الرئيسيةبحث

فاطمة بنت أسد

فاطمة بنت أسد بن هاشم وكانت كالأم لرسول الله) رُبيّ في حجرها، وكان شاكراً لبرّها وآمنت به في الأولين وهاجرت معه في جملة المهاجرين، ولمّا قبضها الله إليه كفنها النبي بقميصه ليدرأ به عنها هوامّ الأرض وتوسّد في قبرها لتأمن بذلك من ضمة القبر.

قبر فاطمة بنت أسد (ع)

وأما فاطمة بنت أسد، أم علي بن أبي طالب فإن عبد العزيز حدّث عن عبد الله بن جعفر بن المسور بن مخرمة، عن عمرو بن ذبيان، عن محمد بن علي بن أبي طالب قال: لما استقر بفاطمة، وعلم بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إذا توفيت فأعلموني فلما توفيت خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأمر بقبرها، فحفر في موضع المسجد الذي يقال له اليوم قبر فاطمة، ثم لحد لها لحداً، ولم يضرح لها ضريحاً، فلما فرغ منه نزل فاضطجع في اللحد وقرأ القرآن، ثم نزع قميصه، فأمر أن تكفَّن فيه، ثم صلى عليها عند قبرها فكبّر تسعاً وقال: ما أعفى أحد من ضغطة القبر الا فاطمة بنت أسد، الحديث.

وعن جابر بن عبد الله قال: بينما نحن جلوس مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إذ أتى آت فقال: يا رسول الله، إن أم علي وجعفر وعقيل قد ماتت. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): قوموا بنا إلى أمي. فقمنا وكأن على رؤوس من معه الطير، فلما انتهينا إلى الباب نزع قميصه فقال: إذا غسلتموها فأشعروها إياه تحت أكفانها. فلما خرجوا بها جعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مرة يحمل، ومرة يتقدم، ومرة يتأخر، حتى انتهينا إلى القبر، وتمعّك في اللحد ثم خرج فقال: أدخلوها باسم الله، وعلى اسم الله. فلما أن دفنوها قام قائماً فقال: جزاك الله من أم وربيبة خيراً، فنعم الأم، ونعم الربيبة كنت لي.

قال: فقلنا له ـ أو قيل له ـ: يا رسول الله لقد صنعت شيئين ما رأيناك صنعت مثلهما قط. قال: ما هو؟ قلنا: بنزعك قميصك، وتمعّكك في اللحد.

قال: أمّا قميصي فأردت ألا تمسّها النار أبداً إن شاء الله، وأما تمعّكي في اللحد فأردت أن يوسّع الله عليها قبرها.


هي فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف القرشية، أم علي بن أبي طالب وإخوته عقيل وجعفر وطالب، أسلمت وهاجرت إلى المدينة، وتوفيت بها فكفنها رسول الله عليه وسلم في قميصه، ونزل قبرها قبل دفنها فاضطجع فيه. فقالوا: ما رأيناك صنعت بأحد ما صنعت بهذه. فقال: "إنه لم يكن بعد أبي طالب أبر بي منها، إنما ألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنة، واضطجعت في قبرها ليهون عليها عذاب القبر". وقد انقرض ولد أسد بن هاشم إلا من ولد ابنته فاطمة.

فاطمة بنت أسد إعلم أن تلك السيدة المحترمة حملت بنور الولاية ، وكانت حسنة السريرة ، عالمة بأمور آخرتها ، عارفة بمآل أمرها ، عاقلة ، فاهمة ، ولها شرف الأمومة للأئمة البررة من جهة ولدها ، وهو أشرف الأبوين ، والجدة الاولى للحسنين ( عليهما السلام ) ، والأئمة إلى خاتمهم قائم آل محمد ، فهي من هذه الجهة مساوية لخديجة أم المؤمنين أم الأئمة الاثني عشر ، ظهرت منها أنوار الإمامة والولاية ، فكانت مخزن العصمة ، وكنز الحياء والعفة ، وهي أقرب النساء من هاشم بن عبد مناف سوى بنات عبد المطلب الطاهرات ، وأول هاشمية ولدت لهاشمي ، حيث ينتهي نسب علي بن أبي طالب من أبيه إلى عبد المطلب إلى هاشم ، ومن أمه إلى أسد إلى هاشم .

