الرئيسيةبحث

انعراج الأشعة السينية

الصفحة الرئيسية الصفحة الثقافية



الأشعة السينية تاريخ و خصائص وبنية الجزء الأول



في الثامن من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 1895 كان رونتغن (Rontgen) أستاذ الفيزياء في جامعة فورزبرغ (Wurzburg) يوصل إلى وشيعة التحريض بقطبين معدنيين موجودين في زجاجة أفرغ الهواء منها .

وكان من الممكن أن تجري هذه التجربة في أي مختبر آخر لأن فيزيائيي تلك الأيام كانوا شديدي الاهتمام بدراسة انتقال الكهرباء تحت توتر مرتفع وفي زجاجات سحب القسم الأكبر من هوائها . ففي عام 1785 استطاع مورغان ( Morgan) الحصول على فراغ شبه تام بحيث أصبح انتقال الكهرباء في الوعاء الزجاجي شبه مستحيل: من الممكن أن يكون قد حصل يومها على أشعة سينية دون أن يدري ذلك.

هذا ما كانت عليه حال العلم عندما قام رونتغن بتجربته التاريخية التي كان يسعى من وراءها إلى دراسة هذه "الأشعة" عند التقاءها بالجدران الزجاجية للأنبوبة فقد غطى الأنبوبة بالورق الأسود .

وفي الغرفة ، غرفة المخبر التي أصبحت مظلمة استطاعت عينا رونتغن بشيء من الدهشة رؤية لوحة معدنية معينة موجودة على مسافة غير بعيدة من أنبوبة كروكس وقد أصبحت شديدة اللمعان . وهذا ما حدا به للاستنتاج وعن حق بأن الأنبوبة تبعث إشعاعا غير مرئي اخترق الأوراق السوداء وأحدث الفلورة في اللوحة المعدنية.

وبعد ستة أسابيع من الدراسة المعمقة أعلن الفيزيائي غير المعروف كثيرا حتى ذلك الوقت رونتغن خلال شهر كانون الأول (ديسمبر) من العام نفسه وفي الجمعية الفيزيائية والطبية في مدينة فورزبرغ أنه اكتشف إشعاعا جديدا يمتاز بقدرة على اختراق الأجسام ويتيح الحصول على صور من خلالها . وقد سماها بالأشعة السينية (X-Rays) نظرا لأن حرفX يعني عادة المجهول في المعادلات الجبرية والأشعة مجهولة الطبيعة ولذا سماها أشعة إكس .

وفي أقل من شهر أصبحت الأشعة السينية معروفة وعمد الكثيرون من العاملين في هذا الحقل إلى الحصول عليها لدراستها وتفسير ظاهرة تولدها.

وتجدر الملاحظة إلى أنه خلال الاجتماع التاريخي الذي عقدته الجمعية الفيزيائية والطبية في فورزبورغ والذي عرض خلاله رونتغن اكتشافه وأظهر الفلورة على اللوحة المعدنية التي بحوزته نوه المكتشف بأن الأشعة السينية قادرة على اختراق الأجسام كما فعلت باختراقها للورقة السوداء المحيطة بالأنبوبة قبل الوصول إلى اللوحة المعدنية . وهذا ما جعل العام الطبيب "فان كوليكر V.Kolliker" يطلب تصوير يده بالأشعة الجديدة فكان له ما أراد أثناء عقد الاجتماع . وقد تم تظهير الصورة بسرعة واستطاع الحضور مشاهدة النتيجة المذهلة إذ ظهرت عظام اليد فقط. وهكذا تمت أول عملية تصوير بالأشعة السينية والاكتشاف ما يزال في يومه الأول. ونستطيع تصور السرعة المذهلة التي سارت عليها الأمور فيما بعد وكيف تم تطوير استعمال هذه العين الخارقة التي تستطيع اختراق جسم الإنسان وتصوير داخله.

وهكذا وأمام روعة النتيجة التي حصل عليها وقف كوليكر في القاعة وطالب بكثير من الحماس بأن تسمى هذه الأشعة بعد ذلك اليوم "رونتغن" وهذا ما هو معتمد في بعض البلدان كألمانيا مثلا. ولكن أسم أشعة اكس (الأشعة السينية ) هو الاسم الأكثر استعمالا وبشكل خاص في المؤلفات الفرنسية و الانكلوسكسونية.


1. ماهية الأشعة السينية:

استطاع الإنسان منذ القدم أن يثبت أن الضوء ينساب بخط مستقيم داخل مكان معين وينعكس على المرآة حسب قوانين ثابتة وينكسر إذا ما انتقل من جسم إلى جسم حسب قوانين ثابتة أيضا . وقد ساعد اكتشاف هذه القوانين على إرساء قواعد علم مهم ألا وهو علم البصريات الهندسية الذي ساهم مساهمة فعالة في دفع عجلة التقدم العلمي والتقني للإنسان فتمت بفضله منذ قرون صناعة العدسات والمرآيا والميكروسكوب وأجهزة رصد النجوم.. الخ. وبقيت هذه القوانين وهذه الصناعة حتى اليوم مما يعني أن ملاحظات الإنسان الآنفة الذكر تشكل تقريبا (approximation) حسن الدقة للحقيقة المطلقة.

