقال المنيحة أن يمنح أحدكم الدرهم أو ظهر الدابة أو لبن الشاة أو لبن البقرة. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ مرة عن هذه المسألة فقال جهد المقل وأبدأ بمن تعول. ذكره أبو داود.

وسئل ﷺ مرة أخرى عنها فقال: أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى.

وسئل ﷺ مرة أخرى عنها فقال: سقي الماء.

وسئل مرة أخرى عنها فقال. [17].

وسأل ﷺ سراقة بن مالك عن الإبل تغشى حياضه: هل له من أجر في سقيها؟ فقال: نعم في كل كبد حرى أجر. ذكره أحمد.

وسألته ﷺ امرأتان عن الصدقة على أزاوجهما فقال: لهما أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة متفق عليه وعند ابن ماجه: أتجزئ عني من النفقة الصدقة على زوجي وأيتام في حجري؟ فقال رسول الله ﷺ: لها أجران: أجر الصدقة وأجر القرابة.

وسألته ﷺ أسماء فقالت: ما لي مال إلا ما أدخل علي الزبير أفأتصدق؟ فقال: تصدقي ولا توعي فيوعى عليك. متفق عليه.

وسأله ﷺ مملوك: أتصدق من مال مولاي بشئ؟ فقال: نعم والأجر بينكما نصفان. ذكره مسلم.

وسأله ﷺ عمر رضي الله عنه عن شراء فرس تصدق به فقال: لا تشتره ولا تعد في صدقتك وإن أعطاكه بدرهم فإن العائد في هبته كالعائد في قيئه. متفق عليه.

وسئل ﷺ عن المعروف فقال: لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تعطي صلة الحبل ولو أن تعطي شسع النعل ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي ولو أن تنحي الشئ من طريق الناس يؤذيهم ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه طلق ولو أن تلقى أخاك فتسلم عليه ولو أن تؤنس الوحشان في الأرض. ذكره أحمد.

فلله ما أجل هذه الفتاوي وما أحلاها وما أنفعها وما أجمعها لكل خير فوالله لو أن الناس صرفوا همهم إليها لأغنتهم عن فتاوى فلان وفلان والله المستعان.

وسأله ﷺ رجل فقال: إني تصدقت على أمي بعبد وإنها ماتت فقال: وجبت صدقتك وهو لك بميراثك. ذكره الشافعي.

وسألته ﷺ امرأة فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية وإنها ماتت فقال: وجب أجرك وردها عليك الميراث. ذكره مسلم.

وسأله ﷺ رجل فقال: إن أمي توفيت أفينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: نعم. ذكره البخاري.

وسأله آخر فقال: إن أمي افتلتت نفسها وأظنها لو تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم. متفق عليه.

وسأله ﷺ آخر فقال: إن أبي مات ولم يوص أفينفعه أن أتصدق عنه؟ قال: نعم. ذكره مسلم.

وسأله ﷺ حكيم بن حزام فقال: يا رسول الله أمور كنت أتحدث بها في الجاهلية من صلة وعتاقة وصدقة هل لي فيها أجر؟ قال: أسلمت على ما سلف لك من الخير. متفق عليه.

وسألته ﷺ عائشة رضي الله عنها عن ابن جدعان وأنه كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذلك نافعه؟ فقال: لا ينفعه إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين. ذكره مسلم.

وسئل ﷺ عن الغنى الذي ويحرم المسألة فقال: خمسون درهما أو قيمتها من الذهب. ذكره أحمد.

ولا ينافي هذا جوابه للآخر: ما يغديه أو يعشيه فإن هذا غناء اليوم وذاك غناء العام بالنسبة إلى حال ذلك السائل والله أعلم.

وسأله ﷺ عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد أرسل إليه بعطاء فقال: أليس أخبرتنا أن خيرا لأحدنا أن لا يأخذ من أحد شيئا فقال: إنما ذلك من المسألة فأما ما كان عن غير مسألة فإنما هو رزق رزقكه الله فقال عمر: والذي نفسي بيده لا أسأل أحدا شيئا ولا يأتيني شئ من غير مسألة إلا أخذته. ذكره مالك.

فصل فتاوى تتعلق بالصوم

وسئل ﷺ: أي الصوم أفضل؟ فقال: شعبان لتعظيم رمضان قيل: فأي الصدقة أفضل؟ قال صدقة رمضان ذكره الترمذي والذي في الصحيح أنه سئل: أي الصيام أفضل بعد شهر رمضان؟ فقال: شهر الله الذي تدعونه المحرم قيل: فأي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: الصلاة في جوف الليل.

قال شيخنا: ويحتمل أن يريد بشهر الله المحرم أول العام وأن يريد به الأشهر الحرم والله أعلم.

وسألته ﷺ عائشة رضي الله عنها فقالت: يا رسول الله دخلت علي وأنت صائم ثم أكلت حيسا فقال: نعم إنما منزلة من صام في غير رمضان أو قضى رمضان في التطوع بمنزلة رجل أخرج صدقة من ماله فجاد منها بما شاء فأمضاه وبخل بما شاء فأمسكه. ذكره النسائي.

ودخل ﷺ على أم هانئ فشرب ثم ناولها فشربت فقالت: إني كنت صائمة فقال: الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر. ذكره أحمد. وذكر الدارقطني أن أبا سعيد صنع طعاما فدعا النبي ﷺ وأصحابه فقال رجل من القوم: إني صائم فقال رسول الله ﷺ: صنع لك أخوك طعاما وتكلف لك أخوك! أفطر وصم يوما آخر مكانه. وذكر أحمد أن حفصة أهديت لها شاة فأكلت منها هي وعائشة وكانتا صائمتين فسألتا رسول الله عن ذلك فقال: أبدلا يوما مكانه.

وسأله ﷺ رجل فقال: قد اشتكيت عيني أفأكتحل وأنا صائم؟ قال: نعم. ذكره الترمذي وذكر الدارقطني أنه سئل أفريضة الوضوء من القيء؟ فقال: لا لو كان فريضة لوجدته في القرآن. وفي إسناد الحديثين مقال.

وسأله ﷺ عمر بن أبي سلمة أيقبل الصائم؟ فقال له رسول الله ﷺ: سل هذه لأم سلمة فأخبرته أن رسول الله ﷺ يفعل ذلك قال: يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال له رسول الله ﷺ: إني لأتقاكم لله وأخشاكم له. ذكره مسلم. وعند الإمام أحمد أن رجلا قبل امرأته وهو صائم في رمضان فوجد من ذلك وجدا شديدا فأرسل امرأته فسألت أم سلمة عن ذلك فأخبرتها أن رسول الله ﷺ كان يفعله فأخبرت زوجها فزاده ذلك شرا وقال: لسنا مثل رسول الله ﷺ إن الله يحل لرسوله ما شاء ثم رجعت امرأته إلى أم سلمة فوجدت رسول الله فقال رسول الله ﷺ: ما هذه المرأة فأخبرته أم سلمة فقال: ألا أخبرتها أني أفعل ذلك؟ قالت: قد أخبرتها فذهبت إلى زوجها فزاده ذلك شرا وقال: لسنا مثل رسول الله ﷺ إن الله يحل لرسوله ما شاء فغضب رسول الله ﷺ وقال: والله إني لأتقاكم لله وأعلمكم بحدوده. ذكره مالك وأحمد والشافعي رضي الله عنهم. وذكر أحمد أن شابا سأل فقال: أقبل وأنا صائم؟ قال: لا وسأله شيخ: أقبل وأنا صائم؟ قال: نعم ثم قال: إن الشيخ يملك نفسه.

وسأله ﷺ رجل فقال: يا رسول الله أكلت وشربت ناسيا وأنا صائم فقال: أطعمك الله وسقاك. ذكره أبو داود. وعند الدارقطني فيه بإسناد صحيح: أتم صومك فإن الله أطعمك وسقاك ولا قضاء عليك وكان أول يوم من رمضان.

وسألته ﷺ عن ذلك امرأة أكلت معه فأمسكت فقال: ما لك؟ فقالت: كنت صائمة فنسيت فقال ذو اليدين: الآن بعد ما شبعت؟ فقال ﷺ: أتمي صومك فإنما هو رزق ساقه الله إليك. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ عن الخيط الأبيض والخيط الأسود فقال: هو بياض النهار وسواد الليل. ذكره النسائي.

ونهاهم عن الوصال وواصل فسألوه عن ذلك فقال: إني لست كهيئتكم إني يطعمني ربي ويسقيني. متفق عليه.

وسأله ﷺ رجل فقال: يا رسول الله تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم فقال رسول الله ﷺ: وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم فقال: لست مثلنا يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال: والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي. ذكره مسلم.

وسئل ﷺ عن الصوم في السفر فقال: إن شئت صمت وإن شئت أفطرت.

وسأله ﷺ حمزة بن عمرو فقال: إني أجد في قوة على الصيام في السفر فهل علي جناح؟ فقال: هي رخصة الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه. ذكرهما مسلم.

وسئل ﷺ عن تقطيع قضاء رمضان فقال: ذلك إليك أرأيت لو كان على أحدكم دين قضى الدرهم والدرهمين ألم يكن ذلك قضاء؟ فالله أحق أن يعفو ويغفر. ذكره الدارقطني وإسناده حسن.

وسألته ﷺ امرأة فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم ونذر أفأصوم عنها؟ فقال: أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها؟ فقالت: نعم قال: فصومي عن أمك. متفق عليه. وعن أبي داود أن امرأة ركبت البحر فنذرت إن الله تعالى نجاها أن تصوم شهرا فنجاها الله فلم تصم حتى ماتت فجاءت ابنتها أو أختها إلى رسول الله ﷺ فأمرها أن تصوم عنها.

وسألته ﷺ حفصة فقالت: إني أصبحت أنا وعائشة صائمتين متطوعتين فأهدي لنا طعام فأفطرنا عليه فقال رسول الله ﷺ: اقضيا مكانه يوما. ذكره أحمد. ولا ينافي هذا قوله: الصائم المتطوع أمير نفسه فإن القضاء أفضل.

وسأله ﷺ رجل فقال: هلكت وقعت على امرأتي وأنا صائم فقال رسول الله ﷺ هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا قال: هل تجد إطعام ستين مسكينا؟ قال: لا قال: اجلس فبينا نحن على ذلك إذ أتي النبي ﷺ بفرق فيه تمر - والفرق: المكتل الضخم - فقال: أين السائل؟ قال: أنا قال: فخذ هذا فتصدق به فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها - يريد الحرتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال: أطعمه أهلك. متفق عليه.

وسأله ﷺ رجل: فقال أي شهر تأمرني أن أصوم بعد رمضان؟ فقال: إن كنت صائما بعد رمضان فصم المحرم فإنه شهر فيه تاب الله على قوم ويتوب فيه على قوم آخرين. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ: يا رسول الله لم نرك تصوم في شهر من الشهور ما تصوم في شعبان؟ فقال: ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ عن صوم يوم الاثنين فقال: ذاك يوم ولدت فيه وفيه أنزل علي القرآن. ذكره مسلم.

وسأله ﷺ أسامة فقال: يا رسول الله إنك تصوم لا تكاد تفطر وتفطر حتى لا تكاد تصوم إلا يومين إن دخلا في صيامك وإلا صمتهما قال: أي يومين؟ قال: يوم الاثنين ويوم الخميس قال: ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ فقيل: يا رسول الله إنك تصوم الاثنين والخميس فقال: إن يوم الاثنين والخميس يغفر الله فيهما لكل مسلم إلا مهتجرين، يقول حتى يصطلحا. ذكره ابن ماجه.

وسئل ﷺ: يا رسول الله كيف بمن يصوم الدهر؟ قال: لا صام ولا أفطر أو قال: لم يصم ولم يفطر قال: كيف بمن يصوم يومين ويفطر يوما؟ قال: ويطيق ذلك أحد؟ قال: كيف بمن يصوم يوما ويفطر يوما؟ قال: ذاك صوم داود عليه السلام قال: كيف بمن يصوم يوما ويفطر يومين؟ قال: وددت أني طوقت ذلك ثم قال رسول الله ﷺ: ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان هذا صيام الدهر كله صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي بعده. ذكره مسلم.

وسأله ﷺ رجل: أصوم يوم الجمعة ولا أكلم أحدا؟ فقال: لا تصم يوم الجمعة إلا في أيام هو أحدها أو في شهر وأما أن لا تكلم أحدا فلعمري أن تكلم بمعروف أو تنهى عن منكر خير من أن تسكت. ذكره أحمد.

وسأله ﷺ عمر رضي الله عنه فقال: إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يوما في المسجد الحرام فكيف ترى؟ فقال: اذهب فاعتكف يوما.

فتاوى عن ليلة القدر

وسئل ﷺ عن ليلة القدر أفي رمضان أو في غيره؟ قال: بل في رمضان فقيل: تكون مع الأنبياء ما كانوا فإذا قبضوا رفعت أم هي إلى يوم القيامة؟ قال: بل هي إلى يوم القيامة فقيل: في أي رمضان هي؟ قال: التمسوها في العشر الأول أو في العشر الآخر فقيل: في أي العشرين؟ قال: ابتغوها في العشر الأواخر لا تسألني عن شئ بعدها فقال: أقسمت عليك بحقي عليك لما أخبرتني في أي العشر هي فغضب غضبا شديدا وقال: التمسوها في السبع الأواخر لا تسألن عن شئ بعدها. ذكره أحمد والسائل أبو ذر. وعند أبي داود أنه ﷺ سئل عن ليلة القدر فقال: في كل رمضان. وسئل عنها أيضا فقال: كم الليلة؟ فقال السائل: اثنتان وعشرون فقال: هي الليلة ثم رجل فقال: أو القابلة يريد ثلاثا وعشرين. ذكره أبو داود.

وسأله ﷺ عبد الله بن أنيس: متى نلتمس هذه الليلة المباركة؟ فقال: التمسوها هذه الليلة وذلك مساء ليلة ثلاث وعشرين.

وسألته ﷺ عائشة رضي الله عنها: إن وافقتها فيم أدعو؟ قال: قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني. حديث صحيح.

فصل فتاوى تتعلق بالحج

وسألته ﷺ عائشة رضي الله عنها فقالت: نرى الجهاد أفضل الأعمال أفلا نجاهد؟ قال: لكن أفضل الجهاد وأجمله حج مبرور. ذكره البخاري. وزاد أحمد: لكن هو جهاد.

وسألته ﷺ امرأة: ما يعدل حجة معك؟ فقال: عمرة في رمضان. ذكره أحمد وأصله في الصحيح.

وسألته ﷺ أم معقل فقالت: يا رسول الله إن علي حجة وإن لأبي معقل بكرا فقال أبو معقل: صدقت قد جعلته في سبيل الله فقال: أعطها فلتحج عليه فإنه في سبيل الله فأعطاها البكر فقالت: يا رسول الله إني امرأة قد كبرت سني وسقمت فهل من عمل يجزئ عني من حجتي؟ فقال: عمرة في رمضان تجزئ عن حجة. ذكره أبو داود.

وسأله ﷺ رجل فقال: إني أكري في هذا الوجه وكان الناس يقولون: ليس لك حج فسكت رسول الله فلم يجبه حتى نزلت هذه الآية: { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } فأرسل إليه رسول الله ﷺ وقرأها عليه وقال: لك حج. ذكره أبو داود.

وسئل ﷺ: أي الحج أفضل؟ قال: العج والثج فقيل: ما الحاج؟ قال: الشعث التفل قال: ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة. ذكره الشافعي.

وسئل ﷺ عن العمرة أواجبة هي؟ فقال: لا وأن تعتمر فهو أفضل قال الترمذي: صحيح وعند أحمد أن أعرابيا قال: يا رسول الله أخبرني عن العمرة أواجبة هي؟ فقال: لا وأن تعتمروا خير لكم.

وسأله ﷺ رجل فقال: إن أبي أدركه الإسلام وهو شيخ كبير لا يستطيع ركوب الرحل والحج مكتوب علينا أفأحج عنه؟ قال: أنت أكبر ولده؟ قال: نعم قال: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه كان ذلك يجزئ عنه؟ قال: نعم قال: فحج عنه. ذكره أحمد.

وسأله ﷺ أبو ذر فقال: أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن فقال له: حج عن أبيك واعتمر. قال الدارقطني: رجال إسناده كلهم ثقات.

وسأله رجل فقال: إن أبي مات ولم يحج أفأحج عنه؟ فقال: أرأيت أن كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم قال: فدين الله أحق. ذكره أحمد.

وسألته ﷺ امرأة فقالت: إن أمي ماتت ولم تحج أفأحج عنها؟ قال: نعم حجي عنها. حديث صحيح.

وعند الدارقطني أن رجلا سأله قال: هلك أبي ولم يحج قال: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أيقبل منك؟ قال: نعم قال: فاحجج عنه وهو يدل على أن السؤال والجواب إنما كانا عن القبول والصحة لا عن الوجوب والله أعلم.

وأفتى ﷺ رجلا سمعه يقول: لبيك عن شبرمة قريب له فقال: أحججت عن نفسك؟ قال: لا قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة. ذكره الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى.

وسألته امرأة عن صبي رفعته إليه فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجره. ذكره مسلم.

وسأله رجل فقال: إن أختي نذرت أن تحج وإنها ماتت فقال النبي ﷺ: لو كان عليها دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم قال: فاقض الله فهو أحق بالقضاء. متفق عليه.

وسئل: ما يلبس المحرم في إحرامه؟ فقال: لا يلبس القميص ولا العمامة ولا البرنس ولا السراويل ولا ثوبا مسه ورس ولا زعفران ولا الخفين إلا أن لا يجد نعلين فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين. متفق عليه.

وسأله ﷺ رجل عليه جبة وهو متضمخ بالخلوق فقال: أحرمت بعمرة وأنا كما ترى فقال: انزع عنك الجبة واغسل عنك الصفرة. متفق عليه. وفي بعض طرقه: واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك.

وسأله ﷺ أبو قتادة عن الصيد الذي صاده وهو حلال فأكل أصحابه منه وهم محرمون فقال: هل معكم منه شئ؟ فناوله العضد فأكلها وهو محرم. متفق عليه.

وسئل ﷺ عما يقتل المحرم فقال: الحية والعقرب والفويسقة والكلب العقور والسبع العادي. زاد أحمد: ويرمي بالغراب ولا يقتل.

وسألته ﷺ ضباعة بنت الزبير فقالت: إني أريد الحج وأنا شاكية فقال النبي ﷺ: حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني. ذكره مسلم.

واستفتته أم سلمة في الحج وقالت: إني أشتكي فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة.

وسألته ﷺ عائشة فقالت: يا رسول الله ألا أدخل البيت؟ فقال: ادخلي الحجر فإنه من البيت.

واستفتاه ﷺ عروة بن مضرس فقال: يا رسول الله جئت من جبلي طيء أذللت مطيتي وأتعبت نفسي والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه هل لي من حج؟ فقال رسول الله: من أدرك معنا هذه الصلاة - يعني صلاة الفجر - وأتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا تم حجه وقضى تفثه. حديث صحيح.

واستفتاه ﷺ ناس من أهل نجد فقالوا: يا رسول الله كيف الحج؟ فقال: الحج عرفة فمن جاء قبل صلاة الفجر ثم حجه ومن تأخر فلا إثم عليه ثم أردف رجلا خلفه ينادي بهن. ذكره أحمد.

وسأله ﷺ رجل فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح فقال: اذبح ولا حرج.

وسأله ﷺ آخر فقال: لم أشعرفنحرت قبل أن أرمي فقال: ارم ولا حرج فما سئل النبي ﷺ عن شئ قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج. متفق عليه. وعند أحمد: فما سئل يومئذ عن أمر مما ينسئ المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور على بعض وأشباهها إلا قال: افعل ولا حرج وفي لفظ: حلقت قبل أن أنحر قال: اذبح ولا حرج وسأله ﷺ آخر قال: حلقت ولم أرم قال: ارم ولا حرج وفي لفظ: أنه سئل عمن ذبح قبل أن يحلق أو حلق قبل أن يذبح قال: لا حرج وقال: كان الناس يأتونه فمن قائل: يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف وأخرت شيئا وقدمت شيئا فكان يقول: لا حرج إلا على رجل اقترض عرض مسلم وهو ظالم فذلك الذي حرج وهلك. ذكره أبو داود.

وأفتى ﷺ كعب بن عجرة أن يحلق رأسه وهو محرم لأذى القمل: أن ينسك بشاة أو يطعم ستة مساكين أو يصوم ثلاثة أيام.

وأفتى ﷺ من أهدى بدنة أن يركبها. متفق عليه.

وسأله ﷺ ناجية الخزاعي: ما يصنع بما عطب من الهدي؟ فقال: انحرها واغمس نعلها في دمها واضرب به صفحتها وخل بينها وبين الناس فيأكلوها ولا يأكل منه هو ولا أحد من أهل رفقته.

وسأله عمر فقال: إني أهديت نجيبا فأعطيت بها ثلاث مائة دينار فأبيعها فأشتري بها بدنا؟ فقال رسول الله ﷺ: لا انحرها إياها.

وسأله ﷺ زيد بن أرقم: ما هي الأضاحي؟ فقال: سنة أبيكم إبراهيم صلاة الله وسلامه عليه قال: فما لنا منها؟ قال: بكل شعرة حسنة قالوا: يا رسول الله فالصوف؟ قال: بكل شعرة من الصوف حسنة. ذكره أحمد.

وسأله ﷺ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: عن يوم الحج الأكبر فقال: يوم النحر. ذكره الترمذي. وعند أبي داود بإسناد صحيح أن رسول الله ﷺ: وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فيها فقال: أي يوم هذا؟ قالوا: يوم النحر فقال: هذا يوم الحج الأكبر وقد قال تعالى: { وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله } وإنما أذن المؤذن بهذه البراءة يوم النحر وثبت في الصحيح عن أبي هريرة أنه قال: يوم الحج الأكبر يوم النحر.

فسخ الحج إلى العمرة

وأفتى ﷺ أصحابه بجواز فسخهم الحج إلى العمرة ثم أفتاهم باستحبابه ثم أفتاهم بفعله حتما ولم ينسخه شئ بعده وهو الذي ندين الله به أن القول بوجوبه أقوى وأصح من القول بالمنع منه وقد صح عنه صحة لاشك فيها أنه قال: من لم يكن أهدى فليهل بعمرة ومن كان أهدى فليهل بحج مع عمرة.

وأما ما فعله هو فإنه صح عنه أن قرن بين الحج والعمرة من بضعة وعشرين وجها رواه عنه ستة عشر نفسا من أصحابه ففعل القران وأمر بفعله من ساق الهدي وأمر بنسخه إلى التمتع من لم يسق الهدي وهذا من فعله وقوله كأنه رأي عين وبالله التوفيق.

وسأله ﷺ رجل: أرأيت إن لم أجد إلا منيحة أنثى أفأضحي بها؟ قال لا ولكن خذ من شعرك وأظفارك وقص شاربك وتحلق عانتك وذلك تمام أضحيتك عند الله. ذكره أبو داود. والمنيحة: الشاة التي أعطاه إياها غيره لينتفع بلبنها فمنعت من التضحية بها لأنها ليست ملكه وإن كان قد منحها هو غيره وقتا معلوما لزم الوفاء له بذلك فلا يضحي بها أيضا.

وأمر رسول الله ﷺ سبعة من أصحابه كانوا معه فأخرج كل واحد منهم درهما فاشتروا أضحية فقالوا: يا رسول الله لقد أغلينا بها فقال النبي ﷺ: إن أفضل الضحايا أغلاها وأسمنها فأمر رسول الله ﷺ فأخذ رجل برجل ورجل برجل ورجل بيد ورجل بيد ورجل بقرن ورجل بقرن وذبحها السابع وكبروا عليها جميعا. ذكره أحمد. نزل هؤلاء النفر منزلة أهل البيت الواحد في إجزاء الشاة عنهم لأنهم كانوا رفقة واحدة.

وسأله ﷺ رجل فقال: إن علي بدنة وأنا مؤثر بها ولا أجدها فأشتريها فأفتاه النبي ﷺ أن يبتاع سبع شياه فيذبحهن. ذكره أحمد.

وسأله ﷺ زيد بن خالد عن جذع من المعز فقال: ضح به. ذكره أحمد.

وسأله ﷺ أبو بردة بن نيار عن شاة ذبحها يوم العيد فقال: أقبل الصلاة؟ قال: نعم قال: تلك شاة لحم قال: عندي عناق جذعة هي أحب إلي من مسنة قال: تجزئ عنك ولن تجزئ عن أحد بعدك. ذكره أحمد. وهو صحيح صريح في أن الذبح قبل الصلاة لا يجزئ سواء دخل وقتها أو لم يدخل وهذا الذي ندين الله به قطعا ولا يجوز غيره.

وفي الصحيحين من حديث جندب بن سفيان البجلي عنه ﷺ: من كان ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى ومن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح بسم الله.

وفي الصحيحين من حديث أنس عنه ﷺ أنه قال: من كان ذبح قبل الصلاة فليعد ولا قول لأحد مع رسول الله ﷺ.

وسأله ﷺ أبو سعيد فقال: اشتريت كبشا أضحي به فعدا الذئب فأخذ أليته فقال: ضح به. ذكره أحمد.

وأفتى ﷺ من أراد الخروج إلى بيت المقدس للصلاة أن يصلى فى مكة. ذكره أحمد.

وسأله ﷺ آخر يوم فتح مكة فقال: إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس فقال: صل هاهنا ثم سأله فقال: شأنك إذا. ذكره أبو داود.

وسأله ﷺ أبو ذر: أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام قال: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى قال: كم بينهما؟ قال: أربعون عاما. متفق عليه.

وسئل ﷺ أي المسجدين أسس على التقوى؟ قال: مسجدكم هذا يريد مسجد المدينة. ذكره مسلم. وزاد الإمام أحمد: وفي ذلك خير كثير، يعني مسجد قباء.

فصل في بيان فضل بعض السور

وسئل ﷺ: أي آية في القرآن أعظم؟ فقال: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم }. ذكره أبو داود.

وسأله ﷺ رجل فقال: ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر إنسان فإذا إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها فقال النبي ﷺ: هي المانعة هي المنجية، تنجيه من عذاب القبر. ذكره الترمذي، وقال ابن عبد البر: هو صحيح.

وسأله ﷺ رجل فقال: أقرئني سورة جامعة فأقرأه: { إذا زلزلت الأرض } حتى فرغ منها فقال الرجل: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليها أبدا ثم أدبر الرجل فقال النبي ﷺ: أفلح الرويجل مرتين. ذكره أبو داود.

وسأله ﷺ رجل فقال: إني أحب سورة: { قل هو الله أحد } فقال: حبك إياها أدخلك الجنة.

وقال له عقبة بن عامر: أقرأ سورة هود وسورة يوسف؟ فقال: لن تقرأ شيئا أبلغ عند الله من: { قل أعوذ برب الفلق } و { قل أعوذ برب الناس }. ذكره النسائي.