قال عبد الحميد بن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة ، وصوبه ابن عبد البر في الإستيعاب : وأم فاطمة بنت أسد ، فاطمة بنت هرم بن رواحة بن حجر بن عبد بن معيص بن عامر [ بن لؤي ] ابن وهب بن ثعلبة بن وائلة بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر - جد النبي ( صلى الله عليه وآله ) - . .

وأمها عاتكة بنت أبي همهمة ، واسمه عمرو بن عبد العزى . . .

وأمها حبيبة وهي أمة الله بنت عبد ياليل بن سالم بن مالك بن حطيط بن قصي ، وهو ثقيف ; وأمها فلانة بنت مخزوم بن أسامة ابن منبع بن وائلة بن نصر . . .

وأمها ريطة بنت يسار بن مالك بن حطيط بن جشم بن ثقيف ، وأمها كلة بنت حصين بن سعد بن بكر بن هوازن ، وأمها حبي بنت الحارث بن النابغة بن عميرة بن عوف بن نصر بن هوازن .

ذكر هذا النسب أبو الفرج الأصفهاني في كتاب « مقاتل الطالبيين » .

وربما كان اختلاف في بعض هذه الأسماء في مشجرات النسابين ، فلا ضير على القارئ إذا وجد شيئا من الاختلاف والغلط في بعض الأسماء .

وفاطمة بنت أسد لم تتزوج غير أبي طالب ، وأبو طالب يبعث أمة وحده ، وقد خلف منها أربعة ذكور وبنتين ، كانوا جميعا غاية في الكمال والاعتدال .

أما الذكور فطالب وعقيل وجعفر وأمير المؤمنين ، وهو أصغرهم وأفضلهم ، كما كانت فاطمة الزهراء أصغر أولاد سيد الكائنات وأفضلهم ، وطالب لم يعقب وعقب الباقون ، وإليهم تنتسب الشجرة الرفيعة والسلسلة المنيعة والأنساب العالية للطالبيين من الذرية الطيبة ، ودواوين الأنساب موشحة ومزينة بأسمائهم المباركة ، بل ألفت في أنسابهم كتبا ومؤلفات خاصة .

أما الإناث فاثنتان : أم هانئ فاختة زوجة أبو وهب هبيرة ابن عمرو بن عامر المخزومي ، أعقب جعدة بن هبيرة ، استعمله أمير المؤمنين أيام خلافته ، وأخته أسماء أو ريطة أو جمامة ، تزوجها أبو سفيان بن الحارث بن عبد الملك هاجرت إلى المدينة وتوفيت هناك .

كان علي ( عليه السلام ) أصغر بنيها ، وجعفر أسن منه بعشر سنين ، وعقيل أسن منه بعشر سنين ، وطالب أسن من عقيل بعشر سنين .

ولام هانئ قصة مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) عام الفتح ، حيث أجارت جماعة فقبل النبي ( صلى الله عليه وآله ) جوارها ، وتشفعت فيهم فقبل شفاعتها وعفا عنهم ، وقال : لا تثريب عليكم اليوم .

وفي كتاب الصراط المستقيم لنور الدين علي بن محمد بن يونس البياضي المحقق الإمامي الشيعي المعاصر للشهيد الثاني - طاب ثراهما - رؤية صادقة منسوبة لفاطمة بنت أسد لا بأس بنقلها ، فإنها تبير الكرب وتنير القلب : قالت ( عليها السلام ) : رأيت جبال الشام تزحف نحو مكة وهي مدججة بالسلاح والحديد ، تصرخ وتصيح والشرر يتطاير منها ، وكان منظرها مفزعا مرعبا مهيبا مهولا ، ورأيت جبال مكة زحفت نحوها مدججة بالسلاح والسيوف والسهام و و . . ، وكلما سقط منها سلاح أخذه الناس ، فطار مني سيف إلى السماء ، وسيف وقف في جو السماء ، وسيف وقع على الأرض فانكسر ، وسيف بقي في يدي ثم تحول أسدا هاجم جبال الشام فخاف منه الناس خوفا عظيما ، ثم جاء ابني النبي ( صلى الله عليه وآله ) فمسح بيده على رأسه ، فهدأ حتى صار كالوعل الوديع يسمع ويطيع . فاستيقظت فزعة خائفة ، وذهبت إلى أبي كرز الكاهن لأقص عليه ما رأيت ، فلما رأيت عنده جميل كاهن بني تميم أمسكت عن الكلام ، فنظر إلي جميل وضحك وقال : أقسم بالأنوار ومظهر السماء إنك تكرهين جلوسي هذا ، وإنك رأيت رؤيا تريدين قصتها على أبي كرز ليؤولها لك .