ولم يطرح الفيزيائيون السؤال الكبير عن طبيعة هذا الضوء إلا بعد أن بدأت بعض الملاحظات الجديدة تتناقض مع القوانين المذكورة أعلاه . فلما تبين للباحثين أن الضوء إذا مر عبر فتحة صغيرة ينتشر عند خروجه منها وكأن الفتحة هي مصدر الضوء فعرفوا أن قانون الإنسياب بخط مستقيم هو قانون قد يكون صحيحا وكافيا في بعض الميادين والتجارب ولكنه بالتأكيد قاصر عن تفسير كل الظواهر.

وبعد دراسة معمقة لكل خصائص الضوء اضطر الباحثون للتعلق بفرضية جديدة تقضي بأن الضوء هو عبارة عن موجة تنساب في المكان دون أن يكون بالإمكان تحديدها بنقطة وأن هذه الموجة(أو ذبذبتها ) يحدد لون الضوء. ولقد حال توزع الموجة في المكان وانتشارها دون حصر الطاقة بنقطة معينة مما جعل تفسير الظاهرة الكهرضوئية صعبا.

إذا أرسلنا ضوءا إلى مادة صلبة فمن الممكن في بعض الحالات أن يحرر الضوء الكترون من الجسم الصلب .وهذا يعني أن الضوء حمل معه طاقة كافية لسلخ الالكترون عن الذرة . ومن الضروري أن تكون هذه الطاقة محصورة قي مكان صغير ( هو حجم الكترون ) وهذا ما يتناقض مع الطبيعة الموجية.

وحدت هذه الظاهرة الفيزيائيين على طرح نظرية جديدة تقضي بأن الطاقة لا تنساب مع الضوء بشكل مستمر وغير متقطع وبأن الضوء مؤلف من حبيبات ضوء يسمى واحدها فوتون "Photon" تحمل الطاقة. وفي وسع هذه الفرضية تفسير الظاهرة الكهرضوئية ولكنها لا تستطيع تفسير ظواهر أخرى كالحيود مثلا. بينما تستطيع فرضية الطبيعة الموجية للضوء تفسير ظاهرة الحيود وتعجز عن تفسير ظاهرة (Compton) أو الظاهرة الكهرضوئية وهذا يعني أن الفرضيتين هما وجهان لحقيقة واحدة وأنه يحسن استعمال هذا الوجه أو الآخر حسب ميدان العمل . وهذا ما حدا الفيزيائي الفرنسي دوبرويل "De Broglie" للقول:"الموجات والجسيمات متصلة اتصالا وثيقا في الطبيعة وعلى الأقل في حالة الضوء ".

للضوء إذا طبيعة موجية وموجته كهرومغناطيسية يمكن تمييزها بطول الموجة "λ " لمدا أو ذبذبتها . تجدر الملاحظة إلى أن طول الموجة يساوي حاصل قسمة سرعة الضوء C بالذبذبة N:

λ = C/N

إن الجسم المضيء الذي يرسل ضوءا ما ذا ذبذبة معينة يستطيع أن يمتص ضوءا له نفس الذبذبة . وهذا ما دفع الفيزيائي"Planck “ بلانك للقول بأن الطاقة المنبعثة من الضوء أو الممتصة لا يمكن أن تتغير إلا بكميات متقطعة. وأصغر كمية طاقة أو حبيبة طاقة تساوي حاصل ضرب ذبذبة الموجة بثابت دائم "ثابت بلانك".

E=Hn

وللأشعة السينية نفس طبيعة الضوء أي أنها موجة كهرومغناطيسية تختلف عن موجة الضوء المرئي بطول الموجة فقط إذ أن ذبذبة أي أشعة سينية أعلى من ذبذبة الضوء المرئي وبالتالي فإن الطاقة التي تحملها أكبر من تلك التي يحملها أي ضوء مرئي وتجدر الملاحظة إلى أن كل ما قيل حول ازدواجية طبيعة الضوء (موجية وجسيميه) يبقى صحيحا في ميدان الأشعة السينية.

إن كل قوانين البصريات الهندسية والبصريات الفيزيائية تسري على الأشعة السينية مع بعض المميزات الخاصة والمتعلقة بتعامل الأشعة السينية مع المادة نظرا لقصر طول الموجة "وضخامة" كمية الطاقة التي يحملها الفوتون السيني نسبيا: فطول الموجة السينية يوازي تقريبا قطر الذرة من ناحية والمسافات بين الذرات المتواجدة في المادة الصلبة من ناحية ثانية.