فتاوى في بيان فضل الأعمال

وفي الترمذي عنه أنه سئل ﷺ: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: الحال المرتحل. وفهم بعضهم من هذا أنه إذا فرغ من ختم القرآن قرأ فاتحة الكتاب وثلاثة آيات من سورة البقرة لأنه حل بالفراغ وارتحل بالشروع. وهذا لم يفعله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا استحبه أحد من الأئمة والمراد بالحديث الذي كلما حل من غزاة ارتحل في أخرى أو كلما حل من عمل ارتحل إلى غيره تكميلا له كما كمل الأول وأما هذا الذي يفعله بعض القراء فليس مراد الحديث قطعا. وبالله التوفيق.

وقد جاء تفسير الحديث متصلا به أن يضرب من أول القرآن إلى آخره كلما حل ارتحل وهذا له معنيان أحدهما: أنه كلما حل من سورة أو جزء ارتحل في غيره والثاني: أنه كلما حل من ختمة ارتحل في أخرى.

وسئل عن أهل الله: من هم؟ فقال: هم أهل القرآن أهل الله وخاصته. ذكره أحمد.

وسأله ﷺ عبد الله بن عمرو بن العاص في كم أقرأ القرآن؟ فقال: في شهر فقال: أطيق أفضل من ذلك فقال: في عشرين فقال: أطيق أفضل من ذلك فقال: في خمسة عشرة فقال: أطيق أفضل من ذلك قال: في عشرة فقال: أطيق أفضل من ذلك قال: في خمس قال: أطيق أفضل من ذلك قال: لا يفقه القرآن من قرأه في أقل من ثلاث. ذكره أحمد.

واختلف رجلان في آية كل منهما أخذها عن رسول الله ﷺ فسألاه عنها فقال لكل منهما: هكذا أنزلت، ثم قال: أنزل القرآن على سبعة أحرف. متفق عليه.

وسئل ﷺ أي المجاهدين أعظم أجرا؟ قال: أكثرهم ذكرا لله قيل: فأي الصائمين أعظم أجرا؟ قال: أكثرهم لله ذكرا ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة كل ذلك يقول: أكثرهم لله ذكرا فقال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما: ذهب الذاكرون بكل خير فقال رسول الله ﷺ: أجل. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ عن المفردين الذين هم أهل السبق فقال: الذاكرون الله كثيرا وفي لفظ: المشتهرون بذكر الله يضع الذكر عنهم أثقالهم فيأتون يوم القيامة خفافا. ذكره الترمذي.

وسئل عن رياض الجنة فقال: حلق الذكر.

وسئل ﷺ عن أهل الكرم الذين يقال لهم يوم القيامة: سيعلم أهل الجمع من أهل الكرم فقال: هم أهل الذكر في المساجد. ذكره أحمد.

وسئل عن غنيمة مجالس الذكر فقال: غنيمة مجالس الذكر: الجنة. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ عن قوم غزوا فقالوا: ما رأينا أفضل غنيمة ولا أسرع رجعة منهم فقال: أدلكم على قوم أفضل غينمة منهم وأسرع رجعة: قوم شهدوا صلاة الصبح ثم جلسوا يذكرون الله حتى طلعت الشمس فأولئك أسرع رجعة وأفضل غنيمة. ذكره الترمذي.

وسئل ﷺ عن خيار الناس فقال: الذين إذا رؤوا ذكر الله ذكروا. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ عن خير الأعمال وأزكاها عند الله وأرفعها في الدرجات فقال: ذكر الله. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ أي الدعاء أسمع؟ فقال: جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات. ذكره أحمد. وقال: الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد قالوا: فماذا نقول يا رسول الله؟ قال: سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة. ذكره الترمذي.

وسئل ﷺ: بأي شئ نختم الدعاء؟ فقال: بآمين. ذكره أبو داود.

وسئل ﷺ عن تمام النعمة فقال: الفوز بالجنة والنجاة من النار. ذكره الترمذي، فنسأل الله تمام نعمته بالفوز بالجنة والنجاة من النار.

وسئل ﷺ عن الاستعجال المانع من إجابة الدعاء فقال: يقول: قد دعوت قد دعوت فلم يستجب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء. ذكره مسلم. وفي لفظ: يقول: قد سألت قد سألت فلم أعط شيئا.

وسئل ﷺ عن الباقيات الصالحات فقال: التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد ولا حول ولا قوة إلا بالله. ذكره أحمد.

وسأله ﷺ الصديق رضي الله عنه أن يعلمه دعاء يدعو به في صلاته فقال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم. متفق عليه.

وسأله ﷺ الأعرابي الذي علمه أن يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم فقال: هذا لربي فما لي؟ فقال: قل: اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني وعافني فإن هؤلاء تجمع لك دنياك وآخرتك. ذكره مسلم.

وسئل ﷺ عن رياض الجنة فقال: المساجد فسئل ﷺ عن الرتع فيها فقال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. ذكره الترمذي.

واستفتاه ﷺ رجل فقال: لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا فعلمني ما يجزيني قال: قل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله قال: يا رسول الله هذا لله فما لي؟ قال: قل: اللهم ارحمني وعافني واهدني وارزقني فقال: هكذا بيده وقبضها فقال رسول الله ﷺ: أما هذا فقد ملأ يده من الخير. ذكره أبو داود.

ومر ﷺ بأبي هريرة وهو يغرس غرسا فقال: ألا أدلك على غراس خير لك من هذا؟ سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر يغرس لك بكل واحدة شجرة في الجنة. ذكره ابن ماجه.

وسئل ﷺ: كيف يكسب أحدنا كل يوم ألف حسنة؟ قال: يسبح مائة تسبيحة يكتب له ألف حسنة أو يحط عنه ألف خطيئة. ذكره مسلم.

وأفتى ﷺ من قال له: لدغتني عقرب بأنه لو قال حين أمسى: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضره. ذكره مسلم.

وسأله ﷺ رجل أن يعلمه تعوذا يتعوذ به فقال: قل: اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي وشر بصري وشر لساني وشر قلبي وشر منيي يعني: الفرج. ذكره النسائي.

وسئل ﷺ عن كيفية الصلاة عليه فقال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. متفق عليه.

وقال له ﷺ معاذ: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار قال: لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت. ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ قلت: بلى يا رسول الله قال: الصوم جنة والصدقة تطفىء الخطيئة كما تطفىء الماء النار وصلاة الرجل في جوف الليل. ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله. ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله قال: كف عليك هذا وأشار إلى لسانه قلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم. حديث صحيح.

وسأله ﷺ أعرابي فقال: دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة قال: تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان فقال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا ولا أنقص منه فلما ولى قال النبي ﷺ: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا. متفق عليه.

وسأله ﷺ رجل آخر فقال: أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويبعدني من النار فقال: تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة وتصل الرحم. متفق عليه.

وسأله أعرابي فقال: علمني عملا يدخلني الجنة فقال: لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة أعتق النسمة وفك الرقبة قال: أوليسا واحدا؟ قال: لا عتق النسمة أن تنفرد بعتقها وفك الرقبة أن تعين في عتقها والمنحة الوكوف والفيء على ذي الرحم الظالم فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع واسق الظمآن وأمر بالمعروف وانه عن المنكر فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من خير. ذكره أحمد.

وسأله ﷺ رجل: ما الإسلام؟ فقال: أن يسلم قلبك لله وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك قال: فأي الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان قال: وما الإيمان؟ قال: تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت قال: فأي الإيمان أفضل؟ قال: الهجرة قال: وما الهجرة؟ أن تهجر السوء قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال: الجهاد قال: وما الجهاد؟ قال: أن تقاتل الكفار إذا لقيتهم قال: فأي الجهاد أفضل؟ قال: من عقر جواده وأهريق دمه ثم عملان هما أفضل الأعمال إلا من عمل بمثلهما حجة مبرورة أو عمرة. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ أي الأعمال أفضل؟ فقال: الإيمان بالله وحده ثم الجهاد ثم حجة مبرورة تفضل سائر العمل كما بين مطلع الشمس ومغربها. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ أي الأعمال أفضل؟ فقال: أن تحب لله وتبغض لله وتعمل لسانك في ذكر الله قال السائل: وماذا يا رسول الله؟ قال: وأن تحب للناس ما تحب لنفسك وأن تقول خيرا أو تصمت.

واختلف نفر من الصحابة في أفضل الأعمال فقال بعضهم: سقاية الحاج وقال بعضهم: عمارة المسجد الحرام وقال بعضهم: الحج وقال بعضهم الجهاد في سبيل الله فاستفتى عمر في ذلك رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى: { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين } إلى قوله تعالى: { وأولئك هم الفائزون }.

وسأله ﷺ رجل فقال: يا رسول الله: شهدت أن لا إله إلا الله وأنك لرسول الله وصليت الخمس وأديت زكاة مالي وصمت شهر رمضان فقال: من مات على هذا كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا - ونصب أصابعه - ما لم يعق والديه. ذكره أحمد.

وسأله ﷺ آخر فقال: أرأيت إذا صليت المكتوبة وصمت رمضان وأحللت الحلال وحرمت الحرام ولم أزد على ذلك شيئا أدخل الجنة؟ قال: نعم قال: والله لا أزيد على ذلك شيئا. ذكره مسلم.

وسأله ﷺ رجل: أي الأعمال خير؟ قال: أن تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف. متفق عليه.

وسأله ﷺ أبو هريرة فقال: إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني فأنبئني عن كل شئ فقال: كل شئ خلق من ماء قال: أنبئني عن أمر إذا أخذت به دخلت الجنة قال: أفش السلام وأطعم الطعام وصل الأرحام وقم بالليل والناس نيام ثم ادخل الجنة بسلام. ذكره أحمد.

وسأله ﷺ آخر فشكا إليه قسوة قلبه فقال: إذا أردت أن يلين قلبك فأطعم المسكين وامسح رأس اليتيم.

وسئل ﷺ: أي الأعمال أفضل؟ قال: طول القيام قيل: فأي الصدقة أفضل؟ قال: جهد المقل قيل: فأي الهجرة أفضل؟ قال: من هجر ما حرم الله عليه قيل: فأي الجهاد أفضل؟ قال: من جاهد المشركين بماله ونفسه قيل: فأي القتل أشرف؟ قال: من أهريق دمه وعقر جواده. ذكره أبو داود.

وسئل ﷺ: أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان لاشك فيه وجهاد لا غلول فيه وحج مبرور.

وسأله ﷺ أبو ذر فقال: من أين أتصدق وليس لي مال؟ قال: إن من أبواب الصدقة: التكبير وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله وأستغفر الله وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتعزل الشوكة عن طريق الناس والعظم والحجر وتهدي الأعمى وتسمع الصم والأبكم حتى يفقه وتدل المستدل على حاجة له قد علمت مكانها وتسعى بشدة ساقيك إلى اللهفان المستغيث وترفع بشدة ذراعيك مع الضيف كل ذلك من أبواب الصدقة منك على نفسك ولك من جماعك لزوجتك أجر فقال أبو ذر: فكيف يكون لي أجر في شهوتي؟ فقال رسول الله ﷺ: أرأيت لو كان لك ولد ورجوت أجره فمات أكنت تحتسب به؟ قلت: نعم قال: أنت خلقته؟ قلت: بل الله خلقه قال: فأنت هديته؟ قلت: بل الله هداه قال: فأنت كنت رزقته؟ قلت: بل الله كان يرزقه قال: فكذلك فضعه في حلاله وجنبه حرامه فإن الله أحياه وإن شاء الله أماته فلك أجره. ذكره أحمد.

وسأله ﷺ أصحابه يوما: من أصبح منكم اليوم صائما؟ قال أبو بكر: أنا قال: من اتبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا قال: من أطعم منكم اليوم مسكينا؟ قال أبو بكر: أنا قال: فمن عاد منكم اليوم مريضا؟ قال أبو بكر: أنا قال رسول الله ﷺ: ما اجتمعن في رجل إلا دخل الجنة. ذكره مسلم.

وسئل ﷺ: يا رسول الله الرجل يعمل العمل فيستره فإذا اطلع عليه أعجبه فقال: له أجران: أجر السر وأجر العلانية. ذكره الترمذي.

وسأله ﷺ أبو ذر: يا رسول الله أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير يحمده الناس عليه؟ قال: تلك عاجل بشري المؤمن. ذكره مسلم.

وسأله ﷺ رجل: أي العمل أفضل؟ فقال: الإيمان بالله وتصديق به وجهاد في سبيله قال: أريد أهون من ذلك يا رسول الله قال: السماحة والصبر قال: أريد أهون من ذلك قال: لا تتهم الله تعالى في شئ قضى لك. ذكره أحمد.

وسأله ﷺ عقبة عن فواضل الأعمال فقال: يا عقبة صل من قطعك وأعط من حرمك وأعرض عمن ظلمك. ذكره أحمد.

وسأله ﷺ رجل: كيف لي أن أعلم إذا أحسنت أني قد أحسنت وإذا أسأت أني قد أسأت؟ فقال: إذا قال جيرانك: إنك قد أحسنت فقد أحسنت وإذا قالوا: قد أسأت فقد أسأت ذكره ابن ماجه وعند الإمام أحمد: إذا سمعتهم يقولون: قد أحسنت فقد أحسنت وإذا سمعتهم يقولون: قد أسأت فقد أسأت.

فصل فتاوى في الكسب والأموال

وسئل ﷺ أي الكسب أفضل؟ قال: عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور. ذكره أحمد.

وسأله ﷺ رجل فقال: إن لي مالا وولدا وإن أبي يريد أن يجتاح مالي قال: أنت ومالك لأبيك إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم فكلوه هنيئا. ذكره أبو داود وأحمد.

وسألته ﷺ امرأة فقالت: إنا كل على آبائنا وأبنائنا وأزواجنا فما يحل لنا من أموالهم؟ قال: الرطب تأكلينه وتهدينه. ذكره أبو داود. وقال عقبة: الرطب: يعني به ما يفسد إذا بقي.

وسئل ﷺ: إنا نأخذ على كتاب الله أجرا فقال: إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله. ذكره البخاري في قصة الرقية.

وسئل ﷺ عن أموال السلطان فقال: ما أتاك الله منها من غير مسألة ولا إشراف فكله وتموله. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ عن أجرة الحجام فقال: أعلفه ناضحك وأطعمه رقيقك. ذكره مالك.

وسأله ﷺ رجل عن عسب الفحل فنهاه فقال: إنا نطرق الفحل فنكرم فرخص له في الكرامة. حديث حسن ذكره الترمذي.

ونهى عن القسامة بضم القاف فسئل عنها فقال: الرجل يكون على الفئام من الناس فيأخذ من حظ هذا وحظ هذا. ذكره أبو داود.

وسئل ﷺ: أي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء.

وسألته ﷺ امرأة فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك قال: قد علمت أنك تحبين الصلاة معي وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي فأمرت فبني لها مسجد في أقصى شيء في بيتها وأظلم فكانت تصلي فيه حتى لقيت الله تعالى.

وسئل ﷺ: أي البقاع شر؟ قال: لا أدري حتى أسأل جبريل فسأل جبريل فقال: لا أدري حتى أسأل ميكائيل فجاء فقال: خير البقاع المساجد وشرها الأسواق.

وقال: في الإنسان ستون وثلاثمائة مفصل عليه أن يتصدق عن كل مفصل صدقة فسألوه من يطيق ذلك؟ قال: النخامة تراها في المسجد فتدفنها أو الشيء فتنحيه عن الطريق فإن لم تجد فركعتا الضحى يجزيانك.

وسئل ﷺ عن الصلاة قاعدا فقال: من صلى قائما فهو أفضل ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم ومن صلى مضطجعا فله نصف أجر القاعد.

قلت: وهذا له محملان:

أحدهما: أن يكون في النافلة عند من يجوزها مضطجعا.

والثاني: على المعذور فيكون له بالفعل النصف والتكميل بالنية.

وسأله ﷺ رجل فقال: ما يمنعني أن أتعلم القرآن إلا خشية أن لا أقوم به فقال: تعلم القرآن واقرأه وارقد فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقال به كمثل جراب محشو مسكا يفوح ريحه على كل مكان ومن تعلمه ورقد وهو في جوفه كمثل جراب وكي على مسك.

وقال عن رجل توفي من أصحابه: ليته مات في غير مولده فسئل لم ذلك؟ فقال: إن الرجل إذا مات في غير مولده قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة. ذكر هذه الأحاديث أبو حاتم وابن حبان في صحيحه.

وسئل ﷺ: أيغني الدواء شيئا؟ فقال سبحان الله وهل أنزل الله تبارك وتعالى من داء في الأرض إلا جعل له شفاء.

وسئل ﷺ عن الرقى والأدوية هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: هي من قدر الله.

وسئل ﷺ عن رجل من المسلمين طعن رجلا من المشركين في الحرب فقال خذها وأنا الغلام الفارسي فقال: لا بأس في ذلك يحمد ويؤجر. ذكرهما أحمد.

وسأله ﷺ رجل أن يعلمه ما ينفعه فقال: لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي ولو أن تكلم أخاك ووجهك منبسط إليه وإياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة ولا يحبها الله وإن امرؤ شتمك بما يعلم فيك فلا تشتمه بما تعلم منه فإن أجره لك ووباله على من قاله.

وسئل ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية فقال: لا تحل لمن شهد أني رسول الله. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ عن الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها كيف يصنع معهم؟ فقال: صل الصلاة لوقتها ثم صل معهم فإنها لك نافلة. حديث صحيح.

وسألته ﷺ امرأة صفوان بن المعطل السلمي فقالت: إنه يضربني إذا صليت ويفطرني إذا صمت ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس فسأله عما قالت امرأته فقال: أما قولها: يضربني إذا صليت فإنها تقرأ بسورتين وقد نهيتها عنهما فقال ﷺ: لو كانت سورة واحدة لكفت الناس وأما قولها: يفطرني إذا صمت فإنها تنطلق فتصوم وأنا رجل شاب ولا أصبر فقال ﷺ يومئذ: لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها قال: وأما قولها لا أصلي حتى تطلع الشمس فإنا أهل بيت لا نكاد أن نستيقظ حتى تطلع الشمس فقال: صل إذا استيقظت. ذكره ابن حبان.

قلت: ولهذا صادف أم المؤمنين في قصة الإفك لأنه كان في آخر الناس ولا ينافي هذا الحديث قوله في حديث الإفك والله ما كشفت كنف أنثى قط، فإنه إلى ذلك الوقت لم يكشف كنف أنثى قط ثم تزوج بعد ذلك.

وسئل ﷺ عن قتل الوزغ فأمر بقتله. ذكره ابن حبان.

وسئل ﷺ عن رجل نذر أن يمشي إلى الكعبة فجعل يهادى بين رجلين فقال: إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه وأمره أن يركب.

واستفتاه ﷺ رجل في جار له يؤذيه فأمر بالصبر ثلاث مرات فقال له في الرابعة: اطرح متاعك في الطريق ففعل فجعل الناس يمرون به ويقولون: ما له؟ ويقول: آذاه جاره فجعلوا يقولون: لعنه الله، فجاءه جاره فقال: رد متاعك والله لا أوذيك أبدا. ذكره أحمد وابن حبان.

وسأله ﷺ رجل فقال: إني أذنبت ذنبا كبيرا فهل لي من توبة؟ فقال له: ألك والدان؟ فقال: لا قال: فلك خالة؟ قال: نعم قال: فبرها. ذكره ابن حبان.

وسئل ﷺ ض عن رجل قد أوجب فقال: اعتقوا عنه رقبة يعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار. ذكره ابن حبان. أوجب: أي استوجب النار بذنب عظيم ارتكبه.

وسأله رجل فقال: إن أبوي قل هلكا فهل بقي من بعد موتهما شئ؟ فقال: نعم الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عقودهما من بعدهما وإكرام صديقهما وصلة رحمهما التي لا رحم لك إلا من قبلهما قال الرجل: ما ألذ هذا وأطيبه! قال: فاعمل به.

وسئل ﷺ عن رجل شد على رجل من المشركين ليقتله فقال: إني مسلم فقتله فقال فيه قولا شديدا فقال: إنما قاله تعوذا من السيف فقال: إن الله حرم علي أن أقتل مؤمنا. حديث صحيح.

وسأله ﷺ رجل فقال: يا رسول الله أخبرنا بخيرنا من شرنا فقال: خيركم من يرجى خيره ويؤمن شره وشركم من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره. ذكره ابن حبان.

وسأله ﷺ رجل: ما الذي بعثك الله به؟ فقال: الإسلام فقال: وما الإسلام؟ قال: أن تسلم قلبك لله وأن توجه وجهك لله وأن تصلي الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة أخوان نصيران لا يقبل الله من عبد توبة أشرك بعد إسلامه. ذكره ابن حبان.

وسأله ﷺ الأسود بن سريع فقال: أرأيت إن لقيت رجلا من المشركين فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ مني بشجرة فقال: أسلمت لله أفأقتله بعد أن قالها؟ فقال رسول الله ﷺ: لا تقتله فقلت: يا رسول الله إنه قطع إحدى يدي ثم قال ذلك بعد أن قطعها أفأقتله؟ قال: لا تقتله فإنك إن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال. حديث صحيح.

وسأله ﷺ رجل فقال: يا رسول الله مررت برجل فلم يضفني ولم يقرني أفأحتكم؟ قال: بل أقره. ذكرهما ابن حبان، وقوله: أحتكم أي أعامله إذا مر بي بمثل ما عاملني به.

وسأله ﷺ أبو ذر فقال: الرجل يحب القوم ولا يستطيع أن يعمل بعملهم قال: يا أبا ذر أنت مع من أحبت قال: فإني أحب الله ورسوله قال: أنت يا أبا ذر مع من أحببت.

وسأله ﷺ ناس من الأعراب فقالوا: أفتنا في كذا أفتنا في كذا أفتنا في كذا أفتنا في كذا فقال: أيها الناس إن الله قد وضع عنكم الحرج إلا من اقترض من عرض أخيه فذلك الذي حرج وهلك قالوا: أفنتداوى يا رسول الله؟ قال: نعم إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له دواء غير داء واحد قالوا: يا رسول الله وما هو؟ قال: الهرم قالوا: فأي الناس أحب إلى الله يا رسول الله؟ قال: أحب الناس إلى الله أحسنهم خلقا. ذكره أحمد وابن حبان.

وسأله ﷺ عدي بن حاتم فقال: إن أبي كان يصل الرحم وكان يفعل ويفعل فقال: إن أباك أراد أمرا فأدركه يعني الذكر قال: قلت: يا رسول الله إني أسألك عن طعام لا أدعه إلا تحرجا قال: لا تدع شيئا ضارع النصرانية فيه قال: قلت: إني أرسل كلبي المعلم فيأخذ صيدا فلا أجد ما أذبح به إلا المروة أو العصا قال: أهرق الدم بما شئت واذكر اسم الله. ذكره ابن حبان.

وسألته ﷺ عائشة عن ابن جدعان وما كان يفعل في الجاهلية من صلة الرحم وحسن الجوار وقري الضيف هل ينفعه؟ فقال: لا لأنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين.

وسأله ﷺ سفيان بن عبد الله الثقفي أن يقول له قولا لا يسأل عنه أحدا بعده فقال: قل آمنت بالله ثم استقم.

وسئل ﷺ من أكرم الناس؟ فقال: أتقاهم لله. قالوا: لسنا عن هذا نسألك. قال: فعن معادن العرب تسألوني؟ خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا.

وسألته ﷺ امرأة فقالت: إني نذرت إن ردك الله سالما أن أضرب على رأسك بالدف فقال: إن كنت نذرت فافعلي وإلا فلا قالت: إني كنت نذرت فقعد رسول الله ﷺ فضربت بالدف. حديث صحيح.

وله وجهان: أحدهما: أن يكون أباح لها الوفاء بالنذر المباح تطييبا لقلبها وجبرا وتأليفا لها على زيادة الإيمان وقوته وفرحها بسلامة رسول الله ﷺ.

والثاني: أن يكون هذا النذر قربة لما تضمنه من السرور والفرح بقدوم رسول الله ﷺ سالما مؤيدا منصورا على أعدائه قد أظهره الله وأظهر دينه وهذا من أفضل القرب فأمرت بالوفاء به.

وسأله ﷺ رجل فقال: يا رسول الله الرجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي من عرض الدنيا فقال: لا أجر له فأعظم ذلك الناس فقالوا للرجل: أعد لرسول الله ﷺ فلعلك لم تفهمه فقال الرجل: يا رسول الله الرجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي من عرض الدنيا فقال: لا أجر له فأعظم ذلك الناس فقالوا: أعد لرسول الله ﷺ فأعاد فقال: لا أجر له.

وسأله ﷺ رجل فقال: أقاتل أو أسلم؟ قال: أسلم ثم قاتل فأسلم ثم قاتل فقتل فقال النبي ﷺ: هذا عمل قليلا وأجر كثيرا.

وسأله ﷺ رجل: ما أكثر ما تخاف علي؟ فأخذ بلسانه ثم قال: هذا.

وسأله ﷺ رجل فقال: قل لي قولا ينفعني الله به وأقلل لعلي أفعله فقال: لا تغضب فردد مرارا كل ذلك يقول له: لا تغضب.

وسألته ﷺ امرأة فقالت: إن لي ضرة فهل علي جناح إن استكثرت من زوجي بما لا يعطيني؟ فقال: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور.

وكل هذه الأحاديث في الصحيح.

وسأله ﷺ رجل فقال: إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأوصني بشيء أتشبث به فقال: لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله. ذكره أحمد.

وسأله ﷺ فقال: يا رسول الله أرسل ناقتي وأتوكل على الله؟ فقال: بل اعقلها وتوكل. ذكره ابن حبان والترمذي.

وقال له ﷺ رجل: ليس عندي يا رسول الله ما أتزوج به قال: أو ليس معك قل هو الله أحد؟ قال: بلى قال: ثلث القرآن قال: أليس معك قل يا أيها الكافرون؟ قال: بلى قال: ربع القرآن قال: أليس معك إذا زلزلت الأرض؟ قال: بلى قال: ربع القرآن قال: أليس معك إذا جاء نصر الله؟ قال: بلى قال: ربع القرآن قال: أليس معك أية الكرسي؟ قال: بلى قال: ربع القرآن قال: تزوج تزوج تزوج، ثلاث مرات. ذكره أحمد.

وسأله ﷺ معاذ فقال: يا رسول الله أرأيت إن كان علينا أمراء لا يستنون بسنتك ولا يأخذون أمرك فما تأمرنا في أمرهم؟ قال: لا طاعة لمن لم يطع الله.

وسأله ﷺ أنس أن يشفع له فقال: إني فاعل قال: فأين أطلبك يوم القيامة؟ قال: اطلبني أول ما تطلبني على الصراط قلت: فإذا لم ألقك على الصراط؟ قال: فأنا على الميزان قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: فأنا عند الحوض لا أخطئ هذه الثلاث المواطن يوم القيامة. ذكرهما أحمد.

وسأله ﷺ الحجاج بن علاط فقال: إن لي بمكة مالا وإن لي بها أهلا وإني أريد أن آتيهم فأنا في حال إن أنا نلت منك أو قلت شيئا؟ فأذن له رسول الله ﷺ أن يقول ما شاء. ذكره أحمد.