فقلت : إن صدقت فأخبرني عن قصدي ورؤياي ، فأنشأ يقول :

رأيت أجبالا تؤم أجبالا * وكلها لابسة سربالا مسرعة لتبتغي النصالا * حتى رأيت بعضها وبيضة تشتعل اشتعالا * فواجد في ثح ماء غالا وثاني في جوها قد حالا * بذي خواف طارحين زالا وثالث [ قد ] صادف اختلالا * من كسره منظره مختالا ورابع قد خلته هلالا * أدرك في خلقته أشبالا ثم استوى مستأسدا أصوالا * يخطف من سرعته الرجالا فانسل من قيعانها انسلالا * حتى أتى ابن عمه ارسالا فتله بصفه أتلالا * كظبية ما صنعت عقالا

ثم انتبهت تحسبي خيالا فقالت ( عليها السلام ) : هو كذلك يا جميل ، ولكن ما تأويله ؟ فقال :

أما النصول فهو صيد أربع * ذكور أولاد حكتها الأسبع والبيضة الوقداء بيت تتبع * كريمة غراء لا تروع فصاحب الماء غريب مفتقد * في لجة ترمى شظاها بالزبد والطائران ول ذو الغرب الزغب * تقتله في الحرب عتاد الخطب

والغرض نقل الرؤية الصادقة التي رأتها فاطمة وتأويل جميل ، أما أبياته فليست بالمستوى المطلوب وهذه الطريقة كانت رائجة أيام الفترة بين الكهنة والسحرة وهواتف الجن .

وفي كتاب ابن بابويه عليه الرحمة : إن أبا طالب نام في الحجر ، فرأى في منامه بابا انفتح من السماء ونزل منه نور شمله ، فأتى راهب الجحفة يقص عليه ، فقال له :

أبشر أبا طالب عن قليل * بالولد الخالي عن المثيل يال قريش اسمعوا تأويلي * هذان نوران على سبيل

كمثل موسى وأخيه السؤلي فرجع أبو طالب فرحا وطاف بالكعبة وهو يقول :

أطوف لله حوالي البيت * أدعوه بالرغبة محيي الميت بأن يريني السبط قبل الموت * أغر نورا يا عظيم الصوت ثم نام في الحجر ثانية ، فرأى كأنه ألبس إكليلا من ياقوت وسربالا من عبقر ، وكأن قائلا يقول : يا أبا طالب ! قرت عيناك وظفرت يداك وحسنت رؤياك ، فأنى لك بالولد ، ومالك البلد ، وعظيم التلد على رغم الحسد .

فانتبه فرحا وطاف قائلا :

أدعوك رب البيت والطواف * دعاء عبد بالذنوب وافي تعينني بالمنن اللطاف * والولد المحبو بالعفاف وسيد السادات والأشراف

وروى شيخ المعتزلة ابن أبي الحديد عن علي بن الحسين ( عليهما السلام ) أنه قال : واعجبا ! إن الله تعالى نهى رسوله أن يقر مسلمة على نكاح كافر ، وقد كانت فاطمة بنت أسد من السابقات إلى الإسلام ، ولم تزل تحت أبي طالب حتى مات .

وقال أيضا : أسلمت فاطمة بنت أسد بعد عشرة من المسلمين وكانت الحادية عشرة .

وقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة » وإنما عنى به أبو طالب .

أضف إلى أن شعره ونثره في مدح الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ودفاعه عنه ومعارضته لجميع أرباب الملل والديانات ودعمه لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أقوى دليل على إيمانه .

