الرئيسيةبحث

تصنيف:مهرجانات فاس

موسم المولى ادريس الأكبر مؤسس أول دولة اسلامية بالمغرب

عن كتاب النقيب سيدي محمد الشبيهي الموقت "الإطلالة الزهية على الأسرة الشبيهية:


موسم المولى إدريس السنوي وبعض العادات المرتبطة بالضريح

كان هذا الموسم يدوم أكثر من شهر ونصف، ويقام أيام الخميس والجمعة من كل أسبوع. وكان يترأسه إما مولانا أمير المؤمنين، أو الخليفة السلطاني بفاس. وتحضر الهيئة المخزنية من العاصمة للقيام بالتشريفات اللائقة بعظمة الذكرى.

ويمتاز هذا الموسم بعدد المشاركين فيه وبنوعية احتفالاته. وقد اعتاد مئات من المؤمنين الإقامة على الأقل أسبوعين بالمدينة للتمتع بالمهرجانات المقامة، ومشاهدة التنافس بين الطوائف المشاركة في إظهار معالم الزينة والبهجة وإدخال السرور على مريديها وعلى المشاهدين. وخاصيته أنه يجمع ما بين التعبد والترفيه (دين ودنيا كما يقال). فالضريح خاص بالعبادة والحفلات الدينية طيلة النهار والليل. والمنازل والشوارع ملئى بالمهرجانات ومواكب الطوائف التابعة للطرق الصوفية الشعبية التي تقدم الهدايا إلى آل البيت. لقد كان سكان المدن والبوادي يستعدون شهورا قبل إبان الموسم لهذه التظاهرة ويعدون لها العدة، ويعتبرونها نزهتهم أو عطلتهم السنوية وتحضرها العائلة بأكملها. وكانت أغلب زوايا المغرب تشارك في هذا الموسم إما بهيئتها كاملة أو بعدد من أفرادها. كما كان الوطنيون في عهد الاستعمار يشاركون في موسم العلميين، وكانت تلقى خطب تحث على مناهضة الاستعمار، وتعقد إجتماعات مع مسيري الحركة الوطنية المحلية.

وفي أيام المواسم كان الإقبال كبيرا على مقاهي المدينة المشهورة بالشاي المنعنع "المشحّر"، وبقهوتها التقليدية بالزيزوة التركية الأصل. كما أن أكلة الكفتة كانت تجلب العديد من هواتها من مختلف الجهات نظرا لجودتها وشهرتها. وقديما كانت تهيأ بواسطة "القرطة" والمقدة، ويطول وقت تحظيرها. و كانت هذه الطريقة تكسبها نكهة خاصة. وكانت الكفتة بشكلها هذا هي الأكلة المعدّة يوم الموسم لغذاء الفقراء العلميين القادمين من مكناس، والنازلين بعين جمجمة التي تبعد عن الزاوية بثلاثة كيلومترات. وكانت تفرش الزرابي تحت أشجار الزيتون لجلوسهم، وأمامهم عدد من الكفايتية بأوجاقهم المعدة للطهي، وبجانبهم ميدة مملوءة بالكفتة، وسطل به السمن، وميدات بها الخبز، وصينيات لتوزيع الأكل. أما صينيات الشاي فكانت توضع بالقرب من الفقراء العلميين مع صينيات أواني السكر والشاي وكؤوس التشلال، وبابور كبير سعته عشرين لترا من الماء، ومبخرة كبيرة وصينيات المراشّ.

وكانت طريقة توزيع الأكلة السريعة -قبل أن تبتكر سلسلة التوزيع الجديدة بالخارج- موجودة عندنا بحيث يتم إطعام أعداد كبيرة من الناس في وقت وجيز.