وفيه دليل على أن الكلام إذا لم يرد به قائله معناه إما لعدم قصده له أو لعدم علمه به أو أنه أراد به غير معناه لم يلزمه ما لم يرده بكلامه وهذا هو دين الله الذي أرسل به رسوله ولهذا لم يلزم المكره على التكلم بالكفر الكفر ولم يلزم زائل العقل بجنون أو نوم أو سكر ما تكلم به ولم يلزم الحجاج بن علاط حكم ما تكلم به لأنه أراد به غير معناه ولم يعقد قلبه عليه وقد قال تعالى: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } وفي الآية الأخرى: { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } فالأحكام في الدنيا والآخرة مرتبة على ما كسبه القلب وعقد عليه وأراده من معنى كلامه.

وسألته ﷺ امرأة فقالت: يا رسول الله إن نساء أسعدنني في الجاهلية يعني في النوح أفأساعدهن في الإسلام؟ فقال: لا إسعاد في الإسلام ولا شغار في الإسلام ولا عقر في الإسلام ولا جلب في الإسلام ومن انتهب فليس منا. ذكره أحمد. والإسعاد: إسعاد المرأة في مصيبتها بالنوح. والشغار: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته. والعقر: الذبح على قبور الموتى. والجلب: الصياح على الفرس في السباق. والجنب: أن يجنب فرسا إلى فرسه فإذا أعيت فرسه انتقل إلى تلك في المسابقة.

وسأله ﷺ بعض الأنصار فقالوا: قد كان لنا جمل نسير عليه وإنه قد استصعب علينا ومنعنا ظهره وقد عطش الزرع والنخل فقال لأصحابه: قوموا فقاموا فدخل الحائط والجمل في ناحيته فمشى النبي ﷺ نحوه فقالت الأنصار: يا نبي الله إنه قد صار مثل الكلب الكلب وإنا نخاف عليك صولته فقال: ليس علي منه بأس فلما نظر الجمل إلى رسول الله ﷺ أقبل نحوه حتى خر ساجدا بين يديه فأخذ رسول الله ﷺ بناصيته أذل ما كان قط حتى أدخله في العمل فقال له الصحابة: يا نبي الله هذا بهيمة لا تعقل تسجد لك ونحن نعقل فنحن أحق أن نسجد لك فقال: لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت امرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها والذي نفسي بيده لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه يتنجس بالقيح والصديد ثم استقبلته تلحسه ما أدت حقه. ذكره أحمد. فأخذ المشركون مع مريديهم بسجود الجمل لرسول الله ﷺ وتركوا قوله: لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر وهؤلاء شر من الذين يتبعون المتشابه ويدعون المحكم.

وسئل ﷺ فقيل له: إن أهل الكتاب يحتفون ولا ينتعلون في الصلاة قال: فاحتفوا وانتعلوا وخالفوا أهل الكتاب قالوا: فإن أهل الكتاب يقصون عثانينهم ويوفرون سبالهم فقال: قصوا سبالكم ووفروا عثانينكم وخالفوا أهل الكتاب. ذكره أحمد.

وسأل ﷺ رجل فقال: يا نبي الله مررت بغار فيه شيء من ماء فحدثت نفسي بأن أقيم فيه فيقوتني ما فيه من ماء وأصيب ما حوله من البقل وأتخلى عن الدنيا فقال النبي ﷺ: إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكني بعثت بالحنيفية السمحة والذي نفس محمد بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة.

فصل في أنواع البيع

وأخبرهم أن الله سبحانه وتعالى حرم عليهم بيع الخمر والميتة والخنزير وعبادة الأصنام فسألوه وقالوا: أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال: هو حرام ثم قال: قاتل الله اليهود فإن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه.

وفي قوله "هو حرام" قولان:

أحدهما: أن هذه الأفعال حرام.

والثاني: أن البيع حرام وإن كان المشتري يشتريه لذلك والقولان مبنيان على أن السؤال منهم هل وقع عن البيع لهذا الانتفاع المذكور أو وقع عن الانتفاع المذكور؟ والأول اختيار شيخنا! وهو الأظهر لأنه لم يخبرهم أولا عن تحريم هذا الانتفاع حتى يذكروا له حاجتهم إليه وإنما أخبرهم عن تحريم البيع فأخبروه أنهم يبتاعونه لهذا الانتفاع فلم يرخص لهم في البيع ولم ينههم عن الانتفاع المذكور ولا تلازم بين جواز البيع وحل المنفعة والله أعلم.

وسأله ﷺ أبو طلحة عن أيتام ورثوا خمرا فقال: أهرقها قال: أفلا أجعلها خلا؟ قال: لا. حديث صحيح. وفي لفظ أن أبا طلحة قال: يا رسول الله إني اشتريت خمرا لأيتام في حجري فقال: أهرق الخمر واكسر الدنان.

وسأله ﷺ حكيم بن حزام فقال: الرجل يأتيني ويريد مني البيع وليس عندي ما يطلب أفأبيع منه ثم أبتاع من السوق؟ قال: لا تبع ما ليس عندك. ذكره أحمد.

وسأله ﷺ أيضا فقال: إني أبتاع هذه البيوع فما يحل لي منها وما يحرم علي منها؟ قال: يا ابن أخي لا تبيعن شيئا حتى تقبضه. ذكره أحمد. وعند النسائي: ابتعت طعاما من طعام الصدقة فربحت فيه قبل أن أقبضه فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك فقال: لا تبعه حتى تقضبه.

وسئل ﷺ عن الصلاح الذي إذا وجد جاز بيع الثمار فقال: تحمار وتصفار ويؤكل منها. متفق عليه.

وسأله ﷺ رجل فقال: ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: الماء قال: ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: الملح قال: ثم ماذا؟ قال: النار ثم سأله ﷺ: ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: أن تفعل الخير خير لك. ذكره أبو داود.

وسئل أن يحجر على رجل يغبن في البيع لضعف في عقدته فنهاه عن البيع فقال: لا أصبر عنه فقال: إذا بايعت فقل لا خلابة وأنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاثا.

وسئل ﷺ عن رجل ابتاع غلاما فأقام عنده ما شاء أن يقيم ثم وجد به عيبا فرده عليه فقال البائع: يا رسول الله قد استغل غلامي فقال: الخراج بالضمان. ذكره أبو داود.

وسألته ﷺ امرأة فقالت: إني امرأة أبيع وأشتري فإذا أردت أن أبتاع الشيء سمت به أقل مما أريد ثم زدت حتى أبلغ الذي أريد وإذا أردت أن أبيع الشيء سمت به أكثر من الذي أريد ثم وضعت حتى أبلغ الذي أريد فقال: لا تفعلي إذا أردت أن تبتاعي شيئا فاستامي به الذي تريدين أعطيت أو منعت وإذا أردت أن تبيعي شيئا فاستامي به الذي تريدين أعطيت أو منعت. ذكره ابن ماجه.

وسأله ﷺ بلال عن تمر رديء باع منه صاعين بصاع جيد فقال: أوه عين الربا لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر بيعا آخر ثم اشتر بالثمن. متفق عليه.

وسأله ﷺ البراء بن عازب فقال: اشتريت أنا وشريكي شيئا يدا بيد ونسيئة فسألنا النبي ﷺ فقال: أما ما كان يدا بيد فخذوه وما كان نسيئة فذروه. ذكره البخاري. وهو صريح في تفريق الصفقة. وعند النسائي عن البراء قال: كنت أنا وزيد بن أرقم تاجرين على عهد رسول الله ﷺ فسألناه عن الصرف فقال: إن كان يدا بيد فلا بأس وإن كان نسيئة فلا يصلح.

وسأله ﷺ فضالة بن عبيد عن قلادة اشتراها يوم خيبر باثني عشر دينارا فيها ذهب وخرز ففصلها فوجد فيها أكثر من اثني عشر دينارا فقال: لا تباع حتى تفصل. ذكره مسلم. وهو يدل على أن المسألة مد عجوة لا تجوز إذا كان أحد العوضين فيه ما في الآخر وزيادة فإنه صريح الربا والصواب: أن المنع مختص بهذه الصورة التي جاء فيها الحديث وما شابهها من الصور.

وسئل ﷺ عن بيع الفرس بالأفراس والنجيبة بالإبل فقال: لا بأس إذا كان يدا بيد. ذكره أحمد.

وسأله ﷺ ابن عمر فقال: أشتري الذهب بالفضة؟ فقال: إذا أخذت واحدا منهما فلا يفارقك صاحبك وبينك وبينه لبس. وفي لفظ: كنت أبيع الإبل وكنت آخذ الذهب من الفضة والفضة من الذهب والدنانير من الدراهم والدراهم من الدنانير فسألت النبي ﷺ فقال: إذا أخذت أحدهما وأعطيت الآخر فلا يفارقك صاحبك وبينك وبينه لبس. ذكره ابن ماجه.

وتفسير هذا ما في اللفظ الذي عند أبي داود عنه قلت: يا رسول الله إني أبيع الإبل بالنقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدارهم وأبيع بالدارهم وآخذ الدنانير آخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه فقال: لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء. ذكره أحمد. .

وسئل ﷺ عن اشتراء التمر بالرطب فقال: أينقص الرطب إذا يبس؟ قال: نعم فنهى عن ذلك. ذكره أحمد والشافعي ومالك.

وسئل ﷺ عن رجل أسلف في نخل فلم يخرج تلك السنة فقال: اردد عليه ماله ثم قال: لا تسلفوا في النخل حتى يبدو صلاحه. وفي لفظ: أن رجلا أسلم في حديقة نخل قبل أن يطلع النخل فلم يطلع النخل شيئا ذلك العام فقال المشتري: هو لي حتى يطلع وقال البائع: إنما بعتك النخل هذه السنة فاختصما إلى النبي ﷺ فقال للبائع: أخذ من نخلك شيئا؟ قال: لا قال: فبم تستحل ماله؟ اردد عليه ماله ثم قال: لا تسلفوا في النخل حتى يبدو صلاحه.

وهو حجة لمن يجوز السلم إلا في موجود الجنس حال العقد كما يقوله الأوزاعي والثوري وأصحاب الرأي.

وسأله ﷺ رجل فقال: إن بني فلان قد أسلموا لقوم من اليهود وإنهم قد جاعوا فأخاف أن يرتدوا فقال النبي ﷺ: من عنده؟ قال رجل من اليهود: عندي كذا وكذا لشيء سماه أراه قال: ثلاثمائة دينار بسعر كذا وكذا من حائط بني فلان فقال رسول الله ﷺ: بسعر كذا وكذا وليس من حائط بني فلان. ذكره ابن ماجه.

فصل عن فضل بعض الأعمال

وسأله ﷺ حمزة بن عبد المطلب فقال: اجعلني على شيء أعيش به فقال رسول الله ﷺ: يا حمزة نفسن تحييها أحب إليك أم نفس تميتها؟ فقال: نفس أحييها قال: عليك نفسك. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ: ما عمل أهل الجنة؟ قال: الصدق فإذا صدق العبد بر وإذا بر آمن وإذا آمن دخل الجنة.

وسئل ﷺ: ما عمل أهل النار؟ قال: الكذب إذا كذب العبد فجر وإذا فجر كفر وإذا كفر دخل النار.

وسئل ﷺ عن أفضل الأعمال فقال: الصلاة قيل: ثم ماذا؟ قال: الصلاة ثلاث مرات فلما غلب عليه قال: الجهاد في سبيل الله قال الرجل: فإن لي والدين قال: آمرك بالوالدين خيرا قال: والذي بعثك بالحق نبيا لأجاهدن ولأتركهما فقال: أنت أعلم. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ عن الغرف التي في الجنة يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها لمن هي؟ قال: لمن ألان الكلام وأطعم الطعام وبات لله قائما والناس نيام.

وسأله ﷺ رجل: أرأيت إن جاهدت بنفسي ومالي فقتلت صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر أأدخل الجنة؟ قال: نعم فقال ذلك مرتين أو ثلاثا قال: إلا إن مت وعليك دين وليس عندك وفاؤه وأخبرهم بتشديد أنزل فسألوه عنه فقال: الدين والذي نفسي بيده لو أن رجلا قتل في سبيل الله ثم عاش ثم قتل في سبيل الله ثم عاش ثم قتل في سبيل الله ما دخل الجنة حتى يقضي دينه. ذكرهما أحمد.

وسأله ﷺ رجل عن أخيه مات وعليه دين فقال: هو محبوس بدينه فاقض عنه فقال: يا رسول الله قد أديت عنه إلا دينارين ادعتهما امرأة وليس لها بينة فقال: أعطها فإنها محقة. ذكره أحمد.

وفيه دليل على أن الوصي إذا علم بثبوت الدين على الميت جاز له وفاؤه وإن لم تقم به بينة.

وسألوه ﷺ أن يسعر لهم فقال: إن الله هو الخالق القابض الباسط الرازق وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم أو مال. ذكره أحمد.

فصل

وسأله ﷺ رجل فقال: أرضي ليس لأحد فيها شركة ولا قسمة إلا الجار فقال: الجار أحق بصقبه. ذكره أحمد. والصواب العمل بهذه الفتوى إذا اشتركا في طريق أو حق من حقوق الملك.

وسئل ﷺ: أي الظلم أعظم: قال: ذراع من الأرض ينتقصه من حق أخيه وليس حصاة من الأرض أخذها إلا طوقها يوم القيامة إلى قعر الأرض ولا يعلم قعرها إلا الذي خلقها. ذكره أحمد.

وأفتى ﷺ في شاة ذبحت بغير إذن صاحبها وقدمت إليه أن تطعم الأسارى. ذكره أبو داود.

فصل فتاوى عن الرهن والدين

وأفتى ﷺ بأن ظهر الرهن يركب بنفقته إذا كان مرهونا ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا وعلى الذي يركب ويشرب النفقة. ذكره البخاري. وأخذ أحمد وغيره من أئمة الحديث بهذه الفتوى وهو الصواب.

وأفتى ﷺ بأن الرهن لا يغلق من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه. حديث حسن.

وأفتى ﷺ في رجل أصيب في ثمار ابتاعها فكثر دينه فأمر أن يتصدق عليه فلم يوف ذلك دينه فقال للغرماء: خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك. ذكره مسلم.

وأفتى ﷺ: من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به من غيره. متفق عليه.

فصل عن تصدق المرأة وعن الأكل من مال اليتيم

وسألته ﷺ امرأة عن حلي لها تصدقت به فقال لها: لا يجوز لامرأة عطية في مالها إلا بإذن زوجها وفي لفظ: لا يجوز للمرأة أمر في مالها إذا ملك زوجها عصمتها. ذكره أهل السنن. وعند ابن ماجه أن خيرة امرأة كعب بن مالك أتته بحلي فقالت: تصدقت بهذا فقال: هل استأذنت كعبا؟ فقالت: نعم فبعث إلى كعب فقال: هل أذنت لخيرة أن تتصدق بحليها هذا؟ فقال: نعم فقبله رسول الله ﷺ.

وسأله ﷺ رجل فقال ليس لي مال ولي يتيم فقال: كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر ولا متأثل مالا ومن غير أن تقي مالك أو قال: تفدي مالك بماله.

ولما نزلت: { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن } عزلوا أموال اليتامى حتى جعل الطعام يفسد واللحم ينتن فسألوا رسول الله ﷺ فنزلت: { وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح }. ذكره أحمد وأهل السنن.

وسئل ﷺ عن لقطة الذهب والورق فقال: اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه. فسئل ﷺ عن ضالة الإبل فقال: مالك ولها؟ دعها إن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها. فسئل ﷺ عن الشاة فقال: خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو الذئب. متفق عليه. وفي لفظ مسلم: فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها وعددها ووكاءها فأعطها إياه وإلا فهي لك. وفي لفظ لمسلم: ثم كلها فإن جاء صاحبها فأدها إليه.

وقال أبي بن كعب: وجدت صرة على عهد رسول الله ﷺ فيها مائة دينار فأتيت بها النبي ﷺ فقال: عرفها حولا فعرفتها حولا ثم أتيته بها فقال: عرفها حولا فعرفتها ثم أتيته بها فقال: عرفها حولا فعرفتها ثم أتيته بها الرابعة فقال: اعرف عددها ووكاءها ووعائها فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها فاستمتعت بها. متفق عليه واللفظ للبخاري.

وسأله ﷺ رجل من مزينة عن الضالة من الإبل قال: معها حذاؤها وسقاؤها تأكل الشجر وترد الماء فدعها حتى يأتيها باغيها قال: الضالة من الغنم قال: لك أو لأخيك أو للذئب تجمعها حتى يأتيها باغيها قال: الحريسة التي توجد في مراتعها قال: فيها ثمنها مرتين وضرب نكال وما أخذ من عطنه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن قال: يا رسول الله فالثمار وما أخذ منها في أكمامها؟ قال: ما أخذ بفمه فلم يتخذ خبنة فليس عليه شيء وما احتمل فعليه ثمنه مرتين وضرب نكال وما أخذ من أجرانه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن قالوا: يا رسول الله فاللقطة يجدها في سبيل العامرة؟ قال: عرفها حولا فإن وجدت باغيها فأدها إليه وإلا فهي لك قال: ما يوجد في الحرب العادي؟ قال: فيه وفي الركاز الخمس. ذكره أحمد وأهل السنن، والإفتاء بما فيه متعين وإن خالفه من خالفه فإنه لم يعارضه ما يوجب تركه.

وأفتى بأن من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل وليحفظ عفاصها ووكاءها ثم لا يكتم ولا يغيب فإن جاء ربها فهو أحق بها وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء.

وسئل ﷺ عن رجل جلس لحاجته فأخرج جرذ من جحر دينارا ثم أخرج آخر ثم أخرج أخر حتى أخرج سبعة عشر دينارا ثم أخرج طرف خرقة حمراء فأتى بها السائل رسول الله ﷺ فأخبره خبرها وقال: خذ صدقتها قال: ارجع بها لا صدقة فيها بارك الله لك فيها ثم قال: لعلك أهويت بيدك في الجحر قلت: لا والذي أكرمك بالحق فلم يفن آخرها حتى مات.

وقوله والله أعلم: لعلك أهويت بيدك في الجحر إذ لو فعل ذلك لكان ذلك في حكم الركاز وإنما ساق الله هذا المال إليه بغير فعل منه أخرجته له الأرض بمنزلة ما يخرج من المباحات ولهذا - والله أعلم - لم يجعله لقطة إذ لعله علم أنه من دفن الكفار.

فصل

وأهدى له ﷺ عياض بن حمار إبلا قبل أن يسلم فأبى أن يقبلها وقال: إنا لا نقبل زبد المشركين قال: قلت: وما زبد المشركين؟ قال: رفدهم وهديتهم. ذكره أحمد. ولا ينافي هذا قبول هدية أكيدر وغيره من أهل الكتاب لأنهم أهل كتاب فقبل هديتهم ولم يقبل هدية المشركين.

وسأله ﷺ عبادة بن الصامت فقال: رجل أهدى إلي قوسا ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن وليست بمال وأرمي عليها في سبيل الله فقال: إن كنت تحب أن تطوق طوقا من نار فاقبلها. ولا ينافي هذا قوله: "إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله" في قصة الرقية لأن تلك جعالة على الطب فطبه بالقرآن فأخذ الأجرة على الطب لا على تعليم القرآن وهاهنا منعه من أخذ الأجرة على تعليم القرآن فإن الله تعالى قال لنبيه: { قل لا أسألكم عليه أجرا } وقال تعالى: { قل ما سألتكم من أجر فهو لكم } وقال تعالى: { اتبعوا من لا يسألكم أجرا } فلا يجوز أخذ الأجرة على تبليغ الإسلام والقرآن.

وسأله ﷺ أبو النعمان بن بشير أن يشهد على غلام نحله لابنه فلم يشهد وقال: لا تشهدني على جور وفي لفظ:: إن هذا لا يصلح وفي لفظ: أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ قال: لا قال: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم وفي لفظ: فارجعه وفي لفظ: أشهد على هذا غيري. متفق عليه، وهذا أمر تهديد قطعا لا أمر إباحة لأنه سماه جورا وهو خلاف العدل وأخبر أنه لا يصلح وأمره برده ومحال مع هذا أن يأخذ الله له في الإشهاد على ما هذا شأنه وبالله التوفيق.

وسأله ﷺ سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه فقال: يا رسول الله قد بلغ بي من الوجع ما ترى وأنا رجل ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي أفأتصدق بثلي مالي؟ قال: لا قلت: فالشطر يا رسول الله؟ قال: لا قلت: فالثلث؟ قال: الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى ما تجعل في امرأتك. متفق عليه.

وسأله ﷺ عمرو بن العاص فقال: يا رسول الله إن أبي أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة فأعتق ابنه هشام خمسين وبقيت عليه خمسون رقبة أفأعتق عنه؟ فقال رسول الله ﷺ: إنه لو كان مسلما فأعتقتم عنه أو تصدقتم عنه أو حججتم عنه بلغه ذلك. ذكره أبو داود.

فصل في المواريث

وسأله ﷺ رجل فقال: إن ابن ابني مات فما لي من ميراثه؟ فقال: لك السدس فلما أدبر دعاه فقال: لك سدس آخر فلما ولى دعاه وقال: إن السدس الآخر طعمة. ذكره أحمد.

وسأله ﷺ عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن الكلالة فقال: يكفيك من ذلك الآية التي أنزلت في الصيف في آخر سورة النساء. ذكره مالك.

وسأله ﷺ جابر: كيف أقضي في مالي ولا يرثني إلا كلالة؟ فنزلت: { يستفتونك قل: الله يفتيكم في الكلالة }. ذكره البخاري.

وسأله ﷺ تميم الداري: يا رسول الله ما السنة في الرجل من المشركين يسلم على يد رجل من المسلمين؟ فقال: هو أولى الناس بمحياه ومماته. ذكره أبو داود.

وسألته ﷺ امرأة فقالت: كنت تصدقت على أمي بوليدة وإنها ماتت وتركت الوليدة قال: قد وجب أجرك ورجعت إليك في الميراث. ذكره أبو داود وهو ظاهر جدا في القول بالرد فتأمله.

وسئل ﷺ عن الكلالة قال: ما خلا الولد والوالد. ذكره أبو عبد الله المقدسي في أحكامه.

وسألته ﷺ امرأة سعد فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد قتل معك يوم أحد وإن عمهما أخذ جميع ما ترك أبوهما وإن المرأة لا تنكح إلا على مالها فسكت النبي ﷺ حتى أنزلت آية الميراث فدعا رسول الله ﷺ أخا سعد ابن الربيع فقال: أعط بنتي سعد ثلثي ميراثه وأعط امرأته الثمن وخذ أنت ما بقي. ذكره أحمد.

وسئل أبو موسى الأشعري عن ابنة وابنة ابن وأخت فقال: للبنت النصف وللأخت النصف وأت ابن مسعود فسيتابعني فسئل ابن مسعود وأخبر بقول أبي موسى فقال: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين أقضي فيها بما قضى النبي ﷺ للبنت النصف ولابنة الابن السدس تكملة للثلثين وما بقي فللأخت. ذكره البخاري.

وسأله ﷺ رجل فقال: عندي ميراث رجل من الأزد ولست أجد أزديا أدفعه إليه فقال: اذهب فالتمس أزديا حولا فأتاه بعد الحول فقال: يا رسول الله لم أجد أزديا أدفعه إليه قال: فانطلق فانظر أول خزاعي تلقاه فادفعه إليه فلما ولى قال: علي بالرجل فلما جاءه قال: انظر أكبر خزاعة فادفعه إليه. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ عن رجل مات ولم يدع وارثا إلا غلاما له كان أعتقه فقال رسول الله ﷺ: هل له أحد؟ قالوا: لا إلا غلاما له كان أعتقه فجعل رسول الله ﷺ ميراثه له. ذكره أحمد وأهل السنن وهو حسن وبهذه الفتوى نأخذ.

وأفتى ﷺ بأن المرأة تحوز ثلاث مواريث: عتيقها ولقيطها وولدها الذي لا عنت عليه. ذكره أحمد وأهل السنن وهو حديث حسن وبه نأخذ.

وأفتى ﷺ بأن المرأة ترث من دية زوجها وماله وهو يرث من ديتها ومالها ما لم يقتل أحدهما صاحبه عمدا فإذا قتل أحدهما صاحبه عمدا لم يرث من ديته وماله شيئا وإن قتل أحدهما صاحبه خطأ ورث من ماله ولم يرث من ديته. ذكره ابن ماجه وبه نأخذ.

وأفتى ﷺ بأنه أيما رجل عاهر بحرة أو أمة فالولد ولد زنا لا يرث ولا يورث. ذكره الترمذي.

وقضى ﷺ في ولد المتلاعنين أنه يرث أمه وترثه أمه ومن قذفها جلد ثمانين ومن دعاه ولد زنا جلد ثمانين. ذكره أحمد وأبو داود وعند أبي داود: وجعل الميراث ولد الملاعنة لأمه ولورثتها من بعدها.

فتاوى تتعلق بالعتق

وسأله ﷺ الشريد بن سويد فقال: إن أمي أوصت أن تعتق عنها رقبة مؤمنة وعندي جارية سوداء نوبية أفأعتقها عنها؟ فقال: ائت بها فقال: من ربك؟ قالت: الله قال: من أنا؟ قالت: رسول الله ﷺ قال: أعتقها فإنها مؤمنة. ذكره أهل السنن.

وسأله ﷺ رجل فقال: علي عتق رقبة مؤمنة وأتاه بجارية سوداء أعجمية فقال لها: أين الله؟ فأشارت إلى السماء بأصبعها السبابة فقال لها: من أنا؟ فأشارت بأصبعها إلى رسول الله وإلى السماء؛ أي أنت رسول الله، فقال: أعتقها. ذكره أحمد.

وسأله معاوية بن الحكم السلمي فقال: كانت لي جارية ترعى غنما لي قبل نجد والجوابية فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون فصككتها صكة فعظم ذلك على رسول الله ﷺ فقلت: أفلا أعتقها؟ فقال: ائتني بها فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء قال: من أنا قالت: أنت رسول الله قال: أعتقها فإنها مؤمنة.

قال الشافعي: فلما وصفت الإيمان وأن ربها تبارك وتعالى في السماء قال: أعتقها فإنها مؤمنة. فقد سأل رسول الله ﷺ: أين الله؟ وسأل ﷺ أين الله؟ فأجاب من سأله بأن الله في السماء فرضي جوابه وعلم به أنه حقيقة الإيمان لربه وأجاب هو ﷺ من سأله أين الله ولم ينكر هذا السؤال عليه. وعند الجهمى أن السؤال بأين الله كالسؤال بما لونه وما طعمه وما جنسه وما أصله ونحو ذلك من الأسئلة المحالة الباطلة.

وسألته ﷺ ميمونة أم المؤمنين فقالت: أشعرت أني أعتقت وليدتي؟ قال: لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك. متفق عليه.

وسأله ﷺ نفر من بني سليم عن صاحب لهم قد أوجب يعني النار بالقتل فقال: أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار. ذكره أبو داود.

وسأله ﷺ رجل: كم أعفو عن الخادم؟ فصمت عنه ثم قال: يا رسول الله كم أعفو عن الخادم؟ قال: اعف عنه كل يوم سبعين مرة. ذكره أبو داود.