ولكنه كان يكتم إيمانه ; لأنه كان مطاعا في قومه ، وقومه ينكرون نبوة النبي ( صلى الله عليه وآله ) فلو أظهر إيمانه لعارضهم جميعا ولما تهيأ له من نصرة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ما تهيأ له ، ولهجرته قريش كما هجرت النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأتباعه ; لذا كان أبو طالب يحضر أنديتهم ويسمعهم ما ينبغي أن يسمعهم .

ولا يخدش كتمانه في إيمانه ، فهو كأصحاب الكهف ومؤمن آل فرعون ، ولا يخرج بذلك عن الدين ، كيف وهو على دين إبراهيم ( عليه السلام ) والمشايخ من آبائه .

وذهب إلى هذا القول الثعلبي في تفسيره ، والحافظ المقدس في سيرة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وصاحب الوسيلة في الجزء الخامس ، وصرح به صاحب جامع الأصول فيما رواه .

والعجيب أنهم قالوا بإسلام فاطمة بنت أسد وأبنائها ، فكيف تكون على خلاف مذهب أبي طالب « والمرأة على دين بعلها » ؟ وهل يصح أن تكون على خلاف الحنيفية كل هذه المدة المديدة دون أن ينهاها أبو طالب وهو عليه فرض واجب ؟ ! الخلاصة : ما كان لأبي طالب في الخارج ولفاطمة بنت أسد في الداخل من هم ولا شغل سوى حضانة النبي ( صلى الله عليه وآله ) وكفالته وحمايته .

سيما فاطمة فإنها مع كثرة الأولاد والعيال لم يشغلها شيء عن الوقوف بكل ما أوتيت من قوة في خدمة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فبالغت بالاهتمام بأكله وشربه ولباسه وتدهينه وتطييبه وترجيل شعره ، حتى كانت تقدمه على أولادها ، وكان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يزورها ويقيل عندها في بيتها ويناديها : « أمي » .

وكانت هي أول امرأة هاجرت في محبة فاطمة الزهراء إلى المدينة ، وكانت لها كالأم .

قال علي بن الحسين المسعودي طاب ثراه : « وهي أول امرأة هاجرت من مكة إلى المدينة ماشية حافية ، وكانت صالحة ، وكان أبو طالب قام بنصرة رسول الله ولا يفارقه ويحبه حبا شديدا ، ويقدمه على أولاده ، ولا ينام إلا وهو إلى جانبه ، ويقول له : إنك مبارك النقيبة ، ميمون الطلعة ، وقد كان أكبر العرب ممن بقي أو دثر يقر بالصانع ويستدل على الخالق » وهذا هو معنى « المرأة على دين بعلها » .

فلا يخفى أن خديجة بنت خويلد وآمنة بنت وهب وفاطمة بنت أسد وحليمة السعدية وأمثالهن كن على الحنيفية منذ الولادة إلى البعثة ، بل إن بعضهن لم يكن إيمانهن مسبوقا بالكفر ، حيث اختار الله عدة من النساء وأعدهن للنبي ( صلى الله عليه وآله ) للمضاجعة والحمل والولادة والحضانة والكفالة والإرضاع ، وكان لهن قابلية فطرية ومؤهلات كافية لاستقبال أنواع الفيض والرحمة والمواهب المفاضة من الله لحفظ ذاك الوجود السعيد بهذه الوسائل ، فرحم الله نبيه بما آتاهن ، وكان لكل واحدة منهن من المشاهدات والمكاشفات المشروحة في كتب السيرة .

كل ذلك من فضل الله سبحانه ، وتفضيل النسوان بعضهن على بعض كتفضيل الرجال بعضهم على بعض ، وليس في ذلك حزازة ، ولا ينبغي التردد فيه ، ومن ذا يعارض الله الواحد الأحد في قدرته وحكمته الكاملة ومصلحته التامة ؟ ! ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده ) .

جرم أن هذه الأقوال السخيفة والعقائد الضعيفة في حق هذه الأسرة المنيفة كلها ناتجة عن عدم المعرفة وفقدان البصيرة وعدم الإحاطة بأحوالهم وفضائلهم .

