الرئيسيةبحث

توسع كوني

تصطدم كافة محاولات معرفة شكل الكون باستحالة تحديد شكل أي جسم بمشاهدته فقط من داخله. وهكذا، فقد مر شكل الكون بذي الإثني عشر وجهاً المنتظم لأفلاطون، وبكرة أرسطو، وبالأجسام ذوات الأوجه الخسمة المنتظمة القائمة في كرة لكبلر، وبالفضاء الإقليدي لنيوتن وليبنتيز، وأخيراً بفضاء رباعي الأبعاد لأينشتين ترتكز هندسته على توزع الكتل فيه. أما اليوم فإن الأبحاث الرياضية والفيزيائية تلعب دوراً كبيراً في تعديل الكثير من وجهات نظر العلماء حول ما يمكن أن يكون عليه شكل الكون. فنحن نعرف أن الجاذبية تحكم حركات النجوم والمجرات والحشود المجرية في الكون. وتفترض الكوزمولوجيا الحديثة أن الجاذبية هي الوحيدة التي تحكم بنية الكون على مستواه الأكبر. وهي فرضية ترتكز على النظرية الأكثر ثباتاً اليوم في الفيزياء وهي نظرية النسبية العامة. والنسبية العامة تعرف الجاذبية على أنها انحناء أو تشوه للنسيج الهندسي للكون تخلقه المادة في محيطها. وهكذا يُعرَّف نموذج الكون الحديث على أنه فضاء منحني من أربعة أبعاد يسمى الزمكان. وهو ينتمي إلى سلسلة من الفضاءات غير الإقليدية أي غير المسطحة. ولمطابقة الفضاء اللاإقليدي لريمن على النموذج الجاذبي للكون لا بد من الافتراض أن الخصائص الهندسية والفيزيائية لكوننا هي نفسها في كل النقاط في لحظة معطاة، كما وفي كل اتجاه حول كل نقطة من الكون. وهذا يعني أن الكون متجانس ومتناظر.

هل يعني ذلك أن الكون يشبه الكرة، وهل تم إثبات هذه الفرضية؟ لقد أثبتت هذه الفرضية عموماً من خلال عدة براهين لعل أهمها بنية الكون المتجانسة على المستوى الفيزيائي كما وتناظر الإشعاع الكوني البدئي. أما أن يشبه الكون كرة فليس الأمر بهذه البساطة، وفق ما تخيل أرسطو. فحلول معادلات أينشتين التي توصل إليها كل من فريدما ولوميتر تقود إلى عدة نماذج كونية فائقة البساطة على المستوى الهندسي طالما أنها تملك انحناء متماثلاً في كل نقطة منها. لكن هذا الانحناء يمكن أن يختلف من لحظة لأخرى الأمر الذي يعطي النموذج الكوني شكلاً غير متوقعاً، أكده الانزياح نحو الأحمر الذي يعني أن الكون في حالة تمدد. أما في حالة السكون، فإن النماذج التي يمكن أن يكون الكون عليها ثلاثة: الأول كروي ناجم عن سطح منحني موجب مغلق، والثاني ناجم عن سطح منحني سالب يأخذ شكل قطع مكافئ مفتوح، أما الثالث فانحناؤه معدوم وهو نموذج إقليدي مفتوح. وهو الذي يسمى بنموذج أينشتين ـ دو سيتر.

إن لكافة هذه النماذج سمة كبيرة: فهي بتدأ بمرحلة كثافة وانحناء وسرعة للتوسع يسميها العلماء "الفرادة" أو "الإنفجار الكبير". ومع ذلك فلكل نمط هندسي ممكن ديناميكية مختلفة ترتبط به. ففي نموذج الهندسة الكروية المغلقة يجب أن تنتهي مرحلة التوسع الكوني بما يسمى الإنكماش الكبير، في حين أن التوسع الكوني لانهائي في النماذج المفتوحة. ومع ذلك فهذا التوسع يتباطأ تدريجياً لينتهي إلى التوقف في مستقبل لانهائي من عمر الكون في النموذج الإقليدي. وهذا يعني أن هندسة الكون مرتبطة بمصيره في نماذج فريدمان ـ لوميتر. ويمكن التعبير عن هذا الفارق بين الهندسات من خلال كمية تقيس نسبة التباطؤ في توسع الكون. والقيمة الحدية لهذا المعيار تساوي النصف في نموذج إينشتين دو سيتر. القيم الأعلى توافق النماذج الهندسية الكروية والقيم الأدنى توافق النماذج القطعية المكافئة. وقد أمكن التثبت من هذا المعيار تجريبياً بطرق عديدة منها دراسة التغيرات الفيزيائية للأجسام الكونية البعيدة تبعاً لمسافاتها. وتربط النظرية بمعيار التباطؤ هذا قيمة للكثافة المتوسطة للكون، لكن لم يمكن حتى الآن حسم مسألة القيمة الدقيقة للكثافة الكونية مما لا يسمح بالحسم بين نموذجي الكون المفتوح والمغلق.

هل هناك معايير أخرى تتدخل في تحديد الهندسة الكونية؟ وفق النماذج الحديثة المرتكزة على نموذج التوسع الكوني، يفضل العلماء نموذج أينشتين دو سيتر، إنما مع ضرورة تحديد واكتشاف الكتلة الناقصة في الكون التي تعطي الكثافة المطلوبة. ويفضل العلماء هذا النموذج لأنهم لو قبلوا بنموذج فريدمان لوميتر المفتوح (أي اللانهائي)، فيجب عندها القبول أنه في هذا الكون يكون على كل فعل فيزيائي يتم باحتمال غير معدوم أن يتوالد عدداً لانهائياً من المرات، وهذا يعني أن كل شيء في هذا الكون يتضمن نماذج لانهائية من ذاته. لكن المسألة تزداد تعقيداً بالنسبة لهندسة الكون مع عاملين آخرين. الأول هو الثابتة الكونية التي طرحها أينشتين عام 1917 ليجعل نموذجه للكون سكونياً. فعندما تكون الثابتة الكونية غير معدومة يمكننا أن نرى أكواناً محدودة فضائياً إنما يستمر فيها التوسع بشكل لانهائي. لكن لا أحد يعرف اليوم إن كانت هذه الثابتة الكونية معدومة أم لا. وهي في كل حال لا يمكن أن تكون إلا صغيرة جداً وإلا فهي تدخل تغييراً جوهرياً في بنية وهندسة الكون كما نعرفه. والصعوبة الثانية التي تواجه العلماء هي أن الهندسة التي توضع للكون هي هندسة محلية تماماً. ويمكن من خلال المقاييس نفسها بناء أكوان مختلفة تماماً من منظور غير محلي. ولهذا فإن العلماء يقولون إن النسبية العامة التي وضعها أينشتين لا تحدد هندسة الكون، ولهذا يجب تحديد وتوسيع مفهوم شكل الكون من خلال خصائصه التي لا تتغير عندما تتعرض لتحولات مستمرة. ويعتمد العلماء اليوم على علم الطبولوجيا لتحديد هذه الخصائص الهندسية للكون، ولا شك أن الأرصاد المستقبلية لتوزع البنى الكونية الكبرى سيغير كثيراً نظرتنا التقليدية لشكل الكون. www.islampedia.com موقع اخر بالغة الانجليزيةwww.7stones.com/Homepage/Publisher/GR.html - 5k