وسئل ﷺ عن ولد الزنا فقال: لا خير فيه نعلان أجاهد فيهما في سبيل الله أحب إلي من أن أعتق ولد الزنا. ذكره أحمد.

وسأله ﷺ سعد بن عبادة فقال: إن أمي ماتت وعليها نذر أفيجزئ عنها أن أعتق عنها؟ قال: أعتق عن أمك. ذكره أحمد. وعند مالك: إن أمي هلكت فهل ينفعها أن أعتق عنها؟ فقال: نعم.

واستفتته ﷺ عائشة رضي الله عنها فقالت: إني أردت أن أشتري جارية فأعتقها فقال أهلها: نبيعكها على أن ولاءها لنا فقال: لا يمنعك ذلك إنما الولاء لمن أعتق. والحديث في الصحيح؛ فقالت طائفة: يصح الشرط والعقد ويجب الوفاء به وهو خطأ. وقالت طائفة: يبطل العقد والشرط وإنما صح عقد عائشة لأن الشرط لم يكن في صلب العقد وإنما كان متقدما عليه فهو بمنزلة الوعد لا يلزم الوفاء به وهذا وإن كان أقرب من الذي قبله فالنبي ﷺ لم يعلل به ولا أشار في الحديث إليه بوجه ما والشرط المتقدم كالمقارن وقالت طائفة: في الكلام إضمار تقديره: اشترطي لهم الولاء أو لا تشترطيه فإن اشتراطه لا يفيد شيئا لأن الولاء لمن أعتق وهذا أقرب من الذي قبله مع مخالفته لظاهر اللفظ وقالت طائفة: اللام بمعنى على أي اشترطي عليهم الولاء فإنك أنت التي تعتقين والولاء لمن أعتق وهذا وإن كان أقل تكلفا مما تقدم ففيه إلغاء الاشتراط فإنها لو لم تشترطه لكان الحكم كذلك. وقالت طائفة: هذه الزيادة ليست من كلام النبي ﷺ بل هي من قول هشام بن عروة وهذا جواب الشافعي نفسه. وقال شيخنا: بل الحديث على ظاهره ولم يأمرها النبي ﷺ باشتراط الولاء تصحيحا لهذا الشرط ولا إباحة له ولكن عقوبة لمشترطه إذ أبى أن يبيع جارية للمعتق إلا باشتراط ما يخالف حكم الله تعالى وشرعه فأمرها أن تدخل تحت شرطهم الباطل ليظهر به حكم الله ورسوله لأن الشروط الباطلة لا تغير شرعه وإن من شرط ما يخالف دينه لم يجز أن يوفى له بشرطه ولا يبطل البيع به وإن من عرف فساد الشرط وشرطه ألغي اشتراطه ولم يعتبر فتأمل هذه الطريقة وما قبلها من الطرق والله تعالى أعلم.

فصل فتاوى في الزواج

وسئل ﷺ أي النساء خير؟ فقال: التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر ولا تخالفه فيما يكره في نفسها وماله. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ أي المال يتخذ؟ فقال: ليتخذ أحدكم قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على أمر الآخرة. ذكره أحمد والترمذي وحسنه.

وسأله ﷺ رجل فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال وإنها لا تلد أفأتزوجها؟ قال: لا ثم أتاه الثانية فنهاه ثم أتاه الثالثة فقال: تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم.

وسأله ﷺ أبو هريرة رضي الله عنه فقال: إني رجل شاب وإني أخاف الفتنة ولا أجد ما أتزوج به أفلا أختصي؟ قال: فسكت عني ثم قلت: فسكت عني ثم قال: يا أبا هريرة جف القلم بما أنت لاق فاختص على ذلك أو زد. ذكره البخاري.

وسأله ﷺ آخر فقال: يا رسول الله ائذن لي أن أختصي قال: خصاء أمتي الصيام. ذكره أحمد.

وسأله ﷺ ناس من أصحابه فقالوا: ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم قال: أوليس قد جعل لكم ما تصدقون به إن كل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وأمر بمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة وفي بضع أحدكم صدقة قالوا: يا رسول الله يأتي أحدنا لشهوته ويكون له فيها أجر قال: أرأيتم لو كان وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا كان وضعها في الحلال كان له أجر. ذكره مسلم.

وأفتى ﷺ من أراد أن يتزوج امرأة بأن ينظر إليها.

وسأله ﷺ المغيرة بن شعبة عن امرأة خطبها قال: اذهب فانظر إليها فإنه أجدر أن يؤدم بينكما فأتى أبويها فأخبرهما بقول رسول الله ﷺ فكأنهما كرها ذلك فسمعت ذلك المرأة وهي في خدرها فقالت: إن كان رسول الله ﷺ أمرك أن تنظر فانظر وإلا فإني أنشدك كأنها عظمت ذلك عليه قال: فنظرت إليها فتزوجتها فذكر من موافقتها له. ذكره أحمد وأهل السنن.

وسأله ﷺ جرير عن نظرة الفجاءة فقال: اصرف بصرك. ذكره مسلم.

وسأله ﷺ رجل فقال: عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك وما ملكت يمينك قال: قلت: يا رسول الله إذا كان القوم بعضهم في بعض فقال: إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا يرينها قال: قلت: يا رسول الله إذا كان أحدنا خاليا قال: الله أحق أن يستحيا منه. ذكره أهل السنن.

وسأله ﷺ رجل أن يزوجه امرأة فأمره أن يصدقها شيئا ولو خاتما من حديد فلم يجده فقال: ما معك من القرآن؟ قال: معي سورة كذا وسورة كذا قال: تقرؤهن عن ظهر قلب؟ قال: نعم قال: اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن. متفق عليه.

واستأذنته ﷺ أم سلمة في الحجامة فأمر أبا طيبة أن يحجمها قال: حسبت أنه كان أخاها من الرضاعة أو غلاما لم يحتلم. ذكره مسلم.

وأمر ﷺ أم سلمه وميمونة أن يحتجبا من ابن أم مكتوم فقالتا: أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ قال: أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟ ذكره أهل السنن وصححه الترمذي. [18] فأخذت طائفة بهذه الفتوى وحرمت على المرأة نظرها إلى الرجل وعارضت طائفة أخرى هذا الحديث بحديث عائشة في الصحيحين أنها كانت تنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد وفي هذه المعارضة نظر إذ لعل قصة الحبشة كانت قبل نزول الحجاب وخصت طائفة أخرى ذلك بأزواج النبي ﷺ.

وسألته ﷺ عائشة رضي الله عنها عن الجارية ينكحها أهلها أتستأمر أم لا؟ فقال: نعم تستأمر قالت عائشة رضي الله عنها: فإنها تستحي فقال ﷺ: فذاك إذنها إذا هي سكتت. متفق عليه. وبهذه الفتوى نأخذ وأنه لابد من استئمار البكر وقد صح عنه ﷺ: الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها. وفي لفظ: والبكر يستأذنها أبوها في نفسها وإذنها صماتها. وفي الصحيحين عنه ﷺ: لا تنكح البكر حتى تستأذن قالوا: وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت. وسألته ﷺ جارية بكر فقالت إن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي ﷺ. فقد أمر باستئذان البكر ونهى عن إنكاحها بدون إذنها وخير النبي ﷺ من نكحت ولم تستأذن فكيف بالعدول عن ذلك كله ومخالفته بمجرد مفهوم قوله: الأيم أحق بنفسها من وليها؟ كيف ومنطوقه صريح في أن هذا المفهوم الذي فهمه من قال تنكح بغير اختيارها غير مراد؟ فإنه قال عقيبه: والبكر تستأذن في نفسها بل هذا احتراز منه ﷺ من حمل كلامه على ذلك المفهوم كما هو المعتاد في خطابه كقوله: لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده فإنه لما نفى قتل المسلم بالكافر أوهم ذلك إهدار دم الكافر وأنه لا حرمة له فرفع هذا الوهم بقوله: ولا ذو عهد في عهده ولما كان الاقتصار على قوله: ولا ذو عهد يوهم أنه لا يقتل إذا ثبت له العهد من حيث الجملة رفع هذا الوهم بقوله: في عهده وجعل ذلك قيدا لعصمة العهد فيه وهذا كثير في كلامه ﷺ لمن تأمله كقوله: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" فإن نهيه عن الجلوس عليها لما كان ربما يوهم التعظيم المحذور رفعه بقوله: ولا تصلوا إليها. والمقصود: أن أمره باستئذان البكر ونهيه عن نكاحها بدون إذن وتخييرها حيث لم تستأذن لا معارض له فيتعين القول به وبالله التوفيق.

وسئل ﷺ عن صداق النساء فقال: هو ما اصطلح عليه أهلوهم. ذكره الدارقطني، وعنده مرفوعا: أنكحوا اليتامى قيل: يا رسول الله ما العلائق بينهم؟ قال: ما تراضى عليه الأهلون ولو قضيبا من أراك.

وسألته ﷺ امرأة فقالت: إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع به خسيسته فجعل الأمر إليها فقالت: قد أجزت ما صنع أبي ولكن أردت أن يعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء. ذكره أحمد والنسائي.

ولما هلك عثمان بن مظعون ترك ابنة له فزوجها عمها قدامة من عبد الله بن عمر ولم يستأذنها فكرهت نكاحه وأحبت أن يتزوجها المغيرة بن شعبة فنزعها من ابن عمر وزوجها المغيرة وقال: إنها يتيمة ولا تنكح إلا بإذنها. ذكره أحمد.

وسأله ﷺ مرثد الغنوي فقال: يا رسول الله أنكح عناقا؟ وكانت بغيا بمكة فسكت عنه فنزلت الآية: { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك } فدعاه فقرآها عليه وقال: لا تنكحها.

وسأله ﷺ رجل آخر عن نكاح امرأة يقال لها أم مهزول كانت تسافح فقرأ عليه رسول الله ﷺ الآية. ذكره أحمد.

وأفتى ﷺ بأن الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله فأخذ بهذه الفتاوى التي لا معارض لها الإمام أحمد ومن وافقه وهي من محاسن مذهبه رحمة الله عليه فإنه لم يجوز أن يكون الرجل زوج قحبة ويعضد مذهبه بضعة وعشرون دليلا قد ذكرناها في موضع آخر.

وأسلم قيس بن الحارث وتحته ثمان نسوة فسأل النبي ﷺ عن ذلك فقال: اختر منهن أربعا.

وأسلم غيلان وتحته عشر نسوة فأمره ﷺ أن يأخذ منهن أربعا. ذكرهما أحمد، وهما كالصريح في أن الخيرة إليه بين الأوائل والأواخر.

وسأله ﷺ فيروز الديلمي فقال: أسلمت وتحتى أختان فقال: طلق أيتهما شئت. ذكره أحمد.

وسأله ﷺ بصرة بن أكثم فقال: نكحت امرأة بكرا في سترها فدخلت عليها فإذا هي حبلى فقال النبي ﷺ: لها الصداق بما استحللت من فرجها والولد عبد لك فإذا ولدت فاجلدوها وفرقا بينهما. ذكره أبو داود. ولا يشكل من هذه الفتوى إلا مثل عبودية الولد والله أعلم.

وأسلمت امرأة على عهده ﷺ فتزوجت فجاء زوجها فقال: يا رسول الله إني كنت أسلمت وعلمت بإسلامي فانتزعها رسول الله ﷺ من زوجها الآخر وردها إلى الأول. ذكره أحمد وابن حبان.

وسئل ﷺ عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقا حتى مات فقضى لها على صداق نسائها وعليها العدة ولها الميراث. ذكره أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي وغيره وهذه فتوى لا معارض لها فلا سبيل إلى العدول عنها.

وسئل ﷺ عن امرأة تزوجت ومرضت فمتعط شعرها فأرادوا أن يصلوه فقال: لعن الله الواصلة والمستوصلة. متفق عليه.

عن العزل

وسئل ﷺ عن العزل قال: أوإنكم لتفعلون؟ قالها ثلاثا ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة. متفق عليه. ولفظ مسلم: ألا عليكم أن لا تفعلوا، ما كتب الله تعالى خلق نسمة هي كائنة إلى يوم القيامة إلا ستكون.

وسئل ﷺ أيضا عن العزل فقال: ما من كل الماء يكون الولد وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء وسأله ﷺ آخر فقال: إن لي جارية وأنا أعزل عنها وأنا أكره أن تحمل وأنا أريد ما يريد الرجال وإن اليهود تحدث أن العزل موءودة صغرى فقال: كذبت اليهود لو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه. ذكرهما أحمد وأبو داود.

وسأله ﷺ آخر فقال: عندي جارية وأنا أعزل عنها. فقال رسول الله ﷺ: إن ذلك لا يمنع شيئا إذا أراد الله فجاء الرجل فقال لرسول الله ﷺ: إن الجارية التي كنت ذكرتها لك حملت فقال: أنا عبد الله ورسوله. ذكره مسلم. وعنده أيضا: إن لي جارية هي خادمتنا وساقيتنا وأنا أطوف عليها وأنا أكره أن تحمل فقال: اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها فلبث الرجل ثم أتاه فقال: إن الجارية قد حملت فقال: قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قدر لها.

وسأله ﷺ آخر عن ذلك فقال: لو أن الماء الذي يكون منه الولد أهرقته على صخرة لأخرجه الله منها وليخلقن الله تعالى نفسا هو خالقها. ذكره أحمد.

وسأله ﷺ آخر فقال: إني أعزل عن امرأتي فقال: لم تفعل ذلك؟ فقال: إني أشفق على ولدها فقال رسول الله ﷺ: لو كان ذلك ضارا ضر فارس والروم وفي لفظ: إن كان كذلك فلا ما ضر ذلك فارس والروم. ذكره مسلم.

فصل عن وطء المرأة

وسألته ﷺ امرأة من الأنصار عن التجبية وهي وطء المرأة في قبلها من ناحية دبرها فتلا عليها قوله تعالى: { نساؤكم حرث لكم فاتوا حرثكم أنى شئتم } صماما واحدا. ذكره أحمد.

وسأله ﷺ عمر رضي الله عنه فقال: يا رسول الله هلكت قال: وما أهلكك؟ قال: حولت رحلي البارحة فلم يرد عليه شيئا فأوحى الله إلى رسوله: { نساؤكم حرث لكم فاتوا حرثكم أنى شئتم } أقبل وأدبر واتقوا الحيضة والدبر. ذكره أحمد والترمذي. وهذا هو الذي أباحه الله ورسوله وهو الوطء من الدبر لا في الدبر، وقد قال: ملعون من أتى امرأته في دبرها. وقال: من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد. وقال: إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن. وقال: لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلا أو امرأة في الدبر. وقال في الذي يأتي امرأته في دبرها: هي اللوطية الصغرى. وهذه الأحاديث جميعها ذكرها أحمد في المسند.

عن حق المرأة

وسئل ﷺ ما حق المرأة على الزوج؟ قال: أن يطعمها إذا طعم ويكسوها إذا اكتسى ولا يضرب الوجه ولا يقبح ولا يهجر إلا في البيت. ذكره أحمد وأهل السنن.

فصل عن أحكام الرضاع

وسألته ﷺ عائشة أم المؤمنين فقالت: إن أفلح أخا أبي القعيس استأذن علي وكانت امرأته أرضعتني فقال: ائذني له إنه عمك. متفق عليه.

وسأله ﷺ أعرابي فقال: إني كان لي امرأة فتزوجت عليها أخرى فزعمت امرأتي الأولى أنها أرضعت امرأتي الحدثاء رضعة أو رضعتين فقال: لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان. ذكره مسلم.

وسألته سهلة بنت سهيل فقالت: إن سالما قد بلغ ما يبلغ الرجال وعقل ما عقلوا وإنه يدخل علينا وإني أظن أن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئا فقال: أرضعيه تحرمي عليه ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة فرجعت فقالت: إني قد أرضعته فذهب الذي في نفس أبي حذيفة. ذكره مسلم.

فأخذت طائفة من السلف بهذه الفتوى منهم عائشة ولم يأخذ بها أكثر أهل العلم وقدموا عليها أحاديث توقيت الرضاع المحرم بما قبل الفطام وبالصغر وبالحولين لوجوه:

أحدها: كثرتها وانفراد حديث سالم.

الثاني: أن جميع أزواج النبي ﷺ خلا عائشة رضي الله عنهن في شق المنع.

الثالث: أنه أحوط.

الرابع: أن رضاع الكبير لا ينبت لحما ولا ينشر عظما فلا تحصل به البعضية التي هي سبب التحربم.

الخامس: أنه يحتمل أن هذا كان مختصا بسالم وحده ولهذا لم يجئ ذلك إلا في قصته.

السادس: أن رسول الله ﷺ دخل على عائشة وعندها رجل قاعد فاشتد ذلك عليه وغضب فقالت: إنه أخي من الرضاعة فقال: انظرن من إخوانكن من الرضاعة فإنما الرضاعة من المجاعة. متفق عليه واللفظ لمسلم.

وفي قصة سالم مسلك آخر وهو أن هذا كان موضع حاجة فإن سالما كان قد تبناه أبو حذيفة ورباه ولم يكن له منه ومن الدخول على أهله بد فإذا دعت الحاجة إلى مثل ذلك فالقول به مما يسوغ فيه الاجتهاد ولعل هذا المسلك أقوى المسالك وإليه كان شيخنا يجنح والله أعلم.

وسئل ﷺ أن ينكح ابنة حمزة فقال: لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب. ذكره مسلم.

وسأله ﷺ عقبة بن الحارث فقال: تزوجت امرأة فجاءت أمة سوداء فقالت: أرضعتكما وهي كاذبة فأعرض عنه فقال: إنها كاذبة فقال: كيف بها وقد زعمت بأنها أرضعتكما؟ دعها عنك ففارقها وأنكحت غيره. ذكره مسلم وللدارقطني: دعها عنك فلا خير لك فيها.

وسأله ﷺ رجل فقال: ما يذهب عني مذمة الرضاع؟ فقال: غرة عبد أو أمة. ذكره الترمذي وصححه والمذمة - بكسر الذال - من الذمام لا من الذم الذي هو نقيض المدح والمعنى أن للمرضعة على المرضع حقا وذماما فيذهبه عبد أو أمة فيعطيها إياه.

وسئل ﷺ: ما الذي يجوز من الشهود في الرضاع؟ فقال: رجال وامرأة. ذكره أحمد.

فصل من فتاويه صلى الله عليه وسلم في الطلاق

ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سأله عن طلاق ابنه امرأته وهي حائض فأمر بأن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أن يطلق بعد فليطلق.

وسأله ﷺ رجل فقال: إن امرأتي وذكر من بذائها فقال: طلقها فقال: إن لها صحبة وولدا قال: مرها وقل لها فإن يكن فيها خير فستفعل ولا تضرب ظعينتك ضربك أمتك. ذكره أحمد.

وسأله ﷺ فقال: إن امرأتي لا ترد يد لامس قال: غيرها إن شئت وفي لفظ: طلقها قال: إني أخاف أن تتبعها نفسي قال: فاستمتع بها.

فعورض بهذا الحديث المتشابه الأحاديث المحكمة الصريحة في المنع من تزويج البغايا واختلفت مسالك المحرمين لذلك فيه:

فقالت طائفة: المراد باللامس ملتمس الصدقة لا ملتمس الفاحشة،

وقالت طائفة: بل هذا في الدوام غير مؤثر وإنما المانع ورود العقد على زانية فهذا هو الحرام،

وقالت طائفة: بل هذا من التزام أخف المفسدتين لدفع أعلاهما فإنه لما أمر بمفارقتها خاف أن لا يصبر عنها فيواقعها حراما فأمره حينئذ بإمساكها إذ مواقعتها بعد عقد النكاح أقل فسادا من مواقعتها بالسفاح،

وقالت طائفة: بل الحديث ضعيف لا يثبت،

وقالت طائفة: ليس في الحديث ما يدل على أنها زانية وإنما فيه أنها لا تمتنع ممن لمسها أو وضع يده عليها أو نحو ذلك فهي تعطي الليان لذلك ولا يلزم أن تعطيه الفاحشة الكبرى ولكن هذا لا يؤمن معه إجابتها لداعي الفاحشة فأمره بفراقها تركا لما يريبه إلى ما لا يريبه فلما أخبره بأن نفسه تتبعها وأنه لا صبر له عنها رأى مصلحة إمساكها أرجح من مفارقتها لما يكره من عدم انقباضها عمن يلمسها فأمره بإمساكها وهذا لعله أرجح المسالك والله أعلم.

عن الطلاق الثلاث

وسألته ﷺ امرأة فقالت: إن زوجي طلقني يعني: ثلاثا وإني تزوجت زوجا غيره وقد دخل بي فلم يكن معه إلا مثل هدبة الثوب فلم يقربني إلا بهنة واحدة ولم يصل مني إلى شئ أفأحل لزوجي الأول؟ فقال رسول الله ﷺ: لا تحلين لزوجك الأول حتى يذوق الآخر عسيلتك وتذوقي عسيلته، متفق عليه.

وسئل ﷺ أيضا عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا فيتزوجها الرجل فيغلق الباب ويرخي الستر ثم يطلقها قبل أن يدخل بها قال: لا تحل للأول حتى يجامعها الآخر. ذكره النسائي.

وسئل ﷺ عن التيس المستعار فقال: هو المحلل ثم قال: لعن الله المحلل والمحلل له. ذكره ابن ماجه.

وسألته ﷺ امرأة عن كفر المنعمين فقال: لعل إحداكن أن تطول أيمتها بين يدي أبويها تعنس فيرزقها الله زوجا ويرزقها منه مالا وولدا فتغضب الغضبة فتقول: ما رأيت منه يوما خيرا قط. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا فقام غضبان ثم قال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ حتى قام رجل فقال يا رسول الله ألا أقتله. ذكره النسائي.

وطلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا فسأله رسول الله ﷺ كيف طلقتها؟ فقال: طلقتها ثلاثا فقال: في مجلس واحد؟ فقال: نعم قال: إنما تلك واحدة فأرجعها إن شئت قال: فراجعها فكان ابن عباس يروي إنما الطلاق عند كل طهر. ذكره أحمد. قال: حدثنا سعيد بن إبراهيم قال: حدثني أبي عن محمد ابن إسحاق قال: حدثني داود بن الحصين عن عكرمة مولى ابن عباس فذكره. وأحمد يصحح هذا الإسناد ويحتج به وكذلك الترمذي.

وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا ابن خريج قال: أخبرني بعض بني رافع مولى رسول الله ﷺ عن عكرمة عن ابن عباس قال: طلق عبد يزيد أبو ركانة وإخوته أم ركانة ونكح امرأة من مزينة فجاءت النبي ﷺ فقالت: ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة لشعرة أخذتها من رأسها ففرق بيني وبينه فأخذت النبي ﷺ حمية فدعا بركانة وإخوته ثم قال لجلسائه: أترون أن فلانا يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد وفلانا منه كذا وكذا؟ قالوا: نعم قال النبي ﷺ لعبد يزيد: طلقها ففعل فقال: راجع امرأتك أم ركانة وإخوته فقال: إني طلقتها ثلاثا يا رسول الله قال: قد علمت راجعها وتلا: { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن }.

قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح قال: حدثنا عبد الرزاق فذكره فهذه طريقة أخرى متابعة لابن إسحاق والذي يخاف من ابن إسحاق التدليس وقد قال: حدثني وهذا مذهبه وبه أفتى ابن عباس في إحدى الروايتين عنه صح عنه ذلك وصح عنه إمضاء الثلاث موافقة لعمر رضي الله عنه وقد صح عنه ﷺ أن الثلاث كانت واحدة في عهده وعهد أبي بكر وصدرا من خلافة عمر رضي الله عنهما وغاية ما يقدر مع بعده أن الصحابة كانوا على ذلك ولم يبلغه. وهذا وإن كان كالمستحيل فإنه يدل على أنهم كانوا يفتون في حياته وحياة الصديق بذلك وقد أفتى هو ﷺ فهذه فتواه وعمل أصحابه كأنه أخذ باليد ولا معارض لذلك.

ورأى عمر رضي الله عنه أن يحمل الناس على إنفاذ الثلاث عقوبة وزجرا لهم لئلا يرسلوها جملة، وهذا اجتهاد منه رضي الله عنه غايته أن يكون سائغا لمصلحة رآها ولا يوجب ترك ما أفتى به رسول الله ﷺ وكان عليه أصحابه في عهده وعهد خليفته فإذا ظهرت الحقائق فليقل امرؤ ما شاء وبالله التوفيق.

عن إن تزوجت فلانة فهي طالق

وسأله ﷺ رجل قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق ثلاثا فقال: تزوجها فإنه لا طلاق إلا بعد النكاح.

وسئل ﷺ عن رجل قال: يوم أتزوج فلانة فهي طالق فقال: طلق ما لا يملك. ذكرهما الدارقطني.

وسأله ﷺ عبد فقال: إن مولاتي زوجتني وتريد أن تفرق بيني وبين امرأتي فحمد الله وأثنى عليه وقال: ما بال أقوام يزوجون عبيدهم إماءهم ثم يريدون أن يفرقوا بينهم ألا إنما يملك الطلاق من أخذ بالساق. ذكره الدارقطني.

عن الخلع

وسأله ﷺ ثابت بن قيس: هل يصلح أن يأخذ بعض مال امرأته ويفارقها؟ قال: نعم قال: فإني قد أصدقتها حديقتين وهما بيدها فقال النبي ﷺ خذهما وفارقها. ذكره أبو داود، وكانت قد شكته إلى النبي ﷺ وتحب فراقه كما ذكره البخاري أنها قالت: يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعيب عليه في خلق ولا دين ولكني أكره الكفر في الإسلام فقال: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم فقال رسول الله ﷺ: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة.

وعند ابن ماجه: إني أكره الكفر في الإسلام ولا أطيقه بغضا فأمر النبي ﷺ أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد.

وعند النسائي أن النبي ﷺ أفتاها أن تتربص حيضة واحدة. وعند أبي داود أن النبي ﷺ أمرها أن تعتد بحيضة واحدة.

وأفتى النبي ﷺ أن المرأة إذا ادعت طلاق زوجها فجاءت على ذلك بشاهد عدل استحلفت زوجها فإن حلف بطلت شهادة الشاهد وإن نكل فنكوله بمنزلة شاهد آخر وجاز طلاقه. ذكره ابن ماجه من رواية عمرو بن أبي سلمة وقد روى له مسلم في صحيحه.

فصل عن الظهار واللعان

وسئل ﷺ عن رجل ظاهر من امرأته ثم وقع عليها قبل أن يكفر قال: وما حملك على ذلك يرحمك الله قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر قال: لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله تعالى. حديث صحيح.

وسأله ﷺ رجل فقال: لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فتكلم جلدتموه أو قتل قتلتموه أو سكت سكت على غيظ فقال: اللهم افتح وجعل يدعو فنزلت آية اللعان فابتلي به ذلك الرجل من بين الناس فجاء هو وامرأته إلى رسول الله ﷺ فتلاعنا. ذكره مسلم.