كيف الوصول إلى سعاد ودونها * قلل الجبال ودونهن حتوف الرجل حافية فمالي مركب * والكف صفر والطريق مخوف پيش موسى ساحرى از محض ماليخولياست * نزد عيسى لاف

طب از علت سودا بود حفظت شيئا وغابت عنك أشياء ليتنا كنا ننظر إلى المقامات العلية والدرجات السنية لهذه المخدرات المرضية والمكرمات المحترمات بعين الباطن أولا وتصفية الخاطر ثانيا ، ونعرف علة تفضيلهن على النساء ، ثم ندخل بعد ذلك مقام شرح حالاتهن وبيان شؤوناتهن لئلا نخرج - جهلا - الأولياء الكاملين وبنات الطاهرات والطاهرين عن جادة التوحيد ومسلك العرفان والإيمان بالرب المجيد .

وما أقصر أيدينا - ونحن عبيد العلي الأعلى - عن التمسك بأذيالهن ، وإن كانت أيدينا أقرب إلى هؤلاء من أولئك الذين تقلبوا عدة قرون في حجاب الحياء والعصمة ، وربتهم يد المكرمة في الحضرة الأحدية ، ووقفوا في قصور التوحيد بالقدم الثابت ، وأدوا حق العبادة والطاعة لمن هو أهل لذلك .

فعلى القائل باختلاف الطينات والدرجات والكمالات والعقول والأعمال أن يمسك لسانه وينقطع عن عمله ف‍ :

الليل داج والكباش تنتطح * فمن نجا برأسه فقد ربح

أجل أيها المخالف الناصب ! فسوء الظن من شدة الضن ، واللفظ شين المحافل ، والجرس آفة القوافل ، فكيف يركن إلى أقوال المغيرة بن شعبة المغرضة وأمثاله من أعداء أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، ويعرض عن أقوال أبي طالب وأفعاله وشعره ونثره ؟ وكيف يقال بكفر والدي الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ويعرض عن كل تلك المكرمات الباهرة والآيات النيرة الزاهرة التي ظهرت من هذه النسوة التقيات المباركات ؟ وقد ذكرت في الخصيصة السابقة ما أمسكت عنه في هذا المقام ، ولكني لا أستطيع الإعراض عن هذا الأمر ; لأن الخصم المتعسف العنيد يصر على إنكاره وهو من البديهيات الواضحة .

( يريدون ليطفؤوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره المشركون ) .

فلا فرق بين هذه الطائفة والطائفة الفضلية من الخوارج الذين يقولون بجواز الكفر على الأنبياء .

قال ابن فورك : يمكن أن يبعث للخلق نبيا كافرا ؟ ! تمسك الحشوية بقوله تعالى : ( فوجدك ضالا فهدى ) للقول بكفر النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وتمسكوا بقوله تعالى : ( ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ) للقول بأن إيمانه كان مسبوقا بالجهل والكفر ؟ ! ! نعوذ بالله من هذه الأباطيل والأساطير .

والأفضل أن نزين هذه الخصيصة بأبيات لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) في رثاء أبيه وهو أقوى دليل على توحيده وإيمانه ، وقوله أولى من قول من هو أكذب من سراب :

أبا طالب عصمة المستجير * وغيث المحول ونور الظلم لقد هد فقدك أهل الحفاظ * فصلى عليك ولي النعم ولقاك ربك رضوانه * فقد كنت للطهر من خير عم

وإليك روايتان في حالات فاطمة الشريفة تحكي حسن إيمانها وإيمان أبي طالب .

الحديث الأول في ولادة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) والحديث الثاني في وفاتها ( عليها السلام ) .

أما الحديث الأول : عن يزيد بن قعنب ، قال : كنت جالسا مع العباس بن عبد المطلب وفريق من عبد العزى بإزاء بيت الله الحرام ، إذ أقبلت فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وكانت حاملا به لتسعة أشهر وقد أخذها الطلق ، فقالت : رب إني مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب ، وإني مصدقة بكلام جدي إبراهيم الخليل ( عليه السلام ) وأنه بنى البيت العتيق ، فبحق الذي بنى هذا البيت ، وبحق المولود الذي في بطني لما يسرت علي ولادتي .

