الرئيسيةبحث

تهافت التهافت

رسمة تخيلية لابن رشد
رسمة تخيلية لابن رشد

تهافت التهافت كتاب من تأليف الفيلسوف المسلم ابن رشد للرد على الغزالى في كتابه تهافت الفلاسفة.

لم يعش أبو الوليد ابن رشدي، في زمن أبي حامد الغزالي، ولم يتجادل معه. كل ما في الأمر انه في كتابه الأشهر تهافت التهافت رد مباشرة على كتاب الغزالي تهافت الفلاسفة، وعلى الارجح بعد نحو ثلاثة أرباع القرن من ظهور هذا الكتاب الأخير الذي كان ولا يزال يعتبر أكبر هجوم شنه على الكلام على الفكر العقلاني الفلسفي في تاريخ الحضارة الاسلامية. والحال ان كتاب الغزالي كان من الشهرة والحضور والتأثير في البيئة الفكرية الاسلامية، حيث ان الأمر استدعى من ابن رشد ذلك الرد العنيف والدقيق الذي أورده في تهافت التهافت.

فهرس

نبذة

وإبن رشد لم يخف غايته منذ الصفحات الأولي لكتابه، حين نراه يقول تحت عنوان الغرض من الكتاب: فإن الغرض في هذا القول ان نبين مراتب الأقاويل وإسقاط مقاصد الشريعة المثبتة في كتاب التهافت لأبي حامد في التصديق والاقناع، وقصور أكثرها عن مرتبة الهول اليقين والبرهان . ولئن كان الإمام الغزالي عليه رحمة الله قد اعلن في كتابه انه لم يخض خوض الممهدين، بل خوض الهادفين المعترضين. ولذلك سميناه تهافت الفلاسفة لا تمهيد الحق، مضيفاً أنه لم يلتزم في هذا الكتاب الا تكدير مذهبهم والتغبير في وجوه أدلتهم، بما يبين تهافتهم، ولم نتطرق للذبّ عن مذهب معين، فإن ابن رشد ينقض دعواه هذه بقوله: قوله انه ليس يقصد، في هذا الكتاب، نصرة مذهب مخصوص، انما قاله لئلا يُظن به انه يقصد نصرة مذهب الأشعرية. وهكذا يموضع ابن رشد كتابه مرة اخرى، في اطار ذلك الصراع الكبير الذي عرفه الفكر الاسلامي بين علم الكلام (الأشعري خاصة) وبين الفلسفة العقلانية البعيدة عن حياة الروح والصومعة.

أن كتاب تهافت التهافت رد مباشر على كتاب الغزالي يستلزم الضربة الصادقة من الغزالي عليه رحمة الله، وفيه سلك فيلسوف قرطبة الطريقة نفسها ــ تقريباً ــ التي سلكها في شروحه المطولة على كتب ارسطو: يتتبع الكتاب فقرة فقرة ويقوم بإبداء الرأي، و ابن رشد يتدخل تارة في جميع المراحل او جلها ليصحح او يرد وتارة يترك الغزالي حتى ينهي كلامه في القضية موضوع النقاش، ثم يتدخل ليحلل ويصحح. وهو لا يعترف من منطلق مذهبي معين، بل يركز على ما في الدعاوي المطروحة من ضعف منطقي أو مخالفة لما يقول به الفلاسفة (ارسطو تحديداً)، او لينبه إلى ان ما يقوله الغزالي لا يمثل رأي ظاهر النصوص الدينية: القرآن والحديث، وان الأمر يتعلق بتأويل خطأ.

وقلنا أن ابن رشد اقترح قتل الغزال لما قد أفحمه الغزالي أقطعه.