وسأله ﷺ رجل آخر فقال: إن امرأتي ولدت على فراشي غلاما أسود وأنا أهل بيت لم يكن فينا أسود قط قال: هل لك من إبل؟ قال: نعم قال: فما ألوانها؟ قال: حمر قال: هل فيها من أورق؟ قال: نعم قال: فأنى كان ذلك؟ قال: عسى أن يكون نزعه عر.ق قال: فلعل ابنك هذا نزعه عرق. متفق عليه.

وحكم بالفرقة بين المتلاعنين وأن لا يجتمعا أبدا وأخذ المرأة صداقها وانقطاع نسب الولد من أبيه وإلحاقه بأمه ووجوب الحد على من قذفه أو قذف أمه وسقوط الحد عن الزوج وأنه لا يلزمه نفقة ولا كسوة ولا سكنى بعد الفرقة.

وسأله ﷺ سلمة بن صخر البياضي فقال: ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ شهر رمضان فبينما هي تخدمني ذات ليلة إذ انكشف لي منها شيء فلم ألبث أن نزوت عليها فقال: أنت بذاك يا سلمة فقلت: أنا بذاك فأنا صابر لأمر الله تعالى فاحكم في بما أراك الله قال: حرر رقبة قلت: والذي بعثك بالحق ما أملك رقبة غيرها وضربت صفحة رقبتي قال: فصم شهرين متتابعين فقلت: وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام؟ قال: فأطعم وسقا من تمر بين ستين مسكينا قلت: والذي بعثك بالحق نبيا لقد بتنا وحشيين ما لنا من طعام قال: فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك فأطعم ستين مسكينا وسقا من تمر وكل أنت وعيالك بقيتها فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي ووجدت عند رسول الله ﷺ السعة وحسن الرأي وأمر لي بصدقتكم. ذكره أحمد.

وسألته ﷺ خولة بنت مالك فقالت: إن زوجها أوس بن الصامت ظاهر منها وشكته إلى رسول الله ﷺ ورسول الله يجادلها فيه بقوله: اتقي الله فإنه ابن عمك فما برحت حتى نزل القرآن: { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله } الآيات فقال: يعتق رقبة قالت: لا يجد قال: فيصوم شهرين متتابعين قالت: إنه شيخ كبير ما به من صيام قال: فليطعم ستين مسكينا قالت: ما عنده من شيء يتصدق به فأتى ساعته بعرق من تمر قلت: يا رسول الله إني أعينه بعرق آخر قال: أحسنت اذهبي فأطعمي بها عنه ستين مسكينا وارجعي إلى ابن عمك. ذكره أحمد وأبو داود، ولفظ أحمد: قالت: في والله وفي أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة قالت: كنت عنده وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه وضجر قالت: فدخل علي يوما فراجعته بشيء فغضب فقال: أنت علي كظهر أمي ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة ثم دخل علي فإذا هو يريدني عن نفسي قالت: قلت: كلا والذي نفس الخويلة بيده لا تخلص إلي وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكم قالت: فواثبني فامتنعت منه فغلبته بما تغلب المرأة الشيخ الضعيف فألقيته عني ثم خرجت إلى بعض جاراتي فاستعرت منها ثيابها ثم خرجت حتى جئت رسول الله ﷺ فجلست بين يديه فذكرت له ما لقيت منه فجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه فجعل رسول الله ﷺ يقول: يا خويلة ابن عمك شيخ كبير فاتقي الله فيه قالت: فو الله ما برحت حتى نزل القرآن فتغشى رسول الله ﷺ ما كان يتغشاه ثم سري عنه فقال: يا خويلة قد أنزل الله فيك وفي صاحبك ثم قرأ علي: { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله } إلى قوله: { وللكافرين عذاب أليم } قالت: فقال رسول الله ﷺ: مريه فليعتق رقبة، وذكر نحو ما تقدم. وعند ابن ماجه أنها قالت: يا رسول الله أكل شبابي ونثرت لي بطني حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني اللهم إني أشكو إليك فما برحت حتى نزل جبرائيل عليه السلام بهؤلاء الآيات.

فصل فتاويه صلى الله عليه وسلم في العدد

ثبت أن سبيعة الأسلمية سألته وقد مات زوجها ووضعت حملها بعد موته قالت: فأفتاني رسول الله ﷺ أني قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزويج إن بدا لي.

وعند البخاري أنها سئلت كيف أفتاها رسول الله ﷺ؟ قالت: أفتاني إذا وضعت أن أنكح وكانت أم كلثوم بنت عقبة عند الزبير بن العوام فقالت له وهي حامل: طيب نفسي بتطليقة فطلقها تطليقة ثم خرج إلى الصلاة فرجع وقد وضعت فقال لها: خدعتني خدعك الله ثم أتى النبي ﷺ فسأله عن ذلك فقال: سبق الكتاب أجله اخطبها إلى نفسها. ذكره ابن ماجه.

وسألته ﷺ فريعة بنت مالك فقالت: إن زوجي خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا كان بطرف القدوم لحقهم فقتلوه فسألته أن ترجع إلى أهلها وقالت: إن زوجي لم يترك لي مسكنا يملكه ولا نفقة فقال لها رسول الله ﷺ: نعم قالت: فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد ناداني رسول الله ﷺ أو أمر بي فنوديت له فقال: كيف قلت؟ فرددت عليه القصة التي ذكرت له فقال: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا فلما كان عثمان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته فاتبعه وقضى به. حديث صحيح ذكره أهل السنن.

وأفتى ﷺ امرأة ثابت بن قيس بن شماس وجميلة بنت عبد الله بن أبي لما اختلعت من زوجها فأمرها النبي ﷺ أن تتربص حيضة واحدة وتلحق بأهلها. ذكره النسائي.

وعند أبي داود والترمذي عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها فأمرها النبي ﷺ أن تعتد حيضة وعند الترمذي عن الربيع بنت معوذ أنها اختلعت على عهد رسول الله ﷺ فأمرها النبي ﷺ أو أمرت أن تعتد بحيضة. قال الترمذي: حديث الربيع الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة. وعند النسائي وابن ماجه واللفظ له عن الربيع قالت: اختلعت من زوجي ثم جئت عثمان فسألت: ماذا علي من العدة؟ فقال: لا عدة عليك إلا أن يكون حديث عهد بك فتمكثين عنده حتى تحيضي حيضة قالت: وإنما تبع في ذلك قضاء رسول الله ﷺ في مريم المغالية وكانت تحت ثابت بن قيس فاختلعت منه.

فصل الولد للفراش

واختصم إليه ﷺ سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في الغلام فقال سعد: هو ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه انظر إلى شبهه وقال عبد بن زمعة: هو أخي ولد على فراش أبي من وليدته فنظر رسول الله ﷺ إلى شبهه فرأى شبها بينا بعتبة فقال: هو لك يا عبد، الولد للفراش وللعاهر الحجر واحتجبي منه يا سودة فلم تره سودة قط. متفق عليه وفي لفظ البخاري: هو أخوك يا عبد. وعند النسائي: واحتجبي منه يا سودة فليس لك بأخ. وعند الإمام أحمد: أما الميراث فله وأما أنت فاحتجبي منه فإنه ليس لك بأخ. فحكم وأفتى بالولد لصاحب الفراش عملا بموجب الفراش وأمر سودة أن تحتجب منه عملا بشبهه بعتبة وقال ليس لكِ بأخ للشبهة وجعله أخا في الميراث. فتضمنت فتواه ﷺ أن الأمة فراش وأن الأحكام تتبعض في العين الواحدة عملا بالاشتباه كما تتبعض في الرضاعة وثبوتها يثبت بها الحرمة والمحرمية دون الميراث والنفقة وكما في ولد الزنا هو ولد في التحريم وليس ولدا في الميراث. ونظائر ذلك أكثر من أن تذكر فيتعين الأخذ بهذا الحكم والفتوى وبالله التوفيق.

عن الإحداد على الميت

وسألته ﷺ امرأة فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟ فقال رسول الله ﷺ: لا مرتين أو ثلاثا. متفق عليه.

ومنع ﷺ المرأة أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج فإنها تحد أربعة أشهر وعشرا ولا تكتحل ولا تطيب ولا تلبس ثوبا مصبوغا ورخص لها في طهرها إذا اغتسلت في نبذة من قسط أو أظفار. متفق عليه. وعند أبي داود والنسائي: ولا تختضب. وعند النسائي: ولا تمتشط. وعند أحمد: لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الشقة الممشقة ولا الحلي ولا تختضب ولا تكتحل.

وجعلت أم سلمة رضي الله عنها على عينها صبرا لما توفي أبو سلمة فقال: ما هذا يا أم سلمة؟ قالت: إنما هو صبر ليس فيه طيب قال: إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب قلت: بأي شيء أمتشط يا رسول الله؟ قال: بالسدر تغلفين به رأسك. ذكره النسائي وعند أبي داود: فلا تجعلينه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار.

وسألته ﷺ خالة جابر بن عبد الله وقد طلقت: هل تخرج تجد نخلها؟ فقال: فجدي نخلك فإنك عسى أن تتصدقي أو تفعلي معروفا. ذكره مسلم.

فصل في فتواه صلى الله عليه وسلم في نفقة المعتدة وكسوتها

ثبت أن فاطمة بنت قيس طلقها زوجها ألبتة فخاصمته في السكنى والنفقة إلى رسول الله ﷺ قالت: فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة.

وفي السنن أن النبي ﷺ قال: يا بنت آل قيس إنما السكنى والنفقة على من كانت له رجعة. ذكره أحمد. وعنده أيضا: إنما السكنى والنفقة للمرأة على زوجها ما كانت له عليها رجعة فإذا لم يكن له عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى. وفي صحيح مسلم عنها: طلقني زوجي ثلاثا فلم يجعل لي رسول الله ﷺ سكنى ولا نفقة. وفي رواية لمسلم أيضا أن أبا عمرو بن حفص خرج مع علي كرم الله وجهه إلى اليمن فأرسل إلى امرأته بتطليقة بقيت من طلاقها وأمر عياش ابن أبي ربيعة والحارث بن هشام أن ينفقا عليها فقالا: والله ما لها نفقة إلا أن تكون حاملا فأتت النبي ﷺ فذكرت له قولهما فقال: لا نفقة لك فاستأذنته في الانتقال فأذن لها فقالت له: أين يا رسول الله؟ فقال: عند ابن أم مكتوم وكان أعمى تضع ثيابها عنده ولا يراها فلما مضت عدتها أنكحها النبي ﷺ أسامة بن زيد فأرسل إليها مروان قبيصة بن ذؤيب يسألها عن الحديث فحدثته فقال: لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها فقالت فاطمة حين بلغها قول مروان: بيني وبينكم القرآن قال تعالى: { لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن } الآية قالت: هذا لمن كانت له مراجعة فأي أمر يحدث بعد الثلاث؟

وأفتى النبي ﷺ بأن للنساء على الرجال رزقهن وكسوتهن بالمعروف. ذكره مسلم.

وسئل ﷺ: ما تقول في نسائنا؟ فقال: أطعموهن مما تأكلون واكسوهن مما تلبسون ولا تضربوهن ولا تقبحوهن. ذكره مسلم.

وسألته ﷺ هند امرأة أبي سفيان فقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم قال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف. متفق عليه.

ما تضمنته الفتوى السابقة

فتضمنت هذه الفتوى أمورا:

أحدها: أن نفقة الزوجة غير مقدرة بل المعروف ينفي تقديرها ولم يكن تقديرها معروفا في زمن رسول الله ﷺ ولا الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم.

الثاني: أن نفقة الزوجة من جنس نفقة الولد كلاهما بالمعروف.

الثالث: انفراد الأب بنفقة أولاده.

الرابع: أن الزوج أو الأب إذا لم يبذل النفقة الواجبة عليه فللزوجة والأولاد أن يأخذوا قدر كفايتهم بالمعروف.

الخامس: أن المرأة إذا قدرت على أخذ كفايتها من مال زوجها لم يكن لها إلى الفسخ سبيل.

السادس: أن ما لم يقدره الله ورسوله من الحقوق الواجبة فالمرجع فيه إلى العرف.

السابع: أن ذم الشاكي لخصمه بما هو فيه حال الشكاية لا يكون غيبة فلا يأثم به هو ولا سامعه بإقراره عليه.

الثامن: أن من منع الواجب عليه وكان سبب ثبوته ظاهرا فلمستحقه أن يأخذ بيده إذا قدر عليه كما أفتى به النبي ﷺ هندا وأفتى به ﷺ الضيف إذا لم يقره من نزل عليه كما في سنن أبي داود عنه ﷺ أنه قال: ليلة الضيف حق على كل مسلم فإن أصبح بفنائه محروما كان دينا عليه إن شاء اقتضاه وإن شاء تركه وفي لفظ: من نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه وإن كان سبب الحق خفيا لم يجز له ذلك كما أفتى النبي ﷺ في قوله: أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك.

وسأله ﷺ رجل: من أحق الناس بحسن صحابتي: قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أبوك متفق عليه زاد مسلم: ثم أدناك فأدناك.

قال الإمام أحمد: للأم ثلاثة أرباع البر وقال أيضا: الطاعة للأب وللأم ثلاثة أرباع البر. وعند الإمام أحمد قال: ثم الأقرب فالأقرب. وعند أبي داود أن رجلا سأل النبي ﷺ: من أبر؟ قال: أمك وأباك وأختك وأخاك ومولاك الذي يلي ذاك حق واجب ورحم موصولة.

فصل في الحضانة

قضى رسول الله ﷺ فيها خمس قضايا:

إحداها: قضى بابنة حمزة لخالتها وكانت تحت جعفر بن أبي طالب وقال: الخالة بمنزلة الأم فتضمن هذا القضاء أن الخالة مقام الأم في الاستحقاق وأن تزوجها لا يسقط حضانتها إذا كانت جارية.

القضية الثانية: أن رجلا جاء بابن له صغير لم يبلغ فاختصم فيه هو وأمه ولم تسلم الأم فأجلس رسول الله ﷺ الأب هاهنا وأجلس الأم هاهنا ثم خير الصبي وقال: اللهم اهده فذهب إلى أمه. ذكره أحمد.

القضية الثالثة: أن رافع بن سنان أسلم وأبت امرأته أن تسلم فأتت النبي ﷺ وقالت: ابنتي فطيم أو شبهه وقال رافع: ابنتي فقال رسول الله ﷺ: اقعد ناحية وقال لها: اقعدي ناحية فأقعد الصبية بينهما ثم قال: ادعواها فمالت إلى أمها فقال النبي ﷺ: اللهم اهدها فمالت إلى أبيها فأخذها. ذكره أحمد.

القضية الرابعة: جاءته امرأة فقالت: إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عتبة وقد نفعني فقال رسول الله ﷺ استهما عليه فقال زوجها: من يحاقني في ولدي؟ فقال النبي ﷺ هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت فأخذ بيد أمه فانطلقت به. ذكره أبو داود.

القضية الخامسة: جاءته ﷺ امرأة فقالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء وثدي له سقاء وحجري له حواء وإن أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني فقال لها: أنت أحق به ما لم تنكحي. ذكره أبو داود.

وعلى هذه القضايا الخمس تدور الحضانة وبالله التوفيق.

فصل من فتاويه صلى الله عليه وسلم في باب الدماء والجنايات

سئل ﷺ عن الآمر والقاتل فقال: قسمت النار سبعين جزءا فللآمر تسع وستون وللقاتل جزء. ذكره أحمد.

وجاءه رجل فقال: إن هذا قتل أخي قال: اذهب فاقتله كما قتل أخاك فقال له الرجل: اتق الله واعف عني فإنه أعظم لأجرك وخير لك يوم القيامة فخلى عنه فأخبر النبي فسأله فأخبره بما قال له فقال له: أما إنه خير مما هو صانع بك يوم القيامة تقول: يا رب، سل هذا فيم قتل أخي.

وجاءه ﷺ رجل بآخر قد ضرب ساعده بالسيف فقطعها من غير مفصل فأمر له بالدية فقال: أريد القصاص فقال: خذ الدية بارك الله لك فيها ولم يقض له بالقصاص. ذكره ابن ماجه.

وأفتى ﷺ بأنه إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الآخر يقتل الذي قتل ويحبس الذي أمسك. ذكره الدارقطني.

ورفع إليه ﷺ يهودي قد رض رأس جارية بين حجرين فأمر به أن يرض رأسه بين حجرين. متفق عليه.

وقضى ﷺ أن شبه العمد مغلظ مثل العمد ولا يقتل صاحبه. ذكره أبو داود.

وقضى ﷺ في الجنين يسقط من الضربة بغرة عبد أو أمة. ذكره أبو داود أيضا.

وقضى ﷺ في قتل الخطأ شبه العمد بمائة من الإبل: أربعون منها في بطونها أولادها. ذكره أبو داود.

وقضى ﷺ أن لا يقتل مسلم بكافر. متفق عليه.

وقضى ﷺ أن لا يقتل الوالد بالولد. ذكره الترمذي.

وقضى ﷺ أن يعقل المرأة عصبتها من كانوا ولا يرثون عنها إلا ما فضل عن ورثتها وإن قتلت فعقلها بين ورثتها فهم يقتلون قاتلها. ذكره أبو داود.

وقضى ﷺ أن الحامل إذا قتلت عمدا لم تقتل حتى تضع ما في بطنها وحتى تكفل ولدها وإن زنت حتى تضع ما في بطنها وحتى تكفل ولدها. ذكره ابن ماجه.

وقضى ﷺ أن من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يفدي وإما أن يقتل. متفق عليه.

وقضى ﷺ أن من أصيب بدم أو خبل والخبل: الجراح فهو بالخيار بين إحدى ثلاث فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه أن يقتل أو يعفو أو يأخذ الدية فمن فعل شيئا من ذلك فعاد فإن له نار جهنم خالدا مخلدا أبدا فيها يعني قتل بعد عفوه وأخذ الدية أو قتل غير الجاني.

وقضى ﷺ أن لا يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه. ذكره أحمد.

عن الدية

وقضى ﷺ في الأنف إذا أوعب جدعا بالدية وإذا جدعت أرنبته بنصف الدية.

وقضى ﷺ في العين بنصف الدية خمسين من الإبل أو عدلها ذهبا أو ورقا أو مائة بقرة أو ألف شاة وفي الرجل نصف العقل وفي اليد نصف العقل والمأمولة ثلث العقل والمنقلة خمس عشرة من الإبل والموضحة خمس من الإبل والأسنان خمس خمس. ذكره أحمد.

وقضى ﷺ أن الأسنان سواء: الثنية والضرس سواء. ذكره أبو داود.

وقضى ﷺ في دية أصابع اليدين والرجلين بعشر عشر. صححه الترمذي.

وقضى ﷺ في العين العوراء السادة لمكانها إذا طمست بثلث الدية وفي اليد الشلاء إذا قطعت ثلث ديتها. ذكره أبو داود.

وقضى ﷺ في اللسان بالدية وفي الشفتين بالدية وفي البيضتين بالدية وفي الذكر بالدية وفي الصلب بالدية وفي العينين بالدية وفى الرجل الواحدة نصف الدية وأن الرجل يقتل بالمرأة. ذكره النسائي.

وقضى ﷺ أن من قتل خطأ فديته مائة من الإبل: ثلاثون بنت مخاض وثلاثون بنت لبون وثلاثون حقة وعشرة ابن لبون. ذكره النسائي وعند أبي داود: عشرون حقة وعشرون جذعة وعشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن مخاض ذكر.

وقضى ﷺ أن من قتل متعمدا دفع إلى أولياء المقتول فإن شاءوا قتلوا وإن شاءوا أخذوا الدية وهي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة وما صولحوا عليه فهو لهم. ذكره الترمذي وحسنه.

وقضى ﷺ على أهل الإبل بمائة من الإبل وعلى أهل البقر بمائتي بقرة وعلى أهل الشاة ألفي شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة. ذكره أبو داود.

وقضى ﷺ أن عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى تبلغ الثلث من ديتها. ذكره مسلم.

وقضى ﷺ أن عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين. ذكره النسائي وعند الترمذي: عقل الكافر نصف عقل المؤمن حديث حسن يصحح مثله أكثر أهل الحديث.

وعند أبي داود: كانت قيمة الدية على عهد رسول الله ﷺ ثمانمائة دينار وثمانية آلاف درهم ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلم فلما كان عمر رفع دية المسلمين وترك دية أهل الذمة لم يرفعها فيما رفع من الدية.

وقضى ﷺ في جنين امرأة ضربتها أخرى بغرة عبد أو أمة ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت فقضى ﷺ أن ميراثها لبنيها وزوجها وأن العقل على عصبتها. متفق عليه.

وقضى ﷺ في امرأتين قتلت إحداهما الأخرى ولكل منهما زوج بالدية على عاقلة القاتلة وميراثها لزوجها وولدها فقال عاقلة المقتولة: ميراثها لنا يا رسول الله فقال ﷺ: لا ميراثها لزوجها وولدها. ذكره أبو داود.

وجاءه ﷺ عبد صارخ فقال: مالك؟ قال: سيدي رآني أقبل جارية له فجب مذاكيري فقال: علي بالرجل فطلب فلم يقدر عليه فقال: اذهب فأنت حر قال: على من نصرتي يا رسول الله؟ قال: على كل مؤمن أو مسلم. ذكره ابن ماجه.

وقضى رسول الله ﷺ بإبطال دية العاض لما انتزع المعضوض يده من فيه فأسقط ثنيته. متفق عليه.

وقضى ﷺ بأن من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فخذفوه ففقؤوا عينه بأنه لا جناح عليهم. متفق عليه. وعند مسلم: فقد حل لهم أن يفقؤوا عينه. وعند الإمام أحمد في هذا الحديث: فلا دية له ولا قصاص.

وقضى ﷺ أنه لا دية في المأمومة ولا الجائفة ولا المنقلة. ذكره ابن ماجه.

وجاءه ﷺ رجل يقود آخر بنسعة فقال: هذا قتل أخي فقال: كيف قتلته؟ قال: كنت أنا وهو نحتطب من شجرة فسبني فأغضبني فضربته بالفأس على قرنه فقتلته فقال: هل لك من شيء تؤديه عن نفسك؟ قال: ما لي إلا كسائي وفأسي قال: فترى قومك يشترونك؟ قال: أنا أهون على قومي من ذلك. فقال: دونك صاحبك فانطلق به فلما ولى قال رسول الله ﷺ: إن قتله فهو مثله، فرجع فقال: يا رسول الله بلغني أنك قلت: إن قتله فهو مثله وأخذته بأمرك، فقال: أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك؟ قال: يا نبي الله بلى، فرمى بنسعته وخلى سبيله. ذكره مسلم.

وقد أشكل هذا الحديث على من لم يحط بمعناه ولا إشكال فيه فإن قوله ﷺ: إن قتله فهو مثله لم يرد به أنه مثل في الإثم وإنما عنى به أنه إن قتله لم يبق عليه إثم القتل لأنه قد استوفى منه في الدنيا فيستوي هو والولي في عدم الإثم أما الولي فإنه قتله بحق وأما هو فلكونه قد اقتص منه. وأما قوله: تبوء بإثمك وإثم صاحبك فإثم الولي مظلمته بقتل أخيه وإثم المقتول إراقة دمه وليس المراد أنه يحمل خطاياك وخطايا أخيك. والله أعلم.

وهذه غير قصة الذي دفع إليه وقد قتل فقال: والله ما أردت قتله فقال: أما إنه إن كان صادقا فقتلته دخلت النار فخلاه الرجل. صححه الترمذي وإن كانت هي القصة فتكون هذه علة كونه إن قتله فهو مثله في المأثم والله أعلم.

فصل عن القسامة

وأقر ﷺ القسامة على ما كانت عليه قبل الإسلام وقضى بها بين ناس من الأنصار في قتيل ادعوه على اليهود. ذكره مسلم.

وقضى ﷺ في شأن محيصة بأن يقسم خمسون من أولياء القتيل على رجل من المتهمين به فيدفع برمته إليه فأبوا فقال: تبرئكم يهود بأيمان خمسين فأبوا فوداه رسول الله ﷺ بمائة من عنده. متفق عليه. وعند مسلم: بمائة من إبل الصدقة وعند النسائي: فقسم رسول الله ﷺ ديته عليهم وأعانهم بنصفها.

وقضى ﷺ أنه: لا تجني نفس على أخرى ولا يجني والد على ولده ولا ولد على والده والمراد: أنه لا يؤخذ بجنايته فلا تزر وازرة وزر أخرى.

وقضى ﷺ أن: من قتل في عميا أو رميا لكونه بينهم بحجر أو سوط فعقله عقل خطأ ومن قتل عمدا فقود يديه فمن حال بينه وبينه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. ذكره أبو داود.

وقضى ﷺ: أن المعدن جبار والعجماء جبار والبئر جبار. متفق عليه.

وفي قوله: المعدن جبار قولان:

أحدهما: أنه إذا استأجر من يحفر له معدنا فسقط عليه فقتله فهو جبار ويؤيد هذا القول اقترانه بقوله: البئر جبار والعجماء جبار.

والثاني: أنه لا زكاة فيه ويؤيد هذا القول اقترانه بقوله: وفي الركاز الخمس ففرق بين المعدن والركاز فأوجب الخمس في الركاز لأنه مال مجموع يؤخذ بغير كلفة ولا تعب وأسقطها عن المعدن لأنه يحتاج إلى كلفة وتعب في استخراجه. والله أعلم.

في حد الزنى

وسأله ﷺ رجل فقال: إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته فافتديت منه بمائة شاة وخادم وإنى سألت رجالا من أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام وأن على امرأة هذا الرجم فقال: والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله المائة والخادم رد عليك وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها فاعترفت فرجمها. متفق عليه.

وقضى ﷺ فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام وإقامة الحد عليه. ذكره البخاري.

وقضى ﷺ أن الثيب بالثيب جلد مائة ثم الرجم والبكر بالبكر جلد مائة ثم نفي سنة. ذكره مسلم.

وجاءه اليهود فقالوا: إن رجلا منهم وامرأة زنيا فقال لهم: ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون فقال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما بعدها وما قبلها فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك فرفع يده فإذا آية الرجم فقالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم فأمر بهما فرجما. متفق عليه.

ولأبي داود أن رجلا منهم وامرأة زنيا فقالوا: اذهبوا به إلى هذا النبي فإنه بعث بالتخفيف فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها منه واحتججنا بها عند الله وقلنا: إنها فتيا نبي من أنبيائك فأتوه وهو جالس في المسجد في الصحابة فقالوا: يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا؟ فلم يكلمهم بكلمة حتى أتى بيت مدراسهم فقام على الباب فقال: أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن؟ قالوا: يحمم ويجبه ويجلد والتجبية: أن يحمل الزانيان على حمار وتقابل أقفيتهما ويطاف بهما فسكت شاب منهم فلما رآه النبي ﷺ سكت نظر إليه وأنشده فقال: اللهم إذ أنشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم فقال النبي ﷺ: فما أول ما ارتخصتم أمر الله؟ قال: زنى ذو قرابة ملك من ملوكنا فأخر عنه الرجم ثم زنى رجل في أسرة من الناس فأراد رجمه فحال قومه دونه وقالوا: لا يرجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه فاصطلحوا على هذه العقوبة بينهم، فقال النبي ﷺ: فإني أحكم بما في التوراة فأمر بهما فرجما.