قال يزيد بن قعنب : فرأينا البيت وقد انفتح عن ظهره ودخلت فاطمة فيه وغابت عن أبصارنا والتزق الحائط ، فرمنا أن ينفتح لنا قفل الباب فلم ينفتح ، فعلمنا أن ذلك أمر من الله عز وجل ، ثم خرجت بعد الرابع وبيدها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، ثم قالت : إني فضلت على من تقدمني من النساء ، لأن آسية بنت مزاحم عبدت الله عز وجل سرا في موضع لا يحب أن يعبد الله فيه إلا اضطرارا ، وإن مريم بنت عمران هزت النخلة اليابسة بيدها حتى أكلت منها رطبا جنيا ، وإني دخلت بيت الله الحرام فأكلت من ثمار الجنة وأوراقها ، فلما أردت أن أخرج هتف بي هاتف : يا فاطمة ! سميه عليا ، فهو علي والله العلي الأعلى يقول : إني شققت اسمه من اسمي ، وأدبته بأدبي ، ووقفته على غوامض علمي ، وهو الذي يكسر الأصنام في بيتي ، وهو الذي يؤذن فوق ظهر بيتي ويقدسني ويمجدني ، فطوبى لمن أحبه وأطاعه ، وويل لمن أبغضه وعصاه .

ولنعم ما قيل :

ولدته في حرم الإله امه * والبيت حيث فنائه والمسجد بيضاء طاهرة الثياب كريمة * طابت وطاب وليدها والمولد في ليلة غابت نحوس نجومها * وبدت مع القمر المنير الأسعد ما لف في خرق القوابل مثله * إلا ابن آمنة النبي محمد

لا يخفى أن ولادة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كانت قبل البعثة بعشر سنين يعني أنه ولد والنبي في الثلاثين من عمره .

وكانت تلك المخدرة قبل البعثة على عقيدة غاية في المتانة والرصانة والصلابة ، بحيث قالت ما قالت عند الكعبة ، وعبرت عما في ضميرها بتلك العبارات ، وكأنها أدخلت نفسها في دائرة هذه الشريعة قبل ولادة ابنها ، وبقيت تنتظر أن يدعو ابنها الناس إلى النبوة ، وكانت هي أول من بايع بعد الدعوة رغم عناد قريش - رجالا ونساء - وغيرهم من الأعداء الجهلة .

وبناء على هذا التقرير تكون فاطمة بنت أسد في الستين من العمر عند وفاتها ، وقد قضت غالب أيامها في طاعة السيد المختار وامتثال أوامر الرب الجبار ، ولا تجد في الأمة امرأة مؤمنة وحدت الله وأطاعته بالجنان والأركان كفاطمة بنت أسد ما خلا خديجة بنت خويلد ; لذا استحقت كل تلك الألطاف من النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فدعى لها واستغفر لها ولقنها الولاية وأكمل لها دينها ، وفي رواية أخرى : أنه جلس على شفير قبر فاطمة وقال : « ابنك ابنك علي لا جعفر ولا عقيل » .

هذه المرأة قضت عمرها في خدمة سيد الأبرار ، وكانت تحكي بخدمتها وسلوكها خلوصها ومحبتها وشوقها ، وكانت تعتقد في فاطمة الزهراء أنها خاصة النبي ( صلى الله عليه وآله ) وخلاصة وجوده المبارك ، وجوهره الصافي ، وحقيقته المصطفوية الحقة ، وترى رضا المصطفى في محبة فاطمة الزهراء وخدمتها والقيام بأمرها مقام أمها ، فهل يصح أن يقال - بعد كل هذا - أنها لم تتبع النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، أو أنها فارقته وخالفته في مسيرته ؟ ! ! كيف وهذه الأخبار المعتبرة والآثار الكثيرة على أنها بذلت ما في وسعها ، واجتهدت غاية الإجتهاد ، ثمانين سنين في مكة وما بقي من عمرها إلى حين وفاتها في المدينة الطيبة ، من أجل خدمة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وخدمة المستورة الكبرى فاطمة الزهراء بما يجل عن التقصير ويفوق حد التصور ، وعليه فلا أظن أن تكون ثمة امرأة بجلالة فاطمة بنت أسد ما خلا خديجة ( عليها السلام ) ، فعليها من الصلوات ما طابت ، ومن التحيات ما طهرت ، ما النجوم أنارت ، وما الأفلاك دارت .