كان اثنان من "المعلمين" يلفون الكفتة حول القضيب، ويسلمونها إلى المكلفين بالشوي. ثم يقوم عامل خاص بشطر الخبزة إلى نصفين، ويوضع في كل واحد منها عدد من قضبان الكفتة. ويسلم إلى عامل آخر لوضع السمن فوق الكفتة، ويسلمه بدوره إلى المكلف بالتوزيع. وكان هذا الغذاء المعد من طرف النقيب يستمر إلى قبيل صلاة العصر، في جو من الفرح والبهجة، والمنشدون يشنفون الأسماع بأعذب الأشعار والإنشادات. وبعد صلاة العصر يتجه الجميع في موكب رباني مهللين ومكبرين ومصلين على النبي الأمين -صلى الله عليه وسلم- قاصدين الضريح، حفاة عراة الرأس، يتقدمهم السيد النقيب ومقدمو الزاوية العلمية، في حين تقف مئات من المؤمنين ينتظرونهم على حافتي الطريق في خشوع تام، اتباعا لموكب طلب الغيث الذي نظمه سيدي عبد القادر العلمي، والنفحات الربانية تحف الجميع. وعند مدخل الضريح بساحة السوق الداخلي (وتسمى حاليًا ساحة المسيرة) وبمحضر مئات المؤمنين المنتظرين يصل الفقراء العلميون. وبحضور الوفد الوزاري الرسمي الممثل لمولانا أمير المومنين ترفع أكف الضراعة إلى العلي القدير بالدعاء الصالح لصاحب الجلالة الملك المعظم وللمغرب والمغاربة ولكافة المسلمين. ويترحم الجميع على روح فاتح المغرب مولانا إدريس -رضي الله عنه- وعلى سيدي عبد القادر العلمي، مؤسس هذه الزيارة في سنوات جفاف طلبا للغيث، فكانت الاستجابة أثناء الدعاء وسقطت أمطار الخير وعم نفعها البلاد والعباد. ومن الكرامات التي تعيشها المدينة أثناء دخول موكب الفقراء العلميين أن قطرات الغيث المباركة تتساقط رغم الحرارة الشديدة التي تعرفها المنطقة في شهر غشت. وقد اعتاد الزوار رش موكب المادحين بماء الزهر، سقط المطر أم لا.

وقد اعتاد الوفد الرسمي تسليم الهبة الملكية عند وصوله إلى الشرفاء داخل الضريح حيث يتلى القرآن الكريم والدعاء لمولانا أمير المؤمنين.

وكانت طبقة ممن لا يستطيعون الحج إلى البقاع المقدسة يسمون هذا الموسم حج الضعيف.

وأثناء الموسم كان يعقد مهرجان الملحون، يشارك فيه القصايدية من كل المدن. ويكون مقره في أحد المنازل. وفي السنين الأخيرة كان يعقد بمقهى مولاي اسليمان العلوي، أو منزل سيدي محمد برّاشد الشبيهي رحمهما الله.وفي القديم اشتهرت المدينة بشيخين من الحفاظ الممتازين اشتهرا على النطاق الوطني وهما : العرفاوي ومولاي المهدي العلوي.

ومما كان يثير حماس الشباب تشوقهم لحضور مبارزات أبطال "المشاوشة"، وهي نوع من المصارعة التي كانت تُجرى بالمزارة التحتية بالضريح أيام الموسم. وهذا النوع من المصارعة المغربية لم يبق له أثر أو ذكر في وقتنا الحاضر. كانت عبارة عن تباري رجلان يبدآن بحركة مشي باتجاه معاكس لأحدهما، ذهابا وإيابا بضع خطوات، يترقب خلالها كل واحد خصمه من طرف خفي. ثم فجأة يقبض أحدهما الآخر من ثيابه على مستوى الحزام، محركا رجله اليمنى تارة واليسرى تارة أخرى نحو خصمه. ويفعل خصمه نفس الحركات، وهما /يغمغمان/ (شّ...شّ...)، في انتظار أن يستغفل أحدهما الآخر في لحظة عدم تركيز، فيضرب رجل خصمه ليفقده توازنه ويلقيه أرضا بطرق مختلفة يتفنن المصارعون فيها، وخصوصا الأبطال المشهورين. وتستمر المبارزات على شكل إقصائيات تفضي إلى نهاية يتحدد فيها البطل. وكان يشارك في هذه المباريات أبطال من فاس ومكناس ومراكش وسلا والأبطال المحليون. وتمر هذه اللعبة في جو من الاحترام المتبادل، دون خصومة أو خشونة كما هو الحال بالنسبة لمباريات "المبارزة الآسيوية". وربما كان أصل المشاوشة من الصين، استوردت من هناك مع الصينية والشاي والحرير وأواني الخزف المعروفة "بالطوس".