وعند أبي داود أيضا أنه دعا بالشهود فجاءه أربعة فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة.

وسأله ﷺ ماعز بن مالك أن يطهره وقال إني قد زنيت، فأرسل إلى قومه: هل تعلمون بعقله بأسا تنكرون منه شيئا؟ قالوا: ما نعلمه إلا أوفى العقل من صالحينا فيما نرى فأقر أربع مرات فقال له في الخامسة: أنكتها؟ قال: نعم قال: حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟ قال: نعم قال: كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟ قال: نعم قال: فهل تدري ما الزنى؟ قال: نعم أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا، قال: فما تريد بهذا القول؟ قال: أريد أن تطهرن،ي فأمر رجلا فاستنكهه ثم أمر به فرجم ولم يحفر له فلما وجد مس الحجارة فر يشتد حتى مر برجل معه لحي جمل فضربه وضربه الناس حتى مات فقال النبي ﷺ: هلا تركتموه وجئتموني به.

وفي بعض طرق هذه القصة أنه ﷺ قال له: شهدت على نفسك أربع مرات اذهبوا به فارجموه.

وفي بعضها: فلما شهد على نفسه أربع مرات دعاه النبي ﷺ قال: أبك جنون؟ قال: لا قال: هل أحصنت؟ قال: نعم قال: فاذهبوا به فارجموه.

وفي بعض طرقها أنه ﷺ سمع رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه: انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب فسكت عنهما ثم سار ساعة حتى مر بجيفة حمار شائل برجليه فقال: أين فلان وفلان؟ فقالا: نحن ذاك يا رسول الله فقال: انزلا وكلا من جيفة هذا الحمار، فقالا: يا نبي الله من يأكل هذا؟ قال: فما نلتما من عرض أخيكما آنفا أشد أكلا منه، والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها.

وفي بعض طرقها أنه ﷺ قال له: لعلك رأيت في منامك؟ لعلك استكرهت؟ وكل هذه الألفاظ صحيحة.

وفي بعضها أنه أمر فحفرت له حفيرة. ذكره مسلم، وهي غلط من رواية بشير بن المهاجر وإن كان مسلم قد روى له في الصحيح فالثقة قد يغلط، على أن أحمد وأبا حاتم الرازي قد تكلما فيه وإنما حصل إليهما من حفرة الغامدية فسرى إلى ماعز والله أعلم.

وجاءته ﷺ الغامدية فقالت: إني قد زنيت فطهرني وإنه رددها فقالت: ترددني كما رددت ماعزا فوالله إني لحبلى. فقال: اذهبي حتى تلدي فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة فقالت: هذا قد ولدته، فقال: اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه فلما فطمته أتته به وفي يده كسرة من خبز، فقالت: هذا قد فطمته وأكل الطعام فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها فأقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فنضح الدم على وجهه فسبها فسمع نبي الله ﷺ سبه إياها فقال: مهلا يا خالد فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت. ذكره مسلم.

وجاءه ﷺ رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدا فأقمه علي ولم يسأله عنه وحضرت الصلاة فصلى مع النبي ﷺ فقام إليه الرجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدا فأقم في كتاب الله قال: أليس قد صليت معنا؟ قال: نعم قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك أو قال حدك. متفق عليه.

وقد اختلف في وجه هذا الحديث فقالت طائفة: أقر بحد لم يسمه فلم يجب على الإمام استفصاله ولو سماه لحده كما حد ماعزا، وقالت طائفة: بل غفر الله له بتوبته والتائب من الذنب كمن لا ذنب له وعلى هذا فمن تاب من الذنب قبل القدرة عليه سقطت عنه حقوق الله تعالى كما تسقط عن المحارب، وهذا هو الصواب.

وسأله ﷺ رجل فقال: أصبت من امرأة قبلة فنزلت: { وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين } فقال الرجل: ألي هذه؟ فقال: بل لمن عمل بها من أمتي. متفق عليه.

وقد استدل به من يرى أن التعزير ليس بواجب وأن للإمام إسقاطه ولا دليل فيه فتأمله.

وخرجت امرأة تريد الصلاة فتجللها رجل فقضى حاجته منها فصاحت وفر ومر عليها غيره فأخذوه فظنت أنه هو وقالت: هذا الذي فعل بي فأتوا به النبي ﷺ فأمر برجمه فقام صاحبها الذي وقع عليها فقال: أنا صاحبها، فقال لها النبي ﷺ: اذهبي فقد غفر الله لك، وقال للرجل قولا حسنا، فقالوا: ألا ترجم صاحبها؟ فقال: لا، لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم. ذكره أحمد وأهل السنن ولا فتوى ولا حكم أحسن من هذا.

فإن قيل: كيف أمر برجم البريء؟

قيل: لو أنكر لم يرجمه ولكن لما أخذ وقالت: هو هذا ولم ينكر ولم يحتج عن نفسه فاتفق مجئ القوم به في صورة المريب وقول المرأة هذا هو وسكوته سكوت المريب، وهذه القرائن أقوى من قرائن حد المرأة بلعان الرجل وسكوتها فتأمله.

تأثير اللوث في الدماء وغيرها

وللوث تأثير في الدماء والحدود والأموال: أما الدماء ففي القسامة وأما الحدود ففي اللعان وأما الأموال ففي قصة الوصية في السفر فإن الله تعالى حكم بأنه إن اطلع على أن الشاهدين والوصيين ظلما وغدرا أن يحلف اثنان من الورثة على استحقاقهما ويقضي لهم وهذا هو الحكم الذي لاحكم غيره فإن اللوث إذا أثر في إراقة الدماء وإزهاق النفوس وفي الحدود فلأن يعمل به في المال بطريق الأولى والأحرى وقد حكم به نبي الله سليمان بن داود في النسب مع اعتراف المرأة أنه ليس بولدها بل هو ولد الأخرى فقال لها: هو ابنك ومن تراجم النسائي على قصته: التوسعة للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعله: أفعل كذا ليستبين به الحق ثم ترجم عليه ترجمة أخرى فقال: الحكم بخلاف ما يعترف به المحكوم عليه إذا تبين للحاكم أن الحق غير ما اعترف به وهذا هو العلم استنباطا ودليلا ثم ترجم عليه ترجمة ثالثة فقال: نقض الحاكم ما حكم به من هو مثله أو أجل منه.

قلت: وفيه رد لقول من قال يكون بينهما إجراء للنسب مجرى المال وفيه أن حكم الحاكم لا يزيل الشيء عن صفته في الباطن وفيه نوع لطيف شريف عجيب من أنواع العلم النافع وهو الاستدلال بقدر الله على شرعه فإن سليمان عليه السلام استدل بما قدره الله وخلقه في قلب الصغرى من الرحمة والشفقة بحيث أبت أن يشق الولد على أنه ابنها وقوى هذا الاستدلال رضى الأخرى بأن يشق الولد وقالت: نعم شقه وهذا قول لا يصدر من أم وإنما يصدر من حاسد يريد أن يتأسى بصاحب النعمة في زوالها عنه كما زالت عنه هو ولا أحسن من هذا الحكم وهذا الفهم وإذا لم يكن مثل هذا في الحاكم أضاع حقوق الناس وهذه الشريعة الكاملة طافحة بذلك.

الرأي في العمل بالسياسة

وجرت في ذلك مناظرة بين أبي الوفاء بن عقيل وبين بعض الفقهاء فقال ابن عقيل: العمل بالسياسة هو الحزم ولا يخلو منه إمام وقال الآخر: لا سياسة إلا ما وافق الشرع فقال ابن عقيل: السياسة ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يشرعه الرسول ﷺ ولا نزل به وحي فإن أردت بقولك: لا سياسة إلا ما وافق الشرع أي: لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح وإن أردت ما نطق به الشرع فغلط وتغليط للصحابة فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والمثل ما لا يجحده عالم بالسير ولو لم يكن إلا تحريق المصاحف كان رأيا اعتمدوا فيه على مصلحة وكذلك تحريق علي كرم الله وجهه الزنادقة في الأخاديد ونفي عمر نصر ابن حجاج.

قلت: هذا موضع مزلة أقدام ومضلة أفهام وهو مقام ضنك في معترك صعب فرط فيه طائفة فعطلوا الحدود وضيعوا الحقوق وجرؤوا أهل الفجور على الفساد وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد وسدوا على أنفسهم طرقا صحيحة من الطرق التي يعرف بها المحق من المبطل وعطلوا مع علمهم وعلم الناس بها أنها أدلة حق ظنا منهم منافاتها لقواعد الشرع والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة حقيقة الشريعة والتطبيق بين الواقع وبينها فلما رأى ولاة الأمر ذلك وأن الناس لا يستقيم أمرهم إلا بشيء زائد على ما فهمه هؤلاء من الشريعة فأحدثوا لهم قوانين سياسية ينتظم بها مصالح العالم فتولد من تقصير أولئك في الشريعة وإحداث هؤلاء ما أحدثوا من أوضاع سياستهم شر طويل وفساد عريض وتفاقم الأمر وتعذر استدراكه وأفرط فيه طائفة أخرى فسوغت منه ما يناقض حكم الله ورسوله وكلا الطائفتين أتيت من قبل تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله فإن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض فإذا ظهرت أمارات الحق وقامت أدلة العقل وأسفر صبحه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه ورضاه وأمره والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته وأماراته في نوع واحد وأبطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه وأدل وأظهر بل بين بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة الحق والعدل وقيام الناس بالقسط فأي طريق استخرج بها الحق ومعرفة العدل وجب الحكم بموجبها ومقتضاها والطرق أسباب ووسائل لا تراد لذواتها وإنما المراد غاياتها التي هي المقاصد ولكن نبه بما شرعه من الطرق على أسبابها وأمثالها ولن تجد طريقا من الطرق المثبتة للحق إلا وهي شرعة وسبيل للدلالة عليها وهل يظن بالشريعة الكاملة خلاف ذلك؟

السياسة العادلة جزء من أجزاء الشريعة

ولا نقول: إن السياسة العادلة مخالفة للشريعة الكاملة بل هي جزء من أجزائها وباب من أبوابها وتسميتها سياسة أمر اصطلاحي وإلا فإذا كانت عدلا فهي من الشرع فقد حبس رسول الله ﷺ في تهمة وعاقب في تهمة لما ظهرت أمارات الريبة على المتهم فمن أطلق كل منهم وخلى سبيله أو حلفه مع علمه باشتهاره بالفساد في الأرض ونقب الدور وتواتر السرقات - ولا سيما مع وجود المسروق معه - وقال: لا آخذه إلا بشاهدي عدل أو إقرار اختيار وطوع فقوله مخالف للسياسة الشرعية وكذلك منع النبي ﷺ الغال من الغنيمة سهمه وتحريق الخلفاء الراشدين متاعه ومنع المسئ على أمين سلب قتيله وأخذه شطر مال مانع الزكاة وإضعافه الغرم على سارق ما لا قطع فيه وعقوبته بالجلد وإضعافه الغرم على كاتم الضالة وتحريق عمر بن الخطاب حانوت الخمار وتحريقه قرية يباع فيها الخمر وتحريقه قصر سعد بن أبي وقاص لما احتجب فيه عن رعيته وحلقه رأس نصر بن حجاج ونفيه وضربه صبيغا بالدرة لما تتبع المتشابه فسأل عنه إلى غير ذلك من السياسة التي ساس بها الأمة فسارت سنة إلي يوم القيامة وإن خالفها من خالفها ولقد حد أصحاب النبي ﷺ في الزنى بمجرد الحبل وفي الخمر بالرائحة والقيء وهذا هو الصواب فإن دليل القيء والرائحة والحبل على الشرب والزنى أولى من البينة قطعا فكيف يظن بالشريعة إلغاء أقوى الدليلين.

ومن ذلك تحريق الصديق اللوطيَّ، وإلقاء أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه له من شاهق على رأسه.

ومن ذلك تحريق عثمان المصاحف المخالفة للمصحف الذي جمع الناس عليه وهو الذي بلسان قريش.

ومن ذلك تحريق الصديق الفجاءة السلمي.

ومن ذلك اختيار عمر رضي الله عنه للناس إفراد الحج وأن يعتمروا في غير أشهر الحج فلا يزال البيت الحرام معمورا بالحجاج والمعتمرين.

ومن ذلك منع عمر رضي الله عنه الناس من بيع أمهات الأولاد وقد باعوهن في حياة الرسول ﷺ وحياة أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه.

ومن ذلك إلزامه بالطلاق الثلاث لمن أوقعه بفم واحد عقوبة له كما صرح هو بذلك وإلا فقد كان على عهد رسول لله ﷺ وأبي بكر وصدرا من إمارته هو يجعل واحدة.

إلى أضعاف ذلك من السياسات العادلة التي ساسوا بها الأمة وهي مشتقة من أصول الشريعة وقواعدها.

تقسيم الدين إلى شريعة وسياسة أو إلى شريعة وحقيقة

وتقسيم بعضهم طرق الحكم إلى شريعة وسياسة كتقسيم غيرهم الدين إلى شريعة وحقيقة وكتقسيم آخرين الدين إلى عقل ونقل وكل ذلك تقسيم باطل بل السياسة والحقيقة والطريقة والعقل كل ذلك ينقسم إلى قمسين: صحيح وفاسد فالصحيح قسم من أقسام الشريعة لا قسيم لها والباطل ضدها ومنافيها. وهذا الأصل من أهم الأصول وأنفعها وهو مبني على حرف واحد وهو عموم رسالته ﷺ بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم وأعمالهم وأنه لم يحوج أمته إلى أحد بعده وإنما حاجتهم إلى من يبلغهم عنه ما جاء به فلرسالته عمومان محفوظان لا يتطرق إليهما تخصيص: عموم بالنسبة إلى المرسل إليهم وعموم بالنسبة إلى كل ما يحتاج من بعث إليه من أصول الدين وفروعه فرسالته كافية شافية عامة لا تحوج إلى سواها ولا يتم الإيمان به إلا بإثبات عموم رسالته في هذا وهذا فلا يخرج أحد من المكلفين عن رسالته ولا يخرج نوع من أنواع الحق الذي تحتاج إليه الأمة في علومها وأعمالها عما جاء به.

لم يتوف الرسول صلى الله عليه وسلم إلا وذكر من كل شئ علما

وقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر للأمة منه علما وعلمهم كل شيء حتى آداب التخلي وآداب الجماع والنوم والقيام والقعود والأكل والشرب والركوب والنزول والسفر والإقامة والصمت والكلام والعزلة والخلطة والغنى والفقر والصحة والمرض وجميع أحكام الحياة والموت ووصف لهم العرش والكرسي والملائكة والجن والنار والجنة ويوم القيامة وما فيه حتى كأنه رأي عين.

وعرفهم معبودهم وإلههم أتم تعريف حتى كأنهم يرونه ويشاهدونه بأوصاف كماله ونعوت جلاله.

وعرفهم الأنبياء وأممهم وما جرى لهم وما جرى عليهم معهم حتى كأنهم كانوا بينهم وعرفهم من طرق الخير والشر دقيقها وجليلها ما لم يعرفه نبي لأمته قبله.

وعرفهم ﷺ من أحوال الموت وما يكون بعده في البرزخ وما يحصل فيه من النعيم والعذاب للروح والبدن ما لم يعرف به نبي غيره.

وكذلك عرفهم ﷺ من أدلة التوحيد والنبوة والمعاد والرد على جميع فرق أهل الكفر والضلال ما ليس لمن عرفه حاجة من بعده اللهم إلا إلى من يبلغه إياه ويبينه ويوضح منه ما خفي عليه.

وكذلك عرفهم ﷺ من مكائد الحروب ولقاء العدو وطرق النصر والظفر ما لو علموه وعقلوه ورعوه حق رعايته لم يقم لهم عدو أبدا.

وكذلك عرفهم ﷺ من مكايد إبليس وطرقه التي يأتيهم منها وما يتحرزون به من كيده ومكره وما يدفعون به شره ما لا مزيد عليه.

وكذلك عرفهم ﷺ من أحوال نفوسهم وأوصافها ودسائسها وكمائنها ما لا حاجة لهم معه إلى سواه وكذلك عرفهم ﷺ من أمور معايشهم ما لو علموه وعملوه لاستقامت لهم دنياهم أعظم استقامة.

جاء الرسول صلى الله عليه وسلم بخير الدنيا والآخرة

وبالجملة فجاءهم بخير الدنيا والآخرة برمته ولم يحوجهم الله إلى أحد سواه فكيف يظن إن شريعته الكاملة التي ما طرق العالم شريعة أكمل منها ناقصة تحتاج إلى سياسة خارجة عنها تكملها أو إلى قياس أو حقيقة أو معقول خارج عنها؟ ومن ظن ذلك فهو كمن ظن أن بالناس حاجة إلى رسول آخر بعده وسبب هذا كله خفاء ما جاء به على من ظن ذلك وقلة نصيبه من الفهم الذي وفق الله له أصحاب نبيه الذين اكتفوا بما جاء به واستغنوا به عما سواه وفتحوا به القلوب والبلاد وقالوا: هذا عهد نبينا إلينا وهو عهدنا إليكم. وقد كان عمر رضي الله عنه يمنع من الحديث عن رسول الله ﷺ خشية أن يشتغل الناس به عن القرآن فكيف لو رأى اشتغال الناس بآرائهم وزبد أفكارهم وزبالة أذهانهم عن القرآن والحديث؟ فالله المستعان.

وقد قال الله تعالى: { أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون } وقال تعالى: { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين } وقال تعالى: { يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين } وكيف يشفي ما في الصدور كتاب لا يفي وهو ما تبينه السنة بعشر معشار الشريعة؟ أم كيف يشفي ما في الصدور كتاب لا يستفاد منه اليقين في مسألة واحدة من مسائل معرفة الله وأسمائه وصفاته وأفعاله؟ أو عامتها ظواهر لفظية دلالتها موقوفة على انتفاء عشرة أمور لا يعلم انتفاؤها سبحانك هذا بهتان عظيم!

ويالله العجب! كيف كان الصحابة والتابعون قبل وضع هذه القوانين التي أتى الله بنيانها من القواعد وقبل استخراج هذه الآراء والمقاييس والأوضاع؟ أهل كانوا مهتدين مكتفين بالنصوص أم كانوا على خلاف ذلك؟ حتى جاء المتأخرون فكانوا أعلم منهم وأهدى وأضبط للشريعة منهم وأعلم بالله وأسمائه وصفاته وما يجب له وما يمتنع عليه منهم؟ فوالله لأن يلقى الله عبده بكل ذنب ما خلا الإشراك لخير من أن يلقاه بهذا الظن الفاسد والاعتقاد الباطل.

فصل من كلام الإمام أحمد في السياسة الشرعية

وهذه نبذة يسيرة من كلام الإمام أحمد رحمه الله في السياسة الشرعية:

قال في رواية المروزي وابن منصور: والمخنث ينفى لأنه لا يقع منه إلا الفساد والتعرض له وللإمام نفيه إلى بلد يأمن فساد أهله وإن خاف به عليهم حبسه.

وقال في رواية حنبل فيمن شرب خمرا في نهار رمضان أو أتى شيئا نحو هذا: أقيم الحد عليه وغلظ عليه مثل الذي يقتل في الحرم دية وثلث.

وقال في رواية حرب: إذا أتت المرأة المرأة تعاقبان وتؤدبان.

وقال أصحابنا: إذا رأى الإمام تحريق اللوطي بالنار فله ذلك لأن خالد ابن الوليد كتب إلى أبي بكر رضي الله عنه أنه وجد في بعض نواحي العرب رجلا ينكح كما تنكح المرأة فاستشار أصحاب النبي ﷺ وفيهم أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه وكان أشدهم قولا فقال: إن هذا الذنب لم تعص الله به أمة من الأمم إلا واحدة فصنع الله بهم ما قد علمتم أرى أن يحرقوه بالنار فأجمع رأي أصحاب رسول الله ﷺ على أن يحرقوه بالنار فكتب أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى خالد بن الوليد رضي الله عنهما بأن يحرقوا فحرقهم ثم حرقهم ابن الزبير ثم حرقهم هشام بن عبد الملك.

ونص الإمام أحمد رضي الله عنه فيمن طعن على الصحابة أنه قد وجب على السلطان عقوبته وليس للسلطان أن يعفو عنه بل يعاقبه ويستتيبه فإن تاب وإلا أعاد العقوبة.

وصرح أصحابنا في أن النساء إذا خيف عليهم المساحقة حرم خلوة بعضهن ببعض وصرحوا بأن من أسلم وتحته أختان فإنه يجبر على اختيار إحداهما فإن أبى ضرب حتى يختار.

قالوا: وهكذا كل من وجب عليه حق فامتنع من أدائه فإنه يضرب حتى يؤديه.

وأما كلام مالك وأصحابه في ذلك فمشهور.

وأبعد الناس من الأخذ بذلك الشافعي رحمه الله تعالى مع أنه اعتبر قرائن الأحوال في أكثر من مائة موضع وقد ذكرنا منها كثيرا في غير هذا الكتاب منها جواز وطء الرجل المرأة ليلة الزفاف وإن لم يرها ولم يشهد عدلان أنها امرأته بناء على القرائن ومنها قبول الهدية التي يوصلها إليه صبي أو عبد أو كافر وجواز أكلها والتصرف فيها وإن لم يشهد عدلان أن فلانا أهدى لك كذا بناء على القرائن ولا يشترط تلفظ الرسول بلفظ الهبة والهدية ومنها جواز تصرفه في بابه بقرع حلقته ودقه عليه وإن لم يستأذنه في ذلك ومنها استدعاء المستأجر للدار والبستان لمن شاء من أصحابه وضيوفه وإنزالهم عنده مدة وإن لم يستأذنه نطقا وإن تضمن ذلك تصرفهم في منفعة الدار وإشغالهم الكنيف وإضعافهم السلم ونحوه ومنها جواز الإقدام على الطعام إذا وضعه بين يديه وإن لم يصرح له بالإذن لفظا ومنها جواز شربه من الإناء وإن لم يقدمه إليه ولا يستأذنه ومنها جواز قضاء حاجته في كنيفه وإن لم يستأذنه ومنها جواز الاستناد إلى وسادته ومنها أخذ ما ينبذه رغبة عنه من الطعام وغيره وإن لم يصرح بتمليكه له ومنها انتفاعه بفراش زوجته ولحافها ووسادتها وآنيتها وإن لم يستأذنها نطقا إلى أضعاف أضعاف ذلك.

وهل السياسة الشرعية إلا من هذا الباب وهي الاعتماد على القرائن التي تفيد القطع تارة والظن الذي هو أقوى من ظن الشهود بكثير تارة؟ وهذا باب واسع وقد تقدم التنبيه عليه مرارا ولا يستغني عنه المفتي والحاكم.

فصل رجوع إلى فتاوى النبي صلى الله عليه وسلم وهي في الأطعمة

فلنرجع إلى فتاوى رسول الله ﷺ وذكر طرف من فتاويه في الأطعمة.

وسئل ﷺ عن الثوم: أحرام هو؟ قال: لا ولكني أكرهه من أجل رائحته. ذكره مسلم.

وسأله ﷺ أبو أيوب: ألا يحل لنا البصل؟ فقال: بلى ولكني يغشاني ما لا يغشاكم. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ عن الضب أحرام هو؟ فقال: لا ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه. متفق عليه.

وسئل ﷺ عن السمن والجبن والفراء فقال: الحلال ما أحله الله في كتابه والحرام ما حرمه الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه. ذكره ابن ماجه.

وسئل ﷺ عن الضبع فقال: أويأكل الضبع أحد؟ وسئل ﷺ عن الذئب فقال: أويأكل الذئب أحد فيه خير؟ ذكره الترمذي. وعند ابن ماجه قال: قلت: يا رسول الله ما تقول في الضبع؟ قال: ومن يأكل الضبع؟ وإن صح حديث جابر في إباحة الضبع فإن في القلب منه شيئا كأن هذا الحديث يدل على ترك أكله تقذرا أو تنزها، والله أعلم.

وسألته ﷺ عائشة رضي الله عنها فقالت: إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا فقال: سموا أنتم وكلوا. ذكره البخاري.

وسأله ﷺ رجل فقال: أنأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله؟ فأنزل الله: { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } إلى آخر الآية هكذا. ذكره أبو داود وأن الذي سأل هذا السؤال هم اليهود والمشهور في هذه القصة أن المشركين هم الذين أوردوا هذا السؤال وهو الصحيح ويدل عليه كون السورة مكية وكون اليهود يحرمون الميتة كما يحرمها المسلمون فكيف يوردون هذا السؤال وهم يوافقون على هذا الحكم؟ ويدل عليه أيضا قوله: { وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم } فهذا سؤال مجادل في ذلك واليهود لم تكن تجادل في هذا. وقد رواه الترمذي بلفظ ظاهره أن بعض المسلمين سأل هذا السؤال ولفظه: أتى ناس إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله أنأكل مما نقتل ولانأكل مما قتل الله؟ فأنزل الله تعالى: { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه } إلى قوله: { وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } وهذا لا يناقض كون المشركين هم الذين أوردوا هذا السؤال فسأل عنه المسلمون رسول الله ﷺ. ولا أحسب قوله إن اليهود سألوا عن ذلك إلا وهما من أحد الرواة والله أعلم.

وسأله ﷺ رجل فقال: يا رسول الله إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي فحرمت علي اللحم فأنزل الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين * وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا }. ذكره الترمذي.

وسأله ﷺ أبو ثعلبة الخشني رضي الله عنه فقال: إن أرضنا أرض أهل كتاب وإنهم يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم؟ فقال ﷺ: إن لم تجدوا غيرها فارحضوها واطبخوا فيها واشربوا. قال: قلت يا رسول الله ما يحل لنا وما يحرم علينا؟ قال: لا تأكلوا لحم الحمر الإنسية ولا يحل كل ذي ناب من السباع. ذكره أحمد.

وقد ثبت عنه في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أنه قال: أكل كل ذي ناب من السباع حرام. وهذان اللفظان يبطلان قول من تأول نهيه عن أكل كل ذي ناب من السباع بأنه نهي كراهة فإنه تأويل فاسد قطعا وبالله التوفيق.

عن الذكاة والصيد

وسئل ﷺ: أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة؟ فقال: لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك. ذكره أبو داود وقال: هذا ذكاة المتردي. وقال يزيد ابن هارون: هذا للضرورة. وقيل هو في غير المقدور عليه.

وسئل ﷺ عن الجنين يكون في بطن الناقة أو البقرة أو الشاة أنلقيه أم نأكله؟ فقال: كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه. ذكره أحمد. وهذا يبطل تأويل من تأول الحديث أنه يذكى كما تذكى أمه ثم يؤكل فإنه أمرهم بأكله وأخبر أن ذكاة أمة ذكاة له وهذا لأنه جزء من أجزائها فلم يحتج إلى أن يفرد بذبح كسائر أجزائها.

وسأله ﷺ رافع بن خديج فقال: إنا لاقو العدو غدا وليست معنا مدى أفنذكي بالليطة؟ فقال النبي ﷺ: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل إلا ما كان من سن أو ظفر فإن السن عظم والظفر مدى الحبشة. متفق عليه. والليطة: الفلقة من القصب.