تقسيم الكتاب

على نحو ما فعل الغزالي في تهافت الفلاسفة يقسم ابن رشد تهافت التهافت الي قسمين (الالهيات والطبيعيات) يتناول فيهما المسائل العشرين التي تناولها أبو حامد، من مسألة القدم والحدوث الي مسألة الخلود، ثم صدور الكثرة عن الواحد، والاستدلال على وجود صانع العالم، و في ان الله واحد ونفي الكثرة في ذاته ثم الصفات: هل هي عين الذات ام غيرها؟ ومسألة الوحدانية ثم الوجود والماهية في الذات الالهية، والتنزيه والتجسيم، ثم الصانع ام الدهر؟ وبعد ذلك تأتي ثلاث مسائل تحت عنوان في العلم الالهي : العلم بالكليات ــ هل يعقل الأول ذاته؟ ــ ثم العلم بالجزئيات. ثم تأتي مسألة طاعة السماء و الغرض المحرك للسماء و اللوح المحفوظ ونفوس السماوات قبل ان ينتقل أبو الوليد الي مسائل الطبيعيات فيبحث في السببية ثم روحانية النفس ومسألة الخلود و مسألة فناء النفوس البشرية وأخيراً البعث: للنفوس ام لها وللاجساد .اذا كان الغزالي يتساءل في خاتمة كتابه عما اذا كان الفلاسفة الذين يتحدث عنهم كافرين ويقول: فإن قال قائل: قد فصلتم مذاهب هؤلاء افتقطعون القول بكفرهم ووجوب القتل لمن يعتقد اعتقادهم؟ فإنه يجيب: تكفيرهم لا بد منه في ثلاث مسائل احدها مسألة قدم العالم، والثانية قولهم ان الله لا يحيط علماً بالجزئيات الحادثة من الاشخاص، والثالثة في انكارهم بعث الاجساد وحشرها لأن هذه المسائل الثلاث لا تلائم الاسلام بوجه ومعتقدها معتقد كذب الأنبياء . في المقابل يرى ابن رشد ان دين الفلاسفة انما يقوم أصلاً على الإيمان بوجود الله وعبادته وان مذهب السببية الذي ينقضه أبو حامد وينفيه، انما هو المذهب الذي يوصل إلى معرفة الله، ومعرفة خلقه معرفة واقعية. اما بالنسبة إلى الكثير من المسائل المتعلقة بالتصورات الشعبية للدين، فيجب في رأي ابن رشد تفسيرها تفسيراً روحياً لا عقلانياً، لأن الغاية منها، أصلاً، حث الانسان على اتباع سبيل الفضيلة. فالانسان يبدأ، دائماً، بأن يعيش معتقدات عامة، قبل ان يعيش حياته الخاصة. ولكن حتى حين يصل الانسان إلى هذا المستوي فإنه، بدلاً من ان يستخف بالمعتقدات التي كان يؤمن بها، عليه ان يسعى إلى فهمها فهماً صحيحاً. ومن هنا واضح ان القضية الاساسية التي تهيمن على تهافت التهافت وكذلك، طبعاً، على تهافت الفلاسفة ، انما هي قضية العلاقة بين الدين والمجتمع كما طرحت في التاريخ العربي الاسلامي ، كما يذكرنا الجابري.

تاريخ الكتاب

لم يُعرف تماماً التاريخ الذي كتب فيه ابن رشد كتابه المهم هذا تهافت التهافت ولكن من المرجح، بالنظر إلى ما في هذا الكتاب من سعة اطلاع ونضج تفكير بحسب الباحث الاب يوحنا قمير في كتاب وضعه عن التهافتين، لا يمكن نسبة الكتاب الي عهد الشباب، خصوصاً ان ابن رشد لا يذكره في كتابه فصل المقال كما لا يذكره في مناهج الأدلة الذي كتبه بعد فصل المقال وأنهاه في اشبيلية سنة 1179 ــ 1180. وعليه ــ ودائماً بحسب قمير ــ نستبعد تأليف تهافت التهافت قبل سنة 1180، وحينها كان ابن رشد في الرابعة والخمسين من عمره .

مراجع