والطاقة التي تحملها حبيبة س موازية للطاقة اللازمة لاستخراج الكترون من الطبقات الداخلية في الذرة بينما الطاقة التي تحملها حبيبة الضوء العادي ( الفوتون ) توازي الطاقة اللازمة لفصل الكترون من الطبقات الخارجية.

وتجدر الملاحظة إلى أن مسار الأشعة السينية لا ينكسر عمليا عند مروره من مادة إلى مادة أخرى كما هو الحال بالنسبة للضوء المرئي وهذا يعني أنه لا يمكن صناعة عدسات خاصة بالأشعة السينية .

وبالرغم من الكثير من الصعوبات فقد استطاع العلماء صناعة مرايا عاكسة للأشعة السينية. وقد استخدمت هذه المرايا في ميادين عديدة خاصة في الميادين التي تحتاج لحصر كمية كبيرة من الضوء السيني في مساحة متناهية الصغر.

إن طول موجة الأشعة السينية أقصر بكثير من طول موجة أي أشعة مرئية . كما أن طول موجة الأشعة السينية يختلف حسب طبيعة معدن المهبط.

تجدر الإشارة أن وحدة القياس المستخدمة لقياس طول الأشعة السينية في هذا الميدان هي الأنغستروم "Angstrom:A” والتي تساوي جزءا من مئة مليون من السنتمتر.

إن التشابه من حيث الطبيعة بين الضوء وبين الأشعة السينية والفارق بينهما من حيث طول الموجة . طرحا بسرعة إمكانية استعمال هذه الأشعة لفحص ودراسة الأجسام المتناهية الصغر وخاصة الذرات والجزيئات حيث أن طول موجة الأشعة السينية يوازي تقريبا قطر الذرة ولكن عند الشروع بدراسة تركيب الأجسام الصلبة بهذه الطريقة يجب أخذ كل الاحتياطات اللازمة لتفسير نتائج التجارب تفسيرا صحيحا.



3. خصائص الأشعة السينية :

نستطيع أن نستنتج مما سبق بعض خصائص الأشعة السينية ولكن من أجل حصر أهم هذه الخصائص يمكننا ذكر تلك التي ساهمت في توضيح طبيعتها وفي تطور استعمالها في شتى الميادين.

ــ الأشعة السينية تنساب بخط مستقيم وبسرعة مساوية لسرعة الضوء.

ــ لا تتأثر بوجود حقل مغناطيسي أو حقل كهربائي وهذا ما يدل على أنها لا تحمل أي شحنة كهربائية.

ــ يتغير طول موجة الأشعة السينية بحسب طبيعة معدن المهبط بين جزء من ألف من الأنغستروم وبين ألف أنغستروم.

ــ تؤثر على أفلام التصوير.

ــ تسبب فلورة أو فسفرة بعض الأجسام.

ــ لها تأثير كيمياضوئي .

ــ تستطيع جرح أو قتل الخلايا الحية وأحيانا إحداث تغيرات عضوية فيها.

ــ تتمتع كالضوء بازدواجية الطبيعة بحيث أنها تبدو في بعض الميادين كالموجة( الحيود مثلا ) وفي بعضها الآخر كمجموعة حبيبات طاقة قادرة على تحرير الكترون أو أكثر في بعض الأجسام الصلبة محدثة بذلك تيارا كهربائيا.


إن تنوع الخصائص إلى جانب تلك التي لم تذكر هنا أوجد العديد من التطبيقات المهمة . ويكفي أن نذكر على سبيل المثال الخدمات الجلية التي تقدمها الأشعة السينية في ميادين التصوير الطبي وفي ميدان دراسة تكوين الأجسام الصلبة وكيفية ترتيب الذرات داخلها . ونستطيع القول بأن عددا من هذه التطبيقات يدخل في ميادين الفيزياء والكيمياء والهندسة والطب والصناعة. إن السير نحو توحيد النظرية العلمية عند الإنسان يلاحظ بشكل واضح من تطور الأبحاث الأساسية في ميدان الأشعة السينية . فالفيزيائي الذي يستعمل الأشعة السينية في ميدان الأجسام الصلبة مضطر للإلمام بالكثير من النظريات الكيميائية خاصة فيما يتعلق بطبيعة الرباط بين الذرات داخل الجسم الصلب وبالتالي كمية الشحنة الكهربائية (أو عدد الالكترونات) المركزة في كل ذرة .

سنتطرق قبل البحث في أنواع الأشعة السينية إلى دراسة التركيب الذري للأجسام.


انتهى الجزء الأول


المرجع :

"الأشعة السينية وبعض تطبيقاتها "

د. محمود نصر الدين

إعداد : نور المصري الأردن