وسأله ﷺ عدي بن حاتم رضي الله عنه فقال: إن أحدنا ليصيب الصيد وليس معه سكين أيذبح بالمروة وشقة العصا؟ فقال رسول الله ﷺ: أمر الدم واذكر اسم الله. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ عن شاة حل بها الموت فأخذت جارية حجرا فذبحتها به فأمر النبي ﷺ بأكلها. ذكره البخاري.

وسئل ﷺ عن شاة نيب فيها الذئب فذبحوها بمروة فرخص لهم في أكلها. ذكره النسائي.

وسئل ﷺ عن أكل الحوت الذي جزر البحر عنه فقال: كلوا رزقا أخرجه الله لكم وأطعمونا إن كان معكم. متفق عليه.

وسأله ﷺ أبو ثعلبة الخشني فقال: إنا بأرض صيد أصيد بقوسي وبكلبي المعلم وبكلبي الذي ليس بمعلم فما يصلح لي؟ فقال: ما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل. متفق عليه. وهو صريح في اشتراط التسمية لحل الصيد ودلالته على ذلك أصرح من دلالته على تحريم صيد غير المعلم.

وسأله ﷺ عدي بن حاتم فقال: إني أرسل كلابي المعلمة فيمسكن علي وأذكر اسم الله، فقال: إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك، قلت: وإن قتلن؟ قال: وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس منها، قلت: فإني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب فقال: إذا رميت بالمعراض فخزق [19] فكله وإن أصابه بعرضه فلا تأكله. متفق عليه.

وفي بعض ألفاظ هذا الحديث: إلا أن يأكل الكلب فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره.

وفي بعض ألفاظه: إذا أرسلت كلبك المكلب فاذكر اسم الله فإن أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله فإن أخذ الكلب ذكاته.

وفي بعض ألفاظه: إذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله وفيه: فإن غاب عنك اليومين أو الثلاثة ولم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت فإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك.

وسأله ﷺ أبو ثعلبة الخشني فقال: يا رسول الله إن لي كلابا مكلبة فأفتني في صيدها فقال: إن كانت لك كلاب مكلبة فكل مما أمسكت عليك فقال: يا رسول الله: ذكي أو غير ذكي؟ قال: ذكي وغير ذكي قال: وإن أكل منه؟ قال: وإن أكل منه قال: يا رسول الله أفتني في قوسي قال: كل ما أمسكت عليك قوسك قال: ذكي وغير ذكي؟ قال: ذكي وغير ذكي قال: وإن تغيب عني؟ قال: وإن تغيب عنك ما لم يصل يعني يتغير أو تجد فيه أثرا غير أثر سهمك. ذكره أبو داود. ولا يناقض هذا قوله لعدي بن حاتم: وإن أكل منه فلا تأكل فإن حديث عدي فيما أكل منه حال صيده إذ يكون ممسكا على نفسه وحديث أبي ثعلبة فيما أكل منه بعد ذلك فإنه يكون قد أمسك على صاحبه ثم أكل منه بعد ذلك وهذا لا يحرم كما لو أكل مما ذكاه صاحبه.

وسئل ﷺ عن الذي يدرك صيده بعد ثلاث فقال: كله ما لم ينتن. ذكره مسلم.

وسأله ﷺ أهل بيت كانوا في الحرة محتاجين ماتت عندهم ناقة لهم أو لغيرهم فرخص لهم في أكلها فعصمتهم بقية شتائهم. ذكره أحمد.

وعند أبي داود أن رجلا نزل بالحرة ومعه أهله وولده فقال له رجل: إن لي ناقة قد ضلت فإن وجدتها فأمسكها فوجدها فلم يجد صاحبها فمرضت فقالت امرأته: انحرها فأبى فنفقت فقالت: اسلخها حتى نقدد شحمها ولحمها نأكله فقال: حتى أسأل رسول الله ﷺ فأتاه فسأله فقال له: هل عندك ما يغنيك؟ فقال: لا قال: فكلوه قال: فجاء صاحبها فأخبره الخبر فقال: هلا كنت نحرتها؟ قال: استحييت منك. وفيه دليل على جواز إمساك الميتة للمضطر.

وسأله ﷺ رجل فقال: من الطعام طعام نتحرج منه فقال: لا يختلجن في نفسك شيء ضارعت فيه النصرانية. ذكره أحمد. ومعناه والله أعلم النهي عما شابه طعام النصارى يقول: لا تشكن فيه بل دعه، فأجابه بجواب عام وخص النصارى دون اليهود لأن النصارى لا يحرمون شيئا من الأطعمة بل يبيحون ما دب ودرج من الفيل إلى البعوض.

وسأله ﷺ عقبة بن عامر فقال: إنك تبعثنا فننزل بقوم لا يقروننا فما ترى؟ فقال: إن نزلتم بقوم فأمروا لكم ما ينبغي للضيف فاقبلوا فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم. ذكره البخاري. وعند الترمذي: إنا نمر بقوم فلا يضيفوننا ولا يؤدون ما لنا عليهم من الحق ولا نحن نأخذ منهم فقال: إن أبوا إلا أن تأخذوا قرى فخذوه وعند أبي داود: ليلة الضيف حق على كل مسلم فإن أصبح بفنائه محروما كان دينا عليه إن شاء اقتضاه وإن شاء تركه وعنده أيضا: من نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه.

وهو دليل على وجوب الضيافة وعلى أخذ الإنسان نظير حقه ممن هو عليه إذا أبى دفعه وقد استدل به في مسألة الظفر ولا دليل فيه لظهور سبب الحق هاهنا فلا يتهم الآخذ كما تقدم في قصة هند مع أبي سفيان.

وسأله ﷺ عوف بن مالك فقال: الرجل أمر به فلا يقريني ولا يضيفني ثم يمر بي أفأجزيه؟ قال: لا بل اقره قال: ورآني - يعني النبي ﷺ - رث الثياب فقال: هل لك من مال؟ قال: قلت: من كل المال قد أعطاني الله من الإبل والغنم قال: فلير عليك. ذكره الترمذي.

وسئل ﷺ عن جائزة الضيف فقال: يومه وليلته والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه. متفق عليه.

فصل عن العقيقة

وسئل ﷺ عن العقيقة وكان كره الاسم وقال: من ولد له مولود فأحب أن ينسك عنه فليفعل. ذكره أحمد. وعنده أيضا أنه سئل ﷺ عن العقيقة فقال: لا يحب الله العقوق كأنه كره الاسم قالوا: يا رسول الله إنما نسألك عن أحدنا يولد له ولد قال: من يولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فلينسك عن الغلام شاتين متكافئتين وعن الجارية شاة.

فصل عن الأشربة

وسأله ﷺ رجل فقال: لا أروى من نفس واحدة قال: فأبن القدح عن فيك ثم تنفس قال: فإني أرى القذاة فيه قال: فأهرقها. ذكره مالك. وعند الترمذي أنه ﷺ نهى عن النفخ في الشراب فقال رجل: القذاة أراها في الإناء. قال: أهرقها قال: إني لا أروى من نفس واحدة قال: فأبن القدح إذن عن فيك. حديث صحيح.

وسئل ﷺ عن البتع فقال: كل شراب أسكر فهو حرام. متفق عليه.

وسأله ﷺ أبو موسى فقال: يا رسول الله أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن: البتع وهو من العسل ينبذ حتى يشتد والمزر وهو من الذرة والشعير ينبذ حتى يشتد؟ فقال: كل مسكر حرام. متفق عليه.

وسأله ﷺ طارق بن سعيد عن الخمر فنهاه أن يصنعها فقال: إنما أصنعها للدواء فقال: إنه ليس بدواء ولكنه داء.

وسأله ﷺ رجل من اليمن عن شراب بأرضهم يقال له: المزر قال: أمسكر هو؟ قال: نعم فقال رسول الله ﷺ: كل مسكر حرام وإن على الله عهدا لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال قالوا: يا رسول الله وما طينة الخبال؟ قال: عرق أهل النار أو قال: عصارة أهل النار.

وسأله ﷺ رجل من عبد قيس فقال: يا رسول الله ما ترى في شراب نصنعه في أرضنا من ثمارنا؟ فأعرض عنه حتى سأله ثلاث مرات حتى قام يصلي فلما قضى صلاته قال: لا تشربه ولا تسقه أخاك المسلم فوالذي نفسي بيده أو والذي يحلف به لا يشربه رجل ابتغاء لذة سكر فيسقيه الله الخمر يوم القيامة. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ عن الخمر تتخذ خلا؟ قال: لا. ذكره مسلم.

وسأله ﷺ أبو طلحة عن أيتام ورثوا خمرا فقال: أهرقها قال: أفلا نجعلها خلا؟ قال: لا. ذكره أحمد. وفي لفظ أن يتيما كان في حجر أبي طلحة فاشترى له خمرا فلما حرمت الخمر سأل النبي ﷺ: أيتخذها خلا؟ قال: لا.

وسأله ﷺ قوم فقالوا إنا ننتبذ نبيذا نشربه على غدائنا وعشائنا، وفي رواية: على طعامنا. فقال: اشربوا واجتنبوا كل مسكر، فأعادوا عليه فقالوا: إن الله نهاكم عن قليل ما أسكر وكثيره. ذكره الدارقطني.

وسأله ﷺ عبد الله بن فيروز الديلمي عن أبيه رضي الله عنهما فقال: إنا أصحاب أعناب وكرم وقد نزل تحريم الخمر فما نصنع بهذا؟ قال: تتخذونه زبيبا قال: نصنع بالزبيب ماذا؟ قال: تنقعونه على غذائكم وتشربونه على عشائكم وتنقعونه على عشائكم وتشربونه على غدائكم قال: قلت: يا رسول الله نحن ممن قد علمت ونحن بين ظهراني من قد علمت فمن ولينا؟ فقال: الله ورسوله قال: حسبي يا رسول الله.

فصل في طرف من فتاويه صلى الله عليه وسلم في الأيمان والنذور

وسأله ﷺ سعد بن أبي وقاص فقال: يا رسول الله إني حلفت باللات والعزى وإن العهد كان قريبا فقال: قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له ثلاثا ثم انفث عن يسارك ثلاثا ثم تعوذ ولا تعد. ذكره أحمد.

ولما قال ﷺ: من اقتطع حق امرىء مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار سألوه ﷺ: وإن كان شيئا يسيرا؟ قال: وإن كان قضيبا من أراك. ذكره مسلم.

وأعتم رجل عند النبي ﷺ ثم رجع إلى أهله فوجد الصبية قد ناموا فأتاه أهله بطعام فحلف: لا يأكل من أجل الصبية ثم بدا له فأكل فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له فقال: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأتها وليكفر عن يمينه. ذكره مسلم.

وسأله ﷺ مالك بن فضالة فقال: يا رسول الله أرأيت ابن عم لي آتيه أسأله فلا يعطيني ولا يصلني ثم يحتاج إلي فيأتيني فيسألني وقد حلفت ألا أعطيه ولا أصله؟ قال: فأمرني أن أتي الذي هو خير وأكفر عن يميني.

وخرج سويد بن حنظلة ووائل بن حجر يريدان رسول الله ﷺ مع قومهما فأخذ وائلا عدو له فتحرج القوم أن يحلفوا أنه أخوهم وحلف سويد أنه أخوه فخلوا سبيله فسأل رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: أنت أبرهم وأصدقهم المسلم أخو المسلم. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ عن رجل نذر: أن يقوم في الشمس ولا يقعد ويصوم ولا يفطر بنهاره ولا يستظل ولا يتكلم فقال: مروه فليستظل وليتكلم وليقعد وليتم صومه. ذكره البخاري.

وفيه دليل على تفريق الصفقة في النذر وأن من نذر قربة صح النذر في القربة وبطل في غير القربة وهكذا الحكم في الوقف سواء.

وسأله ﷺ عمر رضي الله عنه فقال: إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال: أوف بنذرك. متفق عليه. وقد احتج به من يرى جواز الاعتكاف من غير صوم ولا حجة فيه لأن فيه بعض ألفاظ الحديث: أن أعتكف يوما أو ليلة ولم يأمره بالصوم إذ الاعتكاف المشروع إنما هو إعتكاف الصائم فيحمل اللفظ المطلق على المشروع.

وسئل ﷺ عن امرأة نذرت أن تمشي إلى بيت الله الحرام حافية غير مختمرة فأمرها أن تركب وتختمر وتصوم ثلاثة أيام. ذكره أحمد.

وفي الصحيحين عن عقبة بن عامر قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله الحرام حافية فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله ﷺ فاستفتيته فقال: لتمش ولتركب. وعند الإمام أحمد أن أخت عقبة نذرت أن تحج ماشية وأنها لا تطيق ذلك فقال النبي ﷺ: إن الله لغني عن مشي أختك فلتركب ولتهد بدنة.

ونظر وهو يخطب إلى أعرابي قائم في الشمس فقال: ما شأنك؟ قال: نذرت أن لا أزال في الشمس حتى يفرغ رسول الله ﷺ من الخطبة فقال رسول الله ﷺ: ليس هذا نذرا إنما النذر فيما ابتغي به وجه الله. ذكره أحمد.

ورأى رسول الله ﷺ شيخا يهادى بين ابنيه فقال: ما بال هذا؟ فقالوا: نذر أن يمشي فقال: إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه وأمره أن يركب. متفق عليه.

ونظر إلى رجلين مقترنين يمشيان إلى البيت فقال: ما بال القران؟ قالوا: يا رسول الله نذرنا أن نمشي إلى البيت مقترنين فقال: ليس هذا نذرا إنما النذر فيما ابتغي به وجه الله. ذكره أحمد.

هل تجوز النيابة في عمل الطاعات

وسألته ﷺ امرأة فقالت: إن أمي توفيت وعليها نذر صيام فتوفيت قبل أن تقضيه فقال: ليصم عنها الولي. ذكره ابن ماجه.

وصح عنه ﷺ أنه قال: من مات وعليه صيام صام عنه وليه.

فطائفة حملت هذا على عمومه وإطلاقه وقالت: يصام عنه النذر والفرض وأبت طائفة ذلك وقالت: لا يصام عنه نذر ولا فرض.

وفصلت طائفة فقالت: يصام عنه النذر دون الفرض الأصلي. وهذا قول ابن عباس وأصحابه والإمام أحمد وأصحابه، وهو الصحيح لأن فرض الصيام جار مجرى الصلاة فكما لا يصلي أحد عن أحد ولا يسلم أحد عن أحد فكذلك الصيام؛ وأما النذر فهو التزام في الذمة بمنزلة الدين فيقبل قضاء الولي له كما يقضي دينه وهذا محض الفقه.

وطرد هذا أنه لا يحج عنه ولا يزكى عنه إلا إذا كان معذورا بالتأخير كما يطعم الولي عمن أفطر في رمضان لعذر.

فأما المفرط من غير عذر أصلا فلا ينفعه أداء غيره عنه لفرائض الله تعالى التي فرط فيها وكان هو المأمور بها ابتلاء وامتحانا دون الولي فلا تنفع توبة أحد عن أحد ولا إسلامه عنه ولا أداء الصلاة عنه ولا غيرها من فرائض الله تعالى التي فرط فيها حتى مات والله أعلم.

وسألته ﷺ امرأة فقالت: إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف فقال: أوفي بنذرك قالت: إني نذرت أن أذبح مكان كذا وكذا مكان يذبح فيه أهل الجاهلية قال: لصنم؟ قالت: لا قال: لوثن؟ قالت: لا قال: أوفي بنذرك. ذكره أبو داود.

وسأله ﷺ رجل فقال: إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة فقال النبي ﷺ: كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا قال: أوف بنذرك فإنه لا وفاء بالنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم. ذكره أبو داود.

فصل في طرف من فتاويه صلى الله عليه وسلم في الجهاد

سئل عن قتال الأمراء الظلمة فقال: لا ما أقاموا الصلاة. وقال: خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم. قالوا: أفلا ننابذهم؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة؛ لا، ما أقاموا فيكم الصلاة. ثم قال ﷺ: ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعته. ذكره مسلم.

وقال: يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع. قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا. ذكره مسلم. وزاد أحمد: ما صلوا الخمس.

وسأله ﷺ رجل فقال: أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعوننا حقنا ويسألونا حقهم؟ قال: اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم. ذكره الترمذي.

وقال: إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها قالوا: فما تأمرنا من أدرك ذلك؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم. متفق عليه.

وسأله ﷺ رجل فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد قال: لا أجده، ثم قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر؟ قال: ومن يستطيع ذلك؟ فقال: مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله. ذكره مسلم.

وسئل ﷺ أي الناس أفضل؟ قال: مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله قال: ثم من؟ قال: رجل في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره. متفق عليه.

وسأله ﷺ رجل فقال: يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله وأنا صابر محتسب مقبل غير مدبر يكفر الله عني خطاياي؟ قال: نعم ثم قال: كيف قلت؟ فرد عليه كما قال فقال: نعم فكيف قلت؟ فرد عليه القول أيضا فقال: أرأيت يا رسول الله إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر يكفر الله عني خطاياي؟ قال: نعم، إلا الدين فإن جبريل سارني بذلك. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة. ذكره النسائي.

وسئل ﷺ أي الشهداء أفضل عند الله تعالى؟ قال: الذين يلقون في الصف لا يلفتون وجوههم حتى يقتلوا أولئك ينطلقون في الغرف العلى من الجنة ويضحك إليهم ربك تعالى وإذا ضحك ربك إلى عبد في الدنيا فلا حساب عليه. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله. متفق عليه.

وعند أبي داود أن أعرابيا أتى رسول الله ﷺ فقال: الرجل يقاتل للذكر ويقاتل ليحمد ويقاتل ليغنم ويقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله.

وسأله ﷺ رجل فقال: يا رسول الله الرجل يريد الجهاد في سبيل الله فهو يبتغي عرضا من أعراض الدنيا فقال: لا أجر له فأعظم ذلك الناس وقالوا للرجل: عد لرسول الله ﷺ فإنك لم تفهمه فقال: يا رسول الله رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرضا من عرض الدنيا فقال لا أجر له فقالوا للرجل: عد لرسول الله ﷺ فقال له الثالثة فقال: لا أجر له. ذكره أبو داود.

وعند النسائي أنه سئل ﷺ: أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ماله؟ فقال رسول الله ﷺ: لا شيء له فأعادها ثلاث مرات يقول رسول الله ﷺ: لا شيء له ثم قال: إن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا له وابتغي به وجهه.

وسألته ﷺ أم سلمة فقالت: يا رسول الله يغزو الرجال ولا تغزو النساء وإنما لنا نصف الميراث فأنزل الله تعالى: { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض }. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ عن الشهداء فقال: من قتل في سبيل الله فهو شهيد؟ ومن مات في سبيل الله فهو شهيد ومن مات في الطاعون فهو شهيد ومن مات في البطن فهو شهيد. ذكره مسلم.

فصل في ذكر طرف من فتاويه صلى الله عليه وسلم في الطب

سأله ﷺ أعرابي فقال: يا رسول الله أنتداوى؟ فقال: نعم فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله. ذكره أحمد.

وفي السنن أن الأعراب قالوا: يا رسول الله ألا نتداوى؟ قال: نعم عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء أو دواء إلا داء واحدا قالوا: يا رسول الله ما هو؟ قال: الهرم.

وسئل ﷺ فقيل له: أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: هي من قدر الله. ذكره الترمذي.

وسئل ﷺ هل يغني الدواء شيئا؟ فقال: سبحان الله وهل أنزل الله تبارك وتعالى من داء في الأرض إلا جعل له شفاء. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ عن السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب من أمته فقال: هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون. متفق عليه.

وسأله ﷺ آل عمرو بن حزم فقالوا: إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب وإنك نهيت عن الرقى قال: اعرضوا علي رقاكم قال: فعرضوا عليه فقال: ما أرى بأسا من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل. ذكره مسلم.

واستفتاه عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه وشكا إليه وجعا يجده في جسده منذ أسلم فقال: ضع يدك على الذي يألم من جسدك وقل: بسم الله ثلاثا وقل سبع مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر. ذكره مسلم.

وسئل ﷺ أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل الرجل يبتلى على حسب دينه فإن كان رقيق الدين ابتلي على حسب ذلك وإن كان صلب الدين ابتلي على حسب ذلك فما يزال البلاء بالرجل حتى يمشي على وجه الأرض وما عليه خطيئة. ذكره أحمد وصححه الترمذي.

وذكر ابن ماجه أنه ﷺ سئل أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء، قلت: يا رسول الله: ثم من؟ قال: ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة تحويه وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالعافية.

وسأله ﷺ رجل: أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا ما لنا بها؟ قال: كفارات قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: وإن قلت؟ قال: وإن شوكة فما فوقها، فدعا أبو سعيد على نفسه أن لا يفارقه الوعك حتى يموت وأن لا يشغله عن حج ولا عن عمرة ولا جهاد في سبيل الله ولا صلاة مكتوبة في جماعة فما مسه إنسان إلا وجد حره حتى مات. ذكره أحمد.

وقال أسامة رضي الله عنه: شهدت الأعراب يسألون النبي ﷺ: أعلينا حرج في كذا؟ أعلينا حرج في كذا؟ فقال: عباد الله وضع الله الحرج إلا من اقترض من عرض أخيه شيئا فذلك هو الحرج فقالوا: يا رسول الله هل علينا من جناح أن نتداوى؟ قال: تداووا عباد الله فإن الله لم يضع داء إلا وضع معه شفاء إلا الهرم قالوا: يا رسول الله ما خير ما أعطي العبد؟ قال: حسن الخلق. ذكره ابن ماجه.

وسئل ﷺ عن الرقى فقال: اعرضوا علي رقاكم ثم قال: لا بأس بما ليس فيه شرك. ذكره مسلم.

وسأله ﷺ طبيب عن ضفدع يجعلها في داوء فنهى النبي ﷺ عن قتلها. ذكره أهل السنن.

وشكا إليه ﷺ الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف القمل فأفتاهم بلبس قميص الحرير. ذكره البخاري في صحيحه.

لا ضمان على الطبيب في الخطأ

وأفتى ﷺ أن من تطبب ولم يعرف منه طب فهو ضامن وهو يدل بمفهومه على أنه إذا كان طبيبا وأخطأ في تطبيبه فلا ضمان عليه.

عود إلى فتاوى الطب

وشكا إليه ﷺ المشاة في طريق الحج تعبهم وضعفهم عن المشي فقال لهم: استعينوا بالنسل فإنه يقطع عنكم الأرض وتخفون له، قالوا: ففعلنا فخففنا له. والنسل: العدو مع تقارب الخطأ. ذكر ابن مسعود الدمشقي أن هذا الحديث في مسلم وليس فيه وإنما هو زيادة في حديث جابر الطويل الذي رواه مسلم في صفة حج النبي ﷺ وإسناده حسن.

وسألته ﷺ أسماء بنت عميس رضي الله عنها فقالت: يا رسول الله إن ولد جعفر تسرع إليهم العين أفأسترقي لهم؟ قال: نعم فإنه لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين. ذكره أحمد.

وعند مالك عن حميد بن قيس المكي قال: دخل على رسول الله ﷺ بابني جعفر ابن أبي طالب فقال لحاضنتهما: ما لي أراهما ضارعين؟ فقالت: إنه لتسرع إليهما العين ولم يمنعنا أن نسترقي لهما إلا أنا لا ندري ما يوافقك من ذلك، فقال: استرقوا لهما فإنه لو سبق شيء القدر لسبقته العين.

وسئل ﷺ عن النشرة فقال: هي من عمل الشيطان. ذكره أحمد وأبو داود. والنشرة: حل السحر عن المسحور. وهي نوعان: حل سحر بسحر مثله وهو الذي من عمل الشيطان فإن السحر من عمله فيتقرب إليه الناشر والمنتشر بما يحب فيبطل عمله عن المسحور. والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والدعوات والأدوية المباحة فهذا جائز بل مستحب وعلى النوع المذموم يحمل قول الحسن: لا يحل السحر إلا ساحر.

فصل فتاوى في الطيرة والفأل

وسئل ﷺ عن الطاعون فقال: كان عذابا يبعثه الله على من كان قبلكم فجعله الله رحمة للمؤمنين ما من عبد يكون في بلد ويكون فيه فيمكث لا يخرج صابرا محتسبا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد. ذكره البخاري.

وسأله ﷺ فروة بن مسيك رضي الله عنه فقال: يا رسول الله إنا بأرض يقال لها أبين وهي ريفنا وميرتنا وهي وبيئة أو قال: واباها شديد فقال رسول الله ﷺ: دعها عنك فإن من القرف التلف.

وفيه دليل على نوع شريف من أنواع الطب وهو استصلاح التربة والهواء كما ينبغي استصلاح الماء والغذاء فإن بصلاح هذه الأربعة يكون صلاح البدن واعتداله.

وقال ﷺ: لا طيرة وخيرها الفأل قيل يا رسول الله وما الفأل؟ قال: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم. متفق عليه.

وفي لفظ لهما: لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل قالوا: وما الفأل؟ قال: كلمة طيبة.

ولما قال: لا عدوى ولا طيرة ولا هامة قال رجل: أرأيت البعير يكون به الجرب فتجرب الإبل؟ قال: ذاك القدر فمن أجرب الأول؟ ذكره أحمد.

ولا حجة في هذا لمن أنكر الأسباب بل فيه إثبات القدر ورد الأسباب كلها إلى الفاعل الأول، إذ لو كان كل سبب مستندا إلى سبب قبله لا إلى غاية لزم التسلسل في الأسباب وهو ممتنع، فقطع النبي ﷺ التسلسل بقوله: فمن أعدى الأول؟ إذ لو كان الأول قد جرب بالعدوى والذي قبله كذلك لا إلى غاية لزم التسلسل الممتنع.

وسألته ﷺ امرأة فقالت: يا رسول الله دار سكناها والعدد كثير والمال وافر فقل العدد وذهب المال فقال: دعوها ذميمة. ذكره مالك مرسلا. وهذا موافق لقوله ﷺ: إن كان الشؤم في شيء فهو في ثلاثة: في الفرس وفي الدار والمرأة وهو إثبات لنوع خفي من الأسباب ولا يطلع عليه أكثر الناس ولا يعلم إلا بعد وقوع مسببه فإن من الأسباب ما يعلم سببيته قبل وقوع مسببه وهي الأسباب الظاهرة ومنها ما لا يعلم سببيته إلا بعد وقوع مسببه وهي الأسباب الخفية ومنه قول الناس: فلان مشؤوم الطلعة ومدور الكعب ونحوه فالنبي ﷺ أشار إلى هذا النوع ولم يبطله وقوله: إن كان الشؤم في شيء فهو في ثلاثة تحقيق لحصول الشؤم فيها وليس نفيا لحصوله من غيرها كقوله: إن كان في شيء تتداوون به شفاء ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار ولا أحب الكي. ذكره البخاري.

وقال: من ردته الطيرة من حاجته فقد أشرك قالوا: يا رسول الله وما كفارة ذلك؟ قال: أن يقول: اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك. ذكره أحمد.