وبعد انتهاء موسم العلميين يقام الموسم الكبير بمشاركة جل حرف مدينتي فاس ومكناس وطرقهما الشعبية مع مشاركة قبائل ناحية فاس ومكناس وشراردة وهي قبيلة (كيش) الذين كانوا قديما يشاركون بخيولهم ولباسهم الرسمي مع شاشياتهم المخزنية في استقبال مولانا أمير المومنين أو الخليفة السلطاني عند رئاسة أحدهما للموسم.وكانت تلك القبائل تنصب خيامها فوق جبل خيبر وتقوم في وسط ساحته بألعاب الفروسية البطولية حيث يحتد التنافس بين (سربات) الخيول العربية الرفيعة الممتاطة من طرف الخيالة الممتازين بشجاعتهم ولباسهم التقليدي البهيج.وبعد هذين الموسمين يقام موسم أهل سوس تجار مكناس وفاس ووفود من مدن أخرى .ومن خاصية هذا الموسم عدم مشاركة النساء السوسيات فيه خلافا لباقي القبائل أو المشاركين من المدن.وكان موكب دخولهم بعد صلاة العصر من يوم الخميس يتميز بطابع خاص من الوقار والهيبة بحيث تتوقف الحركة بالمدينة وتفرغ الأزقة من المارة احتراما وتقديرا وتسهيلا لمرور موكبهم المتكون من آلاف الأشخاص المرددين (يا الله يا الله يا العزيز يا ربي) وكانت زغاريد النساء في السطوح تضفي على هذا الموكب المزيد من الوقار والبهاء وذكر الله يتعالى من جنباته وكان موسم المولى إدريس المناسبة الوحيدة في السنة التي تقفل فيها دكاكين التجار السوسيين بمكناس وفاس.

وبعد هذه المواسم الثلاثة وحسب هذا الترتيب تشرع القبائل المحيطة بمكناس وفاس وحسب عادات متبعة منذ قرون في احتفال كل واحدة منها بموسمها الخاص يومي الخميس والجمعة من كل أسبوع وذلك نظرا لضيق المدينة وعدم استيعابها لعشرات الآلاف من المشاركين في وقت واحد.وكانت قبائل بني مطير زمور آيت شغروشن كروان مجاط بني احسن وغيرها تتباهى مع جاراتها في إظهار بهجة وحسن ودقة تهييئ احتفالاتها الدينية منها داخل الضريح والترفيهية في ساحة خيبر وساحات المدينة.وكان صدى الأهازيج وأحيدوس والفروسية وطلقات البارود ترددها الجبال المحيطة بساحة خيبر والمدينة وكأنها في انسجام تام مع فرحة عشرات الرجال والنساء والأطفال وهم يقدمون الهدايا إلى الشرفاء مهللين مكبرين مرددين < لمولاي إدريس جينا، يا ربي أعفُ علينا > وشعارات دينية أخرى وهم في نظام وانسجام تامين قاصدين الضريح وقلوبهم فرحة ووجوههم مستبشرة يعلوها الوقار مع ابتسامة الشوق إلى زيارة قبر حفيد الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم.

لقد أعطانا الدكتور عبد الرحمن بن زيدان في كتابه « مدن في اوراق عاشق » ص 173 - وصفا دقيقا لبعض جوانب مواسم مولاي ادريس.

عندما يتمعن المرء ويرجع بذاكرته عشرات السنين إلى الوراء، ويستحضر ما نقله الأولون وما احتُفظ به من نصوص، يتبين أن زاوية مولاي إدريس لم تكن زاوية صوفية بالمعنى المتعارف عليه، بل كانت زاوية بدون شيخ ولا مريدين ولا حزب ولا أوراد ولا طقوس تعبدية خاصة بها بل زاوية لتدريس القرآن الكريم ونشر السنة النبوية العطرة ويمكن اعتبارها حاضنة لجل الزوايا وخاصة منها المؤسسة من طرف آل البيت، تسير على المحجة البيضاء، وتنشر تعاليم الإسلام وتحافظ على سنة خير الأنام تجعل من آل بيته صلى الله عليه وسلم دعاة للإسلام، مربين لوسطهم وقدوة في محيطهم، مساعدين لمن احتاج إليهم في شؤون الدنيا والأخرى، نبراسا لكل من أظلم عليه حاله الباطني أوالظاهري، آخذين بيده لإخراجه من سباته العميق، جامعين لشمل من إلتجأ إلى باب ضريح جدهم. كل ذلك في تواضع وصفاء نفس وسلامة طوية، ناهجين طريق الترغيب مبتعدين عن الترهيب. فإذا كانت للضريح قدسيته نظرا لعدة اعتبارات فإنه كان حرما آمنا من دخله لم يطبق عليه القانون وكانت طريقة «المزاوكة» تجعل المجرمين أو المظلومين في مأمن من العقاب الدنيوي. لكنها كانت في نفس الوقت طريقة إصلاحية للنفس والسلوك، لأن نتيجة الحبس كثيرا ما تكون عكسية النتائج وتزيد في تعميق الهوة بين الضنين والوسط الاجتماعي المحيط به، وخصوصا في أوساط الشباب.