أما الحديث الثاني : في كتاب روضة الواعظين للفتال طاب ثراه ، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه ، قال : أقبل علي بن أبي طالب ذات يوم إلى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) باكيا وهو يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون .

فقال له رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : مه يا علي . فقال : ماتت أمي فاطمة ، فبكى النبي ( صلى الله عليه وآله ) ثم قال : رحم الله أمك يا علي ، أما إنها إن كانت لك أما فقد كانت لي أما ، خذ عمامتي هذه وخذ ثوبي هذين فكفنها فيهما ، ومر النساء فلتحسن غسلها ، ولا تخرجها متى أجيء فألي أمرها .

قال : وأقبل النبي ( صلى الله عليه وآله ) بعد ساعة وأخرجت فاطمة أم علي ( عليه السلام ) ، فصلى عليها النبي ( صلى الله عليه وآله ) صلاة لم يصلها على أحد قبلها مثل تلك الصلاة ، ثم كبر عليها أربعين تكبيرة ، ثم دخل القبر فتمدد فيه فلم يسمع له أنين ولا حركة ، ثم قال : يا علي أدخل ! يا حسن أدخل ! فدخلا القبر ، فلما فرغ مما احتاج إليه قال له : يا علي أخرج ، يا حسن أخرج ، فخرجا ، ثم زحف النبي حتى صار عند رأسها ، ثم قال : يا فاطمة أنا محمد سيد ولد آدم ، ولا فخر ، فإن أتاك منكر ونكير فسألاك ممن ربك فقولي : الله ربي ، ومحمد نبيي ، والإسلام ديني ، والقرآن كتابي ، وابني إمامي ووليي .

ثم قال : اللهم ثبت فاطمة بالقول الثابت ، ثم ضرب بيده اليمنى على اليسرى فنفضهما ، ثم قال : والذي نفس محمد بيده لقد سمعت فاطمة تصفيق يميني على شمالي .

فقام إليه عمار بن ياسر فقال : فداك أبي وأمي يا رسول الله ! لقد صليت عليها صلاة لم تصل على أحد قبلها مثل تلك الصلاة ؟ فقال : يا أبا اليقظان ! وأهل ذلك هي مني لقد كان لها من أبي طالب ولد كثير ، ولقد كان خيرهم كثيرا وكان خيرنا قليلا ، وكانت تشبعني وتجيعهم ، وتكسوني وتعريهم ، وتدهنني وتشعثهم .

قال : فلم كبرت عليها أربعين تكبيرة يا رسول الله ؟ قال : نعم يا عمار التفت إلى يمين ونظرت أربعين صفا من الملائكة فكبرت لكل صف تكبيرة .

قال : فتمددك في القبر ولم يسمع لك أنين ولا حركة ؟ قال : إن الناس يحشرون يوم القيامة عراة ، فلم أزل أطلب إلى ربي أن يبعثها ستيرة ، والذي نفسي بيده ، ما خرجت من قبرها حتى رأيت مصباحين من نور عند يديها ، ومصباحين من نور عند رجليها ، وملكيها الموكلين بقبرها يستغفران لها إلى يوم القيامة.

وروي في خبر آخر طويل : إن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : يا عمار ! إن الملائكة قد ملأت الأفق ، وفتح لها باب من الجنة ، ومهد لها مهادا من مهاد الجنة ، وبعث إليها بريحان من رياحين الجنة ، فهي في روح وريحان وجنة نعيم ، وقبرها روضة من رياض الجنة .