ذكر فصول من فتاويه صلى الله عليه وسلم في أبواب متفرقة

وسأله ﷺ رجل فقال: إني أصبت ذنبا عظيما فهل لي من توبة؟ فقال: هل لك من أم؟ قال: لا قال: فهل لك من خالة؟ قال: نعم قال: فبرها. ذكره الترمذي وصححه.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالمشركين ثم ندم فأرسل إلى قومه: سلوا لي رسول الله ﷺ هل لي من توبة؟ فجاء قومه إلى النبي ﷺ فقالوا: هل له من توبة؟ فنزلت: { كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم } إلى قوله: { إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم } فأرسل إليه فأسلم. ذكره النسائي.

وسئل ﷺ عن رجل أوجب فقال: أعتقوا عنه. ذكره أحمد. وقوله أوجب أي فعل ما يستوجب النار.

وسئل ﷺ عن قوله تعالى: { وتأتون في ناديكم المنكر } قال: كانوا يخذفون أهل الطريق ويسخرون منهم وذلك المنكر الذي كانوا يأتونه. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ: أيكون المؤمن جبانا؟ قال: نعم قالوا: أيكون بخيلا؟ قال: نعم قالوا: أيكون كذابا؟ قال: لا. ذكره مالك.

وسألته ﷺ امرأة فقالت: إن لي ضرة فهل علي جناح إن تشبعت من زوجي غير الذي يعطيني؟ فقال: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور. متفق عليه. وفي لفظ: أقول: إن زوجي أعطاني ما لم يعطني.

وسأله ﷺ رجل فقال: هل أكذب على امرأتي؟ فقال: لا خير في الكذب فقال: يا رسول الله أعدها وأقول لها فقال رسول الله ﷺ: لا جناح. ذكره مالك.

وقال ﷺ: اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل فقيل له: كيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ فقال: قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلم. ذكره أحمد.

وقال ﷺ: إن أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الأصغر قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ عن الأخسرين أعمالا يوم القيامة فقال: هم الأكثرون أموالا إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وقليل ما هم.

ولما نزل: { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } شق ذلك عليهم وقالوا: يا رسول الله وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ: ليس ذلك إنما هو الشرك ألم تسمعوا قول لقمان لابنه: { يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم }. متفق عليه.

وخرج عليهم وهم يتذاكرون المسيح الدجال فقال: ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى قال: الشرك الخفي قالوا: وما الشرك؟ قال: أن يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل آخر. ذكره ابن ماجه.

وسئل رسول الله ﷺ عن طاعة الأمير الذي أمر أصحابه فجمعوا حطبا فأضرموه نارا وأمرهم بالدخول فيها فقال ﷺ: لو دخلوها ما خرجوا منها إنما الطاعة في المعروف وفي لفظ: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وفي لفظ: من أمركم منهم بمعصية الله فلا تطيعوه.

فهذه فتوى عامة لكل من أمره أمير بمعصية الله كائنا من كان ولا تخصيص فيها ألبتة.

من سد الذرائع

ولما قال ﷺ: إن من أكبر الكبائر شتم الرجل والديه سألوه: كيف يشتم الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل وأمه فيسب أباه وأمه متفق عليه.

وللإمام أحمد: إن من أكبر الكبائر عقوق الوالدين قيل: وما عقوق الوالدين؟ قال ﷺ: يسب أبا الرجل وأمه فيسب أباه وأمه.

وهو صريح في اعتبار الذرائع وطلب الشرع لسدها وقد تقدمت شواهد هذه القاعدة بما فيه كفاية.

وقال ﷺ: ما تقولون في الزنا؟ قالوا: حرام فقال: لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره وما تقولون في السرقة؟ قالوا: حرام قال: لأن يسرق الرجل من عشر أبيات أيسر من أن يسرق من بيت جاره. ذكره أحمد.

وقال ﷺ: أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسول أعلم قال: ذكرك أخاك بما يكره قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته. ذكره مسلم.

وللإمام أحمد ومالك أن رجلا سأل رسول الله ﷺ: ما الغيبة؟ فقال: أن تذكر من المرء ما يكره أن يسمع فقال: يا رسول الله وإن كان حقا؟ فقال رسول الله ﷺ: إذا قلت باطلا فذلك البهتان.

الكبائر

وسئل ﷺ عن الكبائر فقال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقول الزور وقتل النفس التي حرم الله والفرار يوم الزحف ويمين الغموس وقتل الإنسان ولده خشية أن يطعم معه والزنا بحليلة جاره والسحر وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات. وهذا مجموع من أحاديث.

فصل تعداد الكبائر

ومن الكبائر: ترك الصلاة ومنع الزكاة وترك الحج مع الاستطاعة والإفطار في رمضان بغير عذر وشرب الخمر والسرقة والزنا واللواط والحكم بخلاف الحق وأخذ الرشا على الأحكام والكذب على النبي ﷺ والقول على الله بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه وجحود ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله واعتقاد أن كلامه وكلام رسوله تفاد منه يقين أصلا وأن ظاهر كلامه وكلام رسوله باطل وخطأ بل كفر وتشبيه وضلال وترك ما جاء به لمجرد قول غيره وتقديم الخيال المسمى بالعقل والسياسة الظالمة والعقائد الباطلة والآراء الفاسدة والإدراكات والكشوفات الشيطانية على ما جاء به ﷺ ووضع المكوس وظلم الرعايا والاستئثار بالفيء والكبر والفخر والعجب والخيلاء والرياء والسمعة وتقديم خوف الخلق على خوف الخالق ومحبته على محبة الخالق ورجائه على رجائه وإرادة العلو في الأرض والفساد وإن لم ينل ذلك ومسبة الصحابة رضوان الله عليهم وقطع الطريق وإقرار الرجل الفاحشة في أهله وهو يعلم والمشي بالنميمة وترك التنزه من البول وتخنث الرجل وترجل المرأة ووصل شعر المرأة وطلبها ذلك وطلب الوصل كبيرة وفعله كبيرة والوشم والاستيشام والوشر والاستيشار والنمص والتنميص والطعن في النسب وبراءة الرجل من أبيه وبراءة الأب من ابنه وإدخال المرأة على زوجها ولدا من غيره والنياحة ولطم الخدود وشق الثياب وحلق المرأة شعرها عند المصيبة بالموت وغيره وتغيير منار الأرض وهو أعلامها وقطيعة الرحم والجور في الوصية وحرمان الوارث حقه من الميراث وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير والتحليل واستحلال المطلقة به والتحيل على إسقاط ما أوجب الله وتحليل ما حرم الله وهو استباحة محارمه وإسقاط فرائضه بالحيل وببع الحرائر وإباق المملوك من سيده ونشوز المرأة على زوجها وكتمان العلم عند الحاجة إلى إظهاره وتعلم العلم للدنيا والمباهاة والجاه والعلو على الناس والغدر والفجور في الخصام وإتيان المرأة في دبرها وفي محيضها والمن بالصدقة وغيرها من عمل الخير وإساءة الظن بالله واتهامه في أحكامه الكونية والدينية والتكذيب بقضائه وقدره واستوائه على عرشه وأنه القاهر فوق عباده وأن رسول الله ﷺ عرج به إليه وأنه رفع المسيح إليه وأنه يصعد إليه الكلم الطيب وأنه كتب كتابا فهو عنده على عرشه وأن رحمته تغلب غضبه وأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يمضي شطر الليل فيقول: من يستغفرني فأغفر له؟ وأنه كلم موسى تكليما وأنه تجلى للجبل فجعله دكا واتخذ إبراهيم خليلا وأنه نادى آدم وحواء ونادى موسى وينادي نبينا يوم القيامة وأنه خلق آدم بيديه وأنه يقبض سماواته بإحدى يديه والأرض باليد الأخرى يوم القيامة.

فصل من الكبائر أيضا

ومنها الاستماع إلى حديث قوم لا يحبون استماعه وتخبيث المرأة على زوجها والعبد على سيده وتصوير صور الحيوان سواء كان لها ظل أم لم يكن وأن يري عينيه في المنام ما لم ترياه وأخذ الربا وإعطاؤه والشهادة عليه وكتابته وشرب الخمر وعصرها وحملها وبيعها وأكل ثمنها ولعن من لم يستحق اللعن وإتيان الكهنة والمنجمين والعرافين والسحرة وتصديقهم والعمل بأقوالهم والسجود لغير الله والحلف بغيره كما قال النبي ﷺ: من حلف بغير الله فقد أشرك وقد قصر ما شاء أن يقصر من قال إن ذلك مكروه وصاحب الشرع يجعله شركا فرتبته فوق رتبة الكبائر.

واتخاذ القبور مساجد وجعلها أوثانا وأعيادا يسجدون لها تارة ويصلون إليها تارة ويطوفون بها تارة ويعتقدون أن الدعاء عندها أفضل من الدعاء في بيوت الله التي شرع أن يدعى فيها ويعبد ويصلى له ويسجد.

ومنها: معاداة أولياء الله وإسبال الثياب من الإزار والسراويل والعمامة وغيرها والتبختر في المشي واتباع الهوى وطاعة الهوى وطاعة الشح والإعجاب بالنفس وإضاعة من تلزمه مؤونته ونفقته من أقاربه وزوجته ورقيقه ومماليكه والذبح لغير الله، وهجر أخيه المسلم سنة كما في صحيح الحاكم من حديث أبي خراش الهذلي السلمي عن النبي ﷺ: من هجر أخاه سنة فهو كقتله وأما هجره فوق ثلاثة أيام فيحتمل أنه من الكبائر ويحتمل أنه دونها والله أعلم.

ومنها: الشفاعة في إسقاط حدود الله وفي الحديث عن ابن عمر يرفعه: من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره رواه أحمد وغيره بإسناد جيد ومنها: تكلم الرجل بالكلمة من سخط الله لا يلقي بها بالا.

ومنها: أن يدعو إلى بدعة أو ضلالة أو ترك سنة بل هذا من أكبر الكبائر وهو مضادة لرسول الله ﷺ.

ومنها: ما رواه الحاكم في صحيحه من حديث المستورد بن شداد قال: قال رسول الله ﷺ: من أكل بمسلم أكلة أطعمه الله بها أكلة من نار جهنم يوم القيامة ومن قام بمسلم مقام سمعة أقامه الله يوم القيامة مقام رياء وسمعة ومن اكتسى بمسلم ثوبا كساه الله ثوبا من نار يوم القيامة.

ومعنى الحديث أنه توصل إلى ذلك وتوسل إليه بأذى أخيه المسلم من كذب عليه أو سخرية أو همزة أو لمزة أو غيبة والطعن عليه والازدراء به والشهادة عليه بالزور والنيل من عرضه عند عدوه ونحو ذلك مما يفعله كثير من الناس وأوقع في وسطه. والله المستعان.

ومنها: التبجح والافتخار بالمعصية بين أصحابه وأشكاله وهو الإجهار الذي لا يعافي الله صاحبه وإن عافاه من شر نفسه ومنها: أن يكون له وجهان ولسانان فيأتي القوم بوجه ولسان ويأتي غيرهم بوجه ولسان آخر.

ومنها: أن يكون فاحشا بذيا يتركه الناس ويحذرونه اتقاء فحشه ومنها: مخاصمة الرجل في باطل يعلم أنه باطل ودعواه ما ليس له وهو يعلم أنه ليس له ومنها: أن يدعي أنه من آل بيت رسول الله ﷺ وليس منهم أو يدعي أنه ابن فلان وليس بابنه وفي الصحيحين: من ادعى إلى غير أبيه فالجنة عليه حرام وفيهما أيضا: لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه فهو كافر وفيهما أيضا: ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا وقد كفر ومن ادعى ما ليس له فليس منا وليتبوأ مقعده من النار ومن دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه.

فمن الكبائر: تكفير من لم يكفره الله ورسوله وإذا كان النبي ﷺ قد أمر بقتال الخوارج وأخبر أنهم شر قتلى تحت أديم السماء وأنهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ودينهم تكفير المسلمين بالذنوب فكيف من كفرهم بالسنة ومخالفة آراء الرجال لها وتحكيمها والتحاكم إليها؟

ومنها: أن يحدث حدثا في الإسلام أو يؤوي محدثا وينصره ويعينه وفي الصحيحين: من أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا ومن أعظم الحدث: تعطيل كتاب الله وسنة رسوله وإحداث ما خالفهما ونصر من أحدث ذلك والذب عنه ومعاداة من دعا إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.

ومنها: إحلال شعائر الله في الحرم والإحرام كقتل الصيد واستحلال القتال في حرم الله ومنها: لبس الحرير والذهب للرجال واستعمال أواني الذهب والفضة للرجال.

وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: الطيرة شرك فيحتمل أن يكون من الكبائر وأن يكون دونها.

ومنها: الغلول من الغنيمة ومنها: غش الإمام والوالي لرعيته ومنها أن يتزوج ذات رحم محرم منه أو يقع على بهيمة.

ومنها: المكر بأخيه المسلم ومخادعته ومضارته وقد قال ﷺ: ملعون من مكر بمسلم أو ضار به ومنها: الاستهانة بالمصحف وإهدار حرمته كما يفعله من لا يعتقد أن فيه كلام الله من وطئه برجله ونحو.

ذلك: ومنها: أن يضل أعمى عن الطريق وقد لعن ﷺ من فعل ذلك فكيف بمن أضل عن طريق الله أو صراطه المستقيم.

ومنها: أن يسم إنسانا أو دابة في وجهها وقد لعن رسول الله ﷺ من فعل ذلك ومنها: أن يحمل السلاح على أخيه المسلم فإن الملائكة تلعنه.

ومنها: أن يقول ما لا يفعل قال الله تعالى: { كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } ومنها: الجدال في كتاب الله ودينه بغير علم.

ومنها: إساءة الملكة برقيقه وفي الحديث: لا يدخل الجنة سييء الملكة.

ومنها: أن يمنع المحتاج فضل ما لا يحتاج إليه مما لم تعمل يداه.

ومنها: القمار وأما اللعب بالنرد فهو من الكبائر لتشبيه لاعبه بمن صبغ يده في لحم خنزير ودمه ولا سيما إذا أكل المال به فحينئذ يتم التشبيه به فإن اللعب بمنزلة غمس اليد وأكل المال منزلة أكل لحم الخنزير ومنها: ترك الصلاة في الجماعة وهو من الكبائر وقد عزم رسول الله ﷺ على تحريق المتخلفين عنها ولم يكن ليحرق مرتكب صغيرة وقد صح عن ابن مسعود أنه قال: ولقد رأيتنا وما يتخلف عن الجماعة إلا منافق معلوم النفاق وهذا فوق الكبيرة.

ومنها: ترك الجمعة وفي صحيح مسلم: لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين وفي السنن بإسناد جيد عن النبي ﷺ قال: من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه.

ومنها: أن يقطع ميراث وارثه من تركته أو يدله على ذلك ويعلمه من الحيل ما يخرجه من الميراث.

ومنها: الغلو في المخلوق حتى يتعدى به منزلته وهذا قد يرتقي من الكبيرة إلي الشرك.

وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: إياكم والغلو وإنما هلك من كان قبلكم بالغلو ومنها: الحسد وفي السنن: أنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ومنها: المرور بين يدي المصلي ولو كان صغيرة لم يأمر النبي ﷺ بقتال فاعله ولم يجعل وقوفه عن حوائجه ومصالحه أربعين عاما خيرا له من مروره بين يديه كما في مسند البزار والله أعلم.

فصل مستطرد من فتاويه صلى الله عليه وسلم فارجع إليها

وسئل ﷺ عن الهجرة فقال: إذا أقمت الصلاة وآتيت الزكاة فأنت مهاجر وإن مت بالحضرمة يعني أرضا باليمامة. ذكره أحمد.

وسأله ﷺ عبد الله بن حوالة أن يختار له بلادا يسكنها فقال: عليك بالشام فإنها خيرة الله من أرضه يجتبي إليها خيرته من عباده فإن أبيتم فعليكم بيمنكم واسقوا من غدركم فإن الله يتوكل لي بالشام وأهله. ذكره أبو داود بإسناد صحيح.

وسأله معاوية بن حيدة جد بهز بن حكيم فقال: يا رسول الله أين تأمرني؟ قال: هاهنا ونحا بيده نحو الشام. ذكره الترمذي وصححه.

وسألته ﷺ اليهود عن الرعد: ما هو؟ فقال: ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوقه به حيث يشاء الله قالوا: فما هذا الصوت الذي يسمع؟ قال: زجره السحاب حتى تنتهي حيث أمرت قالوا: صدقت ثم قالوا: فأخبرنا عما حرم إسرائيل على نفسه قال: اشتكى عرق النسا فلم يجد شيئا يلائمه إلا لحوم الإبل وألبانها فلذلك حرمها على نفسه قالوا: صدقت. ذكره الترمذي وحسنه.

وسئل ﷺ عن القردة والخنازير: أهي من نسل اليهود؟ فقال: إن الله لم يلعن قوما قط فمسخهم فكان لهم نسل حتى يهلكهم ولكن هذا خلق كان فلما كتب الله على اليهود مسخهم جعلهم مثلهم. ذكره أحمد.

وقال: فيكم المغربون فقالت عائشة: وما المغربون؟ قال: الذين يشترك فيهم الجن وذكره أبو داود وهذا من مشاركة الشياطين للإنس في الأولاد وسموا مغربين لبعد أنسابهم وانقطاعهم عن أصولهم ومنه قولهم: عنقاء مغرب.

وسأله ﷺ رجل فقال: أين أتزر؟ فأشار إلى عظم ساقه وقال: هاهنا اتزر قال: فإن أبيت؟ قال: فهاهنا أسفل من ذلك فإن أبيت فهاهنا فوق الكعبين فإن أبيت فإن الله لا يحب كل مختال فخور. ذكره أحمد.

وسأله ﷺ أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال: إن إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده فقال: إنك لست ممن يفعله خيلاء. ذكره البخاري. وقال: من جر إزاره خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ قال: يرخين شبرا فقالت: إذا تنكشف أقدامهن قال: يرخين ذراعا لا يزدن عليه.

وسألته ﷺ امرأة فقالت: إن ابنتي أصابتها الحصبة فتمرق شعرها أفأصل فيه؟ فقال: لعن الله الواصلة والمستوصلة متفق عليه.

عن الكهان

وسئل ﷺ عن إتيان الكهان فقال: لا تأتهم.

وسئل ﷺ عن الطيرة قال: ذلك شيء يجدونه في صدورهم فلا يردنهم.

وسئل ﷺ عن الخط فقال: كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك.

وسئل ﷺ عن الكهان أيضا فقال: ليسوا بشيء فقال السائل: إنهم يحدثوننا أحيانا بالشيء فيكون فقال: تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقذفها في أذن وليه من الإنس فيخلطون معها مائة كذبة. متفق عليه.

عن الرؤيا

وسئل ﷺ عن قوله تعالى: { لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة } فقال: هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له. ذكره أحمد.

وسألته ﷺ خديجة رضي الله عنها عن ورقة بن نوفل فقالت: إنه كان صدقك ومات قبل أن تظهر فقال: رأيته في المنام وعليه ثياب بيض ولو كان من أهل النار لكان عليه لباس غير ذلك.

وسأله ﷺ رجل رأى في المنام كأن رأسه ضرب فتدحرج فاشتد في أثره فقال: لا تحدث الناس بتلعب الشيطان بك في منامك. ذكره مسلم.

وسألته ﷺ أم العلاء فقالت: رأيت لعثمان بن مظعون عينا تجري يعني بعد موته فقال: ذاك عمله يجري له.

في القضاء

وذكر أبو داود أن معاذا سأله فقال: بم أقضي؟ قال: بكتاب الله قال: فإن لم أجد؟ قال فبسنة رسول الله ﷺ قال: فإن لم أجد؟ قال: استدن الدنيا وعظم في عينيك ما عند الله واجتهد رأيك فسيسددك الله بالحق وقوله: استدن الدنيا أي: استصغرها واحتقرها.

فتاوى عامة

وسأله ﷺ دحية الكلبي فقال: ألا أحمل لك حمارا على فرس فتنتج لك بغلا فتركبها؟ فقال: إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون. ذكره أحمد.

ولما نزل التشديد في أكل مال اليتيم عزلوا طعامهم عن طعام الأيتام وشرابهم من شرابهم فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى: { ويسألونك عن اليتامى قل: إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم } فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم.

وسألته ﷺ عائشة رضي الله عنها عن قوله تعالى: { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله } فقال: إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم. متفق عليه.

وسئل ﷺ عن قوله تعالى: { يا أخت هارون } فقال: كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين من قومهم.

وفي الترمذي أنه سئل ﷺ عن قوله تعالى { وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون } كم كانت الزيادة؟ قال: عشرة آلاف.

وسأله ﷺ أبو ثعلبة عن قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم } فقال: ائتمروا بالمعروف وانتهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك ودع عنك العوام فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين يعملون مثل عملكم. ذكره أبو داود.

وسئل ﷺ: متى وجبت لك النبوة؟ فقال: وآدم بين الروح والجسد. صححه الترمذي.

وسئل ﷺ كيف بدء أمرك؟ فقال: دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أمي رأت أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام. ذكره أحمد.

وسأله ﷺ أبو هريرة: يا رسول الله ما أول ما رأيت من النبوة؟ قال: إني لفي الصحراء ابن عشرين سنة وأشهر وإذا بكلام فوق رأسي وإذا برجل يقول لرجل: أهو هو؟ فاستقبلاني بوجوه لم أرها لأحد قط وأرواح لم أجدها لخلق قط وثياب لم أرها على خلق قط فأقبلا يمشيان حتى أخذ كل منهما بعضدي لا أجد لأخذهما مسا فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه فأضجعاني بلا قصر ولا هصر فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره فحوى أحدهما صدري ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع فقال له: أخرج الغل والحسد فأخرج شيئا كهيئة العلقة ثم نبذها فطرحها ثم قال له: أدخل الرأفة والرحمة فإذا مثل الذي أخرج شبه الفضة ثم هز إبهام رجلي اليمنى فقال: اغد سليما فرجعت بها رقة على الصغير ورحمة على الكبير. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ: أي الناس خير؟ قال: القرن الذي أنا فيه ثم الثاني ثم الثالث.

وسئل ﷺ عن أحب النساء إليه فقال: عائشة فقيل: ومن الرجال؟ فقال: أبوها فقيل: ثم من؟ قال: عمر بن الخطاب، رضي الله عنه.

وسأله ﷺ علي والعباس: أي أهلك أحب إليك؟ قال: فاطمة بنت محمد، قالا: ما جئناك نسألك عن أهلك؟ قال: أحب أهلي إلي من أنعم الله عليه وأنعمت عليه أسامة ابن زيد، قالا: ثم من؟ قال: علي بن أبي طالب، قال العباس: يا رسول الله جعلت عمك آخرهم، قال: إن عليا سبقك بالهجرة. ذكره الترمذي وحسنه.

وفي الترمذي أيضا أنه ﷺ سئل: أي أهل بيتك أحب إليك؟ قال: الحسن رضي الله عنه والحسين رضي الله عنه.

وسئل ﷺ: أيما الأعمال أحب إلى الله؟ فقال: الحب في الله والبغض في الله. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ عن امرأة كثيرة الصيام والصلاة والصدقة غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها فقال: هي في النار فقيل: إن فلانة فذكر قلة صلاتها وصيامها وصدقتها ولا تؤذي جيرانها بلسانها فقال: هي في الجنة. ذكره أحمد.

وسألته ﷺ عائشة فقالت: إن لي جاربن فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما منك بابا. ذكره البخاري.

ونهاهم عن الجلوس بالطرقات إلا بحقها فسئل عن حق الطريق فقال: غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وسأله ﷺ رجل فقال: إن لي مالا ووالدا وإن أبي اجتاح مالي فقال: أنت ومالك لأبيك إن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من كسب أولادكم. ذكره أبو داود.

وسأله ﷺ رجل عن الهجرة والجهاد معه فقال: ألك والدان؟ قال: نعم قال: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما. ذكره مسلم.

وسأله ﷺ آخر عن ذلك فقال: ويحك! أحية أمك؟ قال: نعم قال: ويحك الزم رجلها فثم الجنة. ذكره ابن ماجه.

وسأله ﷺ رجل من الأنصار: هل بقي علي من بر أبوي شيء بعد موتهما؟ قال: نعم خصال أربع: الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما واكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما فهو الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما. ذكره أحمد.

وسئل ﷺ: ما حق الوالدين على الولد؟ فقال: هما جنتك ونارك. ذكره ابن ماجه.

وسئل ﷺ رجل فقال: إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إلي وأعفو عنهم ويظلموني أفأكافئهم؟ قال: لا إذا تتركون جميعا ولكن خذ الفضل وصلهم فإنه لن يزال معك ظهير من الله ما كنت على ذلك. ذكره أحمد.

وعند مسلم: لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل ولن يزال معك من الله ظهير ما دمت على ذلك.

وسئل ﷺ: ما حق المرأة على الزوج؟ قال: يطعمها إذا طعم ويكسوها إذا لبس ولا يضرب لها وجها ولا يقبح ولا يهجر إلا في البيت. ذكره أبو داود.

وسأل ﷺ رجل فقال: أستأذن على أمي؟ قال: نعم فقال: إني معها في البيت فقال: استأذن عليها فقال: إني خادمها قال: استأذن عليها، أتحب أن تراها عريانة؟ قال: لا، قال: استأذن عليها. ذكره مالك.

وسئل عن الاستئناس في قوله تعالى: { حتى تستأنسوا } قال: يتكلم الرجل بتسبيحة وتكبيرة وتحميدة ويتنحنح ويؤذن أهل البيت. ذكره ابن ماجه.

وعطس رجل فقال: ما أقول يا رسول الله؟ قال: قل: الحمد لله فقال القوم: ما نقول له يا رسول الله؟ قال: قولوا له يرحمك الله قال: ما أقول لهم يا رسول الله؟ قال: قل لهم يهديكم الله ويصلح بالكم. ذكره أحمد.

هامش

  1. هو جزء من حديث طويل للقيط بن عامر من زيادات عبد الله. وقال في تعليقه على السنة: إسناده ضعيف؛ دلهم بن الأسود وجده قال الذهبي لا يعرفان.
  2. ضعفه في تعليقه على السنة. فيه وكيع بن عدس قال الذهبي لا يعرف.
  3. جزء من حديث لقيط بن عامر المتقدم ضعفه من زيادات عبد الله
  4. جزء من الحديث السابق
  5. جزء من الحديث السابق.
  6. متفق عليه
  7. متفق عليه
  8. ضعف إسناده
  9. متفق عليه
  10. رواه الترمذي وأصله في مسلم
  11. أحمد والترمذي وابن ماجة.
  12. رواه الطبراني. قال في المجمع: وفيه عبيد بن إسحاق وهو متروك.
  13. متفق عليه
  14. متفق عليه
  15. مسلم
  16. الأسئلة الثلاثة في حديث جبريل المتفق عليه.
  17. في (ح) و(ط): "هنا بياض في الأصلين، تدبر."
  18. فيه نبهان مولى أم سلمة، قال أحمد: نبهان روى حديثين عجيبين. وضعفه في إرواء الغليل.
  19. خزق: أصاب الرمية ونفذ فيها.