إن هذه الميزة التي كانت للضريح كانت أيضًا لدار الزاوية التي كانت النساء يلتجئن إليها عندما يظلم الزوج زوجـته. وقد مكّنت « المزاوكة » من حـل عشرات القضايا بتدخل السيد النقيب والشرفاء بين المتخاصمين وإصلاح ذات بينهم.

وعلى المستوى الإداري كان السكان إذا رفضوا إجراء تنظيميا أو تعيين عون للسلطة كقائد أو شيخ أو مقدم دون رضاهم، فإنهم كانوا يلجأون إلى الضريح، ويعتكفون فيه إلى أن تحل مشاكلهم مع المخزن وقد اتخذت هذه العادة وسيلة لمحاربة جميع المخططات الاستعمارية أيام الحماية الفرنسية، حيث التجأ الشرفاء ومعهم أعيان المدينة إلى الضريح الإدريسي احتجاجا على الظهير البربري (1930م) الذي كان الاستعمار ينوي بواسطته تقسيم المغرب وسكانه على أساس عرقي، الشيء الذي يتنافى مع روح رسالة المولى إدريس وفلسفتها واستمراريتها على يد الملوك العلويين الأماجد، مساندين في ذلك الموقفَ الصارم لجلالة محمد الخامس، ومن ورائه علماء المغرب وعامة الشعب. وطيلة مدة اللجوء إلى الضريح كان الشرفاء يوفرون الطعام وكل حاجات ومتطلبات المعتكفين الملازمين للضريح، والذين كانوا يقضون أوقاتهم في تلاوة الذكر الحكيم، وقراءة اسم الله اللطيف، وأداء الصلاة في وقتها، والإنصات إلى الدروس العلمية والوعظية. فكانت المدة التي يقضونها داخل الضريح عبارة عن فترة لتقويم ما اضطرب من النفس، وإصلاح ما اعوج من تصرفات، ويدافعون فيها عن حقوقهم، زيادة على الاطمئنان النفسي الذي يحسون به داخل الضريح، والوسيلة السلمية الحضارية التي تمكن من تحقيق مطالبهم دون اللجوء إلى العنف.

ومن جهة أخرى، وفي إطار القدسية التي يتمتع بها الضريح، لوحظ أن بعض المجرمين فروا ولجأوا إليه، فلم تمتدّ إليهم يد القانون، فلازموا الضريح طول حياتهم لأنهم أحسوا بثقل ذنوبهم، ففضلوا البقاء داخل هذا الحرم ما دام الأكل واللباس متوفرا، وزهدوا في الدنيا وقضوا حياتهم في العبادة والتأمل إلى أن لقوا ربهم. ومنهم من تدرج في سلم الارتقاء الروحي، والله أعلم بحالهم.

ومنذ بناء الضريح، وخطباء الجمعة والأعياد يترحمون على مولانا إدريس في خطبهم، ملتفتين إلى قبره بالصيغة الآتية : "... وعن هذا الفرع الزكي الطاهر، الإمام العادل مولانا إدريس بن عبد الله الكامل الذي منحتَه النصر والفتح المبين، وجعلتَه فينا خليفة جده المصطفى سيّد المرسلين. اللهم نفّعنا بمحبتهم، واحشرنا يا مولانا في زمرتهم، ولا تخالف بنا عن سننهم ونهجهم القويم. يا أكرم مسؤول ويا خير مامول".

وتختم الخطبة بالدعاء الصالح لسيدنا أمير المؤمنين.

الصفحات في التصنيف "مهرجانات فاس"

بالأسفل 12 صفحة في هذا التصنيف، من إجمالي 12.