فطام فيه عصام في كتاب خلاصة الوفاء في أخبار دار المصطفى لعلي بن عبد الله أبي الحسن السمهودي المدني ، ذكر المدفونين في البقيع من الذكور والإناث من الأصحاب الأطياب والطالبيين من ذرية سيد الأوصياء ، وذكر منهم فاطمة بنت أسد فقال : روى ابن زبالة ، عن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب قال : دفن رسول الله فاطمة بنت أسد بن هاشم ، وكانت مهاجرة مبايعة بالروحاء مقابل حمام أبي قطيفة . قال : ثم قبر إبراهيم ابن النبي ( صلى الله عليه وآله ) .

وقال في قبر العباب بن عبد المطلب : إنه دفن عند قبر فاطمة بنت أسد بن هاشم في أول مقابر بني هاشم التي في دار عقيل .

وعن ابن حبان : دفن الحسن عند قبر جدته فاطمة بنت أسد .

وفي كتاب السمهودي أيضا : إن النبي ( صلى الله عليه وآله ) لم ينزل في قبر أحد إلا خمسة قبور ، ثلاث نسوة ورجلين ، منها قبر خديجة بمكة ، وأربع بالمدينة ، قبر ابن خديجة ، كان في حجر النبي ( صلى الله عليه وآله ) وتولى تربيته ، وهو على قارعة الطريق بين زقاق عبد الدار وبين البقيع الذي يتدافن فيه بنو هاشم ، وقبر عبد الله المزني الذي يقال له : ذو البجادين ، وقبر أم رومان أم عائشة بنت أبي بكر ، وقبر فاطمة بنت أسد أم علي ، فأمر بقبرها فحفر ثم لحد لها لحدا ، فلما فرغ منه نزل فاضطجع في اللحد وقرأ فيه القرآن ، ثم نزع قميصه فأمر أن تكفن فيه ، ثم صلى عليها عند قبرها فكبر تسعا ، وقال : ما عفى أحد من ضغطة القبر إلا فاطمة بنت أسد . وفيه أيضا عن أنس بن مالك قال : لما ماتت فاطمة بنت أسد دخل عليها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فجلس عند رأسها فقال : رحمك الله يا أمي بعد أمي ، وذكر ثناءه عليها وتكفينها ببرده .

قال : ثم أمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فحفروا قبرها فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بيده وأخرج ترابه بيده ، فلما فرغ دخل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فاضجع فيه ثم قال : الله الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت ، اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي ، فإنك أرحم الراحمين .

وستعرف بعد حين أن قبر فاطمة الزهراء لم يكن في البقيع ولا مقابل دار عقيل ، وما استدلوا به من وصية الحسن ( عليه السلام ) أن يدفن عند أمه ، فالمقصود بها فاطمة بنت أسد كما صرح به الخبر المذكور قال : « عند قبر جدته فاطمة بنت أسد » وما ادعاه السمهودي فهو خلاف ، وقد تمسك بقول المسعودي : إنهم وجدوا رخامة مكتوب عليها : هذا قبر فاطمة بنت رسول الله سيدة نساء العالمين وقبر الحسن بن علي وعلي بن الحسين وقبر محمد بن علي وجعفر بن محمد ( عليهم السلام ) .

وكذا أخبر سبط ابن الجوزي عن الواقدي ، والمحدث الطبري في ذخائر العقبى في فضائل ذوي القربى ، وقال : إنهم يزورون فاطمة في ذاك المزار كثير الأنوار .

لكن المحقق عند أرباب الفن والأساطين من أراب الخبر والسير ، وأعاظم محدثي الإمامية ، بل الغالب في الكتب الموثقة العامية أن قبر فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) في بيتها كما قال المفيد ، وهو الأصح عندي ، وسيأتي الحديث عنه مفصلا في خصيصة الدفن فلا نطيل .

وما أكثر التشابهات الإسمية التي اقتضتها الحكمة ليبقى قبر المقدسة الصديقة الطاهرة في الخفاء ، تأكيدا لوصيتها أن تدفن ليلا ، وأن يكتم أمرها ولا يخبر بموتها أحد من المهاجرين والأنصار .

فهذه قطرة من قطرات بحار الأخبار ، وقبسة من قبسات آثار الأئمة الأطهار ، ولقد تركنا بعضها خلافا للأخبار ، وكتبنا بعضها إلزاما وإرغاما لهم ولذي الجحود والإنكار ، والأمر بيد الله الواحد القهار .